|
السبت: 14/06/2008
الفلسفة العربيّة المعاصرة
(نظرة مستقبليّة)(2/1)
الدكتور/ نبيل رشاد
سعيد(*)
(خاص للمعهد)
تمهيد:
أين موقع الفلسفة في حياة الإنسان العربي المعاصر؟ أين دور الفلسفة في
عصر العولمة والمعلومات؟ هل للفلسفة دور في الحياة المعاصرة كأيديولوجيا
أو أداة يستخدمها الإنسان ليسترشد بها؟ هل لدينا فلاسفة أصلاً لكي نسأل
عن الفلسفة؟
هذه الأسئلة تلخص لنا أزمة «وجود فلسفة» في الفكر العربي المعاصر.
لقد وصل العلم إلى مرحلة متقدّمة في القرن التاسع عشر فسجل موعد رحيل
الفلسفة أو هو موعد إعلان عقمها، بل نهايتها.. هكذا أخبرنا «أوجست كونت»
صاحب المراحل الثلاث في تاريخ الفكر الإنساني، وهكذا أخبرنا، أيضاً، كارل
ماركس في (بؤس الفلسفة) فعندما ظهرت التكنولوجيا والعلم، كل شيء أصبح
خاضعاً للتجربة والمشاهدة، وأعطى نتائج عينيّة ملموسة.. وكل ما عدا ذلك
أوهام وميتافيزيقا.
فهل حقيقة أن الفلسفة قد انتهت مهمتها بظهور العلوم والتكنولوجيا؟
إن ظهور فلسفة جديدة متزامنة مع ظروف عصر من العصور تؤدّي إلى انعطافة في
المجتمع، أي أن الفلسفة تهز أي مجتمع معين، بل ومجتمعات أخرى، تبعاً
لحيويتها، وتؤدّي بالمجتمعات إلى حدوث تغيرات في سلوكها، ونظرتها للحياة
والعلم، أي تتجه اتجاهاً جديداً.نحن في الحقيقة نسأل عن دور الفلسفة في
عصر الانترنيت، عصر الديمقراطيّة.
إن الجيل الراهن، وإن الأجيال المقبلة ستشهد حياة جديدة وسياسة جديدة
أكثر تغيراً، سوف لن تكون هناك حكومات حقيقيّة، بل حكومات الكترونيّة،
وما سوف يظهر في المستقبل من أنظمة جديدة (لا يمكنها تسييس الناس
والسيطرة عليهم وتوجيههم الوجهة التي يريدها الحاكم، أو الحكومة
الديمقراطية التي تحكم بالبرلمان أو غير ذلك).. فالحكومات المستقبليّة
ليست تسييس وتوجيه، فسيكون وضع المجتمع والعلاقات الاجتماعيّة ذات بنية
مختلفة تماماً.. إذن نحن بحاجة إلى فلسفة جديدة.
معنى ذلك أن الإنسان سيصبح حراً من السلطة، إن مؤسسات الدّولة كالبرلمان
والأجهزة مجرد معالم من زمان انقضى، فلا حاجة للمواطن الخضوع للسلطة أو
الحكومة بالمعنى التقليدي.. فسوف لن يتعامل المواطن معها إلا بالقدر
المحدد جداً.. وهكذا ستتغير كثير من الوقائع.. فالإنسان الذي يدافع طوال
عمره عن حريته وكرامته ويعبر عن ذلك بسلاح الفلسفة والدين والاحتجاج
السّلمي...، سيكون الأمر مختلفاً لأنه سوف لن تكون هناك حكومة بالمعنى
المعروف لكي يقاومها وينتزع حقه منها.
أما النظرة الفلسفيّة «للعمل» فسوف تتغير تماماً في المستقبل، والعمل
يشكل المبدأ الأول والأساس في المجتمعات كافة وهو الذي يؤدّي إلى شقاء
المجتمعات؟! إلى ثورات الطبقة العاملة وإلى سقوط الحكومات.. فإن هذا
الواقع أو المعنى لمفهوم العمل سوف يتغير إلى «تسلية ولهو»، ولن يكون
هناك عمل يؤدّي إلى الاغتراب والتشوه لطبيعة الإنسان ولا مدمراً لإبداعه.
إننا في عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
نحن في حاجة إلى فلسفة عربيّة عالميّة تعبر عن عصر المعلومات، وترسم لنا
نماذج للمستقبل تختلف عن نماذج الفلسفات المألوفة المأثورة. نريد فلسفة
تشكل قطيعة كاملة مع الذاتيّة والتعصب، ذات أفق واسع منفتح على العالم.
الفلسفة الجديدة والقطيعة الابستمولوجيّة:
في مجال تطلعاتنا لإيجاد فلسفة عربيّة معاصرة تعلن «القطيعة
الابستمولوجيّة»(1) مع الأفكار الفلسفيّة السابقة، والإلمام بالفكر
الجديد «عند الآخر» المنبثق من منجزات العصر الجديد (عصر المعلومات).
نريد «فلسفة مستقبليّة»(2) تعبّر عن ثورة تكنولوجيا الالكترونات الدقيقة،
ثورة تكنولوجيا البيولوجيا، وهندسة المكونات الوراثيّة. إننا أمام تحديات
بهذا المقياس العلمي المعاصر.
وفي نظرتنا لفلسفة جديدة يجب الأخذ بنظر الاعتبار
أن:
1. هناك نقلة إبستمولوجيّة هائلة في نطاق العلم والاتصالات وغيرهما.
2. هناك ضمور للدولة في المستقبل القريب في مجتمعاتنا.. ففي أوروبا تقلصت
الدولة جداً بظهور الحكومات الالكترونيّة والأجهزة المتقدمة عن بعد.
3. يتبع ذلك «إلغاء العمل» في أوروبا المتقدمة تكنولوجيّاً.
4. إن الفلسفة ليس لها «جنس» معين.
ونتيجة لهذه النقلة الحاسمة في العلم وظهور الحكومات الالكترونية وغيرها
من التطورات الفائقة في جميع الميادين والتي تفصلنا عن عصر الصناعة الذي
ولى زمنه بالنسبة للأوربيين ـ على الأخص ـ إن كل ذلك يتطلب (القطيعة
الابستمولوجية)التاريخية للتصورات الكلاسيكية للعالم؛ والانتباه بصورة
تامة إلى عناصر الجدة المطلقة التي تسود العالم (عالم ما بعد الصناعة).
لا فلسفة عربيّة أصيلة:
يقال إن الفلسفة العربيّة قد توقفت عند ابن رشد (1126 ـ 1198)م، وإلى
الآن لا يمكننا القول بوجود فلسفة عربيّة أصيلة. وإن الفلسفة الجديدة ـ
في عصر المعلوماتيّة ـ سوف لن تكون أصيلة إن وجدت.. وذلك لأن الفلسفة أية
فلسفة جديدة ستكون أمميّة عالميّة إنسانيّة. والفلسفة الجديدة لا تكون
بنت «مجتمعها»، إنما ستكون بنت «عصرها» (نحن في عصر المعلومات).
وإذا كنت فيلسوفاً عربيّاً أو صاحب فكر عربي، فكيف تكون فلسفتك عربيّة
أصيلة خالصة؟، وفي الوقت نفسه تكون قد تأثرت بالفكر الأوروبّي وعلمه، بل
بالفكر العالمي عموماً: صيني، ياباني... إن كل ذلك يؤثر في فلسفتك بصورة
أساسيّة. أنت عبّرت عن أفكار لم تكن من بيئتك الخاصة، إنما عن بيئة تشمل
هذا العصر الذي يعبّر فيه الفكر عن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.. .
وصار من الخطأ القول: «الغرب غرب، والشرق شرق، لذا لن يلتقيا...»(3)
قد يكون هذا الكلام صحيحاً في القرن العشرين وما قبله، أما اليوم ـ عصر
المعلومات والانترنيت والفضائيّات..، فالعالم اقترب أكثر فيما بينه وسوف
يزداد ذلك التقارب في العقود المقبلة بصورة مذهلة.. إن العالم سيصبح
«قرية صغيرة» يتداخل فيها الشرق بالغرب.. وسيأخذ هذا من ذاك العلم
والفلسفة والعادات والتقاليد، وسيكون هناك «تداول» القيم والسلوك.. فنحن
نستخدم تكنولوجيا الغرب ونلبس لباسهم وبعض عاداتهم.. وهناك في الغرب
يتأثرون ببعض العادات الشرقيّة ويحاولون العودة إلى البساطة في الحياة.إن
كل ذلك جاء نتيجة تحسين الاتصالات، مما جعل العالم في عصر الانترنيت أكثر
اندماجاً. إن الأخبار السياسيّة، والمعلومات تنتقل بصورة سريعة وفائقة
إلى جميع أرجاء العالم، وفي اختلاف كبير عن ما كان.
«الثورة في ميدان تبادل المعلومات والاتصالات هي أخطر ما يجري حاليّاً في
مجال الثورة العلميّة والتكنولوجيّة. فقد أصبح كل ركن من أركان العالم
وكل فرد فيه قادراً، بفضل التوابع الصناعيّة الخاصّة بالاتصالات، على
تخطي كافة الحواجز المادّيّة والسياسيّة بين الشعوب، والتعرف على أساليب
الحياة وأنماط الاستهلاك والتطلعات المستقبليّة في كافة أنحاء العالم
»(4).
لذا من الخطأ التشبث بالهويّة والقوميّة.. والقول بأننا قوم خواص نختلف
عن الغرب ودول العالم لأن لنا شخصيتنا وواقعنا الاجتماعي الخاص.. في
الوقت الذي نجد فيه بعض المجتمعات وعت دور الانفتاح «المجتمع المفتوح»
وأثره في تطوّر المجتمعات وتنوعها الثقافي والحضاري. وفي الأساس أن
الانغلاق يعني الموت لأن تطوّرات القرن الواحد والعشرين تفرض التداخل
العالمي بين الشعوب. ومن يريد الحفاظ على هويته من الذوبان، فليبحث له عن
بقعة أرض نائية تماماً عن التقدم العلمي. فالأرض أصبحت مغطاة بالفضائيّات
والاتصالات في عصر المعلومات. وبالتالي سيتأثر كل من يعيش عليها بأبعد
مكان على الكرة الأرضيّة.. وهذا يعني أن ذلك التقدّم العلمي سيؤدّي إلى
تداخل دول العالم فيما بينها.. إن ذلك سيعطي الإنسان رؤية جديدة للأشياء
أو الكون تتلاءم مع التقدّم المذكور... لهذا سوف يحدث تقارب في القيم
والسّلوك الإنسانيّة.. وسيتوحّد العالم على المدى البعيد في الاقتصاد
والسّياسة.. الخ.. وسيصبح الإنسان عالمي (كوزموبولوتي) Cosmopolitan،
وتبعاً،لذلك ستكون الفلسفة الجديدة عالميّة معبرة عن عالميّة الإنسان.
ونجد من يتكلم عن فلسفة عربيّة أصيلة أو على وشك الوجود والانبثاق..
فالأستاذ الدكتور حسام الدين الآلوسي(5) في دفاعه عن وجود فلسفة عربيّة
أصيلة.. أو أحياناً يقول عن احتماليّة وجود فلسفة عربيّة أصيلة في حالة
توفر الشروط اللازمة لها.. فهو إذن يرى أنها فلسفة كامنة.. إلى الحد الذي
يرفض القول بعدم وجود فلسفة عربيّة فيقول: «إن بعض الرفض عند الرافضين
متأت من وصفهم لمعظم تيّارات الفلسفة العربيّة الحديثة عندنا بأنها لا
عقلانيّة أو أنها توفيقيّة أو أنها انتقاليّة، أو أنها وجدانيّة، وهذا في
الواقع مصادرة على المطلوب واحتكام إلى مقاييس لا يقبلها الطرف الآخر،
أعني القائل بوجود فلسفة عربيّة، ولكنها فلسفة عربيّة، وليست فلسفة
غربيّة على نمط الفلسفات العقليّة الأوروبيّة..» (6)
ثم يعود الدكتور الألوسي ليقدم لنا صورة متفائلة متحيّزة للذات العربيّة
ولكننا نريدها نظرة «موضوعيّة» فيقول: «إننا نسير في طريق الأصالة
الفلسفيّة والإبداع الفلسفي، وعدم التبعيّة العمياء النسخيّة، مع الإقرار
بوجود خصوصيّة وإبداع بمستويات معينة. نعم عندنا فلاسفة بمستوى وجودنا
ككل، الاجتماعي والثقافي والسياسي والتاريخي، تماماً كما عندنا أدباء
وعلماء وفنانون وأخلاقيّون بنفس المستوى». (7)
إن القول بوجود فلاسفة بمستوى وجودنا في حقيقة الأمر إقرار بعدم وجود
فلسفة عربيّة حقيقيّة معاصرة، لأن وجودنا يعبر عن مرحلة حضاريّة متدنية
وتوصف بالتخلف وهذا واقع الحال، وبالتالي فإن هذا المستوى من الفلاسفة لا
يمكن وصفه إلا بالتبعيّة.
وبكل بساطة نقول لا توجد فلسفة عربيّة معاصرة.. ونحن نعلم، في الوقت نفسه
بوجود فلسفة عربيّة معاصرة من شاكلة وضعيّة زكي نجيب محمود ذات الأصوليّة
الغربيّة.. ويكاد ينطق بما نطقوا. أو الوجوديّة عند عبد الرحمن بدوي الذي
يصرح بأنها وجوديّة غربيّة أعطيت لباساً عربيّاً.. وهكذا... لذا لا
يمكننا أن نقول بوجود فلسفة عربيّة إنما هناك اتجاهات فلسفيّة عربيّة
اشتقت من الفكر الغربي تحديداً (وليس من الفكر الشرقي الصيني أو الهندي
أو العربي). لذا ففي الوقت الحاضر لا توجد فلسفة عربيّة بمعنى تأسيس
مذهب، وحتى هذه الاتجاهات العربيّة ذات الأصول الغربيّة نفسها لم تصل إلى
مستوى معين من الرصانة. فقد بقيت كتابات من هنا وهناك.
فلسفات ترفض الفلسفة:
عندما نقول أن الفلسفة الجديدة تعبر عن عصر المعلومات، لا يعني ذلك،
تأسيس فلسفة علميّة تدرس المجتمع الإنساني بأساليب دقيقة معتمدة قوانين
أشبه بقوانين الطبيعة كما أراد لها أوجست كونت وكارل ماركس.
فالوضعيّة عند أوجست كونت تعتقد بدراسة الواقع كما هو، وليس لنا الحق في
تغييره وهذا ليس واجب الفلسفة: «فالمجتمع الإنساني ينبغي أن يدرس بنفس
الأساليب الدقيقة المضبوطة التي تدرس بها العلوم الطبيعيّة. وهذا هدف
يبدو في ظاهره مغرياً لكل من يحرص على تقدم العلوم الإنسانيّة، إذ إنه
يخضع المعرفة التي تتخذ من الإنسان موضوعاً لنفس الشروط المنضبطة التي
تخضع لها دراسة الطبيعة ويجعل فكرة القانون الضروري الشامل انطباقاً على
مجال المجتمع البشري الذي ظل حتى ذلك الحين يعد مستعصياً على كل
قانون»(8).
وفيما كانت الوضعيّة الكلاسيكيّة وضعية (أوجست كونت) تتشبه بالعلوم
الطبيعة في تحليلها للمجتمع الإنساني.. نجد الهدف النهائي للوضعيّة
المعاصرة في القرن العشرين هو: الدّقة والوضوح في اللغة. وكان هذا
انتكاساً للفلسفة التي تهدف في ما تهدف إليه أن تكون من أجل الإنسان وفي
سبيل فهم نفسه وعالمه، والتخطيط لمستقبل لم تتضح معالمه بعد. فالفلسفة
الوضعيّة في هذه الحال ترفض «الفلسفة» وتدّعي أنها أسست لعلم يدرس الواقع
كما هو بما يشبه أي علم من العلوم الطبيعيّة.. إذن هذه الفلسفة تركز على
الوضع الراهن ولا تتجاوزه إلى المستقبل، إنها علم. وقد كان أوجست كونت قد
قسم تاريخ الفكر الإنساني إلى ثلاث مراحل، وآخرها هو العلم الذي يعد
المرحلة النهائيّة من تطوّر الفكر الإنساني وسيبقى إلى الأبد.
وحتى كارل ماركس (في بؤس الفلسفة) قد حارب الفلسفة لأنه نادى بالعلم
والتكنولوجيا فقط وهي التي تؤدّي إلى ترقي الشعوب، وهي التي سوف توصل
البشريّة إلى مرحلة الخلاص من الرأسماليّة واستغلالها، فبالعلم تتقدم
البروليتاريا... وقد يقول قائل بأن الماركسيّة معروفة بكونها فلسفة وأداة
بيد الطبقة العاملة.. إن ذلك ليس كذلك.. إنها «علم».. هكذا أراد لها
ماركس، ألم تكن الماديّة التاريخيّة والماديّة الديالكتيكيّة علم؟.
إن الماركسيّة تتعامل مع المادّة، كما تفعل العلوم الطبيعيّة، وليس مع
الميتافيزيقا أو المجرّدات، فالعلم التجريبي رائدها وأساس وجهة نظرها.
لـقد أظهر ماركس أن الفلسـفة دون جدوى في كتابـه «بؤس الفلسـفة» الذي ردّ
به على برودون، وإنه قد نعت الفلسفة بالغيبيّات. وقد حان الأوان لإعلان
إفلاسها لأنها لا تتجاوب أصلاً مع واقع الإنسان بعد ظهور العلم التجريبي،
بالأخص الميكانيكي، وعلى الإنسان تغيير وضعه الاجتماعي والمادّي، الذي
باعتماده العلم سوف يحسن وضعه في هذه الحياة(9).
وسميت الماركسيّة بالعلميّة لاكتشافين: الأول ـ المفهوم المادّي للتاريخ.
والثاني ـ فائض القيمة، الذي يعد كشف سر الإنتاج الرأسمالي. فهذان
الاكتشافان هما اللذان جعلا الاشتراكيّة علماً.
يقول جورج بولتيزر: «هنا يجب أن نبرز ونؤكد بلا مهادنة طبيعة الاشتراكيّة
العلميّة. فالاشتراكيّة العلميّة لا هي بالأسطورة ولا هي بعقيدة ولا هي
بمذهب من المذاهب الأخرى شأنه شأنها. إنما الاشتراكيّة العلميّة علم،
والعلم هو المعرفة الموضوعيّة بالواقع وتقديم وسائل تغيره. وهكذا هو طابع
الاشتراكيّة العلميّة»(10).
والآن ونحن في القرن الواحد والعشرين، لا نريد فلسفة عبارة عن تجمع آراء
لا تعبر عن طبيعة هذا العصر.. لقد آن الأوان لولادة فلسفة جديدة تعبر عن
هذا العصر«عصر ما بعد الصناعة»، أي عصر المعلومات، فلسفة ليست كالفلسفات
الكلاسيكيّة ولا النظريّات الشاملة.
«لا مكان هنا للنظريات العلميّة الشاملة والصروح الفلسفيّة الشامخة، وعلى
العلم أن يعيد بناء نفسه بصورة جذريّة، وبخطى حثيثة، حتى يتأهل للقائه
الحاسم مع التعقيد»(11).
لقد ظهرت في أوروبّا وأمريكا إبداعات فلسفيّة إلا أنها لم تشكل نسقاً
واحداً لفيلسوف واحد، إنها أفكار فلسفيّة مستقبليّة انبثقت من طبيعة هذا
العصر الجديد.. لقد كانت بداياتها عند الأوروبيين منذ منتصف القرن
العشرين عند «هربرت ماركيوز» و «ألفن توفلر» و«فرانسيس فوكوياما»...
أما الفكر العربي فقد ظل ينظر إلى الفلسفة نظرة كلاسيكيّة خارجة عن
عصرها، فهناك من يبحث عن فيلسوف عربي بأوصاف أفلاطون وأرسطو.... وغيرهما،
في حين نحن نعني بفيلسوف ينتمي إلى القرن الواحد والعشرين لا فيلسوف من
طراز أفلاطون. وقد نختلف مع من يقول: «وإن بالإمكان الوصول إلى إبداع
فلسفي عربي حديث، لا يقبل الشك، والتردد، متى توفرت الظروف والأسباب لذلك
وأزيلت العوائق، وتوفرت فترة الحضانة الكافية، وهذه الفترة قطعت أشواطاً
لا بأس بها إلى الآن..»(12).
ونحن نرى هنا أن مثل هذا الكلام هو نوع من التفاؤل ليس إلا. وفي مثل هذه
الظروف التي تمر فيها البلاد العربيّة من تخلف وأميّة لا يمكن أن تسمح
بظهور خيوط لفكر فلسفي، هذا من جهة، لأن النص يشير إلى الفلسفة بالمعنى
الكلاسيكي من جهة أخرى، فنحن نعني بالفلسفة فلسفة جديدة متفاعلة مع طبيعة
عصر ما بعد الصناعة. إن الفلسفة والواقع على طول التاريخ مشتبكان
وملتحمان معاً.
نحن نقصد بالفلسفة الجديدة النابعة من عصر الإنترنيت.. فلسفة تعلن
القطيعة عن الفلسفات التي تبحث في الماهيّة والهيولى، والجوهر الفرد..
الخ. نريد فلسفة تعبر عن واقع حياة الإنسان الجديد، فتتكلم عن «القضاء
على العمل المغترب» واستبداله بعمل أشبه باللهو والتسلية، وعن الفراغ
وليس القضاء على الفراغ، وعن ذكاء العقل الآلي ودوره في ذكاء العقل
الإنساني الحي، فلسفة تعبر عن وجود الإنسان في غمرة التقدم الإلكتروني
المتسارع، حتى يمكن للفكر الفلسفي العربي المعاصر أن يتفاعل مع الفلسفة
الغربيّة عند هربرت ماركيوز وألفن توفلر وسواهما.
فلسفة العمل والمستقبل:
نستخدم في البلاد العربيّة أنواع الأجهزة المتطوّرة والالكترونيّة في
الزراعة والصناعة والخدمات.. وبدأت تظهر، نتيجة ذلك،مهن جديدة واختفاء
مهن أخرى، وهذا يعني أن البلاد العربيّة مقبلة على تطورات جديدة في ميدان
«العمل».. وسبيلنا أن نستعد لمثل هذه التطورات بفلسفة جديدة تتلاءم مع
المرحلة الجديدة.. وإن ولادة فلسفة جديدة معبرة عن العصر المعلوماتي،
تجعلنا نفهم ونتكيف مع الحالة الديناميكيّة الراهنة لترسم لنا نماذج
المستقبل.
ولو نظرنا إلى الفلسفة الأوروبيّة وخصوصاً عند هربرت ماركيوز، وألفن
توفلر وغيرهما قد تركز جزء كبير منهما على «العمل»، ولكن العمل ليس كما
تصوره الأقدمون ولا ما جاءت به الفلسفات المعروفة كالماركسيّة
والبراجماتيّة، بل بكيفيّة وطبيعة تختلف تماماً عن كل تاريخ «العمل». ففي
أوروبا أوجدت الفلسفة تصورات جديدة معبرة عن عصر المعلومات والاتصالات
فأخذت شكلاً مختلفاً جداً عما هو مألوف، فقد أوضح هربرت ماركيوز مثلاً أن
العمل أشبه باللهو واللعب، فالإنسان لا يحتاج إلى العمل بالمعنى المعروف
ما دامت الأجهزة المتقدمة والعقول الالكترونيّة تقوم مقام الإنسان
بالعمل...، وهذا التصور الجديد لفلسفة العمل نابع من طبيعة العصر
المعلوماتي (عصر ما بعد الصناعة) الذي تعيشه أوروبا وأمريكا.
فمثلاً إن «الوسائل التكنولوجيّة الحديثة أصبحت تتيح لصناعة الساعات في
سويسرا إنتاج ملايين الساعات من دون أي عامل واحد، إذ تدخل المواد
الأوليّة من أحد أطراف الخط الأوتوماتيكي وتخرج ساعات جاهزة من الطرف
الآخر... »(13).
إن العامل سوف لن يذهب إلى المصنع في المستقبل، فإن التقدم في المعلومات
جعلته قادر على القيام بأعماله وشؤونه بسهولة ويسر وهو في مكانه، في
منزله، وأصبح التخلص من العمل المغترب الذي كان يحلم بها الفلاسفة حقيقة
واقعة في العالم الرقمي الذي نعيشه.
لـقد أصبح في قدرة الإنسـان أن يشـيد عالماً مزدهراً يتـخلص فيه من العمل
المـرهق(المغترب)، ويكتفي بعمل أشبه باللهو أو اللعب، ويتفرغ إلى
الاستمتاع بوقته دون عائق. (14)
يعد البحث في العمل(الهم) الأساس لدى الإنسان منذ زمن العبوديّة إلى
القرن العشرين. وفي أواخر القرن العشرين بدأت النظرة للعمل تأخذ معنى
مختلف كليّاً.. إذ تغير مفهوما العمل والبطالة. «إن النظريّة الماركسيّة
مؤسسه على الصراع الطبقي، والذي يقوم بدوره على التناقضات الداخليّة
Interal contradictions لعمليّة الإنتاج المادي وعلاقاته»(15).
ولا بد من القول، إن أبرز فلسفات القرن العشرين كان موضوعها الأساس هو
«العمل» كالماركسيّة «فلسفة عمل» وبتفسيرها المادي للتاريخ، والذي يعني
سيطرة طبقة «البروليتاريا» أو العمال على المصانع وبناء دولة العمال
الشيوعيّة. أما البراجماتيّة فهي أيضاً «فلسفة عمل»، وهي تفضل «العمل»
على «النظر»، وتعوّل على النتيجة دون الاهتمام بالمبادىء، وتسمى بالفلسفة
العمليّة.. إن هاتين الفلسفتين وغيرهما قد عبرتا عن طبيعة التقدم
التكنولوجي أو عصر الصناعة في القرن العشرين أفضل تعبير. إذ كانت فلسفات
القرن الماضي ـ أغلبها ـ تلعب دوراً فاعلاً في مجتمعاتها وفي المجتمعات
العربيّة كذلك، فقد كان لها أنصار كثيرون. أما اليوم فإن المجتمع العربي
بحاجة إلى فلسفة عربيّة جديدة متلاحمة مع الفلسفات الأوروبيّة الجديدة...
والسّؤال المشروع عن الفلسفة هو عن دورها في تمثيل وهضم التطورات
العلميّة، وإعطاء نظرة جديدة عن مستقبل «العمل» في العصر المعلوماتي..
ففي أوروبا، الآن، تعبر الفلسفة عن العمل بـ «القضاء على العمل» بعد أن
وصلت التطورات إلى حد الاستغناء عن جهود الإنسان ومعاناته. وهذا يدل على
تفاعل الفلسفة الأوروبيّة مع عصرها «عصر التقدم الالكتروني العلمي». يقول
هربرت ماركيوز: «إن المكننة تتقلص تدريجيّاً كما وشدّة الطاقة
الفيزيائيّة المعروفة في العمل»(16).
وكذلك فالبلاد العربيّة في حاجة إلى نظرة جديدة «فلسفة جديدة» تعبر عن
الحياة الجديدة، لأننا نستخدم الأجهزة الالكترونيّة ـ المستوردة ـ ولها
تأثير كبير على حياتنا في العمل وكل الجوانب الأخرى.
الهوامش
ـــــــــــ
(*)
كلية الآداب ـ جامعة
بغداد.
1.
القطيعة الابستمولوجيّة: ليست في الفلسفة فحسب، لأننا نجدها في العلم
بصورة أوضح.. القطيعة بين فترات الانتقال في تقدم العلوم. وقد جاءت فكرة
القطيعة في العلم رداً على أصحاب الآراء التاريخيّة الذين يوصفون بـ
«الاستمراريين» والذين يعتقدون باستمراريّة قضايا العلم من مستوى علمي
إلى مستوى علمي أعلى. وقد رفض هذا الرأي «غاستون باشلار» فهو يرى أن
تاريخ العلوم يحوي «قفزات كيفيّة» تعد جديدة بصفة مطلقة عن سابقاتها،
فهناك «قطيعة» بين النظريات العلميّة المعاصرة في العلوم الطبيعيّة
والرياضيّة وبين علوم القرون الماضية. ويأتي باشلار بمثال على ذلك وهو:
الفرق بين المصباح الكهربائي والمصباح العادي، إن الأول لا يعد تطوراً
للثاني، فليس هناك علاقة تقنيّة تربط بين المصباحين، فالمصباح الكهربائي
عبارة عن تقنيّة قائمة على دراسة العلاقات بين مجموعة من الظواهر، أي
نتيجة فعاليّة عقلانيّة تقنيّة، فلا يمكن فهم المصباح الكهربائي انطلاقاً
من المصباح العادي. وكذلك ا لقطيعة عند باشلار على مستوى الذين يعودون
دائماً إلى «أصول» كل نظريّة.. وهناك قطيعة عند باشلار على مستوى المعرفة
العامة والمعرفة العلميّة.
2. إن فلسفة المستقبل ليست مجرد تصورات لا ترتبط بالواقع، وهي ليست مجرد
آراء طوباويّة، بل إنها دراسة لممكنات الحاضر، تعتمد التحليل ودراسة
الحاضر لاستنباط تصورات عن المستقبل.إن دراسة مستقبل الفلسفة والفكر
الجمالي هو جزء من الدّراسات المستقبليّة وقد تنوعت الدراسات فمنها يدرس
مستقبل البيئة، والتربيّة، والعلوم، فضلاً عن الفلسفة.ودراسة المستقبل
ذات فوائد في القيم الأخلاقيّة والجماليّة،وذلك لأنها تدرس مستقبل
الإنسان ونوعية حياته، وطريقته في العيش. ودراسة المستقبل أصلاً هو موضوع
فلسفي، لأن الفلسفة تدرس الإنسان وطبيعته، باعتبار المستقبل جزء من
كينونته.. والمستقبل يشكل جزء من حياته المرتبطة بالماضي والحاضر..
فدراسة المستقبل ذات أهميّة بالغة من حيث علاقتها بالفلسفة، لأنها
الموضوع الذي كان الأساس في فهم التاريخ أو ما يسمّى بفلسفة التاريخ.
3. جان بول سارتر: الوجوديّة مذهب إنساني، المقدمة، ترجمة كمال الحاج،
منشورات مكتبة الحياة، بيروت، دون تاريخ، ص 26- 27.
4. فؤاد مرسي: الرأسماليّة تجدد نفسها، سلسلة عالم المعرفة، عدد
147،المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 1990، ص 40 .
5. حسام محي الدين الآلوسي: ولد عام 1934 في العراق ـ محافظة الأنبار يعد
من أبرز رواد الفلسفة في العراق. أصدر عشرات الكتب والأبحاث. صاحب المنهج
الجدلي التكاملي. وتتصف أفكاره بالتواصل مع الفكر الأوروبّي، لا يؤمن
بالقطيعة الإبستمولوجيّة، إنما يطالب بأن نستعين بجهود من سبقنا. ويعني
بالجدليّة هو دراسة الأشياء وعلاقتها في حركة.. وبكل ما فيها من تناقضات.
وهو في الوقت الحاضر يقوم بالتدريس في جامعة بغداد قسم الفلسفة.
6. حسام محي الدين الآلوسي: حول قضية الإبداع في الفكر الفلسفي العربي
الحديث والمعاصر، (الإبداع العربي في مائة عام )، ص 50.
7. المرجع نفسه: ص 51.
8. هربرت ماركيوز: الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابشي، دار
الآداب، بيروت، ط 3، 1988، ص 63.
9. جان بول سارتر: الوجوديّة مذهب إنساني، المقدمة، ص 6 ـ 7.
10. جورج بوليتزير: الماديّة والمثاليّة في الفلسفة، ترجمة إسماعيل مهدوي،
دار الكتاب العربي بمصر، 1951، ص 184.
11. نبيل علي، وناديا حجازي: الفجوة الرقميّة (رؤية عربيّة لمجتمع
المعرفة )، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2005، ص 201.
12. حسام محي الدين الآلوسي: حول قضية الإبداع في الفكر العربي، ص 41.
13. فؤاد مرسي: الرأسماليّة تجدد نفسها، ص 83.
14. فؤاد زكريا: هربرت ماركيوز، دار الفكر العربي، القاهرة، 1978، ص 67 ـ
68.
15. C.A. R.Crosland: The future of socialism , New york , 1963 ,p.120.
16. هربرت ماركيوز: الإنسان ذو البعد الواحد، ص 60.
|