|
السبت: 25/08/2007
في أنماط الاتصال بين الإسلام
والغرب المسيحي
ا.م.د.عامر
عبد زيد(*)
(خاص للمعهد)
لابد من التساؤل عن الكيفية التي حدث بها الاتصال
بين المسيحية والإسلام عبر المدينة إذ تشكلت فعاليات سلطة الإسلام والقواعد التي
قامت عليها العلاقات بين الإسلام واليهودية، ومع الهجرة الى المدينة تحققت للإسلام
دعامة اجتماعية وسياسية منذ (622 م) اذ أصبحت الأمة مجتمعاً تاريخياً مزوداً بدولة،
ومؤسسات، وله أهداف سياسية وعسكرية واقتصادية (اتجه الخطاب القرآني في الأعم الأغلب
الى شؤون الدنيا، الى تأسيس المدينة الإسلامية وتنظيمها والى التشريع للفرد
والمجتمع في العبادات والمعاملات معاً)(1) (وبذلك تشكلت السلطة الإسلامية بفعل ظروف
داخلية واخرى خارجية ساهمت في الثقافة العربية الإسلامية في ظل السيادة العليا
للقران ظهر هذا المجتمع وشكله القانوني في وثيقة المدينة التي جسدت الدستور السياسي
الذي يحدد العلاقة داخل المدينة ويقرر السلطة الإسلامية اذ يحدد العلاقة بين
المؤمنين (مهاجرين وانصار) والعلاقة بأهل الكتاب من اليهود الذين يعيشون في ظل
الإسلام، وقد خضع اليهود لهذه السلطة عندما اتفقوا مع الرسول (ص) على جملة امور
وردت في الوثيقة وبذلك يكونوا قد أقروا الخضوع للسلطة الجديدة، وقد دخل الرسول في
حوار مع المسيحيين في نجران.
وقد اتخذ الإسلام بعدين: الأول يقوم على محاربة الشرك بوصفه خطاب اللاعقل مقابل
خطاب العقل القائم على التوحيد. أما البعد الثاني: فيقوم على نقد وتقويم لتاريخ
النجاة اليهودي والمسيحي.
هذا من الجهة الإسلامية، أما من الجهة الاخرى، أي المسيحية واليهودية وكيف تشكلت
صورة الإسلام في المخيال المسيحي(2)، وبالتالي كيف تشكلت تلك الصورة القروسيطة
المسيحية عن الإسلام، أي كيف تمثل العالم المسيحي صورة الإسلام وكيف أورثها
الاستشراق(3)، فقد اتخذت تلك الصورة في المخيال المسيحي موقفاً مسيحياً اتجاه
الإسلام بوصفه الآخر الخارج عن نظامه، وقد اتخذ منه موقفاً معادياً في أغلبه، وهو
وليد ذلك المخيال الذي عكس طريقة إدراكهم للصور ومحاكمتهم للاشياء، ثم في تصرفاتهم
وسلوكهم(4). وقد وقف اليهود من قبل من الإسلام موقفاً متمثلاً بشعورهم بالازدراء
يغذيه إحساس بالتفوق الديني تجاه كل ما يمكن أن يظهر بوصفه تلفيقاً للتقليد
التوراتي، إلا أن هذا التفوق كان يستند أيضاً على إرث كتابي عتيق وعلى غرور قومي
وثقافي. إن ما رفضه اليهود في دعوة يسوع ذلك الشخص المتطور داخل اليهودية، يرفضونه
كذلك في محمد (ص) ذلك العنصر الغريب والخارجي. وإذا كان مسيحيو نجران أكثر تحفظاً
وأقل عدائية فذلك دون شك بسبب بعدهم عن الصراع والنفوذ الذي يجتاح المدينة. هذا
بالإضافة الى كونهم عرباً. وهذا نوع من التعاطف القاعدي للقرآن مع المسيحية، خال من
النقد الذي كان موجهاً نحو العنصر اليهودي في المدينة والذي وضع نفسه رقيباً
ونموذجاً، إلا أن تقلص اليهودية في المدينة جعل من المسيحيين موضوع اهتمام الفاتحين
العرب.
لقد قيل إن مسيحية الشرق القائلة بالطبيعة الواحدة للمسيح قد عجلت بقبول السيطرة
السياسية للدين الجديد لأنها كانت تأمل منه تسامحاً كبيراً، حتى أصبح الشرق المسيحي
المتقدم أكثر من الغرب، يعيش في ظل دولة متسامحة. وبمقدار ما تتقدم في الزمن تتماهى
المسيحية السياسية مع الغرب الأوربي لتبلغ القرون الوسطى الأسس الانفعالية لتمثله
الإسلام(5). ذلك التمثل المجبول أساساً بالعداوة. ولكن خلال العصور الوسطى الاولى
لم يستطع الغرب المحصور في آفاق ضيقة أن يفرز رؤية متجانسة ومتحققة بوصفها غاية عن
الإسلام، حيث إن التقليد الكاروليجي لم يعرف هذه المفاهيم، لكن الامور أخذت منحى
آخر عندما اكتمل قوام الثقافة القروسطية، وعندما قذفت أوربا بنفسها نحو الخارج بفعل
الحروب الصليبية(6)، لكن كانت هناك قنوات اتصال نمت وتوسعت بين الطرفين، كثيرون من
عوام المسلمين يظنون أن العالم الإسلامي في عصوره الزاهرة كان مقفلاً في وجه العالم
المسيحي، كما أن كثيراً من المسيحيين يعتقدون أن العالم المسيحي كان في عزلة تامة
عن العالم الإسلامي، وأنه لا يدين له بأي شي، ولم يتأثر به في قليل ولا كثير، وقد
ظهر هذا لدى المؤرخين والمفكرين الذين تأثروا بالنزعة الأوروبية خصوصاً في القرن
التاسع عشر، حتى إنهم أوغلوا في هذا الامر بوصفه جزءاً من الإرث الصليبي، من هذا:
الأثر الفلسفي الذي هناك الكثير من يعمل على تجاهله أو تحجيم دور المسلمين في تحقيق
إضافة في هذا النطاق. والواقع أن العالمين (الإسلامي والمسيحي) كانا على اتصال
ثقافي في نواح متعددة متنوعة بفضل روح التسامح التي جاء بها الإسلام وقبوله للتعايش
مع مختلف السلالات والثقافات الأوليات في المناطق الإسلامية شرقاً وغرباً(7).
ويمكن أن تصف القنوات التي شهدت الاتصال بالآتي:
1- القنوات الاجتماعية: مثل المساكنة والمثاقفة، وقنوات المصاهرة، وقنوات السياحة،
وقنوات السفارة، وقنوات الحج إلى الأماكن المقدسة، وقنوات التجارة والملاحة، وقنوات
الجوار، وقنوات القراصنة والأسر والرق وقنوات الحرب.
2- القنوات الثقافية: وهي قنوات الاستغراب والتفاهم باللغة نفسها، وقنوات التلقي،
وقنوات الترجمة.
لقد ساهمت تلك القنوات في الاتصال وتبادل الخبرات، فلقد كان لها مجال فاعل في
التأثير والتأثر بين الثقافتين، وخصوصاً أثر الإسلام في الغرب، فقد كان للحرب
وخصوصاً في اسبانيا، وما تبعها من انتقال المدن من المسلمين إلى أيدي الأسبان، فإن
هذا الامر يعني بقاء المسلمين تحت يد هؤلاء وهم الذين عرفوا بـ (المدجنين Mudejares)
كان لهؤلاء أثر في نقل الصناعة والحرف والفنون والثقافة، من ثقافة مزدهرة الى اخرى
تعاني التخلف. ومن بين هذه المدن (طليطله ـ Toledo) التي استعادها الأسبان كان لها
دور مهم فيما بعد(8)، وكان أيضاً للمجاورة وما يتبعها من علاقات كالزواج المختلط
الذي كان شائعاً بين المسلمين والمسيحيين داخل الأندلس(9). وقد كان لكل هذا اثر
عميق في الغرب:
أسباب التشكل: تغيرت بنية الثقافة المسيحية وقد ظهرت تغيرات واضحة ومهمة في القرن
الثاني عشر والثالث عشر، ولعل أبرز دليل على هذه التغيرات البنيوية هو انتقال
الثقافة من بنية الخطاب الديني الى بنية الخطاب الذي أدخله كل ما استطاع من الموروث
اليوناني والإسلامي، ولذلك عرف القرن الثاني عشر من خلال النمو الحضاري والمدني
والثقافي، وما صاحب ذلك من ظهور طبقات جديدة ساهمت في خلق تغيرات اجتماعية وثقافية
مهمة وما صاحب ذلك من تغيرات (اجتماعية ـ ثقافية) وعوامل (جيو سياسية) تعرض لها
الغرب وساهمت في بلورة شخصيته. ونعني هنا أن الأسباب تعود لما واجهه الغرب من
تغيرات بفعل عوامل داخلية واخرى خارجية.
أولاً/ الأسباب الداخلية: يعود هذا السبب الى داخل الثقافة ذاتها من التراكمات
الاجتماعية والثقافية التي كان المجتمع قد أنتجها خلال تلك الانشقاقات السياسية
التي واجهها المجتمع المسيحي والذي ساهم في بلورتها بوصفها اتجاهات فكرية كرد فعل
للصراعات السياسية حتى تجذرت في الاخر بنية ثقافية تقوم على مرجعيات معرفية، وهذا
ما يخبرنا به (ادوارد جونو) عندما يصف ذلك القرن (الثاني عشر) بقوله: «إذا كان
المؤرخون مختلفين حول الاعتراف لعصر شارلمان بلقب عصر النهضة، فكلهم تقريباً مجمعون
على وجود نهضة في القرن الثاني عشر». ويرى الاب شينو (Chenu) أن السنة 1100 هي (عقدة)
في المنحى العظيم الذي تكونه «إعادة الاستيلاء على رأسمال الحضارة القديمة» ففي تلك
السنة تحركت أشياء كثيرة كادت ان تبدو حتى ذلك الحين جامدة: انهزام الإقطاعية
الكبرى امام الملكيات الفنية، ولادة مدن، تحرر الطبقات الريفية، الحروب الصليبية،…الخ،
وفي ذلك الوقت رأت النور اهتمامات ثقافية جديدة فقد اريد للغة اللاتينية أن تستعيد
بأسها ونقاءها، وبرز الاهتمام بالحقوق الرومانية وبالعلوم الطبية، وازدهرت المدارس
الدينية، وباختصار قام نشاط فكري كبير، فوضوي قليلاً ربما، ولكنه غنى بالبشائر(10).
ويصفه اميل برهييه بقوله: «انه قرن عرف فيه الفكر تقدماً حثيثاً وتنوعاً صاخباً
وملتبساً ايضاً: فمن جهة اولى حاجة ماسة الى المذهبية والوحدة تولدت عنها تلك
الضروب من الموسوعات اللاهويته التي عرفت باسم (الأحكام)، ومن الجهة الثانية فضول
عقلي كبير ترجم عن نفسه في بعض الأوساط يعود الى النزعة الآنسة القديمة وبالتفات
جديد الى علوم المجموعة الرباعية. ولنضف ان تراث العصور القديمة راح يتكشف رويداً
رويداً عبر ترجمات لمؤلفات كتاب كانوا لا يزالون مجهولين الى ذلك الحين، وان
المكتبات اغتنت)(11).
إن هذه التغيرات جاءت انعكاساً للصراع بين سلطة الكنيسة وحلفائها من الإقطاعيين
والدول وحلفائها من الطبقة الجديدة (البرجوازية) والتجار ساهمت في ظهور تلك الحركات
الهرطقية التي حاربتها الكنيسة وأقامت رداً على ذلك محاكم التفتيش ورهبانيات الصدقة
وقرارات التحريم وغيرها حتى تحافظ على رهبتها وبقائها، كان كل ذلك له تأثير على
الثقافة التي أثرت في القرن الثالث عشر، فهو العصر العضوي الأمثل الذي حقق الوحدة
الروحية أو الكاثوليكية، الحق أنه صوب هذا القرن اتجهت أحلام جميع اولئك الذين
يعتقدون أن السلم الاجتماعي مستحيل إذا لم يقم على أساس إيمان مشترك يوجه الفكر
والعمل، ويلحق به الفلسفة والفن والأخلاق، وربما كان حقيقة أنه لم يمر عصر توطدت
فيه اطر الحياة الروحية وتوضحت كالقرن الثالث عشر. كانت الظروف عهدئذ مناسبة للغاية،
فقد كانت نهضة المدن القومية والتجارة تيسر تبادل الافكار، وجامعة باريس التي لعبت
دورا مهما في عهد "فيلب اوغست"، لقد أثمرت تلك الأوضاع (الجيوسياسية) في خلق بنية
ثقافية هي وليدة تلك الظروف وجاءت استجابة لها، وبالتالي جاءت فيها إضافة وتجديد
على مستوى المرجعيات اليونانية وهنا نكتشف دور التراث الإسلامي.
ولقد جاءت الظروف السياسية والاقتصادية مواتية إذ ساهمت في بناء العقل الغربي
المسيحي، وقد ظهر هذا من خلال تلك الحوادث والجدل بين الفرسكانين والدومنيكان
والرشديين اللاتين في صراعهم الفكري الذي استمد جذوره من الظروف السياسية
والعقائدية.
ثانياً/ السبب الخارجي:- هذا السبب الذي يأتي من الخارج ويحدث تاثيراً في الداخل،
وهذا يعود أساساً إلى الوضع (الجيوسياسي) الذي ظهر في الغرب المسيحي، وكيف رفع
شعارات دينية كان يرغب في تحقيقها، كان لهذا الامر كبير التأثير، وبالاضافة الى
جوانب اخرى للاتصال سبق شرحها ساهمت في تشكيل أثر إسلامي في الغرب. لكن الغرب اتخذ
من الإسلام موقفين متباينين كان لهما أثر كبير في تشكيل أثر عميق في البنية
الثقافية المسيحية الغربية، وقد اتخذ هذا التعامل موقفين:
الاول/ وهو الموقف الرافض الذي قدم تصوراً خاصاً عن الإسلام، وهو وليد فضاء معادٍ،
وقد اتخذ الغرب الوظيفتين التاليتين إزاء هذا:
الوظيفة الدينية:- تمثلت بالدفاع عن الله تجريبياً، أي أنها غذت الصراع مع الإسلام
بشكل تعبوي ديني، وذلك من خلال إسباغ الشرعية على نفسها بوصفها تمثل المعنى الصحيح
وتسقط الخصم في الضلال. أي أنها دخلت في (رهانات المعنى) من خلال إسباغ الشرعية على
نفسها بوصفها تمثل الدين القويم واسقاط الإسلام في الضلالة.
الوظيفة العقائدية (النظرية):- وهي التي استلهمت الصراع مع الإسلام في تشكيل وعي
مسيحي إزاء العالم الإسلامي.
الوظيفة الأولى تغذت من الحروب الصليبية فيما الثانية تغذت من العالم المدرسي الذي
تغذى من المواجهة المسيحية في اسبانيا.. الوظيفة الأولى وما تعتمده من رؤية تشكلت
داخل الصدام المسلح بين المسيحية والإسلام، وهذه الرؤية الشعبية هي المادة التي
استثمرتها الكنيسة في بناء يوتوبيا تداعب فيها عواطف الريفيين والغاية كانت دينية
سياسية تعبر عنها سياسة الكنيسة القائمة على إنشاء مخيال مسيحي يصور الإسلام بشكل
شعبي، قائم على شعار انقاذ قبر المسيح من المسلمين، وكانت تلك احدى رسائل الوظيفة
الدينية في الدفاع عن الله على المستوى الشعبي، لقد اتخذت هذه الوسائل الآتية:
1- كانت الافكار التي تدور حول نهاية العالم بعد الالف من معاناة المسيح، والافكار
التي تتعلق بالعالم الاخر، أحد ينابيع الفكرة الصليبية، مضافاً اليها الظواهر
الطبيعية، وما صاحبها من تقلبات ومجاعة وأمراض كانت تتغذى بواسطة الرؤية الشعبية
والدينية الى قوى غيبية من ناحية، ويتم ربطها باقتراب نهاية العالم والأفكار
الألفية والأخروية من جهة اخرى. ولقد كان الناس قد سيطرت على وجدانهم تلك الأفكار
لضمان الخلاص، وتحولت مشاعرهم هذه الى التأكيد على ضرورة الرحلة الى بيت المقدس.
2- كانت الحوليات والمؤرخات اللاتينية التي ساهم كتابها أنفسهم في صياغة
الايديولوجية الصليبية الاولى ونجاحها، وهو ما يعني أنهم كانوا يتوخون أن يصوغوا
نموذجاً مثالياً يكون عامل جذب دائم في حالة الدعوة الى حملة صليبية.
3- ثم شكلت فكرة الحج وفكرة المكافأة التي ينالها الصليبي من ناحية اخرى، والتي
تطورت في مفهوم الغفران الصليبي الذي تطور ليصل الى صكوك الغفران(12) ما أسهم في
تشكيل مخيال عاطفي يؤكد على صور نمطية تم اختزالها، وقد وظفت تلك الابعاد في الرؤية
الشعبية لغرض التعبئة الدينية إذ تتحقق فيها اكتمال الازمنة عبر اجتماع الامم حول
المدينة المقدسة الام مركز العالم. «وتغدو هذه الصور وكأنها حارسة للذاكرة من
تحولات الزمن، الامر الذي يجعلها متموجة ولكنها حاضرة باستمرار»(13).
الثاني/ أما الرؤية العالمة المدرسية: وهي الرؤية العالمة القائمة في المركز الفكري
والثقافي، لا الرؤية الشعبية، ومن الملاحظ أن الرؤية العالمة قد جاءت داخل
الوظيفتين (سواء الدينية أم العقائدية والفكرية) القائمة على تحقيق تماسك عقلي
للمقولات النظرية وضبط صحتها، ولهذا (فالتأمل الميتافيزيقي) يبحث عن عقلنة
العقائد(14). وهنا يجب التميز بين الخلاف الموجه ضد الإسلام وتأثير الفلسفة
الإسلامية على المدرسيين عنصراً أساسياً في تاريخ الفكر. ولكن هذا الاعتراف من جهة،
يقابله من جهة ثانية الرفض بوصفه ديناً واخلاقاً، هذا مع العلم انه في كل الحالات
مأخوذ بعين الاعتبار، وهكذا يفصل الغرب اسهام الفكر العربي الإسلامي من حكمه على
قيمة الإسلام، وعلى هذا فهناك رؤية فكرية تهيأت في القرن الثاني عشر، ثم توسعت في
القرنين الثالث عشر والرابع عشر، لتمتد حتى العصر الاستعماري دونما تغيير في أسسها
المكونة، وهذه الرؤية تنطلق من عداء للنبي(15). ولقد شكل هذا الموقف تحولاً في
التعامل مع الإسلام، إذ يقول (بطرس الجليل) رئيس ديركلوني الذي قام بجولة على
الحدود الفرنسية مع الأندلس فتعرض الى الإسلام والمسلمين فقال: «يجب أن نقاوم
الإسلام لا في ساحة الحرب بل في الساحة الثقافية» فتشكل لهذا الغرض فريق من
المترجمين كانت مهمته ترجمة القرآن، لقد أدرك انه لإبطال العقيدة الإسلامية يجب
التعرف عليها(16).
بالإضافة الى هذا التأثير الخارجي للإسلام فإن له اثراً كبيراً في تشكيل الوعي
الغربي في بلورة ثقافته بشكل فاعل ومتميز، ورغم موقف الغرب العدائي من الإسلام الا
انه اجتهد في التعرف على الفكر العربي الإسلامي، يقول (الان دي لييرا) في كتابه
«التفكير في العصر الوسيط): (إن هذا الخطاب الفلسفي لم يولد من تلقاء نفسه، بل لقد
تعلمه أصحابه واستوعبوه انطلاقاً من مصدر محور معروف هو ذلك التصور للحياة الفلسفية
الذي صاغه فلاسفة بلاد الإسلام، الورثة الأوائل للفلسفة اليونانية في القرون
الوسطى»(17). فاذا كانت الفلسفة في غالب الاحيان، هي قراءة لتاريخها، فإننا نعتقد
أنه لم يكن في وسع أوروبا باللاتينية المسيحية، في أواخر القرون الوسطى أن تقرأ فكر
الأوائل من اليونان لولا اطلاعها على القراءة العربية الإسلامية له، وبالفعل ولدت
أوروبا جديدة بعد عبور هذه الثقافة لسلسلة جبال البرانس، فكان أن قسم تاريخها
العلمي والفلسفي إلى: ما قبل تاريخ العلم والفلسفة، وما بعدها وما جعل الثقافة
العربية فكراً ولغة، جزءاً لا ينفصل عن التراث الغربي.
الهوامش
ــــــــــــ
(*) استاذ جامعي، العراق.
(1) محمد عابد الجابري، صراع المعقول واللامعقول في الفكر العربي المعاصر، م/ فكر
عربي معاصر، مركز الانماء القومي بيروت، ع 19، ص14، وانظر علي او مليل، السلطة
السياسية الثقافية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1996.
(2) المخيال. مخيال فردي أو جماعي، والمخيال اشتقاق حديث، وهذه المخيالات المتشكلة
في أذهان البشر هي من تصرفاتهم وسلوكهم، انظر محمد اركون، الاسلام وأوربا، الغرب، ت
هاشم صالح، دار الساقي، ط1 1995، ص22، ويرى (بول ريكور) انه ليس بسيط، ولكنه مزدوج
ما يسمح باكتشاف بنيتة الصراعية الداخلية، انظر محمد الجويلي، الزعيم السياسي
والمخيال الإسلامي بين المقدس والمدنس دار سراي للنشر، تونس، 1992، ص34-35.
(3) لغرض الوقوف على وجهة نظر المستشرقين انظر سعد محمود عبد العاني، مناهج
المستشرقين، ط1، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، 1989، وانظر ادوارد سعيد،
الاستشراق، المقدمة، ت، كمال ابو ديب، مؤسسة الابحاث العربية، ط1، بيروت، 1981.
(4) محمد اركون، الاسلام وأوربا، المرجع السابق، ص26.
(5) انظر محمد نور الدين افاية، الغرب والمتخيل المركز الثقافي العربي ط1، الدار
البيضاء، ص14-15-16 (حيث تصدر عن تمثيل صورة نمطية ملتبسة عن الذات والاخر بل تصبح
قوة منتجة للأساطير والتصورات المغلوطة، ويغدو بالتالي متخيلاً حين يتحول من ماهو
واقعي الى ما هو متخيل متمثل).
(6) هشام جعيط، أوربا والإسلام صدام الثقافة والحداثة، دار الطليعة، ط1، بيروت،
1995.
(7) عبد الواحد ذنون، اثر الاندلس في الفكر الغربي، في محور: اثر الحضارة العربية
الاسلامية في الفكر الغربي، بيت الحكمة، 1997، ص72.
(8) ادوارد جونو، الفلسفة الوسيطة. ت على زيعور، دار الاندلس، ط2،بيروت، 1979، ص91.
(9) اميل برهييه، العصر الوسيط والنهضة، ص61.
(10) محمد المكي الناصري، قنوات الاتصال بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية،
سلسلة (الندوات) صادرة عن مطبوعات اكاديمية المملكة المغربية، مكناس، 1991، ص45.
(11) مونتكمري واط، تأثير الاسلام على اوربا في العصور الوسطى، ت عادل نجم عبود،
الموصل، مديرية دار الكتب والنشر، 1982، ص45
(12) عبد الواحد ذنون، اثر الاندلس في الفكر الغربي، في محور: اثر الحضارة العربية
الاسلامية في الفكر الغربي، بيت الحكمة، 1997، ص72.
(13) ادوارد جونو، الفلسفة الوسيطة. ت على زيعور، دار الاندلس، ط2،بيروت، 1979،
ص91.
(14) اميل برهييه، العصر الوسيط والنهضة، ص61.
(15) قاسم عبد قاسم، ماهية الحروب الصليبية، عالم المعرفة، الكويت، 1990، ص149
وانظر حول الحروب الصليبية، احمد شلبي، التاريخ الاسلامي، جـ5 القاهرة 1967، ص410
وانظر: ستيفن رنسمان، تاريخ الحروب الصليبية، ت : لبازالعريني، جـ1 بيروت، 1968،
ص236-135.
(16) محمود نور الدين افاية، الغرب المتخيل، ص21
(17) وانظر:- الطاهر لبيب من تقديمه (صورة الاخر العربي ناظراً ومنظوراً اليه، مركز
دراسات الوحدة العربية، ط1 بيروت، 1999، ص19-25.
(18) محمد اركون/ الإسلام، أروبا، الغرب، ت هاشم صالح، ط1، 1995، ص70.
|