الحضارية «دراسات شرقية غربية»
السبت: 18/08/2007

قراءة نقدية للاستشراق(2/2)

د. صلاح الجابري(*)
(خاص للمعهد)

التاريخ والمنهج الفرضي
إن تعليل الأحداث التاريخية وفقا لافتراض مسبق يعد خطئا شنيعا في البحث العلمي. فالباحث الذي يتناول موضوعه بافتراض واقعية قبلية هو في الحقيقة يحدد هدفه بشكل مسبق. فيصبح بحثه مجرد ذريعة لتبرير ذلك الواقع الفرضي، فيستنطق ذاته، ثم يلوي عنق الأحداث لكي تنسجم معها.
ذلك إن أي فرض إذا كان مصحوبا بقناعة مسبقة فسيكون مصادرة وليس فرضا قابلا للخطأ، مصادرة لقضية أو نظرية مأخوذة مأخذ المسلمات أو البديهيات. وسيكون مجمل البحث الذي يراد منه تبرير ذلك الفرض المزعوم هو في حد ذاته موجَّها بالمصادرة بل سيكون البحث التفصيلي مجرد نتيجة لازمة عن التصديق القبلي بتلك المصادرة. وهذا يعني إنه لا يوجد بحث علمي.
أما إذا كان الفرض مجرد إجراء مؤقت لتوجيه البحث، وكان يعبر عن قضية مشكوك فيها تحمل في ذهن الباحث احتمال قيمتي الصدق والكذب، ووقف حياديا تجاهها، وترك للأحداث التاريخية الوقائعية والثقافية مهمة الإثبات والنفي من دون تدخل لتبرير المتناقضات، فهذا النوع من الفروض مفيدة وعلمية، وهي كالفروض المستخدمة في العلوم الطبيعية.
ولكن الفرضيات المسبقة إذا كانت طريقة ناجحة في العلوم الطبيعية وكانت سببا في تطور المسعى العلمي، فهي سرعان ما تنزلق في البحوث التاريخية والعقائدية إلى أن تتخذ موقع المسلمات اليقينية. والفرضية في العلوم الطبيعية مجرد توقع أو تخمين تأملي يفصل فيه التحقق التجريبي إثباتا أو نفيا وربما تحييدا. إلا أن التجربة التحقيقية (الإثباتية) في علم التاريخ هي وقائع وأحداث ماضية، وهذه الوقائع قابلة للتأويل، ومصدر اختلاف الآراء فيها هو القناعات الموروثة، كما يمكن التلاعب بها لخلق منها مادة تؤيد كل فرض أو قناعة مسبقة لكل باحث.
التاريخ المكتوب ملك للجميع، ومن منطلق منهجي نقول إنه في حد ذاته لا يعكس الواقع، وإنما هو مجرد أرضية لصناعة الأفكار والنظريات حول الواقع، ويجب أن يتعامل معه الباحث على أنه عالم ذهني ليس بالضرورة له مصداق واقعي، فعالم صناعة المفاهيم على أرضية التاريخ هو عالم مثالي وليس واقعيا، وهو في هذه الصورة فقط يمكن تحقيق قدر من الاتفاق العلمي حوله، لكنه ما أن يؤخذ في ذهن الباحث على أنه واقع خارجي حتى تبرز الفروض المسبقة والتحيّزات والاختزالات. أقول في هذه الحالة فقط نستطيع أن نصنع منه واقعا جديدا له امتداد حقيقي في التاريخ نفسه ومنسجم مع تطورات العصر ومتغيراته، وحينئذ فقط نستبعد النزعة السلفية بمعناها اللاعقلاني.
وباختصار فإن الفروض المسبقة إذا كانت مصحوبة بالقناعات المقررة مسبقا، مرفوضة علميا، لأنه لا توجد في علم التاريخ فروض غير قابلة للإثبات ـ إذا ميزنا بين الإثبات بمعنى التبرير النظري، والإثبات بمعنى التصديق الواقعي ـ مادام من الممكن إيجاد مبررات مختلفة للأحداث والوقائع التي تشكل مادة البحث التاريخي.
ولو قارنا بين مادة العلوم الطبيعية ومادة البحث التاريخي لأدركنا الفارق بينهما. فنجد طريقة الفرض العلمي طريقة مثمرة في العلوم الطبيعية؛ لأن الفرض هنا ليس مقدمة يلزم عنها البحث، بل سيصبح عما قريب نتيجة علمية للبحث، بينما هو في البحث التاريخي إجراء غير محكم وغير موضوعي؛ لأنه سرعان ما يصبح هدفا للقناعات المستقرة في ذهن الباحث فتتلبس القناعة بالفرض فتصبح مصادرة أو مسلمة وليس فرضا، وسيكون البحث مجرد نتيجة لازمة للتصديق بذلك الفرض أو القناعة المسبقة.
يسقط في هذا الخطأ المنهجي باحثون مختلفون، فهو خطأ شائع في الدراسات التاريخية والعقائدية لأصحاب المذاهب المختلفة في الإسلام، فأصبح التاريخ مادة لصنع المذاهب.
كما سقط في هذا الخطأ المنهجي الكثير من المستشرقين، فجاء واضحا في تقييماتهم وأحكامهم النهائية للتاريخ الإسلامي والعقيدة الإسلامية.
ويسقط فيه اليوم الكثير من العلمانيين المسلمين، سواء منهم تلامذة المستشرقين، أو العلميين المستقلين.
على سبيل المثال محاولات المستشرقين والعلمانيين العرب التركيز على العوامل المادية قبيل الإسلام (دينية واجتماعية أو اقتصادية…الخ) واتخاذها محورا في تفسير الكيان الإسلامي، واتخاذ ذلك ذريعة لإنكار الأصل الإلهي (الوحي) للرسالة، بدعوى إن ذلك يخل بالترابط الطبيعي للأحداث ويشل الفهم العقلاني لها. وقد بينّا في كلامنا السابق عن المنهج العلمي إن اتخاذ العوامل المادية مقدمة لفهم الأحداث التاريخية لا يتصادم مع البعد الإلهي والرباني للحركة التي تقود الأحداث. فلا يلزم من إسهام العوام المادية والثقافية إلغاء البعد الإلهي أبدا. لأن المصدر الإلهي نفسه لم يلغ العوامل المادية ولم يدّع ذلك أبدأ، والقرآن نفسه لم يطرح نفسه بديلا عن العوامل الطبيعية والإنسانية، وإنما طرح نفسه بوصفه كتاب هداية، بل إن تلك العوامل بنفسها كانت هدفا للتنظيم والاستثمار في المنظور الإلهي.
فتلك المحاولات وإن أصابت في بعض الجوانب إلا أن البنية النهائية لها ليس صحيحة. والخطأ في البنية إذن، أما الجزئيات داخل البنية فبعضها صحيح وبعضها الآخر خطأ، ذلك لأنها استبعدت أصل انبثاق الحركة الجوهرية لتلك السلسة السببية وذلك بتجاهلها العامل الجوهري لذلك الانبعاث (الحركة الجوهرية) الذي لا يتكافأ منطقيا أو واقعيا، مع العوامل المادية السابقة عليه، وهذا ما سوف نوضحه في الموضوع القادم من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى.
إنّ تصور فرضية مناقضة للأولى، في الميدان التاريخي، أمر ممكن تماما، بل سوف تحصل الفرضية المناقضة على تأييد وقائعي بمستوى لا يقل عن الفرضية الأولى، إذن كل فرضية في التاريخ يمكن إثباتها ما دام النظر متجهاً إلى التاريخ بوصفه واقعا (ركاماً من الوقائع المتنوعة والمتضاربة)، وهذا يعني إن الطريقة الفرضية غير صحيحة ما دامت القضايا المتناقضة قابلة للإثبات.
ما هي العوامل التي تجعل كل فرضية مسبقة يمكن تسويغها تاريخيا؟ نحن نعرف بأن المادة العلمية التي يمكن استخدامها في التحقق العلمي في علم التاريخ هي الوقائع التاريخية، وهذه الوقائع ليست حية فاعلة في الغالب، ولذلك فهي لا تمتلك واقعاً حضوريا وإنّما هي أفكار مسجلة قابلة للتأويل، فهي تمتلك واقعا ذهنيا فحسب، وكلما أوغلت في القِدَم تعقّدت عملية معالجتها وفق أدوات البحث الموضوعية. النقطة الأهم هي إن إجراء الفرض المسبق (القناعة المسبقة) غالبا ما يُعَبِّر عن طموح صاحبه، وغالبا ما يكون وعاءً معبَّئاً بشحنات نفسية أملتها ظروف خاصة وتوجهات عقائدية وفكرية. وهذا ما يؤدي بصاحب الفرضية ـ من أجل تحقيق فرضيته ـ إلى احتمال السقوط في ثلاثة محاذير هي:
1 ـ الانتقائية: يقرأ التاريخ بعين واحدة، فهو لا يرى إلا الزاوية الملائمة للرؤية، متجاوزاً زوايا النظر الأخرى التي تكمل الشكل الهندسي الحقيقي (الفكرة الموضوعية).
2 ـ التأويل المتعسّف أو المتحيّز، فلمّا كانت الذائقة متجهة نحو التبرير لا إلى البرهان فمن الطبيعي أن يتم تحوير الأشكال وإعادة مفصلتها لإلباسها شكل الفرضية واتخاذها مصداقا لها.
3 ـ الاختزال: إن وجود المتناقضات في التاريخ يعرّض الباحث إلى الوقوع في خطأ الاختزال، بسبب تحكم القناعات الموروثة وتعامله مع جزء من التاريخ بوصفه واقعا حقيقيا، فيحدد التاريخ بذلك الجزء أو الجانب ويستبعد الآخر عن مسرح التاريخ، وربما يلتمس لهذا الجانب الملغى أسبابا افتراضية أو خارج التاريخ المقروء نفسه.
4 ـ اللاموضوعية: الخطوات الإجرائية السابقة تدل على أن الموضوع الذي يطرحه الباحث لا يوجد إلا في ذهنه، وأن محاولاته لا تعدو سوى عملية اختلاق لموضوع غير موجود، فيعامل ما هو ذهني اعتباري معاملة الواقعي الحقيقي، فتختلط لديه المفاهيم الاعتبارية بالمفاهيم الحقيقية؛ وهذا هو السبب في إسقاط المفاهيم الأسطورية والوهمية على الواقع. ولا تختلف عمليات التبرير والانتقاء عن إسقاطات عصابي يعاني من هلوسة دائمة. ويبدو إن اللاموضوعية هنا مزدوجة، الأولى هي التي ذكرناها توّاً وهي ذاتية الموضوع ومعاملة الذاتي معاملة الواقعي، والثانية، اللاموضوعية المنهجية التي تسببها المسبقات العقدية والفكرية والنفسية.
والاعتراض هنا هو كيف يمكن أن يكون الموضوع ذاتياً في حين هو يمثل الواقع التاريخي؟ قد يبدو، للوهلة الأولى، إن الموضوع الحقيقي هو التاريخ، لكن الحقيقة إن الطريقة الفرضية والمحاذير الثلاثة المذكورة أدت إلى تصوير موضوع لا وجود له في التاريخ الحقيقي على فرض وجود تاريخ حقيقي من الناحية المنهجية. فالمبررات والتفسيرات والمصاديق عملت سويا لخلق تصور غير متجذّر في الواقع التاريخي، وانما هو في الحقيقة معلَّق في الوعي ولا يمتلك أركان ثابتة. وهذا هو عين أسلوب التمثيل الذي اتبعه المستشرقون في تصوير الشرق عموما، والشرق الإسلامي على الخصوص، وقد تحدثنا عنه في بداية بحثنا، وهو أسلوب لا يعبر عن واقع العالم الإسلامي كما هو في الواقع، بل كما يحمله المستشرق في ذهنه مسبقا، أو ما يرسمه له المنهج المستعار بالنسبة لتلامذة المستشرقين من المسلمين.
ومن منطلق منهجي ألغينا صفة الواقعية للتاريخ؛ من أجل تجاوز الفرض المسبق والقناعات المسبقة التي ترسم واقعا حقيقيا بشكل مصادرة، ثم توجّه البحث بشكل قسري نحو إثبات ذلك الواقع. والواقع التاريخي الذي يمكن أن نعترف به علميا هو ذلك الواقع الذي يأتي نتيجة للبحث العلمي الموضوعي، ولهذا الغرض العلمي أجزنا لأنفسنا التعامل مع المادة التاريخية في بداية البحث على أنها واقع ذهني أو افتراضي نترك للعقلانية العلمية والموضوعية مهمة تقريره بمعزل عن أي قناعات مسبقة.
ونحن نعلم إن التاريخ يحتوي على تناقضات عدَّة وسيحصل إرباك للعقل والمنهج إذا عوملت على أنها واقعية، ولا سبيل للعقل إلى التخلص من هذه التناقضات إلا إذا اعتبرها ترجيحات ذهنية محك النظر فيها البرهان العلمي والأدلة الرافعة للتناقض. أما الاختزال القبلي الذي يرفض أحد الأطراف المتناقضة مسبقا، ويصادر الطرف الآخر، ثم يجند البحث لإثبات الطرف الذي اختاره كقناعة مفترضة، فهو أمر يقع خارج إطار البحث العلمي، ويمكن أن يصنف ضمن البحوث الكلامية والمذهبية السجالية، التي ملأت تاريخنا الفكري ضجيجا فارغا، وهذا ينطبق على الباحث الذي يختار الطرف النقيض أيضا.
أما البحث العلمي الموضوعي فهو ذلك المشروع العلمي الذي يتعامل مع أطراف تلك النقائض على اختلافها وتنوعها على أنها قيم ممكنة، ما لم يفصل فيها البحث العلمي. حينئذ فقط يمكن للبحث أن يكون حرا، وأن يكون الذهن مستعدا للظفر بالحقيقة. لا حظ إننا لم نقل يظفر بالحقيقة، وإنما فرضنا مجرد الاستعداد، والحقيقة ستقودنا إليها الخطوات، المحكومة بالقواعد العقلية، التي نتبعها في تعقبها. وعلى كل حال من دون هذا الاستعداد لا يمكن أن نطمئن لأي بحث أو نصفه بأنه موضوعي.
نقد المنهج التاريخي ـ الاستشراقي
إذا كان المنهج التاريخي يعني، في معناه العلمي، الاهتمام بالسياق التاريخي للأحداث وليس من وظيفته تناول منابع الكشف عن القضايا والمبادئ التي حركت الأحداث وساقتها إلى أهدافها، وإنما البحث في تلك القضايا والمبادئ كمعطى فحسب، حصل على مسوغاته الواقعية لاحقا، فإن أي أحكام معيارية تقيس القضايا والمبادئ (المحركات التاريخية) بمنابعها الكشفية هي أحكام تقع خارج إطار المنهج العلمي، ولا يمكن وصفها بالمنطقية أو العلمية.
إن الذي فعله المستشرقون مع الفكر والعقيدة والتاريخ في الإسلام هو أنهم تجاوزوا المنهج التاريخي ليتناولوا بتقييماتهم موضوعات سيكولوجية تقع خارج إطار المنهج، ولو أنهم حددوا أطر البحث وفقا للمنهج، لما انزلقوا إلى تلك الأوهام والتخيلات الخاصة بمنابع الكشف.
والحق أن الفكر الغربي الحديث استخدم المنهج العلمي التاريخي في تقييم التراث الديني للغرب، وقدم دراسات نقدية وتصحيحية للكتب المقدسة وللأحداث التاريخية المحيطة بها، لكن هذه الدراسات النقدية لم تمس بشكل مباشر الأصل الإلهي لتلك الكتب المقدسة، وإنما اقتصرت على الظروف المحيطة بها وعلاقة الإنسان بها. ولذلك لم ينتهي الفكر الغربي إلى إنكار الأصل السماوي للمسيحية واليهودية وبقي المجتمع الغربي معتقدا بالأصل السماوي لدينه وعقيدته، لكن الذي نجح فيه الفكر الغربي بالفعل هو تجريد الواقع العملي والفكري من المؤثرات الدينية، وعزل المعتقدات في أماكن العبادة فقط، ولم يسمح لها بأي دور في صنع الحياة العامة، أو الإسهام المباشر في النظام العام، وقد نجح أيضا في تحرير السلوك الفردي من تأثير الدين، وهذا أمر واضح في الحياة العامة للغرب.
ولكنه عندما تناول الإسلام لم يقتصر على الدعوة إلى عزل الدين عن النظام والمؤسسات العامة، وإنما انزلق إلى إنكار الأصل الإلهي للقرآن، فراح يفتش عن علامات يهتدي من خلالها إلى إثبات ذلك، فتراه يتخبط بين محاولات التحليل الفيلولوجي(اللغوي)، والتحليلات النفسية تارة أخرى، كما حدث في إنكاره للنبوة والوحي، والعناية بطبيعة الحياة العربية قبيل الإسلام تارة ثالثة، وكان عليه أن يوفر جهده ولا يجنح إلى أحكام خارج إطار المنهج، ويقتصر على دراسة الظروف التاريخية والاجتماعية التي رافقت الدعوة الإسلامية من دون الانزلاق إلى استنتاجات مثالية خارجة عن إطار المنهج.
يجب أن نميز إذن بين دعوى عزل الدين عن مسرح الحياة والمؤسسات العامة، وبين دعوى إنكار الأصل الإلهي للدين الإسلامي. والحقيقة أن الاستشراق كان مترددا بين الاثنين، فهو يريد أن يبرهن على الاثنين معا، مبتدئا بالإنكار ومنتهيا إلى إلغاء الدين من الحياة العامة، ونحن لا نفهم من الحياة العامة إلا النظام المؤسساتي للدولة؛ لأن الذي يؤثر في حياة الإنسان العامة ويوجهها هو النظام المؤسساتي للدولة.
أما العلمانيون المعاصرون فلا يتعرضون إلى الأصل الإلهي للدين الإسلامي، وإنما يقتصرون على الدعوة الأولى وهي عزل الدين عن الدولة. وبما إننا نعني في هذا الدراسة بالاستشراق لذلك لا ننوي مناقشة آراء العلمانيين هنا وسنتركها إلى دراسة أخرى أعددناها لهذا الغرض.
ونشدد القول على أن المنهج العلمي التاريخي ليس من أهدافه البحث فيما إذا كانت الأصول إلهية أو مادية، وإنما العناية بسياق الأحداث والأفكار، وقياس مشروعيتها بمدى جدارتها في إثبات ذاتها بمنطق العقل، ومدى كفاءتها في تحريك الأحداث التاريخية وتغيير الواقع. وكما ذكرنا في موضوع سابق إن الكفاءة المنطقية لا تتحدد بمنابع الكشف، وإنما تقاس بالبينة النظرية المقدمة لإثباتها، وهو أمر غير مرتبط بما إذا كانت تلك الأفكار والمبادئ إلهية أو مادية.
وقد شكل انحراف المستشرقين عن إطار المنهج مفارقة كبيرة في التطبيق. فإذا كان سبب إنكار الأصل الإلهي للوحي الإسلامي هو المحافظة على روح العقلانية العلمية المبنية على الترابط الحتمي بين الأحداث التاريخية، والإدعاء بأن إضافة العوامل الميتافيزيقية يفكك ذلك الترابط الذي يحكم مسار حركة التاريخ، فإننا أثبتنا فيما سبق وهم هذا الاعتقاد، وخطأ الفهم المبني عليه، فلماذا لا يفكك الاعتقاد بسماوية المسيحية واليهودية ذلك الترابط؟ وإذا كان السبب هو إيجاد مبررات تاريخية، مثل التماس بعض جوانب التشابه بين القرآن والكتب المقدسة عند المسيحيين واليهود، للاستنتاج منها بأن القرآن كُتِبَ على ضوء تلك الكتب السابقة، فهو ادعاء ينطوي على سوء فهم كبير، بل على جهل بتراكيب العربية وأساليبها، وقد بدا هذا في المقارنات التي عقدوها بين بعض آيات القرآن وآيات مقتبسة من الإنجيل والتوراة(1). وإذا علمنا بأن القرآن أشار في مواضع عدّة إلى تعليمات الإنجيل والتوراة والزبور، ولم يدّع إن ما جاء به يختلف عما جاء به الأنبياء السابقون، فإن هذا يجعل دعوى المستشرقين السابقة بلا معنى.
ويتضح جليا للمطلع على التاريخ الإسلامي مدى انغماس المستشرقين في خيال سلبي لا صلة له بالواقع الإسلامي، وملابسات الأحداث التاريخية فيه، وبالحياة العربية قبيل الإسلام. وقد اعترف أحد المستشرقين بركاكة المنهج الفيلولوجي لا سيما في تلك الحقبة التي ظهرت فيها أمثال هذه التصريحات والنتائج، قائلا: (.. فالفيلولوجي المستعرِب (الذي تعلم العربية) أو المختص باللغة الصينية يختص بدراسة الحضارتين اللتين كُتِبتا بتلك اللغتين. وبالتالي يمكن لهذا الفيلولوجي أن يكتب في علم الفلك والسلالات الحاكمة والآداب وكل شيء خاص بالبلدان المعنية .. وكان هذا يعبر عن حاجة إجبارية بسبب غياب المختصين الحقيقيين بهذه المجالات الدقيقة وغياب ذوي المعرفة العميقة باللغتين العربية والصينية، وبسبب افتقار هؤلاء إلى منهجية أخرى غير المنهجية الفيلولوجية وعدم تمكنهم من اللغة جيدا كانوا غير كفوئين)(2).
يؤدي منهج المستشرقين إلى نتائج مختلفة حتما قبالة الوعي المرتكز إلى العامل الميتافيزيقي، ولكن نتائجه ليست موضوعية بالضرورة، فالانسجام مع المقدمة لا يؤخذ معيارا للموضوعية، والوعي التاريخي المرتكز إلى عقلانية العوامل المادية ـ التاريخية يؤدي بالضرورة إلى نتائج منسجمة مع أدواته، ومفرغة تماما من كل عنصر ميتافيزيقي، ولذلك فالمنهج التاريخي في معناه الغربي ـ الاستشراقي هو في الحقيقة مقدمة ليس لاستبعاد الدين الإسلامي عن مسرح الحياة، وإنما لعلمنة وطبعنة الإسلام وهو أمر تضمن إنكاراً لأصله الإلهي، وليس في هذا أمانة للمنهج العلمي؛ لأننا نميز بين محاولات أنسنة الفكر الديني وتشغيل المفاهيم، وبين محاولات طبعنة الفكر التي تتضمن عقلنة سلبية تلغي الأصول وتحل محلها جذراً تاريخيا مختلفا وغير منسجم.
إضافة إلى ذلك كان ينقص ذلك المنهج مقوّمات عديدة منها الاطلاع العميق على وضع العرب قُبيْل الإسلام من النواحي الدينية والاجتماعية والاقتصادية، ومقارنة ذلك بالتحول الشامل في طبيعة الحياة في الجزيرة العربية. إن تلك المقارنات ستكشف عن فجوات واسعة في المنهج التاريخي تعجز العوامل المادية عن ملئها، أو تفسيرها، وهذا ما نفسره في موضع قادم من هذه الدراسة.
كما إن غياب الإحاطة بالشعور النفسي المصاحب للمرحلة التاريخية يؤدي إلى افتقاد الكثير من مقومات الفهم الموضوعي لتلك المرحلة. ولعل الوضع أسوء إذا كان البديل لذلك الشعور النفسي الخاص، والمادة التي ملأت تلك الفجوات، هو الشعور الأوربي ـ المسيحي، بثقله التاريخي المعبّأ بشحنة سلبية تجاه الدين الإسلامي. ولك أن تتخيل مدى إساءة الفهم والاسقاطات النفسية التي ستتحملها تلك المرحلة التاريخية بوقائعها الدينية، والسياسية، ولذلك لا يمكن للمنهج التاريخي الفاقد لمقومات الموضوعية أن يأتي بنتائج منسجمة مع أساسيات الدين الإسلامي، وخصوصية الحضارة الإسلامية، فهو إذن لا يمكن أن يكون إلا المنهج التاريخي الغربي الموجّه بالمكوِّن النفسي الأوربي ـ المسيحي، وهذا يتقاطع مع الموضوعية ولا يوازيها.
النقطة الثانية في موقفنا من المنهج التاريخي عند المستشرقين، هي أننا لا ننكر أهمية هذا المنهج، والنتائج العلمية التي قد يؤدي إليها، ولكن يجب أن نعلم أن الإنتاج الموضوعي لأي منهج ليس خاصية ذاتية للمنهج، إنما ذلك لا ينفصم عن الاستخدام السليم له، الخالي من التحيّز والأحكام المسبقة، وهذا مشروط بمقومات تتعلق بالوعي الموضوعي وطبيعة الرؤية، بمعنى آخر، إن الوعي غالبا ما يخضع لتأثير الأحكام المسبقة التي تفترضها الأيديولوجية المحدِّدة للرؤية، وفي مثل هذه الموضوعات غالبا ما يفشل الوعي في تفريغ ذاته من تلك الأحكام؛ لأنها آليات عمل لا شعورية، وهذا عائق موضوعي يقف حائلاً دون الوصول إلى رؤية واقعية للموضوع المدروس. وإذا قارنا هذا العائق، بذلك الذي افترضه المستشرقون ضد الدارسين الإسلاميين، وهو عائق القداسة، لرأينا إن هذا العائق الأخير هو في الحقيقة موقف سيكولوجي يستمد وجوده من علاقة سيكولوجية تقع خارج إطار المنهج، لكنه يمكن أن يشكل عائقاً بالفعل فيما لو افترضه الإنسان مسبقا كمقدمة في البحث العلمي.
ولذلك لا يمكن أن يتأسس نفي القداسة، بوصفه موقفا سيكولوجيا، تجاه الدين الإسلامي وتراثه، على أساس إنكار حقيقة المصدر السماوي للإسلام كما فعل المستشرقون، وإنما يجب أن يستند على أساس منهج يقتضي استبعاد المصادرات في البحث العلمي التاريخي، ومن تلك المصادرات القداسة.
لا اعتقد إن أطروحتنا الأساسية هي إثبات إننا موضوعيين في دراسة تراثنا، ففي داخل إطار الفكر الإسلامي نفسه تتداخل عوامل معقدة في تحديد المواقف وبلورة الرؤى، لكن أطروحتنا الأساسية هي إثبات أن الأوربيين (وأعني المستشرقين) هم اقل موضوعية بكثير جدا مما يتصورون أو يدَّعون، وإن احتكار الطابع العلمي ـ الموضوعي مقولة قبلية فاسدة، يراد منها لفت أنظار المثقف المسلم إلى ضرورة تبني آليات الفكر الأوربي بطابعه التاريخي الخاص، ولذلك افترضوا العلمية والموضوعية في المثقفين العرب الذين انساقوا وراء دعوات الاستشراق ومنهجياته، واصفين كل مخالف لهم في الرؤية والمنهج بأنه غير علمي.
الحل الفلسفي
من المقومات الأساسية التي يجب أن يستند إليها تطبيق المنهج التاريخي هي الأسس الفلسفية الموضوعية، بمعنى آخر انسجام المنهج مع قوانين العقل الفلسفية المسوّغة لكل استدلال موضوعي، مثل مبدأ العلية، ومبدأ الانسجام بين العلة والمعلول، ومبدأ عدم التناقض وغيرها. يلزم من مبدأ العلية إن النتيجة يجب أن لا تتجاوز سببها؛ فالنتيجة إما مساوية لسببها أو أقل منه، وهذا ما يسمى بمبدأ الانسجام بين العلة والمعلول الذي يمكن صياغته إيجابيا بالشكل الآتي: من الضروري أن يكون في السبب من المقومات ما يكفي لأحداث نتيجة اقل منه أو مكافئة له؛ فإذا تجاوزت النتيجة مجموعة العوامل المحدِّدة كسبب لها، يجب البحث عن عامل آخر هو سبب هذا الفراغ المنطقي بين النتيجة وسببها المفترض لها.
وإذا تأملنا المرحلة التاريخية قُبَيْلَ الإسلام، بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بوعي فلسفي موضوعي (معيار الانسجام بين العلة والمعلول)، لا يمكن عدَّها سبباً كافياً لظهور الإسلام ديناً وحضارةً، ولا يمكن لتلك الأبعاد أن تفسر التحول الهائل بمرافق الحياة المختلفة بُعيْد الإسلام. إذن هناك فارق يفرض نفسه بقوة على وعينا بتلك الرابطة السببية، ذلك الفارق هو عدم التكافؤ بين النتيجة وسببها.
إن العامل المفقود في التكافؤ بين السبب والنتيجة (الإسلام والعوامل المادية السابقة عليه)، وتفاعل الإسلام مع المحيط العالمي هو الوحي السماوي الذي أسرع من حركة التاريخ المتباطئة في شبه الجزيرة العربية، وإن العامل الأساسي في التكافؤ بين السبب والنتيجة في ظهور الحضارة الإسلامية هي القيم السماوية، ولذلك فان التفسير الموضوعي لوقائع وأحداث التاريخ الإسلامي لا يمكن أن يعزل تلك الوقائع عن مساهمة عاملي الوحي والقيم الموحى بها.
وهذا التفسير لا يلغي أهمية العوامل التاريخية ـ الطبيعية، (الاجتماعية والاقتصادية والثقافية)، إنما يرتكز التفسير على الوعي بعدم تكافؤ هذه العوامل مع النتيجة. إنّ تلك العوامل كانت بطيئة الحركة إلى حدٍّ يمكن تشبيه خط تحركها القاعدي بالخط البياني لحركة قلب إنسان محتضر، إنها حركة ضعيفة غير بيّنة، ولا يمكن منحها صفة الخالقية إطلاقا، وهي أقل بكثير من أن تنتج ذلك التحول الهائل الذي حدث في الجزيرة العربية في فترة قصيرة جداً. ومع الأخذ بنظر الاعتبار تلك العوامل وخط تحركها القاعدي، فإنّ الوحي السماوي هو العامل الجوهري الذي أنعش حركة التاريخ المتباطئة بكل أبعادها المذكورة، والذي رفع مستوى تحركها القاعدي إلى ذروته، مما أدى إلى تسريع التحول، بمعنى آخر إنّ الدافع لحركة التاريخ لم يتجرَّد كلياً من عوامله الطبيعية، ولكن في الوقت نفسه لم يستبعد المساهمة الجوهرية للسماء في رفد الحركة الطبيعية، وتلك المساهمة هي التي استقطبت العوامل الطبيعية، وأسرعت من حركتها، لإنجاز الهدف (النظام الاجتماعي الجديد) بفترة قياسية تتطلبها المرحلة، ولذلك لا نرى أي تناقض في فرض العامل الميتافيزيقي مكملاً أو محركاً جوهرياً للعوامل الطبيعية.
إنّ ما حمله الوحي اصبح جزءاً من حركة التاريخ، بل احتلَّ فيها مركزاً أو قطباً محورياً، لفَّ في فلكه العوامل المادية المختلفة، وأسرع من حركتها واتساعها. وبما أن حركة التاريخ المتباطئة من قبل تبقى غير منتجة من دون المحرِّك الجوهري (الوحي)، فإنّ الوحي لا ينتج من دون ذلك الاستعداد الحركي للعوامل التاريخية.
وإذا فهمنا إن هذا التحريك يتم من خلال توسط الوعي (الإنسان) الحامل لتلك المبادئ والقيم، فإنه لا يوجد أي انفصام في سياق الأحداث التاريخية؛ لأن الإنسان جزءاً من تلك الأحداث، بل هو المحور الأساسي الذي تتحرك الأحداث وفقا لإرادته، ومن هنا تنتفي دعوى الاستشراق بأن افتراض مساهمة العامل الميتافيزيقي (الوحي) في تحريك التاريخ يقطع سياق الأحداث؛ لأن تلك الدعوى تعبر عن سوء فهم لمغزى العملية التغييرية، وكيفية دخولها خضم الأحداث وتحريكها، وهو أمر لا يتم بمعزل عن الإنسان، ولذلك فهي دعوى إنسانية في جوهرها كما أنها إلهية في مصدرها.
ولا يلزم من ذلك إن حركة التاريخ متوقفة دوما على الوحي، بل إن وجود عوامل تاريخية عالية المستوى الحركي قد تشكل سببا كافيا لانتاج تحوّل شامل يتناسب وتلك العوامل، وهو ما حدث بالفعل في الحضارات السابقة، والحضارة الغربية المعاصرة. وعلى الرغم من ذلك فهذا لا يشكل مانعا منطقيا من أن يكون الوحي السماوي محركاً لتاريخ حضارة من الحضارات.
لم يكن هدف السماء بناء الحضارة والمدنية لذاتهما، إنما قصد الوحي بناء الحضارة الإنسانية وفق المبادئ التي تستهدف تحقيق العدل الاجتماعي والمساواة (السعادة الحقيقية)؛ بإقرار الخطة التي رسمتها العناية الإلهية للإنسانية، الكفيلة بالقضاء على معاناة الإنسان، والمعدّة له نفسيا و روحيا لاستقبال عالمه المستقبلي. هذا الأعداد للعالم الآخر لا تتكفل به العوامل التاريخية الطبيعية وحدها؛ لأنها عوامل آلية، إنما تتكفل به الخطة الإلهية التي جاهد من اجل إقرارها جميع الأنبياء عليهم السلام، والمصلحين، وتحمَّلوا من اجلها صنوف العذاب، وهم يواجهون استكبار الإنسان وجبروته وعناده.

الهوامش
ــــــــــــ
(*) أستاذ فلسفة المساعد في جامعة ذي قار، العراق.
(1) في سبيل المثال، أنظر الدكتور عبد الرحمن بدوي، دفاع عن القرآن.
(2) رودنسون، مكسيم، وضع الاستشراق المختص بالإسلاميات: مكتسباته ومشاكله، ضمن الاستشراق بين دعاته ومعاصريه : 91.