|
الاربعاء: 19/12/2007
المستقبلية
التعريف ـ التيارات ـ صدمة المستقبل(1/2)
د.نبيل رشاد سعِيد(*)
(خاص للمعهد)
اصبح (المستقبل علما)(1) ودراسة يقوم بها مفكرون متخصصون وغير متخصصين،
ومراكز بحث استراتيجية،تهدف الى معرفة الغد،ولمساعدتنا في الاستعداد
لعالم الغد لبناء حياة جديدة افضل. صحيح ان المستقبل مجهول، وان احداثه
غير مؤكدة، الا ان المتخصصين يستطيعون التوقع لحدوث بعض الاحتمالات
المدروسة لمواجهة التحديات التي تسببها التغيرات المتلاحقة في العلوم
المختلفة.
المستقبل مجهول، المستقبل في علم الغيب، المستقبل لا يدركه حتى المنجمون،
المستقبل في ذمة الزمن. هكذا تعلم الانسان بأن معرفة المستقبل محال،
والعلم به يعد من الغيبيات.ويقال ايضا، عن العلوم الطبيعية التي تؤسس
قوانينها على التجربة عن طريق ما يسمى«الاستقراء الناقص» الذي يعني
القيام بإحصاء بعض الحالات وتطبيقها على حالات اخرى لم تحدث بعد، وهذه
الطريقة عملية غيرعلمية، وهي رجم في الغيب، فاذا قلنا:«كل المعادن تتمدد
بالحرارة»، في الماضي والحاضر والمستقبل، ومعنى ذلك انني اعلم بأن الحديد
يتمدد بالحرارة بالمستقبل بالرغم من مجهولية المستقبل، وليس لدي علم
اليقين بأنه سوف يتمدد حتما، ولكننى أدعي ان الحديد سيتمدد غدا وبعد غد،
الا أن ذلك الجزم والتأكيد كلام يرفضه العلم التجريبى، فمن يدرى ماذا سوف
يحدث للمعادن فى المستقبل، فقد لا يتمدد الحديد او المعادن الأخرى،
فالامر فى ذلك، ليس الا تكهناً او توقعاً لما سوف يحدث، اذ إنني، في هذه
الحال، جربت عدداً محدوداً من المعادن وعرفت انها تتمد بالحرارة ولكننى
لا اعلم انها او غيرها سوف تتمدد فى المستقبل. الا ان العلم ياخذ بهذه
الطريقة فى المعرفة «الاستقرائية»، مضطرا، لانه لا يملك أداة اخرى افضل،
لمعرفة «مستقبل الاحداث»، أي كيف ستكون المعادن في المستقبل، على سبيل
المثال. إذن، نحن نتوقع او نتنبـأ بالمستقبل ولا نعلم عنه علم اليقين.
صحيح ان طريقة الاستقراء ليست تجريبية علمية تماما، الا انها تعطينا
نتائج مفيدة في حياتنا، وليس لدينا طرق أخرى تعرفنا بالمستقبل فيما يتعلق
بالمعادن مثلا. ولا شك هناك فرق بين المستقبل في قوانين العلوم الطبيعية
والمستقبل او التأثيرات التي تنتجها العلوم الطبيعية في المجتمع والحياة
الانسانية عموما. والثانية التي هي موضوع بحثنا تكون اكثر تعقيدا من
الاولى. وهنا نود أن نشير إلى أن (ألفن توفلر) مثلا، يرفض اعتبار
الاستقراء أنه نوع من أنواع العلم بالمستقبل، إلا في الحالات المستقرّة.
وهكذا فإن دراسة المستقبل عموماً، او معرفة الغد ليست مؤكدة، ولا احد
يدعي ذلك، أي لا أحد يدعي ذلك، أي لا أحد يعرف تماما مسارات التغيرات او
الاتجاهات المختلفة للعلم والتكنولوجيا وتأثيراتها، اذ لا توجد طرق علمية
أكيدة لمعرفة المستقبل، إلا أن الانسان يستطيع ان يضع احتمالات او توقعات
عديدة تجنبه كثيراً من المآسي، وهذا يعني ان المستقبل ليس مجهولا تماما.
«اننا يجب ان نمحو مرة واحدة والى الابد الاسطورة الشائعة بأن
المستقبل(مجهول تماما) فالصعوبات يجب ان تحفزنا الى التحدي، لا أن تصيبنا
بالشلل»(2).
وبموجب رأي أشهر المستقبليين (الفن توفلر) أن المستقبل هو أرض مجهولة
يتطلب اكتشافها، ومن الافضل أن يكون بين أيدينا خريطة غامضة،وناقصة،
ومعرضة لاعادة النظر والتعديل بدلا من أن لا يكون بين أيدينا شىء. ويجب
القول إن المستقبل قابل للدراسة، وليس مغلقا بالكامل أمام محاولات
الانسان.
إن دراسة المستقبل تعلمنا أن نتوافق مع المستقبل، وان نتكيف مع المتغيرات
التي تواجه الفرد والمجتمع. ولا يخفى على أحد أن التغيرات التي تحدث في
عالمنا اليوم تغيرات متسارعة، بل إنها تكتسح المجتمعات الاوربية «ما فوق
الصناعة» ان عدم الانسجام أو التلاؤم مع تلك المتغيرات يؤدي الى فقدان «التوازن»
في جميع المجالات: الدين، الاسرة، المهنة، العلاقات الاجتماعية... فتؤثر
عليها بقوة. ومن اجل تفادي «صدمة المستقبل»، لابد ان يكون للأفراد أو
المجتمعات قدرة كبيرة على التكيّف بإيجاد الطرق الجديدة لمعرفة المستقبل.
إن المجتمعات المتقدمة صناعيا تعاني من «صدمة المستقبل» أكثر من
المجتمعات النامية التي لا تعرف التقدم التكنولوجي بل.. وإذا كانت
المجتمعات المتقدمة هذه تندفع نحو مرحلة جديدة تماما من التقدم الاقتصادي
والتكنولوجي اي مرحلة «التصنيع»، نحن في البلدان النامية نتأثر لا شك
بالتصنيع والتقدم المتلاحق للتكنولوجيا لمرحلة ما فوق الصناعية او مجتمع
ما بعد الحداثة، ولو بصورة أقل مما هي عند الاوربيين.
تعريف المستقبلية:
المستقبلية هي توقع أو تنبّؤ ما سيحدث في المستقبل من تقدم متسارع في
التكنولوجيا والعلوم الاخرى، من تغيرات وتبدلات والاستعداد لها لتخفيف ما
يسمى«بصدمة المستقبل» أو «التصدع» الذي تؤدي اليه في كيان المجتمع ككل.
المستقبلية، اذن هي دراسة تهدف الى توقع الاحداث و التقدم والاستعداد لها
من خلال احتمالات الغد. وان نشوء الدراسات المستقبلية يأتي لمواجهة
التغيرات التي تشمل التكنولوجيا والعلم وتأثيراتها على كل جوانب الحياة.
وبعبارة أخرى: «المستقبلية علم يهدف الى توقع الأحداث القادمة والإستعداد
لها ومحاولة التأثير فيه،وكذلك تطوير طرق افضل للتفكير في امور عالم
الغد،وفحص و دراسة الاساليب والوسائل البديلة للتعامل مع مجموعة كبيرة من
الظروف المستقبلية المتوقعة، ويجب ان لا ننسى أننا جميعا نصوغ المستقبل
بما نفعله او بما نفشل في إنجازه في حياتنا اليومية»(3).
و المستقبلية بالمعنى العلمي هي دراسة وتوقع وبحث لاحداث المستقبل
المحتملة.
إن وجود الانسان ـ في الحقيقة ـ يعتمد على قدرته الواعية لادراك الاحداث
الراهنة وتحديد الاهداف المستقبلية(4). لذا صار اساسا ان نبحث مستقبل
الانسانية بسبب تحديات التغيرات التي تواجهها في جميع الميادين، وان
البحث في المستقبل بصورة مطلقة.
فالمستقبلية هي تصور ما سوف يكون عليه المستقبل، اعتمادا على التقدم
المتلاحق في التكنولوجيا والعلوم الاخرى. هي نظرة تشمل المجتمع والسلطة
والبيئة.. وكيف ستكون بعد عشرات السنين وليس المئات طبعا،إذ إن التقدم
المتسارع في التكنولوجيا والالكترونات والانترنيت، هو تقدّم مذهل.
بداية المستقبليات (Futurism):
كانت المستقبلية في بداية ظهورها متمثلة بحركة الفن، نشأت في ايطاليا
مطلع القرن العشرين. تميزت بالدعوة الى التخلي عن التقاليد ومحاولة
التعبير عن الطاقة الحيوية المميزة لحياتنا العصرية. وصفوا انفسهم بأنهم
(مستقبليون)Futuristes، وقد نشروا بيانا وكتبوا نصوصا بكثرة وبنوا مذهباً
جماليا حول هذه النواة: المستقبلية(5). وهناك من يفسر سعي هؤلاء ونشاطهم
بانه نوع من الفوضوية ويقصدون«الحركة الدادية»، وذلك لخروج فنونهم عن
المألوف او الذوق ومخالفة القيم السائدة في القرن العشرين.
وعموما،تمثل المستقبلية في الفن ترجمة لاهم قوانين الحياة والوجود، من
تماثيل وصور ورسوم... «انه الحركة الكونية الدائبة الاستعار... والتي هي
قوام سير الاحياء ودوران السدم والاجرام،المتناثرة في لا نهاية الفضاء».(6)
والمستقبلية تشمل «الخيال العلمي» الذي عرفه (ايزاك اسيموف) انه ادب قصصي
يدور حول مستقبل العلم والعلماء، وتكمن اهميته الى الخيال العلمي في
محاولة الحد من «صدمة المستقبل».
اما «أسيب فليشتهايم»Flechtheim في المانيا، فكان اول من طرح فكرة (توقع
المستقبل) وتعلم ما أسماه «علم المستقبل» في المدارس. وقبل هذا التاريخ
اقترح أعضاء رابط Futurologyرواية الخيال العلمي في انجلترا وانشاء وزارة
للمستقبل.
وفي الستينات من القرن العشرين اجتمعت مجموعة من الكتاب والصحفيين وكان
«الفن توفلر» واحدا منهم،من اجل ايجاد منهجية بمضامين التغير على المدى
الطويل.. وكان لكل واحد طريقته.. ففي المانيا والنمسا اطلق الصحفي«روبرت
يونك» حملة عالمية لانسنة المستقبل.. وفي فرنسا اوجد «غاستون بيرجي» مجلة
(استقبالية)Prospective. وقد افتتح عام 1957«المركز الدولي للمستقبل
المنظور»(7).
وكان ابرز المجموعة هو (برانرادي جوفنيل) الذي عمل قبل ذلك في تهريب
الكحول في لويزيانا قبل ان يصبح صحفيا ويكتب فيما بعد كتبا في العلوم
السياسية والاقتصادية والمستقبلية. وقد اسس في فرنسا ناديا لرواد
المستقبل يقوم على ادارته بعده إبنه هوغ. إن جميع الذين عملوا في هذا
المجال يعرفون كتابه (فن التخمين)، وجونفيل هو الذي ادخل تعبير (المستقبلات..
في المفردات)(8).
اما فيما يخص توفلر فقد بدأ اهتمامه بالمستقبل، وقد نشرت له بعض النصوص
حول (المستقبل)، و درََس في «علم اجتماع المستقبل». انه نشر في سنة1965
في مجلة «هورايزون» مقالا صاغ فيه تعبير«صدمة المستقبل»، وبعد ذلك انفق
خمسة سنوات في مراكز البحث والجامعات والمعامل والمؤسسات الحكومية.. الخ،
إذ الف كتابا في الميدان نفسه أسماه «صدمة المستقبل»، الذي أخذ شهرة
واسعة في أمريكا وأوربا. يقول توفلر في كتابه المذكور :«من أجل البقاء،
ومن أجل أن نتفادى ما اسميناه صدمة المستقبل، لا بد وان يصبح الفرد اكثر
قدرة على التكيف منه في اي وقت مضى، ولا بد من أن يبحث عن مسالك جديدة
تماما توصله الى بر الامان، حيث ان كل الجذور القديمة الثابتة: (الدين،
الامة، المجتمع، الاسرة، والمهنة) تهتز الان كلها بقوة تحت التأثير
العاصف لدفعة التغيير المتسارعة. وهو لن يستطيع ان يفعل ذلك مالم يفهم
بتفصيل اكثر كيف تتغلغل تاثيرات التسارع الى حياته الخاصة، وكيف تتسلل
الى سلوكه وتغير من قيمة وجوده.. »(9).
ان التأثير الاكبر يأتي من التكنولوجيا الجديدة التي يعتمد عليها المجتمع
الصناعي الجديد او «مجتمع ما فوق التصنيع» في أمريكا خصوصا، إذ تأتي معها
تسارع حتمي في تغيير المجتمع يلازمه بالضرورة تسارع في خطوة الافراد(10).
طرق تصور المستقبل
ويمكننا تقسيمها الى ثلاثة طرق:
أولاً:الذين يعتمدون «الاستقراء» في معرفة المستقبل،في مجالات مثل:
التقنية،الإقتصاد، الطاقة،المصادر الطبيعية،والذين يحددون الاتجاهات التي
تظهر في عالم اليوم...ثم يعتمدون اعتمادا على الاوليات الراهنة،وعلى هذا
الأساس ستعمل غداً،دون تغيير باستثناء بعض التغيرات التي تطرأ عليها.
ان معظم الشركات الكبرى تعتمد في تخطيطها للمستقبل على هذا الاساس من
الاستنتاج،وهي طريقة مشكوك فيها وخاطئة كما يرى توفلر، الطريقة الاستقرا
ئية غير موثوق بها،وليست مؤكدة،ولا علمية، وهي الطريقة التي يمكن
الاعتماد عليها فقط،في الحالات «المستقرة»، وخصوصاً في العلوم الطبيعية
او دراسة الظواهر الطبيعية، اما في مراحل التقلبات الثورية المعروفة
اليوم فلا يمكن الاعتماد على الحاضر لمعرفة المستقبل، فلا يجوز
التعميم،في معرفة بعض الحالات،كما نفعل في ما يسمى «بالاستقراء الناقص».
«ان التعميم التخطيطي ليس اقل خضوعا للتميز من اي شكل آخر من أشكال
التكهن او التامل»(11).
ثانيا: اما كتابة السيناريو Senario،فهو اسلوب شائع لتجسيد وتصوير
الاحوال المستقبلية الممكنة.والسيناريو هو وصف تفصيلي مكتوب للمستقبل-
واحيانا يقال انه شريحة من تاريخ المستقبل. ومن خلال هذا الشكل الفني،
يتم التحقق من التاثير المتبادل لكل المتغيرات المتوقعة ومدى ارتباطهما
معا. وغالبا ما يكون السيناريو مندمجا في منطقة معينة من المستقبل، اذ
يستخدم لتشكيل بيئة ممكنة باقصى تفصيل يمكن للخيال أن يصل اليه(12).
هذه من طرق دراسة المستقبل، ومحاولة اكتشاف صور لما سيكون عليه المستقبل
اوعالم الغد،جزئيا،ويكون التسليم بحدث مستقبلي،ثم العودةالى الوراء، فيما
اذا كان هذا الحدث وقع ام لا. هذه التقنية غير تعميمية، انها طريقة تحليل
المستقبل التقني او الأثر الاجتماعي لوسائل الإتصالات الجديدة.
ثالثا: رأي الفن توفلر في دراسة المستقبل:
يجب الاستعانة بالاحصاءات والنماذج المنهجية والناظمات الالية،ولكن يجب
عدم الثقة بنتائجها تماما.
وهذه الطرق الفنية او التقنيات تعطي مؤشرات بدرجة عالية من المصداقية،كما
إنها تستطيع ان تكشف لنا عن روابط كانت، الى حد ما الان غير واضحة،
وبالتالي تستطيع ان تضعنا امام مجموعة من الممكنات للتكهن بالمستقبل. إن
الحكومة او المشروعات من جميع الاوساط تعمم انطلاق من الاحصاءات الموجودة
سلفا،وهي في حقيقتها متحيزة. ان الاحصائيات التي نملكها هي في الاغلب تضم
ما هواقتصادي، وتقلل من قيمة المتغيرات الاجتماعية والثقافية و النفسية و
السياسية، او تتجاهلها عموما حين يصعب قياسها. فهم يحاولون اعطاء تكهنات
وتوقعات للمستقبل، الا ان الارقام تعطينا، في الاغلب، معطيات غامضة
ومسلمات أسيئ استعمالها(13).
لكن هذه التقنية لا تحمل الحقيقة،لأنها مملوء ة بالارقام او
الاحصائيات،قد تكون خداعة، لأنها مشوبة بدرجة معينة من «الذاتية». يقول
توفلر:«ان المستقبلية فن وليست شكلا من اشكال الهندسة،و هكذا سوف ألخص
وجهة نظري بهذه المعادلة: ليأت العلم لمساعدة الفن».(14)
فضلا عن ذلك، فإن توفلر لم يهتم بالاحصائيات فقط بل اهتم بالملاحظة
المباشرة... وقراءة الكتب والمجلات التقنية و العلمية... وهو أمر أساس
بالنسبة له، على العكس من الاخرين الذين يهملون التجربة الخام ويفضلون
عليها الشئ المطبوع.
«اذا أردنا صياغة المستقبل الذي يلوح في الافق فنحن بحاجة الى ادوات
فكرية جديدة و قادرة، الى نظريات جديدة في التغيير، وفي السببية، قادرة
على شرح الفسيفساء الاجتماعية السياسية الجديدة و المعقدة، الى نظم جديدة،
والتبويب والتصنيف، الى نماذج جديدة...»(15).
ومهما تكن أهمية الارقام وما تولده من تشويش، فإن الفطنة والحدس ضروريان
وجوهريان لكل مشروع من هذا النوع. يرى توفلر اننا جميعنا نخلق نماذج
للواقع،إن العقل البشري عندما يواجه مجموعة معقدة من المعطيات
المتخالفة،يفرز نموذجا،او عدد من النماذج، استنباط دلالاتها، وإننا جميعا
نحتاج الى اعداد نماذج لما هو واقعي، من المحتمل أن يحدث في المستقبل.
ان توفلر يبدأ انطلاقا من ملاحظاته ومن الوثائق التي جمعها والتي يمكن ان
تكون شيئا عظيما، فقد جمعها من القراءات النهمة، مجلات تقنية، جرائد
اجنبية، بيانات أكاديميّة، رسائل شخصيّة، لوحات احصائيّة، تقارير واردة
من بلدان عديدة..(16).
في البداية، يقارن توفلر ويقابل بين المعلومات ويضعها تحت عناوين مختلفة
ثم يظهر من ذلك نموذج... وبعد ذلك يقوم بابحاث جديدة.. فإذا انسجم هذا
الجديد مع النموذج كان شيئا جيدا، والا فانه يتم تبديله اوالغاؤه(17).
من ناحية أخرى فالبحث عن المستقبل صرف النظر عن الماضي.
يرى توفلر انه من الصعوبة معرفة المستقبل دون التوقعات المعتمدة على
الماضي،لذلك إن دارس المستقبل لابد له من ادراك ما وصلنا اليه في
الماضي.ولهذا فإن رؤية توفلرالمستقبليّة جعلته يستعرض الثقافات يصنفها
الى موجات ثلاث هي:
الموجة الاولى: الثورة الزراعية،بدأت منذ عشرة الاف سنة،وتحول فيها
المجتمع من الحياة البدائية غير المستقرة المعتمدة على الصيد وجمع الغذاء
الى حياة الاستقرار والزراعة.
الموجة الثانية: بدأت مع (الثورة الصناعيّة) قبل 300 عام، حضارة تعتمد
على الالات او التكنولوجيا.
الموجة الثالثة: تعتمد على حضارة المعلومات، فتحل القوة الذهنية محل
القوة العضلية في الاقتصاد.
ان مستقبل الحضارات سوف يكون على اشكال من التنوعات الثقافيّة.
المراجع والهوامش
ــــــــــ
(*) تدريسي في قسم الفلسفة كلية الاداب ـ جامعة بغداد.
(1) اما مسألة ا لإختلاف على مصطلح"مستقبلية"،فهناك من يسميه:"دراسات
مستقبلية"، او "علم المستقبل"،وغيرهم يسميه "المستقبليات".ونجد من يرفض
مصطلح"علم المستقبل"،إذ رفضه كثيرون في أوربا وبلاد العرب على اساس أن
هذا العلم هو نوع من التكهنات والتوقعات والتنبؤات،وليس علما قائما بذاته
له قوانينه الخاصة به. لكننا في الحقيقة،نفضل تسميته "علم المستقبل"،لان
له مناهجه ودراسته الخاصة وطرقه المتبعة في البحث،إذن فهو علم. صحيح أن
بعضهم يرى ان العلم هو الذي لا نقاش فيه ولا وجهات نظر إنما الجميع يتفق
على نتائج تطبيق قوانينه،ولا يختلف اثنان على حقائقه.إلا اننا يمكن ان
نسمي جانب من جوانب الدراسات الإنسانية بالعلم، وهي في حقيقتها لا تملك
القوانين الصارمة التي تملكها الرياضيات او الفيزياء.. إلا أننا نسميها
علما مثل:علم النفس،علم الإجتماع،والانثروبولوجيا..نحن نسميها
علوما،بالرغم من احتوائها على النظريات المتضاربة والمختلفة على قضايا
محددة..إلا أننا نطلق عليها علوما إنسانية،فما المانع من ان ندخل"علم
المستقبل "ضمن العلوم الإنسانية،ونسميه"علم المستقبل".
(2) ألفن توفلر:صدمة المستقبل(المتغيرات في عالم الغد)،ترجمة محمد علي
ناصيف،تقديم أحمد كمال أبو المجد،نهضة مصر،ط (2)،القاهرة، 1990،ص
487.
(3) رؤف وصفى :المستقبلية (رؤية علمية للغد)، مجلة العربي،عدد 410، سنة
1993 ،ص54.
(4) المرجع نفسه :ص 55.
(5) ألفن توفلر :خرائط المستقبل،ترجمة اسعد صقر،منشورات اتحاد الكتاب
العرب،ط1،دمشق،1987،ص286.
(6) حسن محمد حسن:مذاهب الفن المعاصر(شرح مفصل لجميع الاتجاهات الفنية
الحديثة)، دار الفكر العربي،دون تاريخ،ص186.
(7) ألفن توفلر:خرائط المستقبل،ص281.
(8) المصدر نفسه،ص282.
(9) ألفن توفلر: صدمة المستقبل،ص36.
(10) المصدر نفسه،ص42.
(11) المصدر نفسه،ص284.
(12) رؤف وصفي:المستقبلية،مجلة العربي،ص59.
(13) ألفن توفلر:خرائط المستقبل،ص285.
(14) المصدر نفسه،ص278.
(15) المصدر نفسه،ص289.
(16) المصدر نفسه،ص291.
(17) المصدر نفسه،والصفحة.
|