الحضارية «دراسات شرقية غربية»
الأحد: 02/09/2007

 

 

الغرب في عيون الشرق (4)

موقف الكواكبي من الغرب/ استبداد الشرق وديمقراطية الغرب

د.علي عبد الهادي المرهج(*)
(خاص للمعهد)

من المعروف والمتعارف عليه ما كتبه الكواكبي (1854ـ 1902) عن الاستبداد ووضعه لطبائعه وصفاته، ولا نريد الخوض في هذا الموضوع إلا بقدر تعلقه بموقف الكواكبي من الغرب، لاعتقادنا بأهميته في بناء علاقتنا مع الأخر (الغرب)، محاولين في الوقت نفسه أن نبين المنطلقات الاساسية لفكر الكواكبي لاسيما كيفية استفادته من فكر الغرب وتجاربه في التخلص من الاستبداد الذي هو آفة الشرق كما يرى الكواكبي.
يعتقد الكواكبي أن الاستبداد آفة وهذه الآفة تستشري لأسباب كثيرة أهمها: ضعف الأمة تجاه الحاكم، وعدم وجود عقد بين الحاكم والشعب يلزم الحاكم باحترام حقوق شعبه، فضلاً عن وجود دور للأمة في اختيار ذلك الحاكم، مع وجود بعض المتزلفين للحكام والذين جعلوا من أنفسهم سوطا يجلد به الحاكم شعبه، وقد سماهم الكواكبي (المتمجدون) وهؤلاء منهم القادة العسكريون الذين يستخدمون القوة لإخضاع الشعب لسلطة الحاكم، ومنهم المثقفون الذين يستخدمون الثقافة لتبرير أفعال الحاكم، ومن رجال الدين(وعاظ السلاطين) وهؤلاء هم الأخطر كونهم يستخدمون الدين لغير أغراضه ويتخذونه سلاحاً للقبول بسلطة الظالم، من قبيل: (إن الحاكم ظل الله في الأرض)، لذلك نجد الكواكبي يعتقد بأن الاستبداد السياسي يستشري ويتسع حيث ما يوجد الاستبداد الديني، لذلك يقول: «متى وجد أحدهما في أمة جر الأخر إليه» أو «متى زال، زال رفيقه وإن صلح أي ضعف أحدهما صلح أي ضعف الثاني» (ص 31) بمعنى أن ضعف الاستبداد الديني يؤدي إلى ضعف الاستبداد السياسي.
نجد الكواكبي ونتيجة لما سبق ينظر باحترام وتقدير لكل حركات الإصلاح الديني في العالم، لا سيما التي حصلت في الغرب، فالبروتستانتية كما يعتقد مفكرنا، بوصفها حركة إصلاح ديني كانت «أشد تأثيراً في الإصلاح السياسي والأخلاقي من تأثير الحرية المطلقة السياسية في جمهور اللاتين، أي الفرنسين والطليان والاسبانيول والبرتغال... وأن ما من امة أو عائلة أو شخص تنطـّع في الدين أي تشدد إلا واختل نظام دنياه وخسر أولاه وعقباه» (ص 31).
إن هذا الخلط أو الاشتراك بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي انعكس سلباً على رؤى العامة، فتكون لديهم اعتقاد بان هناك كثير من الصفات المشتركة بين عظمة الخالق وجبروت المستبد، وبعبارة الكواكبي: «يجد العوام معبودهم وجبارهم مشتركين في كثير من الحالات والأسماء والصفات، وهم هم، ليس من شأنهم أن يفرقوا بين (الفعّال المطلق)، والحاكم بأمره، وبين من (لا يسأل عمى يفعل) و(غير مسؤول)، وبين (المُنعم) و(ولي النعم)، وبين (جل شأنه) و(جليل الشأن) وبنائاً عليه. يعظمون الجبابرة تعظيمهم لله، ويزيدون تعظيمهم على التعظيم لله لأنه حليم كريم ولأن عذابه آجل غائب، وأما انتقام الجبار فعاجل حاظر»(ص30).
لربما بنظرة بسيطة إلى هذه النصوص السابقة نستطيع أن نتبين مدى حرص الكواكبي عل بناء مجتمع أهم مقوماته هي الإصلاح الديني، واعتقاده بأهمية وضرورة ذلك الإصلاح، كونه مدرك تماما أن المجتمع الذي يعيش فيه مجتمع يشكل الدين ركننا أساسيا في بناء نهضته، وهو في الوقت نفسه مدرك لأهمية المقومات الأخرى، مثل اللغة والعرق والتاريخ المشترك، ولكنه يعتقد بأن نهضة هذا المجتمع لا يمكن أن تتم من دون الإصلاح الديني، لان الدين كان سبباً رئيسياً من أسباب نهضته في العصور السالفة، وهذه النهضة التي أنجزتها الرسالة المحمدية كانت مبعثاً للتنوير في أوربا ودول الغرب، وما كانت الحضارة الغربية لتصل إلى ما وصلت إليه لو لم يكن الشرق الواسطة والحلقة المعرفية التي نقلت حضارة اليونان وصبتها في قالب حضاري جديد يحمل طابع الدين الإسلامي بشكله النهضوي الحواري الذي انفتح على حضارات الأمم الأخرى من غير عقدة في الحوار أو عقدة في معرفة علوم الحضارات التي سبقتنا.
لطالما كانت الرسالة الإسلامية دافعاً نهضوياً وبناءً حضارياً وإصلاحا دينياً، فقد وجدنا الكواكبي، فضلاً عن كونه يعتقد بضرورة العودة إلى النبع الأصيل متمثلاً بالرسالة الإسلامية، إلا أنه لا يجد مانعاً من الإطلاع على حركات الرقي والتقدم في الحضارات الأخرى، وكأنه يعيد لنا سيرة الفلاسفة المسلمين، لاسيما الكندي وابن رشد اللذين طالبا بضرورة الإفادة من الأمم التي سبقتنا في التقدم،لذلك نجد سيرة الكواكبي وكأنها استنهاض لهذه الرؤى،وإعادة قراءة لهذا التاريخ في ضوء مستجدات العصر.
لكي يكون نقد الكواكبي للاستبداد الديني وعلاقته بالاستبداد السياسي أكثر نضجاً نجده يعود إلى الحضارة اليونانية ويستفيد من طروحاتها في بناء الوعي السياسي الذي يبتغيه للمجتمع العربي والإسلامي،فهو يعتقد أن حكماء اليونان هم أول من استخدم الدين في الإصلاح السياسي «حيث تحيلوا على ملوكهم المستبدين في حملهم على قبول الاشتراك في السياسة بإحيائهم عقيدة الاشتراك في الإلوهية، أخذوها عن الآشوريين ومزجوها بأساطير بصورة تخصيص العدالة بإله، والحرب بإله، والأمطار بإله، إلى غير ذلك من التوزيع، وجعلوا لإله الآلهة حق النظارة عليهم، وحق الترجيح عند وقوع الاختلاف بينهم» (ص32) الأمر الذي دفع اليونانيين إلى مطالبة حكامهم بالنزول من مقام الإلوهية طالما أن الإله ليس له الحق بالتصرف بكل شيء، وجعلهم حكم الأرض شبيها بحكم السماء مبنياً على الاعتقاد بإنسانية الإنسان أولاً التي تجعل الحاكم مساوياً لأبناء شعبه، الأمر الذي سهل عليهم بناء جمهوريات مثل أثينا و إسبارطة.
وحكم الإسلام كما يعتقد الكواكبي ليس بعيداً عن ذلك إن كان فيه محاولة للتوفيق بين الديمقراطية والارستقراطية،إلا أن القاعدة التي جاء بها النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» تجعل الإسلام أقرب إلى الديمقراطية منه إلى الارستقراطية، اعتمادا على هذا النص، فكل مسلمٍ سلطانٌ عام ومسؤول عن الأمة في الوقت نفسه، وهذا هو مبتغى الديمقراطية التي تريد أن تجعل من الشعب حاكماً لنفسه (ينظر ص 36).
والدين برأي الكواكبي ليس العبادة، وإنما هو «بذرٌ جيد لا شبهة فيه، فإذا صادف مغرساً طيباً نبت ونما، وإن صادف أرضاً قاحلة مات وفات، أو أرضاً مغراقاً هاف ولم يثمر»(ص 84). و يتساءل الكواكبي عن ماهية أرض الدين «أرض الدين هي تلك الأمة التي أعمى الاستبداد بصرها و بصيرتها وأفسد أخلاقها ودينها، حتى صارت لا تعرف للدين معناً غير العبادة والنسك اللذين زيادتهما عن حدهما المشروع أضر على الأمة من نقصهما... نعم، الدين يفيد الترقي الاجتماعي إذا صادف أخلاقاً فطرية لم تفسد، فينهض بها كما نهض الإسلام بالعرب، تلك النهضة التي نتطلبها منذ ألف عام عبثاً» (ص 84).
إذا نظرنا إلى الدين بوصفه فاعلاً إيجابياً في تقدم الشعوب، فإنه في الوقت نفسه من الممكن أن يكون عنصراً سلبياً في تأخر الشعوب، وهذا ما لاحظه الكواكبي في قراءته لمقولة ماركس «الدين أفيون الشعوب»، وهو يؤيد هذه المقولة حينما يصبح الدين «كالغيم يغشي نور الشمس» وهذا الأمر صحيح بالنظر إلى «الأديان الخرافية» بعبارة الكواكبي والتي لم تقف عند حد الحكمة، «كالدين المبني على تكليف العقل بتصور أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد. لأن مجرد الإذعان بما لا يعقل، برهان على فساد بعض مراكز العقل»، أما الأديان المبنية على العقل المحض فتكون انفع للناس من الوقوع في الخرافة وأقوى مؤثر لتهذيب الأخلاق. (ينظر ص 89).
وهنا تكمن فائدة الدين، أي حينما يكون مرادفا وموافقا للعقل، وما وجود منكري الدين إلا لاعتقادهم بتعارض العقل مع الدين ولوجود من يتخذ الدين أداة للسلطة ومخدراً للشعوب، وهذا نابع باعتقاد الكواكبي من «عدم إطلاعهم على دين صحيح، مع يأسهم من إصلاح ما لديهم» (ص 99). وإذا أردنا أن نحقق نهضتنا المرجوة فيجب علينا أن نتخذ من الدين والعقل أداتين لنشر الوعي وذلك ما سبقتنا به الأمم، لاسيما أوربا وأمريكا، ففضلاً عن الإصلاح الديني الذي حصل في أوربا وأمريكا على يد (مارتن لوثر) و(راموس) نجد أن العلم قد هداهم «لطرائق شتى وأصول راسخة في الاتحاد الوطني... فما بالنا نحن لا نفتكر في أن نتبع إحدى تلك الطرائق أو شبهها» (ص 106)، ونحن أكثر تميزاً من الغرب كما يعتقد الكواكبي لأن الدين كان جامعاً لا مفرقا لنا وسبباً من أسباب نهضتنا الأولى، ولم يكن لدينا إكلوريوسا دينياً كما كان في أوربا.
إن ما يميز الكواكبي عن غيره من المصلحين العرب المسلمين أنه لم ينظر إلى الغرب بوصفه (آخر) يشكل عقدة في بناء الذات، بل نظر إلى الغرب على الرغم من كونه محتلاً للشرق على أنه (مكمل حضاري)، وابتعد بشكل واضح في كتاباته عن الرؤيا للغرب بوصفه عائقا للتقدم والنهضة، وانصب جل جهده على نقد الذات بوصفها سببا أساسيا في قبول التخلف لاسيما قبولها بالاستبداد الذي بالخلاص منه تحل كل مشاكل التخلف في الشرق، لذلك وضع عشر جمل رآها تشكل رأس الحكمة في كسر قيود الاستبداد والتخلص من التخلف، وهذه الجمل هي:
1- ديني ما أظهر ولا أخفي.
2- أكون حيث يكون الحق ولا أبالي.
3- أنا حر وسأموت حراً.
4- أنا مستقل لا أتكل على غير نفسي وعقلي.
5- أنا إنسان الجد والاستقبال (المستقبل) لا إنسان الماضي والحكايات.
6- نفسي ومنفعتي قبل كل شيء.
7- الحياة كلها تعب لذيذ.
8- الوقت غالي عزيز.
9- الشرف في العلم فقط.
10-أخاف الله لا سواه (ص 110).
بقراءة بسيطة لهذه الجمل نجدها تدور كما ذكرنا سابقا حول بناء الذات واستنهاض الهمم عن طريق العلم والحرية والعمل والابتعاد عن التفكير بالماضي كونه يشكل عائقا (كما هو ملاحظ في رأي الكواكبي) عند العرب، لان العربي يعيش الحاضر ويحمل على أكتافه الماضي، فضلا عن دعوة الكواكبي إلى احترام الوقت واستغلاله بشكل مثمر، فضلا عن دعوته لمخافة الله لا مخافة المستبد، وكل ذلك يجعل الكواكبي باعتقادنا مفكراً يعيش هم المجتمع عبر قراءة معرفية تحليلية لواقع المجتمع، لا قراءة آيديولوجية عقائدية تعيش عقدة الآخر فنجده يخاطب الشرق أولا والغرب ثانيا بالقول:
- «رعاك الله يا شرق! لا نرى من غِيَر الدهر فيك ما يستوجب هذا الشقاق لبنيك ويستلزم ذلهم لبني أخيك.فلماذا قد أصبحت إذا انقطع عنك مدد أخيك بمصنوعاته يبقى أبناؤك عراة حفاة في ظلام، بل يمنيهم فقد الحديد بالرجوع إلى العصر النحاسي بل الحجري الموصوف بعصر التعفن».
- «رعاك الله يا شرق! بل رعى الله أخاك الغرب العائل بنفسه والعائل فيك، وقاتل الاستبداد،بل لعن الله الاستبداد المانع من الترقي في الحياة، المنحط بالأمم إلى أسفل الدركات، ألا بعداً للظالمين».
- «رعاك الله يا غرب! وحياك وبياك، قد عرفت لأخيك سابق فضله عليك، فوفيت وكفيت وأحسنت الوصاية وهديت،وقد اشتد ساعد بعض أولاد أخيك فهلا ينتدب بعض شيوخ أحرارك لإعانة أنجاب أخيك على هدم ذاك السور، سور الشؤم والشرور، ليخرجوا بإخوانهم إلى أرض الحياة، أرض الأنبياء الهداة، فيشكرون فضلك والدهر مكافأة»؟!
- «يا غرب لا يحفظ لك الدين غير الشرق إن دامت حياته بحريته، وفقد الدين يهددك بالخراب القريب، فماذا أعددت للفوضويين إذا صاروا جيشا جرارا، وماذا أعددت لديارك الحبلى بالثورة الاجتماعية ؟ هل تعد المواد المتفرقعة، وقد جاوزت أنواعها الألف؟ أم تعد الغازات الخانقة وقد سهل استحضارها على الصبيان؟»(ص108).
قواعد الخلاص من الاستبداد:
وضع الكواكبي ثلاث قواعد للخلاص من الأستبداد هي:
1- الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية.
2- الاستبداد لا يقاوم بالشدة إنما يقاوم باللين والتدرج.
3- يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ماذا يستبدل به الاستبداد (ص124).

(*) استاذ الفلسفة المساعد، الجامعة المستنصرية، بغداد.
المصدر: الكواكبي عبد الرحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، دار المدى،سوريا،2004م.