الحضارية «دراسات مستقبلية»

الاحد: 15/06/2008


الفلسفة العربيّة المعاصرة
(نظرة مستقبليّة)(2/2)

الدكتور/ نبيل رشاد سعيد(*)

 فلسفة مستقبليّة (أ):
الواقع، لا يوجد فيلسوف عربي معاصر بالمعنى الكلاسيكي مثل: أفلاطون، وأرسطو، وهيجل... وغيرهم، إنما يوجد مفكرون جيدون قدموا لنا الفلسفة القديمة والحديثة وأحيوها سواء الفلسفة العربيّة أو الغربيّة، أو كما قال «معمر القذافي»(1) لا توجد فلسفة عربيّة معاصرة منذ زمن ابن رشد، إنما يوجد «مفسرون» للفلسفة، لذلك فإنه يسمي الفلسفة بـ «علم التفسير» لأن القذافي يرى بأننا نحن العرب نأتي بالفلسفة اليونانيّة أو الأوروبيّة ونشرحها ونفسرها دون إبداع فلسفي حقيقي.
نحن ننتظر فلسفة جديدة، فلسفة مستقبليّة تحمل قيم الحاضر وتحضر للمستقبل، ولكن لا بد من القول أنه من المحال للإبداع الفلسفي أن يعبر عنه فيلسوف فرد، لأن ذلك يتطلب جهداً إبداعيّاً جماعيّاً لا فرديّاً إذ يتلاءم مع التقدم الحاصل من انفجار معلوماتي.
أين الفلسفة التي تكشف لنا عن حاضرنا ومستقبلنا في هذا العصر «عصر التعقيد»، عصر المعلومات؟ «لقد ولى عصر البساطة إلى الأبد، ولا مناص من مواجهة التعقيد وجهاً لوجه، ولا مكان هنا للنظريات العلميّة الشاملة والصروح الفلسفيّة الشامخة، وعلى العلم أن يعيد بناء نفسه بصورة جذريّة...»(2) .
لا نريد فلسفة تعطينا تصوّراً مجرداً للوجود، أو فكرة شاملة عن الكون، لا نريد فيلسوفا يبت لنا (وجود العالم).. ولسنا بحاجة إلى من يقول لنا أن العالم يتكون من ذرّات ماديّة أو(روحيّة). لقد عرف الإنسان الذرة قبل قرن من الزمان وتمكن من تفجيرها في القرن العشرين..
إن الفلسفة الجديدة المطلوبة فلسفة تعبر عن عصرها، فكل الفلسفات السابقة فلسفات كلاسيكيّة.. فالبراجماتيّة والماركسيّة وغيرهما عبارة عن أيديولوجيّة أو نسق من الأفكار المتناغمة المنسجمة والتي تعبر عن فكر فيلسوف معين أو مجموعة فلاسفة.. فالبراجماتيّة تعبر عن مفكرين تكاملت أو تكاد أن تتكامل فلسفتهم بأفكارهم المتواصلة: بيرس، ووليم جيمس، وجون ديوي... والماركسيّة إنما تكونت من أفكار هيجل وفرباخ وأنجلز، ولينين.
نريد فلسفة ذات مسارات مستقبليّة، بمعنى فلسفة تكشف لنا الطريق وترسم لنا السيناريوهات لتجنبنا المخاطر والصدمات أو التصدعات وتحذرنا منها. وذلك يأتي من خلال أفكار فلسفة مستقبليّة واعية تشكل مجموعة من السياسات المتكاملة: الواقعيّة والمفترضة، لأن «دراسة المستقبل موضوع فلسفي، لأن المستقبل هو جزء من كينونة الإنسان التي تتحرك دوماً بين قطبين: الماضي وما به، خبرات توجه الذات الإنسانيّة وتشكل ملامحها الأساسيّة، والمستقبل هو الأفق الذي تتجه إليه اللحظة الراهنة... والمستقبل هو جزء من الزمان، وهو موضوع انطولوجي، ولذلك فإن دراسة المستقبل تتداخل في حقول معرفيّة وفلسفيّة عديدة...»(3).
قد يقول قائل أن الماركسيّة مستقبليّة، والبراجماتيّة مستقبليّة، هذا صحيح، لكنهما وقفتا عند خط ثابت معين وعبرتا عن عصرهما الصناعي، الماركسيّة انتهت نظريّاً إلى نتائج علميّة بموجب «الماديّة التاريخيّة»، وهو يشكل نهاية المطاف.. والبراجماتيّة عند وليم جيمس مثلاً الوسيلة التي هي محاولة لتكوين نظريّة منطقيّة دقيقة للمدركات العقليّة والأحكام والاستنباطات(4).
إنهما عبرتا عن العصر الصناعي ولم تقدما لنا طرقاً أو سيناريوهات نابعة من عصر المعلومات والانترنيت.. والمقصود بالسيناريوهات هي نماذج تقام على أساس من المتغيرات هادفة إلى تشكيل صورة للمستقبل.
إن الماركسيّة والبراجماتيّة كانتا أداتين بين الأفراد والمجتمعات ـ كما أشرنا ـ في حين نحن نريد فلسفة عربيّة عالميّة تلتقي مع فلسفات مستقبليّة أخرى، ولا بد للفلسفة الجديدة أن تقوم على الافتراضات، أو جهود علميّة منظمة تعتمد على آخر ما توصل إليه العلم والفكر الإنساني.
إن الفلسفة العربيّة الجديدة أو أية فلسفة أخرى هي «فلسفة عالميّة»، لأن العالم الآن أصبح أشبه بالقرية الصغيرة، بفضل علم الاتصالات والتقدّم العلمي الفائق، لهذا إن أية فلسفة تشكل أنساقاً على الطريقة الكلاسيكيّة سوف لن تكون فلسفة، بل وخارج هذا العصر.. إن الفلسفة الجديدة إذا ولدت فإنها سوف تشمل الإنسان في كل مكان.. وليس هناك فلسفة، بعد الآن، تعبر عن مجتمع بعينه، فكل المجتمعات خاضعة للعولمة. وعلى الفلسفة أن توظف تقنيات عصر المعلومات بحيث توصل الفكر الفلسفي بالحياة الواقعيّة التي نعيشها والتنبؤ بما سوف يحدث غداً، والفلسفة الحقيقيّة «الحيويّة» هي التي سوف تكون قادرة على قراءة أحداث الحياة الراهنة، حياة عالم ما بعد الصناعة.
فلسفة عربيّة جديدة (ب):
إن قضيّة إبداع فلسفة عربيّة جديدة تكون نتاج جهود جملة من الظروف الملائمة، مع الالتقاء بالفكر الغربي والصيني والياباني الفلسفي الجديد. إن ذلك سيؤدّي إلى طرح تصوّرات جديدة تعبر عن هذا العصر.«وها نحن الآن مع الثورة العلميّة والتكنولوجيّة التي ترتبط بمعالجة المعلومات والآلات المبرمجة التي تعمل ذاتيّاً وتكنولوجيا الأحياء والوراثة والذرة»(5).
إن أي فلسفة جديدة تعتمد على معرفة جديدة، هي معرفة (عصر المعلومات) تختلف عن طرق المعرفة التقليديّة.. مع القطيعة الكاملة للآراء والأساليب التي ذهب زمانها.
وستكون خصائص الفلسفة الجديدة كما نتصور هي:
أولاً ـ معرفة لا تعتمد على ضياع الجهد العقلي في مفاهيم مثل: أسبقيّة الماهيّة على المادّة، والجواهر الفردة، أو أصل العالم هل هو مادّي أو روحي.. الخ، مع التخلص من فكر أرسطو وديكارت.
ثانياً ـ التخلص من المعرفة الواحديّة: لا يوجد تخصص في عصر المعلومات.. فالعلم كله يشكل نسقاً واحداً عاماً لا يفرق بين الفلسفة والعلم والفن.
ثالثاً ـ لا يوجد مقدس في المعرفة الجديدة: فهي تخترق جميع الحجب.. ودون وجود خطوط حمر لسبر أغوار ما يواجهه العقل من مشكلات.
إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات سوف تؤثر في تأسيس فلسفة جديدة، فلسفة يتطلب منها الديناميكيّة والتواصل.. فلسفة تقدم أنماطاً جديدة للحياة الاجتماعيّة.. وإن العقل الذي يصنع هذه الفلسفة لا يقتصر على ذكاء الإنسان، بل هناك الذكاء الاصطناعي ذكاء النظم والآلات.
لقد أطاحت التكنولوجيا الساحقة بكثير من الأسس التي قامت عليها الصروح العلميّة والفلسفيّة، وأعملت معول الهدم في الحواجز التي أدت فيما مضى إلى تشرذم النسق، الشامل للمعرفة الإنسانيّة، وأحالته إلى جزر منعزلة.. لقد بات إنسان اليوم في حاجة إلى عقل جديد جسور يعلن القطيعة الكاملة مع عقل ماضيه(6).
إذا أردنا أن نصنع فلسفة عربيّة جديدة تعبر عن حاضرنا ومستقبلنا يجب أن نستخدم أدوات فكريّة جديدة، للوصول إلى صياغات جديدة من أجل وضع سياسات قادرة على سبر أغوار التعقيدات الاجتماعيّة، وبلورة أراء وأفكار وحلول... وبواسطة هذه الحصيلة الفكريّة التي تكون بمثابة أدوات فكريّة قادرة على حل المشكلات الإنسانيّة المتجددة في عصر المعلومات. «وتأتي معرفة عصر المعلومات لتجسد المغزى الخطير لكون المعرفة قوة... أو ما يتطلب.. تحليلاً دقيقاً لعلاقة تكنولوجيا المعلومات بالعقل صانع هذه المعرفة»(7).
إن الفلسفة لا تتوقف، لأن عقل الإنسان لن يتوقف في التفكير في الكون والوجود والعلم والإنسان نفسه، ومهما أدرك الإنسان بعض أسرار الوجود، فإن هناك أشياء جديدة تتولد كفيلة بالبحث العلمي والفلسفي.. لأن العالم متغيّر، وهذا التغير والتبدل يؤديان إلى معرفة جديدة وهكذا فالفلسفة تتجدد... لذلك من الخطأ التبشير بموت الفلسفة ـ كما أشرنا سابقاً ـ على أساس أنها قد استنفذت طاقتها نهائيّاً، أو أن ما قدمته قد وصل إلى نهايته.
الفلسفة والصدمة:
يوصف العقل العربي بأنه عقل ماضوي، وعقل يركن إلى الدّين أكثر ما يركن إلى التفكير المجرد. «إن العقل العربي ـ في غالبيته ـ إما أنه صنيعة سلفه، أو صنيعة غيره»(8).
والعقل العربي إما شارح أو مفسر للفلسفات السابقة.. لذلك يفتقد للنظرة الحاضرة والمستقبليّة، «والعقل العربي في رهانه حائر بين إرث ماضيه ومطالب حاضره وتحديات مستقبله، عقل ترهل وتشوّهت رؤاه وتهرأت عدته المعرفيّة، فراح يجتر مقولاته القديم ويردد مقولات غيره، وما أندر ما يستوعبها، وهو يرزح منذ زمن تحت نير التبعيّة بجميع صنوفها: فكريّة وعلميّة وتعليميّة وإعلاميّة وإبداعيّة وتكنولوجيّة...»(9).
إذا بقي المفكرون العرب على كبوتهم.. وإذا استمرّوا في وضع أجداث فوق أجداث في الأفكار التي ولدت منذ زمن أفلاطون إلى ابن رشد إلى ديكارت وغيرهم.. نقول إذا استمرّوا هكذا دون أن يدركوا صراعات الحاضر وحضور المستقبل المتسارع.. فإن مجتمعنا العربي ينذر بحدوث صراعات رهيبة تدل على تخلف وعدم إدراك بما تمر فيه الحضارة الجديدة.. فإن مجتمعنا سيعاني من الصدمات العميقة في الوقت الحاضر، وستكون التصدعات الأخلاقيّة والسلوكيّة أكثر قساوة في المستقبل، وإن ذلك يدل على أننا لم نستطع أن نتكيف مع عصر المعلومات. وهذا ما يسمّى «بالصدمة الفلسفيّة».
«إن معرفة عصر المعلومات تكاد تحيل قدراً لا يستهان فيه من معرفة الماضي وفلسفته إلى نوع من (الفلكلور العلمي) و (الميثالوجيا)، في الوقت الذي تسرع فيه تكنولوجيا المعلومات بانضمام كثير من إنجازات الماضي إلى دنيا المتاحف..» (10)، وليس المقصود هنا انقراض أفكار وعلوم وتكنولوجيا مضى عليها مئات السنين إنما، أيضاً، انقرضت إنجازات وصمت بالتخلف وعمرها لا يتجاوز خمسون عاماً، انقرضت أجيال من الكمبيوتر، والإنسان الآلي...الخ
وإن ما ينطبق على المجتمع الأوروبي والأمريكي من تأثيرات (الصّدمة أو التصدع)، ينطبق نوعاً ما ـ ربما بدرجة أخف ـ على المجتمع العربي، لأن المجتمعات الصناعيّة تعيش عصر ما بعد الصناعة.. في حين مجتمعاتنا العربيّة تعد مستوردة لتكنولوجيا الصناعة والاتصالات وهذا له تأثير كذلك بمرور الزمن على رأس المال الاجتماعي(11) (القيم والسلوك)
إن انتقال مجتمع من مرحلة إلى أخرى: الانتقال من الزراعة إلى الصناعة يؤدي إلى تصدع في القيم الأخلاقيّة.. إذ إن القيم التي كانت سائدة في مجتمع الزراعة تختلف عن القيم الجديدة التي ظهرت في المجتمع الصناعي.. ومن هنا يظهر التصدع الذي يؤدّي إلى الفوضى والجرائم والتمزقات. أو الانتقال من مرحلة صناعيّة إلى أخرى أكثر تقدماً سوف يحدث التصدع كذلك في القيم الأخلاقيّة. يقول فوكوياما: «هناك دلائل كثيرة تؤكد لنا أن نهايات القرن الثامن عشر، وبدايات القرن التاسع عشر كانت فترات زيادة الفوضى الاجتماعيّة والفوضى الأخلاقيّة..وأدت إلى الضعف في القيم الأخلاقيّة »(12). وإن هذا الوضع في التغير يؤدّي إلى «صدمات حياتيّة منها الارتفاع في معدلات الطلاق والانهيار العائلي...»(13).
وإذا لم تكن (الصدمة) قويّة جدا ً في الوقت الراهن فإنها سوف تكون خطراً كبيراً في المستقبل، وسوف يعاني منها المجتمع العربي إذ تعزز الحالة الجديدة في البلاد العربيّة ـ حالة استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ـ سلوك وقيم لم تكن معروفة من قبل ـ وهذه القيم الجديدة سوف تزيح بعض ما كان متعارف عليه في المجتمع وتحل محلها.
ولكن هل نحن كمخلوقات بشريّة قادرين على التكيّف والتلاؤم مع المتغيرات التكنولوجيّة الجديدة التي تغزونا استيراداً..وبعضها أصبحت صناعة محليّة؟
نحن في البلاد العربيّة لا نملك أية فلسفة جديدة تتلاءم مع المتغيرات الجديدة. والحقيقة نحن بحاجة إلى «فلسفة توافقيّة» بمعنى فلسفة جديدة منبثقة من مجتمع جديد، بدأت تغزوه التطورات والمتغيرات العلميّة الفائقة، والتي تخلق قيم جديدة، هذه القيم تتطلب من أفراد المجتمعات العربيّة التلاؤم معها.. وإذا لم يكن كذلك فسوف نجد المجتمع يعاني من «صدمة كبيرة» تتمثل بالأمراض النفسيّة وانعكاسها على الأفراد أو على المجتمع في حالة عدم التكيّف مع ما يستجد من عادات وقيم.
ففي أوروبا وأمريكا تعد صدمة المستقبل من أخطر أمراض اليوم والغد.. بالرغم من أنهم يستعدون لمثل تلك المظاهر الفرديّة والمجتمعيّة إلا أنهم على الرغم من ذلك يعانون من «الصّدمة المستقبليّة» بسبب عدم قدرتهم على التكييف والتلاؤم مع التقدم المذهل والسريع للتكنولوجيا العصريّة والتي تظهر منها أجيال متعاقبة لا يمكن التلاؤم معها قيماً وسلوكاً.. فالهوّة أو الفجوة موجودة وتتسع.. وبالتالي تفرز المعاناة من أمراض وجرائم.. فكيف ونحن في البلاد العربيّة لا نملك أي وسيلة لامتصاص صدمة المستقبل؟!
في المجتمعات الصناعيّة المتقدّمة ترغم الأفراد والمجتمع على أن يلعبوا أدواراً جديدة في حياتهم.. فهذه الصناعات تخلق قيما جديدة لم تكن موجودة فيما سبق.. وهذا بحد ذاته يشكل صدمة كبيرة لها عواقب وخيمة على الرابطة الاجتماعيّة كالعلاقة بين الأفراد مثل الزواج والعادات والتقاليد والسّلامة النفسيّة للفرد.. وهذا الأمر متصاعد وقد يصل إلى حد الدّمار.. إذا ما وجدنا ما يخفف تلك الصّدمة لاستقبال الجديد من القيم أو خلق توازن داخل الفرد نفسه وداخل المجتمع.
نريد فلسفة تنبثق من حياتنا المعاصرة.. ولا نعيش على إعادة إنتاج فلسفات كما جاءت عند الغزالي (1058 ـ 1111)م من نفي العليّة، وعند ابن سينا (980 ـ 1198)، وابن رشد، في الجزء الذي لا يتجزأ أو تقليد للفلسفة الغربيّة... هل يجوز أن نستعين بفلسفة الغزالي أو نرتد إلى من ينقذنا مثل أفلاطون وأرسطو.. ألا يكفي أن نعلم أبناءنا في المرحلة الأوليّة الجامعيّة من هؤلاء؟ هل يجوز في عصر «ما بعد الصناعة» التي تعيشها أوروبا ونحن نترك أنفسنا مع أطر فكرية صارت غير قابل للتحليل والتأويل.. إن كثيرا من الاطرالفكرية السابقة يتطلب «القطيعة الابستمولوجيّة الكاملة».
لا بد من توضيح مسألة هامة هي: أننا نقصد بالقطيعة هنا غير ما تقصده الماركسيّة والوضعيّة، فإن «الماركسيّة والوضعيّة وما عرف عنهما من التزام بالميول العلمانيّة والمناهضة للميتافيزيقا كان حتماً عليهما لهذا السبب أن يضعا بين قوسين مذاهب الفكر الشرقيّة أسوة بالمذاهب الميتافيزيقيّة والدينيّة المعروفة في الماضي الأوروبّي».(14) أما القطيعة التاريخيّة، فهي تعني القطيعة للاستمراريّة الثقافيّة. فالتاريخ سلسلة من الأحداث المستمرّة المتراكمة.
يجب علينا أن نتبع ما يحدث من تطور فلسفي وعلمي لمواكبة عصر سريع الحركة والتغيير له تأثير كبير في السلوك والحياة المستقبليّة للمجتمع.
إننا في البلاد العربيّة لا نعيش خارج هذا العالم، وبالتالي يجب أن لا نعيش خارج هذا العصر «عصر ما بعد الصناعة»، لأنه يفرض نفسه علينا شئنا أم أبينا. «إن التغيير يجري اليوم في المجتمعات المتقدمة تكنولوجيّاً بسرعة بلا توقف لدرجة إن ما كانت تعتبر حقائق بالأمس قد أصبح اليوم مخلفات، وبات من العسير على أكثر أفراد هذه المجتمعات ذكاء ومهارة أن يلاحقوا طوفان المعرفة الجديدة حتى في أضيق المجالات»(15).
إن المجتمع الأوروبي يعاني آلام التغيير الثوري:«إن ما يحدث اليوم في الأمم المتقدمة تكنولوجيّاً إنما هي ثورة تمزق المؤسسات وعلاقات القوى»(16).
صحيح أن مجتمعنا لم يدخل بعد مرحلة «عصر ما بعد الصناعة» من أبوابه الواسعة.. إلا أنه مقبل على ذلك.. وأنه يعد من مستخدمي تكنولوجيا الاتصالات... الخ، وهذا يجعلنا نؤكد على الدراسات المستقبليّة للتوقي من صدمة المستقبل، والتأثيرات التي تؤدي إلى تغيير القيم (رأس المال الاجتماعي) إذ أننا سنعيش حياة جديدة ما دمنا ضمن هذا العالم نتأثر فيه تأثيراً عميقاً وإننا مقبلون في المستقبل على مجتمع مغاير تماماً هو مجتمع «صناعة الخدمات»، فضلاً عن العلوم الجديدة كعلم «الاستنساخ». ولا يمكن الاستهانة بالاستنساخ ودوره في المستقبل وتأثيره على حياتنا نحن العرب.. فما دامت الخليّة تحوي الصفات الوراثيّة فيمكن في المستقبل القريب التحكم بصفات البشر وإيجاد نسخ يمكن التحكم بأشكالها من خلال التحكم في صفات الخليّة الموروثة.. وهكذا ستجري على الإنسان تغيرات تقلب القيم بل ونظرة الإنسان نحو الحياة.. وعلى هذا نحن في أشد الحاجة إلى فلسفة عربيّة جديدة تتوافق مع الفلسفات الغربيّة المعاصرة لتعطي نظرة جديدة للحياة والكون عموماً.
خاتمة: بطبيعة الحال إننا لم نقدم اقتراحا لفلسفة معينة، إنما كلامنا حول فلسفة يجب أن تولد في مجتمع جديد لطبيعة حياة جديدة «مجتمع عصر المعلومات» أو «عصر الموجة الثالثة»، أو «عصر ما بعد الصناعة».
وفي هذا المقام لا بد من القول إننا نعني بالفلسفة أنها «بنت عصرها».. أي فلسفة نتاج عصر المعلومات الذي يشمل الإنسانيّة كلها.. فالفلسفة إنسانيّة وليست «بنت بيئتها» العربيّة أو الأوروبيّة أو الصينيّة... فالعالم سيصبح قرية صغيرة.
صحيح أننا في الدول العربيّة لم ندخل عصر الصناعة أصلاً، فكيف نتكلم عن عصر ما بعد الصناعة.. في الواقع أن مجتمعاتنا العربيّة تتعامل مع عصر المعلومات.. وإن كان ذلك بالاستيراد أو سوء الاستخدام وعدم الإبداع . ومع ذلك وحتى لا نعيش خارج عصرنا يجب التفاعل والمساهمة في هذا العصر«عصر العولمة».
والفلسفة هي جهد من أجل فهم الحياة في المرحلة التي يمر فيها المجتمع الإنساني، والتخفيف من معاناته، وإلا تحولت الفلسفة إلى ترف فكري لا جدوى منه، لهذا يجب أن نتخطى المفهوم التقليدي لنظرتنا للحياة، وننسجم مع العصر.
ومتى أقمنا القطيعة مع الأفكار المستهلكة.. استطعنا خلق نموذج جديدً وتصورات جديدة مستمدّة تنوعاتها الفكريّة والعلميّة من عصرها.. والابتعاد عن الفهم الجامد«المتعصب» المرتبط بزمان ومكان معينين، إن صياغة الأفكار الجديدة يجب أن تتلاءم مع الحاجات الجديدة.
من المفترض ـ حسب رأينا ـ أن تتصف الفلسفة الجديدة، والتي يمكن إجمالها بما يأتي:
أولاً ـ أن تكون فلسفة نابعة من عصر المعلومات، عصر العولمة (عصر ما بعد الحداثة)،أي التحرك في فضاء فلسفة العصر ومواجهة الفكر الحداثي الغربي.
ثانياً ـ أن تكون فلسفة لا قوميّة، لا دينيّة، لا حزبيّة، بل فلسفة ذات نظرة عالميّة تعبر عن تطلعات الإنسان في كل مكان، ولا تعبر عن أيديولوجيّة معينة.
ثالثاً ـ أن تتبنى المناهج التي تنسجم مع طبيعة عصر المعلومات، وعدم الجنوح إلى المناهج الكلاسيكيّة التي تعيش الماضي وتلتصق بمفاهيمه الخارجة عن روح العصر الجديد، بمعنى التخلي عن مبدأ الأصل الثابت والتام في الفلسفة.
رابعاً ـ فلسفة نقديّة عصريّة تعلن القطيعة مع كثير من الموروثات الأخلاقيّة، والفكريّة، أي فلسفة لا تعترف بالفلسفة التي ترتبط بقيم معيقة للتقدم و مفاهيم الماهيّة أو الهيولى، أو التوفيق بين العقل والنقل... الخ.
خامساً ـ فلسفة مستقبل ترسم نماذج المستقبل، لأن عصر المعلومات والذي يدخل إلى كياننا النفسي والاجتماعي بقوّة، إنه عصر سريع التغير والتبدل في القيم والأخلاق التي تتولد من التطورات العلميّة وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات التي تنتج قيم جديدة وأفكار جديدة. كل ذلك يتطلب الانسجام معها والتخفيف من صدمتها.
إذا لم يشارك العقل العربي الفكر الآخر.. معنى ذلك أننا نرفض الحضارة الجديدة، ونريد البقاء متوقفين عند مقولات أرسطو وديكارت.. إن هذا العالم هو عالم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وإذا لم نشارك فيه فإن العالم لا ينتظرنا.
 

الهوامش

ـــــــ

(*) كلية الآداب ـ جامعة بغداد.
1. معمر القذافي: (1943) زعيم ليبي،قاد حركة الضباط الوحدويين الأحرار التي أطاحت بالنظام الملكي. صاحب نظريّة سمّاها النظريّة العالميّة الثالثة أو (الكتاب الأخضر).
2. نبيل علي، وناديا حجازي: الفجوة الرقميّة، ص 201.
3. أوليفر ليمان: مستقبل الفلسفة في القرن الواحد والعشرين، (آفاق جديدة للفكر الإنساني)، سلسلة عالم المعرفة، عدد 301، ترجمة مصطفى محمود محمد، مراجعة رمضان بسطاويطي، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 2004، ص 13.
4. رالف ـ ت. فلولنج: فلسفة القرن العشرين، ترجمة عثمان نوية، راجعه زكي نجيب محمود، نشره داجوبرت د. ورونز، مؤسسة سجل العرب، القاهرة، 1963، ص 244.
5. فؤاد مرسي: الرأسماليّة تجدد نفسها، ص 22.
6. نبيل علي، وناديا حجازي: الفجوة الرقميّة، ص 198.
7. المرجع نفسه، والصفحة.
8. المرجع نفسه، ص 200.
9. المرجع نفسه، ص 199.
10. المرجع نفسه، ص 197.
11. رأس المال الاجتماعي: المقصود فيه هو القيم والمعايير الأخلاقيّة. وفي هذا الصدد نشير إلى أن رأس المال المادّي يقصد فيه (الأرض، الأبنية). أما رأس المال البشري هو (المهارات، والمعرفة النظريّة).
12. فرانسيس فوكوياما: التصدع العظيم (الفطرة الإنسانيّة وإعادة تشكيل النظام الاجتماعي)، ترجمة عزة حسين كبة، بيت الحكمة، ط 1، العراق، بغداد، 2004، ص 298.
13. المصدر نفسه: ص100.
14. جي. جي. كلارك: التنوير الآتي من الشرق (اللقاء بين الفكر الآسيوي والفكر الغربي)، سلسلة عالم المعرفة، عدد 634، المجلس الوطني للثقافة،الكويت، 2007، ص 179 ـ 180.
15. ألفن توفلر: صدمة المستقبل (المتغيرات في عالم الغد)، ترجمة محمد علي ناصيف، تقديم أحمد كمال أبو المجد، نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة، ط 2، 1990، ص 162.
16. المصدر نفسه، ص 191.