الحضارية «دراسات شرقية غربية»
الأربعاء: 29/08/2007

الإعلام والعولمة مقاربة في صورة الإسلام في مخيلة الأخر

د. عامر عبد زيد(*)
(خاص للمعهد)

المدخل
العولمة المفهوم والدلالة: ان العولمة ليست محض مفهوم مجرد، وليست شيئاً بسيطاً يمكن تعيينه ووصفه، بقدر ما هي عمليات تاريخية متداخلة تتجسد في تحريك المعلومات والأفكار والأموال والأشياء، وحتى الأشخاص، بصورة لا سابق لها من السهولة والآنية والشمولية والديمومة. إنها قفزة حضارية تتمثل في التبادلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على نحو يجعل العالم واحداً أكثر من أي يوم مضى، من حيث كونه سوقاً للتبادل أو مجالاً للتداول أو أفقا للتواصل. وبالتالي فهي عملية مستمرة في الاقتصاد والسياسية والاتصال؛ فالعولمة في نظر غليون: هي الدخول بسبب تطور الثورة المعلوماتية والتقنية والاقتصادية معاً في طور من التطور الحضاري يصبح فيه مصير الإنسانية موحداً أو نازعاً للتوحد.
ويستدرك الباحث فيرى أن معنى الوحدة هنا ليس التجانس والتساوي بين جميع أجزاء العالم والمجتمع البشري بل إنها تعني درجة عالية من التفاعل بين مناطق ومجتمعات بشرية مختلفة ومتباينة، وبالتالي ازدياد درجة التأثير والتأثر المتبادلين، ولذا ارتبط مفهوم الاعتماد المتبادل (lnterdependence). إذ إننا هنا بإزاء منظومة ثقافية سياسية وحضارية تشكل رؤية سياسية صوب ذاتها وصوب الآخر؛ فالعولمة تمثل الحقبة السلطوية الحضارية الثالثة بعد الكنيسة والدولة الليبرالية الحديثة. هذا على المستوى التكويني، أما على المستوى البنيوي الأفقي فيجد الإنسان نفسه اليوم بين ثلاثة عوالم، لكل منها هويته ومركز استقطابه: الأول هو العالم القديم باصولياته الدينية وتصوراته اللاهوتيه الغيبية أو الماورائية؛ الثاني هو العالم الحديث بفلسفاته العلمانية وتهويماته الانسانوية، والثالث هو العالم الآخذ في التشكل الآن، أي عالم العولمة بفضائه السبراني ومجاله الإعلامي، بإنسانه العددي ومواطنه الكوكبي.
هذه العوالم الثلاثة التي تتجاذب الوعي بالهوية المجتمعية والثقافية، تؤلف ما يمكن تسميته: (ثالوث / القدامة، والحداثة، ومابعدالحداثة)، وبصيغة أحدث: (ثالوث / الأصولية، والعالمية، والعولمة). فالعولمة اقل ما يقال عنه أنها تمثل عهداً جديداً من التفاعل بين الدول والاقتصاديات والناس. فهي تزيد الاتصال بين الناس عبر الحدود الوطنية في الاقتصاد، في التكنولوجية، وفي الثقافة، وفي الحكم، ولكنها أيضا تؤدي إلى تجزئة عمليات الإنتاج وأسواق العمل والكيانات السياسية والمجتمعيات.
في هذا الكلام نريد تحديد بعدين لهذه العولمة، فهي تتمثل بالأتي:
1 ـ إنها حقبة جديدة يعيشها الاقتصاد العالمي الذي ظهر بعد زوال هيمنة الدولة في الغرب وبداية تشكل الكيانات السياسية والاقتصادية والاقليمية بعد ظهور صندوق النقد الدولي الذي يمثل الفكر المالي الأمريكي عام 1944 ثم تأسيس منظمة التجارة العالمية عام 1995 حيث أصبح الاقتصاد العالمي خاضعا لأول مرة للتنظيم الدولي في مجالات التجارة والنقد والخدمات.
2 ـ تطور المنجزات العلمية والتقنية عبر ثورة المعلومات التي ظهرت مع شبكة الانترنيت والاتساع الذي شهده الاعلام.
3 ـ تطور وانتشار الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومنها حرية المرأة وتطور الفكر الإنساني والحوار بين الشعوب، والمطالبة بالمزيد من الديمقراطية، وإعادة النظر بمعانات الشعوب الفقيرة.
ويراها البعض متمثلة في نقاط أخرى كالمنافسة بين القوى العظمى، وانتشار عولمة الإنتاج والتبادل والتحديث والابتكارات التكنولوجية.
هذه إمكانيات العولمة كونها وليدة هذه الظروف..
إلا أن العولمة تمثل إمكانيات للهيمنة في صورتها الغربية التي تمثل حالة التطور الداخلية، نلمسها في تطور المجتمع الغربي وصورة المجتمع الأوربي في مجال الحريات والاقتصاد حيث يتم بناء مؤسسات تحقق التوائم والتنمية المشتركة عبر إعادة تأهيل اقتصاد هذه الدول حتى تضع أمام شعوبها فرص متساوية في مواجهة تحديات المنافسة العالمية. فقد تشكلت مهيمنات سياسية جديدة في الغرب في تعامله مع ذاته من جهة والأخر من جهة ثانية، إنه تعامل يقوم على الاستفادة من الأخر بوصفه سوق للسلع الغربية ومصدر للمواد الاولية الرخيصة، ولتحقيق هذا كان هناك تواؤم بين السياسية والاعلام والثقافة. ومعنى ذلك أن العولمة إمكانيات للتعاون الدولي علينا أن نعي إمكانية الاستفادة منها بتكوين تكتلات اقتصادية وإعادت تأهيل أنظمة الحكم بإدخال الديمقراطية ومزيد من الحريات وتطوير اقتصادياتنا وإعلامنا حتى نكون قادرين على المنافسة.
هذا الجانب الايجابي المهم. لابد من الإذعان بأنه لا يمكن مجابهة هذا الواقع برفض العولمة ولا بالتصفيق لها،بل بابتكار المعادلات الوجودية والصيغ الحضارية،التي تمكن أصحابها من تشغيل عقولهم وصون هوياتهم وإدارة واقعهم، بصورة يحولون بها مواردهم ومعطيات عصرهم إلى طاقات غنية ومشروعات مثمرة. وليس هذه دعوة طوباوية، وإنما هذا هو الممكن لمجابهة تحدي العولمة ومغادرة مواقع الهامشية.
أما العولمة بإطارها الغربي: فهي تقوم على الفلسفة الليبرالية liberalism مذهب الحرية بإطارها العلماني، فالديمقراطية هي المذهب الكل، وحرية التجارة مكفولة، فلا حدود، ولا اضطهادات سياسية أو دينيه، والإنسان مهما كان، وأنى كان، له حقوق. والفلسفة العلمانية مؤداها أن لا معاني ولا قيم لغير المحسوس والمنظور والمسموع والمشروب، والانتصار للمصلحة يغلب على وصاية الدين. أما في إطار الاقتصاد فإنه اقتصادياً يقرر وجوب تخلي الدولة عن ممارسة النشاطات الصناعية والتجارية وعن التدخل في العلاقات الاقتصادية بين الأفراد والطبقات أو الشعوب. وقد شهدت تلك الأفكار تطويراً مع الظهور التطورات العالمية والتي شهدت ظهور «العولمة» حتى أصبح مفهوم العولمة ( يقيم علاقات بين مستويات متعددة للتحليل: الاقتصادي، السياسي، الثقافي، الإيديولوجي، وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج، تداخل الصناعات عبر الحدود، إنشاء أسواق التمويل، تماثل السلع المستهلكه لمختلف الدول، نتاج الصراع بين المجموعات المهجرة والمجموعات المقيمة.. وقد جرى توصيف هذا المجتمع بالعديد من المصطلحات انطلاقاً من منظورها السياسي، فأحياناً يطلق عليه «المجتمع ما بعد الصناعي» كما اعتمده عالم الاجتماع الفرنسي ألان تورين، وأحياناً أخرى«المجتمع المعلوماتي» أو«المجتمع الاستهلاكي» بحسب تعبير فردريك جمسون. إن هذه التوصيفات تقوم على محاولة إنشاء صلة رمزية بين الحداثة وما بعد الحداثة وظرف اجتماعي معين،فهي تربط بين ولادة «مجتمع ما بعد الصناعة» وبين «ثقافة ما بعد الحداثة» وقد عملت العولمة على تحقيق ذلك. بانتشار المعلومات بحيث تصبح مشاعة لدى الجميع، تتعلق بتذويب الحدود بين الدول، زيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات.
كان لهذه السياسية نتائج سلبية من جهات وإيجابية من جهات أخرى، لهذا كانت هناك مواقف متباينة من العولمة.
النقد المتعدد المصادر وخصوصاً البعد الاقتصادي هو الذي يطغى على هذه المواقف، إذ العولمة تقوم على آليتين هما (التجارة الدولية، والاستثمار الأجنبي المباشر) ومن هنا يصفها احد الباحثين بـ «عمليات التدهور الاجتماعي والاقتصادي» الملازمة للاقتصاد المسيطر عليه في الاستثمار الأجنبي المباشر، الإفقار عن الطريق تحويل مكاسب الاحتكار، إلغاء التطور التقني لان الشركات الأجنبية ليس لها مصلحة في تطوير تقانة جديدة لأسواق الدولة المضيفة، فقدان موارد رأس المال عبر تحويل الشركات متعددة الجنسيات مبالغ ضخمة إلى الخارج، فقدان الموارد البشرية عبر استنزاف العقول المهاجرة.
وبالمقابل يرى فليب غوميت، أنه على الرغم من أن عملية العولمة قد ضربت بجذورها في الأعماق في بعض الميادين وتخطت السيادة القومية للدولة في بعض القطاعات، كالمال والاعلام والثقافة، إلا أن الدولة القومية(national state) ما زال لها الكلمة الفصل في مسائل أخرى كالدفاع وحتى التجارة الخارجية.
ويرى جوسبان الزعيم الاشتراكي الفرنسي أن قوى السوق «أي العولمة» لا يمكنها حل مشكلاتنا الاجتماعية، ونحن يجب أن لا نترك أوروبا لقمة سائغة لقوى السوق.
ويرى حسن حنفي أن العولمة في مظهرها الأساسي تكتل اقتصادي للقوى العظمى للاستئثار بثروات العالم، مواده الأولية،أسواق، على حساب الشعوب الفقيرة، واحتواء المركز للأطراف التي حاولت الفكاك منه في الخمسينات والستينات إبان حركة التحرر الوطني.
العولمة غزو ثقافي
هنا نحن إزاء وجهة نظر نقديه من العولمة: إن تلك السياسات وما تجابه به من نقد من بعض الاطراف التي أصابها الضرر من جهة، أو سعي الاطراف الغربية الى تسويغ العولمة وتمريرها، كان يفترض نشر قيم ثقافية بديلة عن الثقافات المحلية، وهو الامر الذي حدث في الغرب عند تطور الحقوق والواجبات، إلا أننا نلمس أن الغرب في تصديره للعولمة كان يتبع قانون يطبق على الداخل و قانون أخر يطبق على الآخرين. لقد عملت المؤسسات الثقافية والاعلاميه عل تقديم مسوغات للعولمة، تقدم على الخطوات الاتية: مخاطبة المؤسسات التربوية والتعليمية الوطنية لإعادة النظر بطريقة عملها ربما يؤدي إلى مزيد من التلاقي والامتزاج، التخفيف من العواطف الدينية والعقائدية، وعدم تسييس الدين، ومواجهة الحركات الدينية وربما عدم التورع عن ضربها واستئصالها بالقوة، ضمن هذا التوجه يلاحظ عناية الباحثين الأمريكان بوجه خاص بعلاقة العولمة بالبعد الحضاري والثقافي:
1 ـ نهاية التاريخ: حيث تنبأ فوكوياما بهذه الأطروحة بنهاية عصر الايدولوجيا والى الأبد، من خلال انتصار ما يسمى بالليبرالية الجديدة «العولمة». وعنى بذلك أن دولاً متقدمة وصلت إلى نهاية التاريخ، وأخرى بقيت في قعره، فلم يبق أمام الليبرالية إلا تحديان هما:
أـ الصحوة الدينية الناجمة عن الشعور بالفراغ الروحي في المجتمعات الاستهلاكية.
ب ـ العواطف الوطنية القومية التي يتوقع لها البقاء في البلدان النامية، في حين أن بقاءها في البلدان المتقدمة ليس من أجل أن تكون في نزاع مع اليبرالية الجديدة، وإنما لتدخل في صراع يهدف إلى المساعدة على اكتمالها.
2 ـ صراع الحضارات: وتنبؤات هذه الاطروحه بنهاية الايدولوجيا، ولكنها لا تعتقد بنهاية التاريخ، إلا أنها تؤكد أن المستقبل سيشهد المزيد في الصراعات مما سيجعله صعباً. كانت تلك الرؤية الليبرالية والثقافية وهي المعبر الأساسي للهوية التي تعد حاجز أمام الانفتاح، لهذا دعمت الثقافة الغربية الثقافات المتعددة المتنوعة إلا أنها قد تترك أثراً من الهويات الوطنية، فالثقافة العربية تعرضت ـ شأن الثقافة في العالم الغربي ـ للاختراق من قبل الثقافتين، الفرنسية الانكلوأميركية، والاختراق يكمن في محاولة إيجاد ما يطلق عليه «الفردية المستسلمة والتأكيد على غياب الصراع الاجتماعي» ويعني كذلك تكريس ثنائية «التراث والمعاصرة» وتعميق الهوة والتمزق والتشرذم، مما يفسح المجال لظهور العداوات الإثنية والتعصب الطائفي على حساب المحافظة على الثقافة المحلية أو الوطنية حاضراً ومستقبلاً، وضرورة تجديد الثقافة العربية عبر ربط الحاضر فيها بالماضي في اتجاه المستقبل.
-الاتصال: تشكل العلاقة الأبرز في تجديد قدرات العولمة، والتي تمثل تهديد أيديولوجيا الاتصال والتوظيف الدعائي، اللذان يمثلان الغاية التي يمكن كشف أهم أبعادها التي تتوزع بين المستويات الاتية:
1 ـ المستويات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والذي نلمس فيه أن الاتصال يحاول هنا خلق قيم استهلاكية تداعب الإعلام وتدفع الجماهير إلى القيم الاستهلاكية عبر مسعاها إلى تغيير القيم القديمة وإحلال قيم جديدة عبر آليات الإعلام المتمثلة في آلية التكرار، آلية المعاصرة، آليات التهويل والمبالغة، وآلية التخويف، وهذه الآليات تعتمد على تعميق الثقافة التي تحرك الغرائز بعيداً عن الضوابط القيمية والتعقل، وتشجع الأعمال التلفزيونية الفارغة، تفكيك القيم الأسرية وإحلال القيم الغربية، عبر وسائل الاتصال التي تحاول إلحاق الناس بالقيم البديلة للمركز الغربي.
2 ـ تحفيز الناس على تقليد اللغة الاجنبية وجعلها لغة النخبة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وبالتالي خلق تبعية عقلية وفكرية للأخر الغربي.
3 ـ إشعار المثقفين بأزمة ثقافية أو أزمة هوية بشكل حاد يمتص التبعية الثقافية، التحكم بالوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي وخلق موجهات لها من خارجه.
4 ـ تعميق حالة الاغتراب وعدم الرضى والرفض للمجتمع، وبالتالي الثقة بالذات والمستقبل.
5 ـ التشويه الثقافي والسلوكي والاجتماعي.
وهكذا تلعب إلايديولوجيات دورا بارزا بوصفها قوة فكرية تعمل على تطوير النماذج الاجتماعية القائمة وفق سياسة متكاملة تتخذ أساليب ووسائل هادفة، وتساندها عادة تبريرات اجتماعية أو نظريات فلسفيه وأحكام عقائدية أو أفكار تقليدية، وفي الغرب هناك وظائف للإعلام اختلف فيها الخبراء، منهم من وجدها في تقديم الأخبار، والرقابة، وشرح المعلومات، وعرض قواعد العمل. وآخرون وجدوها في: وظيفة المراقب، وظيفة وضع السياسات، وظيفة التعليم. وهي في المحصلة تمثل الوسائل المنتجة للوعي الاجتماعي الذي يحدد إدراك المواطنين للعالم والمجتمع الذي يعيشون فيه، ومن هنا يظهر للإعلام دور كبير في التأثير في الوعي عبر اعتماده، بوصفه أداة في توجيهه بالشكل الذي يخدم الجهة التي تمتلك وسائل الإعلام، فان للدول المتقدمة هدف من وراء نشر أيديولوجيتها إلى حماية مصالحها الرأسمالية، تم هذا عبر الثقافة، فهي وسيلة خطيرة وفعالة لأنها الأكثر من غيرها قدرة على تثبيت التصورات والقيم والرؤى وترسيخ المرجعيات الفكرية التي تصدر عنها المواقف، لهذا ترى القائمين بالاتصال على دراية كاملة باستراتجية الدولة الإعلامية والخطط الإعلامية المنبثقة عنها، والجمهور المستهدف وكيف يمكن الوصول إليه.
أولا: التأثير الدعائي/الاستهلاكي: لهذا يرى خبراء الاتصال الغربيين: أن علماء النفس الذين يخدمون في مجال الإعلام قد توصلوا إلى أن وعي الإنسان (أي إنسان) له ثلاثة مستويات:
1 ـ المستوى الأول، يكون فيه وعي الإنسان، كاملا فهو يعرف ماذا يريد بالضبط.
2 ـ المستوى الثاني، وهو العقل الباطن، والإنسان فيه ربما يتحسس بوجه عام ما يريد،ولكنه متأثر في ذلك بآمال خفية، كالمخاوف والآمال غير المتحققة.
3 ـ المستوى الثاني وهي المشاعر التي لا يعرفها الإنسان وإذا عرفها لا يناقشها.
لهذا يركز خبراء الإعلام في رسالتهم على المستويين الثالث والثاني عبر التلاعب بالرغبات الظاهرة والمكبوتة والعمل على إشباعها وإثارتها نحو الاستهلاك والاتباع السياسي، وهذا يتحقق عبر تلك الرسائل والإعلانات التي يتم توجيهها الى المتلقي للتلاعب بالرغبات وبالتالي يتم بناء خيال استهلاكي وسياسي وثقافي يعمق قيم الاتباع والاستهلاك، وهذا يأتي عبر التمويه mystification وهو يعنى حجب الحقيقة، إذ بواسطة التمويه تتمكن الثقافة الاجتماعية المهيمنة أن تفرض نظرتها وقيمها وأهدافها في ظل العلم والتكنولوجيا الغربيين اللذين يقومان في النظام الحاضر على العنف والدمار وليس على الخير والسعادة والسلام، لأن الدافع الذي يحرك النظام السياسي في الغرب هو دافع القوة والسيطرة، هو دافع غير منطقي ولاعقلاني، يتسلل إلى أذهاننا عبر الإعلام الذي يعمق الإتباع عبر دمج المتلقي في فضاء يقوم على منطق التمايز بين المسيطر والمسيطر عليه، بين السلطة وخطابها الدعائي وبين المتلقي المستهلك لتلك الرسالة..
مركز مهيمن مسيطر، وأطراف منبهرة بهذا التقدم والتحضر.وكثيرا ما صاغت أو أعادت صوغ جملة من المعطيات الخاصة بمجتمع ما لتجعله يتصور بأنه أفضل من غيره.. وهى قادرة بفضل موقعها الرفيع على أن تجيز وتهيمن وتحلل وتحرم، وأن تخفظ منزلة شيء ما أو ترفع من مقامه، الأمر الذي يعني قدرتها على أن تكون الوسيلة الأساسية لتثبيت التمايز في المجال الذي تعبر عنه، وقد خلق هذا الافتراق بين الإعلام والفكر أمرين؛ الأول ـ ضعف الارتباط بالجسم الحضاري، والثاني ـ ضعف الوعي بالذات والآخر، ما أسفر عن حالة ذهول قادت إلى الانتماء إلى القوي ومحاكاته.
وقد سعى المتطرفون في هذه الطبقة لخلق الانقطاع التام عن الذات كليا، لكن هذا لايمكن أن يجعلهم جزءاً من الأخر الغربي الذي يقدم نفسه.بوصفه نسق ثقافي ديني أخر وفكرية وعرقية تكونت تحت شروط تاريخية، إلا أنها تعالت على بعدها التاريخي.
وهكذا يتم تقبل أوليات السيطرة بشكل يجعلها غير مباشرة، إلا أنها بالنهاية تعيد التكيف الاجتماعي والسياسي مما يؤدي بالنهاية الى ازاحة وتدمير الثقافة المحلية السائدة عبر التشكيك بها وبرموزها أو تجريدها، مما يؤدي الى استبعادها لتحل محلها تلك الثقافة المحصورة عالميا وبأفقها الدعائي الاستهلاكي.
الثاني: المخيال السياسي والصور النمطية في الفترة السابقة: مخيال تقوم بإنشائه سلطة واعية بشكل مباشر أو غير مباشر، تتعامل مع رغبة الأفراد عبر اعتماد القيم الثقافية والبحوث والدراسات الموجهة في مجال الاعلام أو مجال التربية، منطلقة من موقف أيديولوجي تجاه الآخر، حيث هي تضع مخيال تجاه الآخر قائم على التمثيل عبر صور نمطية مشوهة تجاه الآخر (العربي) والتي تعكس مقاصدها ومقولاتها بوصفها خطاب إقصائي عن الأخر يتمظهر بالإشكال آلاتية:
أولا- في مجال التربية: وهو الطريق الذي يساهم في بناء الذاكرة، فان التعليم هو المحور الرئيسي لكل الجوانب. وللتعليم أهمية كبيرة بحيث أن صمود المجتمعات وأفولها يعود إلى القيم التي تعتنقها غالبية أبناء المجتمع، والتي تكتسب من خلال عملية التنشئة التي تقوم بها مؤسسات مختلفة وأهمها قنوات التعليم الرسمي. وقد لوحظ أن ثمة علاقة وثيقة بين طبيعة النظم السياسية القائمة وأهداف النظام التعليمي ومكوناته، تطال الذاكرة وما يماثلها بأهمية بالغة، وهنا نحن نحاول أن نقف عن صورة الأخر (العربي) في التعلم الأمريكي من خلال دراسات أمريكية حصرا. فهناك دراسات أمريكية منهجية تصدت لدراسة (صورة العرب) في الكتب المدرسية للمدارس الابتدائية الأمريكية، وقد شملت الدراسة كتباً مدرسية يستخدمها المدرسون في الصفوف من رياض الأطفال حتى الصف التاسع، وشمل عرض النتائج مجالات الموضوعات التالية:
1 ـ حياة البدو: إذ سيطرت على العرض عناصر البداوة وألقت بظلها على الجانب الآخر للحياة العربية، ويصدق ذلك على المادة المكتوبة والصور الإيضاحية في الكتب المدرسية حيث كان هناك تصوير لتخلف الحياة في المدينة والقرية دون إيلاء اهتمام يذكر إلى التعليم.
2 ـ الدين الإسلامي: إذ شوه الدين الإسلامي حيث تركز الاهتمام على خصائص الروح القتالية في الإسلام وأهملت الفلسفة والمعتقدات الأساسية إهمالا تاما.
3 ـ الزراعة والحياة المدنية: حيث كان المؤلفون يغالون في كثير من الأحيان في تأكيد صورة البدو مع إيراد صور فوتوغرافية في أغلب الأحيان لتبين هذا النمط. في الوقت الذي يميل المؤلفون لدى مناقشة عناصر الصحراء إلى تأكيد منجزات إسرائيل مع تجاهل منجزات العرب في تغيير الصحراء. في نفس الوقت الذي تؤكد تلك الكتب على فقر المزارعين في حين تصور المدن على أنها تزخر بالعاطلين عن العمل مع قلة من أصحاب الملايين يركبون السيارات الفارهة، وتتضمن الكتب إشارة ملحة إلى أن مشاكل الشرق الأوسط الاقتصادية يمكن حلها عن طريق ربط بالكامل بعجلة الغرب.
4 ـ السياسة والديمقراطية: تم تصوير إسرائيل على أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، مع عرض الحروب العربية الإسرائيلية من وجهة نظر إسرائيلية وتجاهل العرب والفلسطينيين.
وهناك دراسة أخرى قدمها كيني (L. LKkeenny) وقد وجد كيني أن مناقشات الشرق الأوسط في كتب التاريخ المدرسية تزخر اغلب الأحيان بوقائع غير دقيقة وافتراضات تكرس المفاهيم الأساسية الخاطئة عن الدين الإسلامي، على سبيل المثال:
1 ـ تشدد الكتب لدى مناقشة المعتقد الإسلامي على الترخيص بتعدد الزوجات والرق دون ذكر الحدود التي وضعها القرآن.
2 ـ كما وجد أن الكتب المدرسية تشرح انتشار الإسلام بقوة السيف، متجاهلة تماما العملية الطويلة التي استغرقت قرونا والتي أدت إلى التحول إلى الإسلام من خلال الإقناع.
3 ـ وكثيرا ما تتجاهل هذه الكتب الإسهامات الإسلامية في الحضارة الغربية وتعرض التاريخ الحديث للشرق الأوسط بعبارات سلبية في الأغلب.
4 ـ أما الكتب المدرسية الخاصة بالجغرافية فانها تبالغ باستمرار في تأكيد عنصر البداوة في الوطن العربي، وقلما تتطرق غلى عملية التحضر التي تجري بمعدل سريع، ولا تلقي التغيرات الاجتماعية والاقتصادية إلا قدرا ضئيلا من الاهتمام الجاد، وتحظى إسرائيل بمعاملة متحيزة إن في طريقة الحديث عنها أو في حجم المساحة المخصصة لها في كتاب مدرسي، وتؤكد هذه الكتب على إنجازاتها في تحويل الصحراء إلى جنة خضراء دون أدنى إشارة إلى الإسهامات العربية.
هذه الكتب بالتأكيد سوف تساهم في خلق صورة مشوهة وبالتالي تشكل الذاكرة الجمعية الأمريكية وصورتها عن العرب. قد سألت معلمة في كاليفورنيا طلابها: «ما هو تصورك عن العرب؟». فكان الجواب:«العرب لا يرتدون ملابس داخلية«، «إنهم بدو من نوع الخنافس»، «معظمهم يربون لحي»، «الجمل هو وسيلة التنقل الوحيد».
هذه الإجابات انعكاس لتلك المناهج التي تشكل صورة نمطية، ويشيرادموند غريب إلى أن هذه الصور عن العرب يمكن صرف النظر عنها لكونها حصيلة معرفة مبسطة (..) إلا أنها في الحقيقة تمثل انعكاسا دقيقا ولو مبسطا قليلا إلا أنها الصورة المقبولة والشائعة عن العرب في ثقافة الراشدين الأمريكيين. وفي الحكايات الإخبارية الحديثة وبرامج التسلية التلفزيونية تمثل صورة الثقافة العربية بفليم «موت أميرة» الذي يعالج موضوعه التفسخ والمادية المطلقة العنان إلى جانب الكوابح القاسية على أدوار النساء الوظيفية في المجتمع والعقوبات القاسية عليهن بسبب تصرفات تجيزها المعايير العربية الجارية على نطاق واسع. هذا جزء من ماضي الصراعات القديمة التي ساهمت في خلق هوية غربية تقابل ماهو غير غربي.
ثانيا – في مجال الإعلام: إن للإعلام دورا كبيرا في صناعة الوعي العام وصانعي القرارات، وهذه العملية من شأنها أن تخلق التفاعل الطبيعي بين اهتمامات الرأي العالم وقضاياه وقرارات السلطة السياسية، وهناك نوعان من الأنظمة السياسية؛ إذا كان النظام السياسي يقوم على مجرد القوة فان رغبات من يمتلكون القوة لابد من أن تنتقل إلى من يستجيبون لها، وإذا كان النظام يقوم على المشاركة فان ذلك ينعكس في صنع القرارات. وبوجه عام، فانه كلما زادت ديمقراطية النظام السياسي زادت حاجته واعتماده على النظام الاتصالي، لكون السياسة في جوهرها ماهي إلا صراع بين جماعات مختلفة للتأثير في سياسة الدولة.
ومن هنا تظهر وسائل الإعلام مرتبطة بالوظائف المناط بها، فهي لدى (الاسويل) 1948 أربعة وظائف:
1 -تقديم الأخبار.
2- الرقابة.
3- شرح المعلومات وعرض قواعد العمل.
4- نقل التراث الحضاري من جيل لأخر، ومن جزء من المجتمع لآخر.
وهناك تشخيص آخر عند ( شزام) 1964 حدد وظائف وسائل الإعلام في ثلاثة هي:
1 ـ وظيفة المراقب.
2ـ وظيفة وضع السياسات.
3 ـ وظيفة التعليم.
والنتيجة أن وسائل الإعلام هي المنتجة للوعي الاجتماعي الذي يحدد إدراك المواطنين للعالم والمجتمع الذي يعيشون فيه.ولتحقيق ذلك يفترض ـ حتى تحقق تلك الوسائل الغايات المنشودة منها ـ أن يكون القائم بالاتصال على دراية باستراتيجية الدولة الإعلامية، والخطط الإعلامية المنبثقة عنها، وبالجمهور المستهدف، وكيف يمكن الوصول إليه.
ويرى روجيه جيران: أن الحقل السياسي الغربي أصبح يتحدد بالكذب أكثر من أي وقت مضى بعد انهيار الإيديولوجيات التعبوية التي شكلت مرجعيات للقيم والدلالة وحوافز للسلوك المثالي، وإن وفرت أحيانا كثيرة غطاء للتمويه والتزييف، وتبرز السياسة الكاذبة السائدة حاليا في مستويين مترابطين:
1 ـ تقديم الوعود المثالية الزائفة.
2 ـ استخدام الشاشة التلفزيونية والأضواء الكاشفة للظهور بمظاهر جذابة مؤثرة، لا تعدو غالبا أن تكون مصطنعة، ملفقة لا تعبر عن واقع الأشياء وجوهرها، وهي بالتالي تمثل «ثقافة الصورة».
ضمن هذه الآلية تم إنتاج صور تمثيلية عن العرب، وفي هذه يقول محمد حسنين هيكل:
1 ـ لم يعد العرب يواجهون الخطر الأخلاقي المتعلق بسوء فهم الرأي العام الغربي لهم وحسب،
2 ـ بل أنهم في خطر مادي حقيقي لكونهم معرضين لممارسة القوة الغاشمة ضدهم التي لا تمتنع عن استخدام التدخل العسكري.
وقد تنوعت الصورة المتخيلة عن العرب في جغرافية شرقية صحراوية، ويمكن إدراج نماذج لتلك الصورة رافقت التطور التاريخي الذي ولده الصراع السياسي والذي أنتج بالتالي أشكال جديدة من التخيل.
1 ـ صورة العربي المتمثل شيخا صحراويا يحيط به حريم من الفتيات، وهذه الصورة وليدة ذهنية الاستشراق.
2 ـ صورة العربي ( المتوحش ) أو غير المتحضر و (ذي النزعة العسكرية).
3 ـ جاء الصراع مع إسرائيل بإنتاج صورة «العربي الإرهابي» مثلا إن إذاعة سي. بي. إس للأنباء أذاعت في 1974 برنامجا عنوانه «الفلسطينيون» تضمن هذا البرنامج تقريرا إذاعيا ممتازا مع هذا فقد حمل في جوهره رسالة مفادها أن جميع الفلسطينيين إرهابيون.
4 ـ وبعد بروز الأوبك بوصفها قوة اقتصادية رئيسية وارتفاع أسعار النفط في السبعينات خلق صورة العربي النهم والطماع وغير المستقيم.
5 ـ وبعد الأحداث الأخيرة تحولت دول الشرق الأوسط إلى دول راعية الإرهاب. إنها صورة اختزالية تقوم على التشيئ، عبر المادة المدروسة، إلى أنواع وأنماط، ثم تفرز بناء على خصائص كبرى ثابتة.
إن صح هذا السلوك العلمي على الطبيعة فهو لا يصح على البشر، وذلك لحشد المتغيرات من العوالم المعقدة التي تقرر تغيير أحوالهم.


(*) استاذ جامعي، العراق.