الحضارية «دراسات شرقية غربية»
الأحد: 19/08/2007

آنه ماري شيمل وحوار الحضارات

 هاينتس هالمز/عن كتابه (العرب) (Die Araber)(*)
ترجمة: ماهر حوني حبيب
(خاص للمعهد)

«يتحدث الكاتب الالماني هاينتس هالمز في كتابه(العرب) عن حياة آنه ماري شيمل في فصل خاص، موضحا دور هذه السيدة في تقارب الافكار والتعايش السلمي بين معتنقي الاديان واهتمامها البارز بالتصوف.. ولدت آنه ماري شيمل في مدينة ايرفورت الألمانية عام 1922 وأتقنت اللغة العربية في سن الخامسة عشر. وبعد دراستها للعلوم الإسلامية واللغة العربية وآدابها حصلت على درجة الدكتوراه وبعدها الأستاذية عام 1946، أي في سن الرابعة والعشرين، من جامعة برلين. وفي عام 1954 عينت كأستاذة للتاريخ الإسلامي بجامعة أنقرة، بعدها انتقلت لجامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية لتعمل كأستاذة لعلوم الثقافة الإندو-إسلامية لما يزيد عن خمسة وعشرين عاماً. وفي عام 1995 حصلت آنه ماري شيمل على جائزة الناشرين الألمان، واحتفالاً بعيد ميلادها الخامس والسبعين تم إطلاق اسمها على معهد العلوم الشرقية في جامعة بون» / المترجم. اهتمت آنه ماري شيمل بالعالم الإسلامي اهتماما كبيرا متناولة في أبحاثها وتجقيقاتها السيرة الذاتية لرجالات الإسلام والمذاهب الإسلامية،فبلغت من التقدير ما بلغت، إذ لم يسبق من قبل أن حظي أي مستشرق بهذا المستوى من التقدير الذي حظيت به باحثة العلوم الإسلامية آنه ماري شيمل، ولاسيما وأن الجميع وخصوصاً المسلمون يكنون لها كل الاحترام لقدراتها الفائقة على التعامل بموضوعية بحتة مع الثقافة العربية والإسلامية، ولبذلها قصارى الجهود لإبطال الدعاوى التي حاول البعض تلفيقها ضد الدين الإسلامي الحنيف
خلال حياتها حصلت سيدة الاستشراق الألمانية على أرفع الأوسمة والجوائز من داخل ألمانيا وخارجها، كما تم منحها درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة طهران عام 1990. ويعرف عن شيمل أنها من أكثر المستشرقين الألمان دراية بالإسلام، فضلاً عن كونها قد ساهمت، دون أدنى مبالغة، في حدوث نقلة نوعية في مدرسة الاستشراق الألمانية. ومن أهم سمات هذة النقلة الانفتاح بموضوعية وإيجابية على الثقافة الإسلامية، وإدراك أهمية الحوار الحضاري والتواصل الفكري مع الآخر.
في كثير من كتبها تطلعت المستشرقة الألمانية الراحلة إلى التصوف كجسر بين الأديان والحضارات، ورأت أن التصوف ليس مجرد زهداً رومانسياً يقتصر على نفي الدنيا، بل إنه إحياء للقلوب وخلع للمعنى على ما لا معنى له، لننعم عن طريق التصوف بحرارة الوجد، ونتفهم اختلاف الآخر، وهو ما نحن بأمس الحاجة إليه اليوم ليحيا البشر على كافة أجناسهم وأديانهم وثقافاتهم بسلام سوياً. وقبل وفاتها عام 2003 أبت سيدة الاستشراق الألمانية أن تذهب قيم التفاهم، التي نذرت حياتها من أجلها، أدراج الرياح، لذلك فقد أوصت رفاق عمرها بأن يجتمعوا في منتدى للحوار الديني والثقافي، يكون هدفه الأسمى ربط جسور الصداقة والتفاهم بين أوربا والعالم الإسلامي.
أما الهدف الذي كانت ماري تسعى لتحقيقه فيتمثل في: تجنب نشوب الصراعات بين الحضارات، انطلاقاً من إيمانها بأنه «إذا قمنا بالاستفادة من الطاقات المتواجدة في الأديان والثقافات للتعايش السلمي مع الآخر، لعاد ذلك بالنفع على الجميع، وذلك بدلاً من استغلال هذه الطاقات بصورة سيئة لتعكير صفو التعايش السلمي وإراقة الدماء».
ترى آنه ماري شيمل أن إرثها الثقافي ليس حكرا على الأوربيين دون غيرهم، «بل أنه ملكاً للإنسانية جمعاء، لذلك فإننا منفتحون على ثقافات العالم، ونسعد عندما يشارك في منظمتنا أناس من ثقافات متعددة». وأكدت أنا في اكثر من محفل على التمسك بمنهج شيمل، لاسيما وأنها قد اتخذت منهجاً خاصاً في البحث العلمي مفاده أنك إذا أردت التعرف على ثقافة ما وطبيعتها، فعليك أن تتعرف عليها من الداخل، وألا تتخذ معايير خاصة للحكم على الآخر. ومن المعروف عن السيدة شيمل أنها ابتعدت كل البعد عن طرق البحث العلمي الذي يقتصر على التحليل وتقسيم الكل إلى أجزاء لكي يتسنى فهم الآخر. لذلك فقد تمكنت من تفهم الثقافة الإسلامية ككل عن طريق الاقتراب منها ومن أبنائها. ما يهم القائمين على المنتدى وهم من كبار الشخصيات الألمانية والعربية والإسلامية البارزة، كالأمير الحسن بن طلال، ولي عهد الأردن السابق، والبروفسور شتيفان فيلد، أستاذ العلوم الإسلامية بجامعة بون، هو جمع الناس من ثقافات وأديان وتيارات مختلفة وإجراء حوار شامل بين الجميع. هذا من شأنه أن يقود الى توعية الناس في العالم الإسلامي كيف يفكر المواطن الأوربي ويتصرف تجاه القضايا الدولية.
كما يعد تقديم صورة صحيحة عن الإسلام شغل القائمين على البحث في العالم الإسلامي، وعن ذلك اقول: «نريد أن يقدم المجتمع الإسلامي للمجتمعات الغربية صورة موضوعية عن الإسلام وليس مجرد صورة تجميلية، إذ إن صورة الإسلام مشوهة في الغرب بدون شك بسبب تصرفات بعض المسلمين، لقد أدى ما قامت به بعض وسائل الاعلام في أوربا من جهة والجهات الأمنية وبعض السياسيين من جهة أخرى إلى إعطاء الرأي العام الأوربي فكرة خاطئة عن الإسلام، وذلك بسبب مناقشة قضايا شائكة ليست محل أهمية، وكان من نتيجة ذلك انقلاب الرأي العام الإسلامي على الغرب وانقلاب الرأي العام الغربي على المسلمين. لقد كان من المكن تلافي هذه المشاكل منذ البداية، لذلك نريد الحديث عن الإسلام بموضوعية، كما نريد أيضا التحدث عن صورة الغرب لدى المسلمين، ويجب ألا نغفل أن صورة الغرب لدى المسلمين ليست خالية من التصورات غير الصحيحة».
وحول كتاب (نصوص التصوف الإسلامي) للمستشرقة الراحلة آنه تقول: «إذا أردت ان تتفهم التصوف الإسلامي حقا فعليك دراسة نصوص الحلاج»، هكذا قال لي أستاذي البروفسور (هانس هاينريش شنايدر) حينما كنتُ طالبة فتية، ومنذ ذلك الوقت و(الحلاج) لم ينفك يشدني. هكذا تبدأ (آنه) إفتتاح كتابها: (الحلاج، نصوص التصوف الإسلامي)، كما تسترسل في المقدمة موضحة تأثير الحلاج في الثقافة التركية والايرانية والهندية، وتأثيره على الشعر الشرقي الإسلامي، وكيف أن شخصيته أُستخدمت كرمز نضالي لدى الشعراء الشرقيين، وعلى مدى مختلف العصور، لا سيما حينما تشتد حلكة الظلام ويهيمن الظلم والعنف والاستعباد.
وعلى خلاف الكثيرين ممن تناولوا التصوف الإسلامي، وبالتحديد شخصية الحلاج، في الثقافة العربية، تعمقت المستشرقة التي رحلت عن عالمنا مؤخرا، في التوقف عند الظاهرة الصوفية، وعند شخصية الحلاج بالذات، حيث تتبعت وجهة نظر بعض الشعراء المسلمين في الهند وبلاد البنجاب، حيث استشهدت بالشاعر الهندي المسلم (غالب) الذي كتب في دلهي خلال القرن التاسع عشر عن الحلاج مؤكداً أن «الحلاج نال الجزاء الذي يستحقه لأنه باح بالحب، ومن يبوح بسر الحب ويكشف ستر المحبوب ينال العقاب، حتى وإن كان فيض الحب الذي دفعه للصراخ وكشف المستور، أكبر منه».
ومن هنا انتقد العديد من المتصوفة الحلاج أيضا، وبدأوا يشككون في ادعائه الوصول الى الهدف، ففي رأيهم أنه لو تحقق له ذلك لكان قد صمت، «لأن أجراس القافلة تصمت حينما يصل المسافرون الى قبلتهم»، ومن هنا أيضا، فان صرخة الحلاج :«أنا الحق»، ليست دليلا على لحظة الالتحام وإنما على العكس، فهي دليل على البعد والفراق.!!
غير أن المستشرقة الجليلة، رحمها الله، أكدت بان المتصوفين المتأخرين رأوا في الحلاج(متوحدا بالوجود)، وأن صرخته المدوية عبر القرون هي دليل على ذلك، وعلى هذه النظرة اعتمد العلماء والمستشرقون الأجانب عند حديثهم عن الحلاج، والذي ورد ذكره في الغرب لأول مرة في القرن السابع عشر. والواقع أن أول فهم غربي للحلاج ك(موحد للوجود)، كما أوضحت آنه ماري شيمل، جاء في كتاب المستشرق البروتستانتي (ف.أ.تولوك) في العام 1821، والمعنون (الشخصية الموحدة للوجود). وبينما كانت دراسات المستشرقين الأوائل، لاسيما المستشرق (يوهان ياكون رايسكه) الذي توفي العام1774، ينظر للحلاج كمجدف وهرطقي، كان المستشرق الفرنسي (بارتلوم دي هيربلوت) في كتابه (المكتبة الشرقية) ينظر الى الحلاج كمسيحي متخف، وقد تبنى هذه النظرة كل من المستشرق (أوغست موللر) و (أدلبرت ميركي)، وحتى في الفترة الأخيرة ظهرت دراسات في اللاهوت الشرقي تؤكد هذه النظرة، ومن أهمها أطروحة (ن. م. داهدال) الذي رأى بأن الحلاج تم صلبه بسبب أفكاره النصرانية. لكن هناك من ذهب أبعد من ذلك حينما أراد أن يربط بين الحلاج والديانات الهندية القديمة، لا سيما المستشرقان (فون كريمر) و(ماركس هورتون) اللذان يريان بأن صرخة الحلاج (أنا الحق) هي ذاتها التي وردت في (الاوبانيشاد): «أنا براهما». وهذه هي النظرة السائدة في الثقافة الإسلامية في الهند.
أوضحت المستشرقة الجليلة الراحلة في كتابها بأن الفضل يعود للمستشرق (لوي ماسينيون) الذي أنفق عدة عقود من عمره في البحث عن آثار الحلاج، وحياته، ونصوصه، وتحقيقها، وترجمتها، وتقديمها، ومن ثم تأكيد تفسيره الجديد للحلاج ودوره في التصوف الإسلامي، رغم ما واجهت دراساته من انتقادات معاصرة، لاسيما من قبل (دهـدال).
ورغم تداخل الروايات وتضارب بعضها، إلا أن معظمها تتفق بأن الحلاج ولد في حوالي 858 ميلادية في إحدى القرى القريبة من إقليم فارس، وترعرع في (تستار) أو (واسط)، وأن لقب (الحلاج) جاءه من مهنة أبيه، رغم أن هناك رواية صوفية عن (حلاج الاسرار)، لكن ما هو ثابت أيضا أن الحلاج تتلمذ على يد المتصوف الكبير(سهل التستري) الذي توفي العام 896 والذي يعتبر من المؤسسين الأوائل للتصوف الإسلامي، والذي أثر في الحلاج بشدة، بحيث أن الكثير من تعاليمه نجدها في كتاب (الطواسين) للحلاج. وحينما بلغ الحلاج الثامنة عشر انتقل الى بغداد، حيث تتلمذ على كبار المتصوفة هناك، وتزوج ابنة أحد كبارهم، الذي رأى فيما بعد أنه زوج الحلاج ابنته لساحر مجدف وكافر زنديق!
ولم يكن أمر الحلاج سهلا مع بقية المتصوفة أيضا، فشد رحاله الى الكعبة المكرمة لاداء مناسك الحج، وعند رجوعه الى بغداد زار المتصوف الكبير (الجُنيد) لمناقشته في مسألة صوفية، وكان ذلك في العام 896م، حينما كان للحلاج 38 عاما، وهو العام الذي مات فيه(التستري) أيضا.
بعد ذلك ترك عائلته ورحل عن بغداد الى شمال شرق الامبراطورية الإسلامية لسنوات عديدة، ثم الى الجنوب، الى الهند، ثم عاد الى فارس والاهواز، وأخيرا البصرة، ومنها حج البيت الكريم ثانية بصحبة أربعمائة من أتباعه، ثم عاد بعد ذلك الى بغداد، لكنه أُتهم هذه المرة بممارسة السحر الهندي، فغادرها متوجها الى وادي الهند. ويبدو ان رحلته هذه لا زالت موضع تحقيق، حيث يُعتقد أن الحلاج بعدها مر بكشمير، عابرا إلى تركستان، وهذا الاعتقاد يستند الى الانتشار الواسع جدا لاسمه في أغاني وأشعار هذه البقاع في اللغات السندية والبنجابية والكشميرية أكثر مما في أية بقعة اخرى من الأرض العربية والإسلامية.!! وسواء قد انتشر اسمه هناك لاحقا، أم انتشر في حياته، فان الأمر لا يعفي من أن الاعتراف بأن للحلاج حضوراً مبهراً ورزيناً، وأن ولديه تأثيراً عظيماً على متصوفة هذه البلدان الإسلامية. غير أن السلطة المركزية في بغداد آنذاك نظرت اليه بريبة، وتخوفت من رحلته الى وادي الهند كثيرا.
شيمل خمنت بان الحلاج يقيم علاقات سرية مع الحركات الدينية المعارضة للسلطة المركزية، والتي كانت منتشرة في أرجاء الإمبراطورية الإسلامية آنذاك، وأن الحلاج يغطي أهدافه السياسية بتعاليم دينية غامضة. وحينما عاد إلى بغداد بعد رحلته هذه، بدأت الرسائل تصله من كل البلدان التي زارها، ومن الطبيعي أن هذه الحفاوة والتقدير، وهذه المكانه الروحية للحلاج، قد تركت ردود فعل سلبية لدى بقية رجالات الصوفية، كما بدأ (الصاصون) يتبعون كل شاردة أو واردة تخصه، وخلال هذه الفترة رحل الحلاج متوجها الى بيت الله الحرام للمرة الثالثة، وبقي هناك لمدة سنتين، بعدها عاد لبغداد مستقرا فيها، متخذا من أسواقها مكانا للموعظة.
وتتوارد الاخبار عن تصرفاته الشخصية الغريبة، عن نسكه وبكائه الطويل توجدا وتعبدا، ثم ضحكه المفاجيء أحيانا، وحديثه الغامض عن (الحب الإلهي) الذي صدم الكثيرين من رجال الدين آنذاك. لكن المشكلة كانت آنذاك مع السلطة، حيث كانت بغداد تعيش حالة من التوتر والاضطراب، مما دفعها للتخوف من رجل كالحلاج، فزجت به في السجن. ويقال بان الحلاج هرب من سجنه لكنه اُعتقل ثانية، وعند المحاكمة الأولى عومل برفق، لتدخل أم الخليفة، فنقل من سجن الى سجن، لكن بعد سبع سنوات،وفي العام 919 ميلادية، وإذ تدهورت الاوضاع في بغداد، وتناهى الى أسماع السلطة أن الحلاج امسى، رغم سجنه، أشد قوة، حيث أخذ الناس يتحدثون عن كراماته الجليلة، ويتناقلون حكايات عجيبة عن علاقاته بالارواح وما شابه، اقتحمت السلطة بيته، رغم ان الحلاج كان سجينا، فوجدت هناك الكثير من الرسائل والمخطوطات التي كتبت على ورق صيني فاخر، بعضها كتب بماء الذهب، وبعضها وشي بالحرير، ورسائل منه تتضمن تعليماته للوصول الى التفاني والحلول، ورسوم غريبة وخطوط تدينه وتؤكد علاقته ببعض الفرق والمذاهب المغالية والتي كانت تهدد كيان السلطة المتهرئة في بغداد، فأمر قاضي القضاة باعادة محاكمته وأصدر حكما باقامة الحد عليه، وقد وقع (84) شاهداً على قرار الحكم!!! فصلب في 23 ذي الحجة من العام 309 للهجرة والمصادف 26 مارس من العام 922 ميلادية. وكما توكد المستشرقة آنه أن هناك الكثير من الكتب والاخبار التي تتحدث مطولا عن طريقة موت الحلاج، لكن المهم أن الحلاج كان أول الضحايا من رجالات الصوفية.
في هذا الكتاب تواجه آنه دعاوى المستشرقين الذين يحاولون إضفاء مسحة (نصرانية) على الحلاج وربطه بعقيدة التجسيد الآلهي في الانسان، وتبطلها، مؤكدة أن للحلاج ولبقية الصوفية (ذاكرة قرآنية)، فهم يعيشون في كلمات القرآن الكريم ومنها، وكما يذهب المستشرق (بيتر نويا) الذي حقق (كتاب الطواسين) عن أربع مخطوطات له، ونشرته جامعة سان جوزيف العام 1972 في بيروت، بأن صوفية الحلاج تستند على تعاليم معلمه العظيم (سهل التستري) الذي كان ينظر الى النبي محمد(ص) باعتباره الضياء الذي كان قبل بدء الخليقة. وهذه الفكرة جسدها الحلاج في (كتاب الطواسين) حيث يفتتح (طس السراج) متحدثا عن النبي الكريم: «سراج من نور الغيب، بدا وعاد، وجاوز السرج وساد. قمر تجلى من بين الاقمار، كوكب برجه في فلك الاسرار. سماه الحق أميا لجمع همته، وحرميا لعظم نعمته، ومكيا لتمكنه عند قربته. شرح صدره، ورفع قدره، وأوجب أمره، وأظهر بدره، طلع بدره من غمامة اليمامة، وأشرقت شمسه من ناحية تهامة، وأضاء سراجه من معدن الكرامة. بارشاده أبصرت العيون، وبه عرفت السرائر والضمائر. والحق أنطقه، والدليل أصدقه، والحق أطلقه. هو الدليل، وهو المدلول. هو الذي جلا الصدأ عن الصدر المعلول. هو الذي أتى بكلام قديم، لا محدث ولا مقول ولا مفعول. بالحق موصول غير مفصول. الخارج عن المعقول. هو الذي أخبر عن النهاية والنهايات ونهاية النهاية. رفع الغمام، وأشار إلى البيت الحرام، وهو التمام، هو الهمام، هو الذي أمر بكسر الاصنام، هو الذي كشف الغمام، هو الذي أُرسل الى الأنام، هو الذي ميز بين الإكرام والإحرام».
اما آنه فنظرت الى الحلاج من خلال شطحاته الصوفية، مقارنة إياها بتجليات الوجد عند النساك والقديسين في الديانه المسيحية. فدافعت عن الحلاج مؤكدة خطأ فهم شطحة الحلاج وصرخته «انا الحق» بأنها تجديف أو مس بالذات الالهية السامية، لأنه لم يقصد الى ما ذهب اليه الآخرون فيما بعد. فما أسهل أن يدان الحلاج إذا ما تم تفسير شطحاته بسطحية ودون التعمق في العالم الروحي للصوفية الإسلامية وطرائقها ومراتبها وتجلياتها وروافدها (الغنوصية).
والحقيقة لقد تميز تناول(آنه) للحلاج عن جميع الذين تناولوه من زوايا أخرى، أدبيا وفنيا وشعريا، من قبل المثقفين والمفكرين العرب، وقد ساعدها في ذلك تخصصها في مجال الثقافة الإسلامية الهندية – الباكستانية، ومعرفتها للغات عديدة منا التركية والعربية، والهندية، والبنجابية، إلى جانب اللغات الأوربية، والتي اتاحت لها الاطلاع على الكثير من المصادر العلمية والتاريخية والمخطوطات النادرة الموضوعة عن الحلاج والتصوف في تلك اللغات، والتي يجهلها المثقفون العرب.
لقد ذهبت آنه ماري شيمل بعيدا، وعميقا، متتبعة صرخة الحلاج المدوية عبر القرون والعصور، ملتقطة صداها عند جلال الدين الرومي، وغيره من المتصوفة، لكنها تعترف أيضا بسهولة فهم الحلاج فهما غير دقيق، لأن لغته، بقدر ما هي متوهجة وجميلة، فهي عصية على الفهم وصعبة، ومتعددة الدلالة، وأحيانا تبدو عباراته غير مترابطة. كما تتوقف (آنه ماري شيمل) عند دور (ماسينيون) الذي أبرز الشخصية الصوفية في الإسلام ودرس نصوصها وخلفياتها، كما تعترف أيضا بان الحلاج هز أعماق كل الذين حاولوا أن يكتبوا عنه، وملأهم بالقلق، بل إنها تذهب أبعد في رصد تأثير الحلاج و(كتاب الطواسين) على الشاعر الألماني (فولفجانغ فون غوته)، وذلك من خلال تأثير الحلاج وتجسيد أفكاره في الشعر الفارسي الذي وصله عبر الترجمات، هذا التأثير الذي نستنشق عطره في أشعار (الديوان الشرقي) للمؤلف الغربي، وكذلك رصدت تأثيره الكبير على المفكر الإسلامي والأب الروحي لباكستان المعاصرة وبلدان الهند الإسلامية الشاعر (محمد إقبال) لاسيما في أشعار كتابه(جناح جبريل). كما يضم كتاب (نصوص الصوفية) أدعية وحكايات ونصوص صوفية ليست عربية الأصل فقط، وانما ترجمتها من اللغات الشرقية التي كانت تجيدها. وعموما فان الكتاب جهد كبير ومشرف يدفع بالقاريء الى التأمل، وتمنحه لحظة صفاء وسمو خارج هذا العالم الغارق في عتمة الأضواء المزيفة.

(*) Die Araber، Heinz halmz،Heuber Verlag،Berlin،2006.