الحضارية « دراسات مستقبلية »
 

نظرة مستقبلية في التحولات الاقتصادية العربية

د. جواد العناني(*)

يشهد الوطن العربي في الوقت الحاضر، ضغوطاً خارجية بغية التغيير، وهي ضغوط بدأت منذ فترة طويلة، ولكنها تركزت بشكل كبير حين وقعت الدول العربية غير النفطية، تحديداً، تحت وطأة ما يسمّى بأزمة المديونية. ولذا تكاثر علينا الدائنون عبر مؤسستي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وأخذوا يضغطون علينا لكي نبدأ بتضييق الخناق على (خصورنا وبطوننا) من أجل أن نثبت للعالم، أننا قادرون، عند الضرورة، على سداد الديون المترتبة علينا. علماً أنّ المشكلة لا تكمن في الدين، بقدر ما تكمن في اطمئنان الآخرين على قدرتنا على سداد ذلك الدين. ثم جاء بعد ذلك ما يسمّى بـ (عملية برشلونة)، التي دخلت في ميادين ثلاثة، فهي لم تقتصر على البعد الاقتصادي، وإنما أدخلت بعداً آخر هو البعد السياسي، عن طريق كسر الجمود السياسي الذي حدث عندما بدأت مفاوضات السلام بين أربع جهات عربية وإسرائيل. وكذلك عندما غدت الأبعاد السياسية تقول لنا في الأدب العالمي بأنّ السياسة والاقتصاد لا ينفصلان كثيراً عن بعضهما البعض.
ثم أدخلوا بعد ذلك بعداً ثالثاً، وهو البعد الثقافي. فعندما كانت الوفود العربية تقابل نظراءها الأوروبيين، كان الحديث يجري في الاجتماع الواحد في ثلاثة محاور؛ فالموضوع الاقتصادي كان يستغرق ثلاث ساعات، مثلاً. والموضوع السياسي كان يستغرق ساعة. أما الموضوع الثقافي فيستغرق من 5 ـ 7 دقائق.
أما في الآونة الأخيرة، بدأ يظهر أنّ البعد الثقافي أصبح من أخطر الموضوعات، لا سيما بعد تداعيات أزمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة عن النبي الكريم، وكذلك ما ترتب على أحداث أيلول/سبتمبر 2001.
وعليه، غدت تلك الأبعاد الثلاثة مهمة، لكنها شكلت أيضاً نافذتين جديدتين لبدء الضغوطات على الوطن العربي، وعلى المنطقة كلها لتبدأ بالتغيّر.
بيد أنّ المنفذ الأساسي لكل هذا التغيير يكمن دائماً في البعد الاقتصادي، تحت ذريعة أنّ الإصلاح يقتضي منا أن نحسن ميزان مدفوعاتنا، بحيث لا يبقى مقدار ما ندفعه للعالم أكثر مما نأخذه منه. كما ينبغي تحسين وضع الموازنة، بحيث تستطيع أن تتكفّل بالواجبات المطلوبة منها، سواء كان ذلك في إيصال الخدمات والسلع للناس، أو في عملية إدارة شؤون الناس، أو إحداث التنمية، وكذلك في عملية تمويل الحكومة نفسها. وبالتالي صارت الموازنات الحكومية، في الوقت الراهن، هي المشكلة الأساسية، التي تشغل بال الحكومات، فكأنّ الحكومة مشغولة بنفسها بحثاً عن موارد لتغذية نفقاتها وتمويلها.
وفي ظل المقدّمة السابقة، نرى أنّ عملية التغيير والتحوّلات التي بدأنا نرى ملامحها تظهر على الأفق، هي ـ معظمها ـ عبارة عن نمو للضغوط الخارجية، على القيادات السياسية في الدول العربية. ومن ثم أخذت هذه القيادات تتكيّف بأشكال مختلفة مع هذه الضغوط، والتي يرجح أن تستمر بصرف النظر عن تغيّر الأحزاب الحاكمة في الدول الدائنة.
وفي المقابل، لنا أن نتساءل: ماذا كانت ردّة فعل الشارع العربي إزاء ما يحدث؟ الواقع لو عدنا إلى أدبيات الأحزاب والمعارضة والنخب الثقافية التي كانت تنادي بضرورة التغيير، سنجد أنّه كانت هناك، على الدوام، مطالب من هذا القبيل.
لكن حين وردت تلك المطالب على لسان أمريكا، وضعناها في إطار من الشك، وأطلقنا عليها صفة النظم الجديدة المستوردة، ولا تصلح لنا. وبدأنا نقول بأنّ الإصلاح ينبغي أن يأتي من الداخل، وهو أمر صحيح، لكن يجب أن لا ننسى بأنّنا لو رفضنا العولمة بصفتها مدرسة للتأثير على الآخرين، فإنّنا لو رفضنا حالة تكنولوجية اقتصادية دولية، قوامها أنّ العالم أصبح مترابطاً كثيراً جداً، وأنّك صرت تستطيع بواسطة جهاز صغير يدعى الخلوي، أن تهاتف من تريد حيثما كان وأينما كان، كتابة وصوتاً وصورة.
ومن هنا، فإنّ العالم بدأ يتغيّر، ولا نستطيع أن ننكر هذا الأمر. وقد بدأ هذا التحوّل الكبير يظهر، حتى على مجتمعاتنا.
وفي العودة إلى موضوع المحاضرة، ينبغي بداية أن نضع الحقائق التالية:
أولاً: أنّ الاقتصاد ليس نتاج المؤثرات الاقتصادية وحدها. فمثلما يقولون إنّ المسألة التربوية لا تقع على عاتق التربويين وحدهم، وإنّ الإصلاح التربوي يتطلّب أبعاداً خارج التربية نفسها، كذلك فإنّ الإصلاح الاقتصادي، في الوقت الحاضر، أصبح يحتاج إلى نظرة شمولية. وهنا سآتي إلى البعد النفطي كمثال، لأنّ النفط هو الذي يبدو أنّه من أكثر العوامل تأثيراً على التغيّرات والدورات الاقتصادية في الوطن العربي، منذ مطلع السبعينات، فهناك نحو تسع دول عربية تعتمد أساساً على النفط، وهي بدورها تشترك بعلاقات مع دول عربية أخرى تتأثر بما يجري على أسعار النفط. وعليه أصبح النفط في صراع مع الزمن، كما غدا قضية أساسية مركزية في اقتصادات الدول العربية. فالأردن على سبيل المثال، يأتي نحو 70% من دخله بالعملات الأجنبية من دول نفطية، إما على شكل قروض، أو حوالات، أو صادرات، أو مساعدات، أو خدمات سياحية.
ثانياً: هل يستطيع العرب، بما هم عليه من الأوضاع الحالية، الاستجابة للتحديات المستقبلية. إنّ المطلعين على أوضاع العالم العربي، لا يمكنهم التفاؤل كثيراً بالمستقبل. ومن هنا يثور السؤال الكبير: هل نستطيع أن نتحدّث عن مستقبل، يشهد تحوّلات اقتصادية بالاتجاه الصحيح في ظل أوضاعنا الحالية؟
بالنسبة لي أجيب بنعم، لأنّ ما يجري حالياً هو بمثابة امتحان لإرادة هذه الأمة، ولكن ثمّة أمور تجري خلف الستار، وأعتقد أنّها ستطفو على السطح قريباً، تحمل في طياتها خيراً عميماً على الأمة.
الواقع أنني لن أقف مطولاً عند هذه النقطة، ولكننا لا نستطيع التحدّث عن التحوّلات المستقبلية، متناسين الوضع السياسي الحالي في الوطن العربي، حيث لا تستطيع كل دولة إلاّ أن تدافع عن نفسها فقط، عاجزة عن أن تهبّ إلى نجدة جارتها إذا ما وقع على تلك الجارة اعتداء ما.
ثالثاً: وهو بعد مهم جداً في العملية الاقتصادية، ويتمثّل بمعضلة الموازنات العامة، والعلاقات بين الحكومات والناس في الوطن العربي.
يقول أحد أعمدة الفكر الديمقراطي في الولايات المتحدة، بأنه لا ضرائب دون تمثيل سياسي. فإذا كان الناس هم الذين يمولون الموازنة العامة، أفلا يحق لهم، إذاً أن يشاركوا في صنع القرار المتعلّق بإنفاق هذه المبالغ؟
وعليه، فإنّ السؤال الثالث الهام يتعلّق بهيكلية الموازنات العامة العربية، وحجومها ومصادر تمويلها، ووسائل إنفاقها، وتحقيق أهدافها في مواجهة أعباء الإنفاق الحكومي، إضافة إلى إعادة التوزيع للدخل والثروة بين الناس والمنطقة، وإحداث التنمية بالإنفاق المباشر والسياسات ذات العلاقة؟ ولكن السؤال هو أنّ الموازنات العربية،حتّى في الدول التي لجأت للتخاصية، وتقليل الدعم، وتقليص نسبة مساهمة المساعدات فيها، ما تزال تنمو وتكبر على حساب دخول المواطنين، ولهذا تصبح قضايا المشاركة في صنع القرار، ومحاربة الفساد والمحسوبية والوساطة، مطلباً وطنياً من قبل الذين يموّلون الإنفاق الحكومي المتنامي! فكيف ستحصل هذه النقلة؟ وهل نسميها التدرّج نحو الديمقراطية أم نسمّي الأمور بمكوّنات تلك الديمقراطية.
رابعاً: إنّ كل المؤشرات والدلائل تؤكد أنّ الإنتاجية الاقتصادية، وبأي مقياس صنّفت، هي إنتاجية منخفضة وتتراجع باستمرار. ولو أخذنا معايير الطاقة الإنتاجية المستخدمة، إنتاجية العامل وعدد ساعات العمل السنوية المبذولة في الإنتاج الفعلي، أو إنتاجية رأس المال، لوجدنا أنّ مستقبل التنافسية العربية لا ينطوي على خير، رغم الارتفاع المستمر في الإنفاق على التعليم والصحة والمرأة، وغيرها من الاستثمارات في رأس المال الإنساني، ورفع طاقته الإنتاجية وتمكينه من الأداء الأفضل.
خامساً: وتتعلّق هذه النقطة بالنمو الكبير في معدّلات السكان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد نمت هذه المنطقة بمقدار 3.7 ضعفاً خلال الفترة من 1950 ـ 2000 ومن المتوقع أن يرتفع عدد السكان فيها من (385) مليون نسمة عام (2001) إلى (570) مليوناً عام (2025)، وحوالي (720) مليوناً عام (2050) وذلك حسب تقديرات الأمم المتحدة بموجب المعايير الصحية والديمغرافية. وسيكون نصيب الوطن العربي منها زيادة (250) مليوناً عام 2001 إلى (400) مليون نسمة، وهي أرقام لا تعكس حجم السكان الحقيقي للوطن العربي، والذي هو أكبر من ذلك. وحتّى بافتراض صحّة هذه الأرقام، فإنّ معظم هؤلاء يعيشون في دول قاحلة، متدنيّة الدخل. ولو استثنينا منها دول النفط الخليجية، والتي لا يزيد سكانها على (60) مليوناً عام (2025)، فإننا نرى حجم عبء السباق بين النمو من ناحية والزيادة السكانية من ناحية أخرى.
ويكفي أن نذكر أنّ الاقتصادات العربية ستكون بحاجة إلى خلق (90) مليون فرصة عمل لتوظيف العاطلين عن العمل والداخلين الجدد حتّى عام (2025)، وبكلفة استثمارية قدرها تريليون دولار. فهل تتوافر مثل هذه الموارد؟
سادساً: الافتراض أنّ شكل الدول العربية ونظمها السياسية وجغرافيّتها ستبقى على حالها حتّى عام 2025، فهل هناك ضغوط خارجية وممارسات سلبية ستتعرّض لها أقطار الوطن العربي بحيث يؤدي ذلك إلى تفسّخ تلك الأقطار وشرذمتها، أم أنّها ستستطيع أن تنهض إلى التحدّي وتواجه تلك الضغوط اللعينة، وتنجح في كسر الحصار الاقتصادي والسياسي المفروض عليها، وتخرج من الأزمات أقوى مما هي عليه. وهناك تجارب مختلطة في هذا الإطار، فالسودان قد نجحت نسبياً في لملمة أراضيها تحت نظام واحد، رغم منح إقليم الجنوب وقريباً دارفور صفة (الحكم الذاتي) أو (الأوتونومي)، فهل سيكون هذا مقدّمة للانفصال الفعلي أو لإعادة التوحّد بفضل النجاح في احتواء الأزمات واستبدالها بمسار تنموي متعاف ومستمر. والعراق، على ما نراها عليه من تمزّق، ما تزال مهدّدة بالشرذمة والبعثرة. وكذلك الحال في الصومال وجزر القمر. ولكن بعض الدول استطاعت تجاوز الأزمات مثل المملكة العربية السعودية. وهنالك أخطار محيطة بالمنطقة من دول أكثر تمسّكاً تتطلّع للهيمنة مثل، إيران، وتركيا، من ناحية، ولكن الخطر الداهم هو الماثل في نوايا إسرائيل بالهيمنة على المنطقة اقتصادياً وسياسياً.
وفي ظلّ التساؤلات، يثور السؤال الكبير حول التحوّلات الاقتصادية العربية في ظل الأهداف الاقتصادية المطلوبة، لضمان الحدّ الأدنى من النمو المستمر الدائم. كما يثور سؤال آخر قوامه: ما هي محدّدات التنمية الاقتصادية العربية؟ ولعلّ من خيرة الدراسات التي وضعت حول هذا الموضوع هو كتاب الدكتور يوسف صايغ المنشور باللغة الانجليزية عام 1980 بعنوان (العناصر الفاعلة) Determinants في التنمية الاقتصادية العربية. وهنالك دراسة أكثر حداثة وأقل جهداً وشمولية أعدّها عام (1998) كل من الدكتور سمير مقدسي، وزكي مفتاح، وإيميد ليمام بعنوان(العناصر الفاعلة في التنمية داخل منطقة المينا)، هذا عدا عن تقارير البنك الدولي وغيره من المؤسسات. ولابد لي هنا من الثناء على تقرير بعنوان (الاتجاهات الشمولية الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) ، والذي يصدره منتدى البحوث الاقتصادية في القاهرة. ولا ننسى في هذا المجال بالطبع تقرير التنمية الإنسانية العربية الذي يصدره المكتب العربي في صندوق الأمم المتحدة للإنماء، وغيرها من التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية والإقليمية غير الحكومية، مثل تقارير الشفافية، والانفتاح، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وتقارير اليونسكو عن التعليم والتنمية البشرية. وفي ضوء هذا الفيض الكبير من التقارير والدراسات؛ فإنني، وباللجوء إلى تجربتي الشخصية، أقدّر أنّ اهمّ العناصر الفاعلة في التوجهات الاقتصادية العربية هي ما يلي:
1 ـ القدرة على الإنتاج الصناعي، والمعتمد على الطاقات والموارد الذاتية، والمستوعب للإبداع العصري. ولا شك أنّ الصناعة هي التي تستطيع أن تعطي الوطن العربي القدرة على النمو. ونلاحظ في هذا المجال أمرين: أولهما أنّ الصناعة العربية ما تزال تقلّ دون طاقتها الإنتاجية المحدّدة لها بسبب المبالغة في الآلات المستوردة. والثانية هو ضعف إنتاجية العامل العربي، رغم أنّ الصناعة لا تشكّل حالياً أكثر من 17% ـ 20% من الناتج المحلي الإجمالي العربي، وأنّ موضوع الاعتماد عليها يثير كثيراً من الشكوك لدى الباحثين، ولكنها تمثّل الخلاص العربي من ربقة الاعتماد على الآخرين في استيراد المستلزمات وتصدير المنتجات. وهنالك محاولات ما تزال في البداية، مثل نمو تصنيع عربي أكثر فعالية، على غرار النمو الكبير في الصناعات البتروكيماوية، والسمادية، ومواد البناء، والحديد، ووسائل النقل. وبسبب المساحة الوافرة وتوافر الطاقة في الوطن العربي، فإنّ بالإمكان الاستفادة كثيراً من إعادة ترتيب التقسيم الوظيفي الدولي.
ولعلّ الدرس الراسخ الذي يمكن استنباطه من تجارب الأمم الأخرى في آسيا، وقبلها أوروبا وشمال أمريكا، هو أنّ النمو يجب أن يمرّ عبر الصناعة.
وقد قصرت دورة الصناعة، فلم تعد الحاجة قائمة إلى عشرات السنين للقفز بالصناعة إلى سلّم التكنولوجيا، خاصة إذا حصل التعاون مع الدول الآسيوية، ومع إفريقيا...
2 ـ القدرة على رفع السويّة الإبداعية لدى الأفراد والمؤسسات، وتشجيع التعليم والبحث والتطوير، وليس بالضرورة أن نتبع في هذا المجال أسلوب النمو المتوازن في الوطن العربي، بل الأسلوب غير المتوازن، أي أن يتم اختبار قطاع أو قطاعين في كل دولة لتركيز البحوث فيها حتّى يحصل الإبداع. وبسبب الإبداع يفرض التخصّص الإنتاجي نفسه على خريطة الاقتصاد العربي. فلو تخصّص الأردن مثلاً في مجالي الإنتاج السمادي والطاقة البديلة، وتخصّصت سوريا في مجال تصنيع الملابس والمواد الغذائية، ومصر في مجال الإنتاج الثقيل والزراعة، والسودان في مجال التربية الحيوانية، والسعودية في مجال البتروكيماويات، والإمارات في مجال الإدارة والسياحة، ولبنان في مجال الإعلام والبستنة، وقس على ذلك، على أن يتزامن ذلك مع المناهج والبحوث والتدريب والإنتاج، فإنّ كل دولة قادرة على أن تمد الدول الأخرى بإبداعاتها. وفي نهاية المطاف ستكون هنالك استفادة قصوى من وسائل التكنولوجيا وتحسين القدرة على تطويرها.
3 ـ الربط بين الدول العربية بالبنى التحتيّة في جميع المجالات، من الطرق، وسكك الحديد، والكهرباء، والماء، وأنابيب النفط والغاز، وتبني سياسة السماء المفتوحة في الطيران. وأرى في هذا المجال أنّ هنالك بعض التقدّم البطيء. ولعلّ الدول العربية المفصلية تقع عليها المسؤولية الكبرى في تشجيع هذا النمط وتطويره، ومنها مصر، والمملكة العربية السعودية، والمغرب، والاردن. والسبب في اختيار هذه الدول لأنّ كلاً منها تشكّل محاور لا يمكن الاستغناء عنها إذا أردنا خلق شبكة متكاملة من البنى التحتية، ومن الواضح أنّ الدول العربية سوف تنفق في السنوات المقبلة مبالغ طائلة على استكمال بناها التحتيّة.
ولو تمّ الربط بين الدول العربية، وتمّ تحييد هذا الترابط عن الأمزجة السياسية المتطايرة، فإنّ الناس كفيلون بإحداث النقلة التنموية الكبرى، ولعلّ هذا الترابط هو أهم من الأسواق العربية المشتركة، ومن الإنتاج المشترك، وذلك لأنّ هذا الانفتاح مقبل بفعل التطوّرات في الاقتصاد العالمي على آيّة حال..
4 ـ مدى القدرة على تعميق رؤوس الأموال العربية، وفتح المجالات الاستثمارية الآمنة أمامها في الدول العربية الأخرى. وهذا يتطلّب من كل دولة عربية أن تعيد النظر في قوانينها وحوافزها وخيراتها ومنتجاتها، لكي تنصف الاستثمارات الخارجية. وقد شهدنا خلال فترة السنتين الماضيتين انطلاقة كبيرة في حجم الاستثمار العربي داخل الدول وبين بعضها البعض. والمهم أن نتمكّن من استيعاب رأس المال وتعميقه لكي يتوجّه نحو الاستثمارات المجدية. وهناك فرصة لتعميق هذا الموضوع حالياً.
5 ـ تعميق العلاقة بين القطاعين العام والخاص داخل كل دولة، والسماح لمؤسسات المجتمع العام بالعمل والتفاعل. فمن الواضح أنّ أعباء التنمية المستقبلية في الوطن العربي لا يمكن تحمّلها من قبل القطاع الخاص وحده، أو القطاع العام وحده، أو المجتمع المدني وحده، بل من الاعتراف المتبادل لدور كل منهما وحيويّته، وتعزيز وسائل الشراكة لتطوير الطاقات الكامنة داخل كل قطر عربي، وبناء رأس المال الاجتماعي الناجم إلى حد كبير عن الحد من البعثرة والفوضى، وانتهاء الفرص السانحة وتجاوز القانون.
6 ـ السماح للطاقات الكامنة والمهدّدة داخل كل مجتمع بالظهور العلني تحت إدارة القانون. وأتكلّم هنا عن رأس المال المستثمر والنشاط الاقتصادي غير المرئي. وهنالك أدلة واضحة على أنّ نسبة النشاط غير المسجّل يتراوح في الأقطار العربية من 28% ـ 40% وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول العربية إلى البحث عن موارد لسد حاجات الفقراء، فإنّ مئات البلايين من الموارد والنشاطات خارج الإطار الرسمي تكفي للمساهمة بفعالية في محاربة الفقر والبطالة. ويقدّر رأس المال غير المسجّل في مصر بقيمة (295) مليار دولار. وبالطبع فإنّ هذه الأرقام تتحدّث عن رأس مال موجود ومقبول، لو أنّه خضع للتنظيمات السارية، أما النشاط الاقتصادي غير المشروع فله حكاية أخرى.
وإذا استطاع الوطن العربي في كل أقطاره أن يتبنى السياسات الاقتصادية المذكورة أعلاه، فإنّ قدرته على تحقيق النمو بنسب تتراوح بين 6% ـ 8% يصبح أمراً ممكناً ويسيراً.
ولابد لنا أن نذكر أن المؤشرات الاقتصادية العربية خلال العقود الأربعة الأخيرة والمنتهية لعام (2000) تعطي دلائل في غاية الأهمية منها:
أولاً: أنّ معدّل النمو الحقيقي في الناتج المحلي الإجمالي خلال تلك الفترة قد بلغ 3.9% خلال عقد الستينات ، و3% خلال السبعينات، ثم صار سالباً بنسبة (1.3) خلال الثمانينات، و (1.4) موجباً خلال التسعينات، أما معدّل النمو في دخل الفرد خلال الفترة كلها فكان (0.5%) فقط سنويّاً بفعل النمو السكاني المرتفع.
ثانياً: أنّ النمو في معدّل دخل الفرد في الدول التي لم تعتمد على النفط كان أعلى منه في الدول النفطية. وكذلك فإنّ معدّل التذبذب في معدّل النمو كان أقل في الدول غير النفطية منه في الدول النفطية. وهذه حقيقة تعطينا عبرة للمستقبل، قوامها أنّ الاعتماد على سلعة واحدة، مهما بلغ الدخل هنا، لا يضمن استمرار النمو، بل قد يكون كارثة على الدول. ولذلك فإنّ المساعي لتنويع القاعدة الاقتصادية تشكّل الأساس الذي يجب الاعتماد عليه في الهروب من لعنة النمو المتدني والتقلب العالي في نسب النمو السنوية.
ثالثاً: أنّ نسبة الاستثمارات المحلية الإجمالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بالقياس إلى الناتج المحلي الإجمالي، قد تساوت إن لم تزد قليلاً على المعدّل العالمي، وإن قلّت عن الدول الآسيوية، ولكن معدّل النمو في هذه الدول أقل من مثيله في العالم، مما يعكس ضعفاً في القدرة على توظيف هذه الاستثمارات توظيفاً صحيحاً يحقّق معدّلات أعلى في النمو والتوظيف والإنتاج.
رابعاً: بالمقارنة مع المؤشرات المتاحة لعامي 1982 و 1995، وبالتقديرات التي وصفها العبد لله المحاضر، فإنّ السلوك المؤسسي في المنطقة يرى تحسنّاً مع الوقت في بعض المؤشرات، آخذين بعين الاعتبار خمسة من هذه السلوكيات وهي: عدم الوفاء بالتزامات المقاولين والمزوّدين، واحتمالية المصادرة والفساد الحكومي، إضافة إلى حكم القانون، ونوعية البيروقراطية والأداء الحكومي، بينما تراجع المؤشر في ثلاثة منها.
وفي ظل هذه الملاحظات يمكن الحكم على العناصر الرئيسية المحدّدة لمستقبل التنمية العربية وتوجهاتها في العقدين القادمين.

(*) خبير اقتصادي من الأردن، شغل مناصب مهمة منها: وزارة الخارجية، ووزارة التجارة والصناعة، ووزارة الإعلام، ورئاسة الديوان الملكي الهاشمي.
المصدر: متطلبات الإصلاح في العالم العربي، مجموعة الأساتذة، مؤسسة عبد الحميد شومان/عمّان /الأردن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت/ لبنان. 16، 2006.