|
|
 |
الحضارية
«دراسات استراتيجية» |
|
الثلاثاء: 26/08/2008
هل العراق دولة ذات سيادة؟
رؤية في ظل التحولات الدولية الراهنة
سعد سلوم
(خاص للمعهد)
هناك
قضيتان أثارتا اهتماما أعلاميا ملفتا في الاونة الاخيرة، وكلتاهما
تتعلقان بموضوع السيادة، وتكشفان في الوقت نفسه عن جهل بما آلت اليه
العلاقات الدولية من تحولات على مستوى المفاهيم.
الاولى هي قضية الاتفاقية الامنية بين الولايات المتحدة والعراق والتي
أثارت داخل وخارج العراق مواقف متطرفة تعكس المصالح الاقليمية المتصارعة
وتجاذبات القوى السياسية الداخلية على خطوط تقاطع المصالح الاقليمية لدول
الجوار.
والثانية هي قضية اصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير
التي رافقتها ضجة إعلامية ومواقف راديكالية من قبل الجامعة العربية
والاعلام العربي.
السيادة
وفوبيا المؤامرة في العقل السياسي العربي
هذه المواقف كشفت سلبية دور الاعلام في قضية التحول الديمقراطي من جهة
وجهله بتطورات النظام الدولي وثورة المفاهيم المرتبطة بالتحولات الكونية
المعاصرة، من جهة اخرى، اذ تقوم الصحافة الحرة في الانظمة الديمقراطية
بتنوير واعلام الجمهور وتحاسب القادة وتوفر منبرا لمناقشة القضايا
المحلية والقومية... وهذه الصورة القوية لاعلام يشكل سلطة رابعة لا ترتسم
في المشهد الاعلامي العربي... وان تكن بدأت ملامح ضعيفة تتشكل على خلفية
بعض التجارب العربية التي هي في طريق التحول الديمقراطي...
يمكن ملاحظة ذلك من خلال تفحص قضية اصدار مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس
البشير وموقف الاعلام العربي المكتوب والمسموع والمرئي من هذه القضية
وتداعياتها... فالاعلام المذكور ليس سوى انعكاس للفضاء الاجتماعي السياسي
السائد والذي هو بدوره منفصل عن ادراك التحولات العالمية التي تذهب الى
انه لم يعد من حق الحكومات ان تختبئ او تتحصن خلف مبدأ السيادة لكي تفلت
من مسؤولية انتهاك حقوق الانسان.
فالعالم اصبح مجالا اتصاليا واحدا وكل ما يحدث في زاوية يؤثر على بقية
انحاء العالم واصبح دور الاعلام كاشفا عن الجرائم التي لم يعد بالامكان
التنصل من مسؤوليتها، ان قضية الاعلام الحر هي قضية الشعوب وليست هي قضية
الدفاع عن الحكومات... وما انقياد الاعلام الى الدفاع عن الانظمة سوى
دليل عن بعد وسائل الاعلام عن تأدية دورها الحقيقي وارتهانها لصانع
القرار السيادي.
ولو تفحصنا الاتجاهات الاعلامية بصدد القضية المذكورة لما فاتنا ملاحظة
مقدار التأثير الرسمي على وسائل الاعلام... فهناك اتجاه اعلامي يعكس
التركيز على اهلية القضاء الداخلي في مسائل تعد من صميم ولايته، وانه ليس
من حق المحكمة الدولية وما هذا الرأي سوى ترديد للرأي الرسمي البعيد عن
ادراك طبيعة التحولات الدولية، فهل يستطيع القضاء الداخلي اتهام الرئيس
بجرائم الابادة؟
مثلما هناك تركيز على تسييس مبادىء العدالة الدولية واستخدامها في
الانتقاص من سيادة الدول ووحدتها وامنها واستقرارها ورموزها الوطنية وهو
ما يعد انسياقا مع ما ذكرناه اعلاه.
بل ان هناك ما ينقاد الى حجة تقويض جهود التسوية السياسية لازمة دارفور
او خلق مناخ عدم استقرار في البلاد يهدد مستقبل جهود حفظ السلام في دافور
او في جنوب البلاد.
وجميع هذه الحجج المرددة والمضخمة اعلاميا تعكس الخوف الحكومي الرسمي
العربي من انطباق الحالة السودانية عليها مستقبلا.
وهناك وسائل اعلامية تعكس وجهة النظر المصرية التي تعد مثالا بارزا على
فوبيا المؤامرة المسيطرة على العقل السياسي العربي فهي تحذر من كون قضية
البشير مؤامرة تساند انفصال الجنوب والاستعداد لذلك في استفتاء العام
2011 بدعم أميركي - إسرائيلي، لإعادة رسم خريطة السودان والسيطرة على
مقدراته النفطية وضرب المصالح المصرية فيه.
وهناك اراء تدور حول ازدواجية المعايير حول هذه القضية الحساسة، فلماذا
تطبق مثل هذه السوابق ضد الرؤساء العرب فقط ولا تطبق ضد غيرهم من مرتكبي
الجرائم في لبنان والعراق وفلسطين... وحجة ازدواجية المعايير موضوعية
لكنها لاتتعلق بنظرية المؤامرة بقدر ما تتعلق بالعجز العربي عن تسويق
قضاياه والنجاح في الحصول على نتائج مرضية، كما ان الاعلام بحد ذاته فشل
في الكشف عن انتهاك حقوق الانسان بسبب القيود الهائلة على الحق في الوصول
الى المعلومة وعدم التمكن من اعلانها بسبب المخاوف الهائلة، فالاعلام
محاصر بالخوف وانعدام الثقة والنظر اليه كعدو بدلا من النظر اليه كشريك
مهم في الحكم في النهاية نؤكد ان الاعلام العربي لايمكن ان يمثل المواطن
العربي ويؤدي دوره الفاعل من دون الانطلاق من ادراك جوهر العملية
الديمقراطية والتي تعزز صراعا لاينتهي بين حقين: الاول هو واجب الحكومات
المتمثل في حماية الامن الوطني والثاني هو حق الشعب في المعرفة القائم
على تمكن الصحفيين من الوصول الى المعلومات... وللاسف ضاع الاعلام العربي
في المسافة الفاصلة بين هذين الحقين.
الدولة- الامة/ رحلة السيادة
كما نالت قضية سيادة العراق اهتماما ملفتا في الآونة الأخيرة، سيما بعد
التركيز الإعلامي والضجة المرافقة لعملية عقد الاتفاقية الأميركية
العراقية، فالاتفاقية كما يعلن المتخوفون ستقوض من سيادة العراق أي
بعبارة أخرى تحد من استقلالية القرار السياسي الخارجي من حيث علاقاته مع
دول الجوار، كما أنها تحد من سيطرة الحكومة المطلقة على اقاليم البلاد
بسبب تواجد القواعد العسكرية الأميركية والحصانات الممنوحة للوجود
العسكري الأميركي على الأرض والتسهيلات المقدمة لتواجده وحركته... الخ.
مثل هذه المخاوف على السيادة تتلبس التصريحات السياسية للبرلمانيين
ولوزراء الكتل السياسية المتناحرة وهناك استهلاك شبه يومي لمصطلح السيادة
انطلاقا من تصورات إيديولوجية قديمة او بدافع الحس الوطني المجرد او
ترجمة لمواقف سياسية محلية و اقليمية.
غير ان موضوع السيادة مثله مثل كثير من المفاهيم التي نشأت في فترة
تاريخية محددة يخضع للتغيير والتطوير والتبديل والتعديل بحسب حركة
الأحداث السياسية والتغيرات التي تحكم عالم العلاقات الدولية، ففهم ظاهرة
معينة ترتبط بحدث ما في فترة تاريخية معينة يخضع للتغيير انطلاقا مع حركة
احداث جديدة..
قانون تطور العلاقات الدولية وتبدل المفاهيم شمل مفهوم السيادة قبل غيره
من المفاهيم التي ورثت عن حقبة بناء الدولة القومية في أوربا وصياغة
القانون الدولي التقليدي يوم كان المجتمع الدولي حصرا على الدول الأوربية
وكان بناء الدولة/ الامة يأخذ طريقه للانتشار أوربيا ثم عالميا بفعل
السياسات الإمبراطورية لأقطاب العالم أنذاك كبريطانيا وفرنسا وبروسيا
وروسيا.
تصادم الامبراطوريات في حرب اهلية أوربية سميت عالمية (الحرب العالمية
الاولى والثانية) بفعل تقاطع المصالح والصراع على النفوذ العالمي فتت
الامبراطوريات القديمة فظهرت دول جديدة كانت تحتاج الى صك السيادة السحري
لاعطاء شرعية لوجودها ورحلتها الانبعاثية كدول تمثل امما لها حق البقاء
والوجود والنمو ضمن عائلة الدول المكونة للمجتمع الدولي.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية برزت ظاهرة نشوء دول جديدة بعد حركة
التحرر من الاستعمار، فزاد عدد اعضاء المجتمع الدولي ممن انتموا الى
منظمات عالمية كالامم المتحدة واصبح التمسك بالسيادة ومبدأ عدم التدخل في
الشؤون الداخلية أيقونات في مسرح نضالات الشعوب الجديدة التي تخرج الى
سطح الاحداث بعد ان غيبت لقرون طويلة،وقادت هذه الدول التي اكتسبت لقب
دول العالم الثالث حركة حاولت ان تقف على الحياد في عصر الاستقطاب الدولي
الذي شهد تنافسا ايديولوجيا محموما بين القوتين العظميين «الاتحاد
السوفيتي والولايات المتحدة الاميركية» وتمكنت هذه المجموعة من خلال
منظمة عدم الانحياز والجمعية العامة للامم المتحدة الدعوة الى و ترسيخ
مفاهيم جديدة باتجاه خلق نظام اقتصادي دولي جديد ونظام اعلامي جديد...
لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية وبروز نظام القطب
الاميركي الواحد اضحت لعبة الحياد والتمسك بلغز السيادة بلا معنى وسط
عالم يشهد تحولا هائلا على المستوى الاقتصادي والتكنولوجي والمعلوماتي...أنهارت
السيادة وتصدع مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واصبح مبدأ التدخل
الدولي الانساني مرجعية لتدخلات شملت كثيرا من دول العالم كالعراق
والصومال ويوغسلافيا.
بعد احداث 11 ايلول و احتلال افغانستان والعراق وظهور منظمات ارهابية
عابرة للحدود كالقاعدة أصبح فهم السيادة أكثر سيولة ولم تعد الحدود ثابتة
مثلما تهشمت حدود المفاهيم وذابت بفعل حركة العولمة المتصاعدة.
هذه الخلفية التاريخية ضرورية في نظرنا لكي نجيب على سؤال مستفز: هل يعد
العراق دولة ذات سيادة؟
أهلا بكم في عالم أنهيار السيادة
هل العراق دولة ذات سيادة؟ انه سؤال مضلل، الاحرى ان نقول هل بقيت في
عالم اليوم دولة ذات سيادة. وقبل ان نجيب على هذا السؤال لابد من تقديم
تصور عن ما آلت اليه السيادة في عالمنا المتصدع.
يقدم النص التالي كدليل على انتفاء سيادة الدول في عصر الهيمنة الاميركية،
وهذا النص لوزير مالية الولايات المتحدة الاميركية «روبرت أوين» في أيلول
عام 1997 يحمل عنوان «أعذرني يا محمد»:
((على أي كوكب أنت تعيش. أنت تتكلم عن المشاركة في العولمة كأن ذلك يتضمن
خيارا متاحا لك. فالعولمة ليست خيارا، وأنما حقيقة واقعة... أن اهم حقيقة
حول العولمة هي أن لا أحد يسيطر ايها الأبله. أسواق العولمة تشبه
الانترنت.....لا يوجد احد في مركز السيطرة، لا امريكا ولا القوى الكبرى
ولا انا))
ومحمد هنا هو «مهاتير محمد» رئيس جمهورية ماليزيا، الذي هاجم العولمة
والانحدار الاخلاقي في تعامل الدول، وخصوصا قوى العولمة الكبرى التي كانت
وراء الانهيار المالي الكبير الذي شهدته دول جنوب شرق اسيا.
يحاول مهاتير محمد ان يتمسك بسيادة الدولة في عصر انهيار السيادة، فقد
ولى دون رجعة زمن نكروما وتيتو ونهرو وعبد الناصر حيث امكن عن طريق
التحجج بالدفاع عن السيادة، الاحتفاظ بالحياد في عالم شديد الاستقطاب بين
معسكرين متضادين.
السيادة كانت وقتذاك في عصرها الذهبي، فقد مثلت حجة الضعفاء ضد الاقوياء،
المبدأ القانوني استعرض كحجة دفاع قوية ومناسبة في عالم شديد الهياج
والتكور في شكل احلاف عسكرية عدوانية، صيغت بشكل احلاف دفاعية واتفاقيات
دفاع مشترك.
حين انهار نظام ثنائي القطبية تكشفت ملامح نظام دولي جديد، فضلا عن
اتاحته المجال لنفوذ امبراطوري اميركي وحيد، فقد أتاح فسحة لمسرح، لم تعد
فيه «الدولة» الفاعل الاساس والوحيد في مجال العلاقات الدولية، بل قل هي
لم تعد الفاعل الرئيس، اذ برز فاعلون جدد لايقلون قوة وتأثيرا: منظمات
دولية، شركات عابرة الحدود، تشكيلات مافيوية، منظمات اجرامية وارهابية،
طوائف واعراق وبنى اجتماعية ما قبل دولتية، بل حتى افراد مؤثرون مثل بيل
غيتس ونيلسون مانديلا والبابا.
أن مجريات الامور على حد ما يذهب اليه «برتران بادي» توحي بأن النظام
الدولي قد دخل في تكوين ثنائي. يتضح هذا التكوين في التعايش بين عالمين
هما: عالم الدولة، وهو عالم مقنن، له طقوسه، ويتألف من عدد محدود من
اللاعبين المعروفين والذين يمكن التكهن بهم بدرجة أو بأخرى، وعالم «متعدد
المراكز» يتألف من عدد شبه مطلق من المشاركين لديهم قدرة على العمل الدوي
المستقل بصورة أو بأخرى عن الدولة التي يفترض أنهم يتبعونها. والاخير أي
العالم «المتعدد المراكز» يسعى الى توسيع استقلاليته نسبة الى الدول، ومن
ثم الى ابتذال أعادة النظر في حدود الدول وسيادتها(برتران بادي انقلاب
العالم ـ سوسيولوجيا المسرح الدولي).
مبدأ المسؤولية/ مبدأ السيادة
أصبحت فكرة الاستقلال الشديد (بالنسبة للدولة القومية) في عالم التأثيرات
عابرة الحدود ترجع لزمان مضى بل قل هي فكرة بالية ومستحيلة، وبهذا الصدد
تشير فكرة «الاعتماد المتبادل»interdependence الى ارتباط اجزاء العالم
بعضها ببعض. وقد قصد الكتاب الاميركيون والاوربيون بهذا المصطلح وقت
انطلاقه في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي: الاستعداد المفرط
لمجتمع ما للتأثر بما يجري من أحداث تدور في مجتمع آخر( فريد هاليداي،
الكونية الجذرية لا العولمة المترددة)
من الامثلة على ذلك ازمة الطاقة 1973، حرب الخليج الثانية 1991، انهيار
الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية، احداث 11 ايلول 2001، احتلال
العراق 2003، فضلا عن جميع الازمات (السياسية والاقتصادية والاجتماعية)
والتهديدات والامراض والكوارث التي تصيب بعض البلدان ويكون تأثيرها عابرا
للحدود.
وقد برزَت تحديات عالمية - كالتلوث البيئي وظواهر الاحتباس الحراري
والكوارث الطبيعية مثل تسونامي وانتشار الامراض الفتاكة وتهديدها الامن
القومي للدول والامن الدولي بشكل عام مثل سارس و الايدز وانفلونزا
الطيور- الحاجة الى درجة استجابة اسرع وتضامن على مستوى اوسع يجعل من
التمسك بمقتضيات السيادة ضربا من ضيق الافق السياسي والذي غالبا ما يكون
عرضا من اعراض الانغلاق السيادي او الانانية القومية،
وهذه التهديدات المشتركة تجعل من عالمنا واحدا بكل ما تتضمنه التهديدات
من احساس مشترك بالتحدي وضرورة الاستجابة المشتركة، وتلقي على عاتق
الجماعة الدولية مسؤولية مشتركة للتنسيق والتضامن للحفاظ على مستقبل
الحياة البشرية، ما يتطلب رفع درجة الاحساس بالمسؤولية المشتركة بدلا من
التقوقع السيادي بكل ما ينطوي عليه من ضروب الانانية واوهام التفرد
والاستقلال المطلق.
سطوة المفاهيم الجديدة/ أنهيار السيادة
نجم عن تعدد الفاعلين في محيط قابل للتشكل من جديد، ان الدولة لم تعد
تحتكر الحرب، فهي حسب برتران بادي قد فقدته لصالح أصحاب المشروعات
المتعددين، دينيين، قبليين، عرقيين، عشائريين، بل وايضا اقتصاديين
ومافياويين الذين لاحاجة لهم بالسيادة (برتران بادي، عالم بلا سيادة).
وكان لفشل نموذج الدولة/الامة في انحاء عديدة من دول الجنوب، ان برزت لسد
الفراغ تشكيلات ما قبل دولتية مثل العشائر والطوائف والعوائل، ويمكن
تمييز مفاهيم جديدة طفت على السطح، اصبحت لازمة لفهم الحراك والهياج على
المسرح الدولي، ومن هذه المفاهيم:
الدولة الفاشلة: يعرِّف مركز أبحاث الأزمات في كلية لندن للدراسات
الاقتصادية الدولة الفاشلة بأنها: «حالة انهيار الدولة، أو الدولة
العاجزة عن أداء وظائف التنمية الأساسية وحماية أمنها وفرض سيطرتها على
أراضيها وحدودها» كما تعد مجلة FOREIGN POLICY الأمريكية مؤشراً سنوياً،
باسم دليل الدول الفاشلة على أساس 12 عاملاً، ومن هذه العوامل وجود دولة
داخل دولة، وبروز نخب تسمح بتدخل دول أخرى بالتأثير المباشر على سياسات
هذه الدولة وقراراتها.. إلى آخره.
وقد احتلت دولة ساحل العاج المركز الأول في الدليل، اذ قسمتها الحرب
الأهلية إلى نصفين وهى الأقرب إلى التفكك، وستكون في انهيار تام إذا
انسحبت قوات حفظ السلام الدولي. ويتبعها دول الكونغو والسودان والعراق
والصومال وسيراليون وتشاد واليمن وليبريا وهايتي. شبه الدولة: وهو ما
يعني تعدد مستويات الدولة وتباين درجاتها، فدول العالم، وإن كانت متساوية
في نظر القوانين والاعراف الدولية، الا انها متباينة على مستوى الواقع
العملي، اي ان هناك تدرجا ومستويات للدول. فكثير من الدول في عالم الجنوب
لا تمتلك مقومات الدولة التي تتمثل بقدرتها على بسط الامن وترسيخ سلطة
الدولة على كامل التراب الوطني على الرغم من اعتراف بقية الدول بها. اي
انها بمعنى اخر تمتلك سيادة قانونية بوصفها عضوة في الامم المتحدة الا
انها لاتمتلك سيادة فعلية على مساحتها الجغرافية ولاتمتلك مؤسسات فاعلة
قادرة على القيام بواجباتها، مما يدفع المواطنين الى التشكيك بشرعيتها
وفقدان الثقة بها.
دولة الامر الواقع: وهو مصطلح يشير الى المناطق التي تسيطر عليها حركات
متمردة أو قوى سياسية انفصالية، واقامت عليها إدارات أضحت بمثابة دولة
بحكم الامر الواقع، لكنها تفتقر الى الاعتراف الدولي، فإريتريا قبل
الاستقلال، وجمهورية ارض الصومال، وقبرص تركيا أمثلة على دولة الامر
الواقع.
معطيات عالم جديد/ سيادات جديدة
ترافق ذلك مع بروز بعض المعطيات الجديدة في عالم يتشكل بتسارع هائل سنشير
الى ثلاث منها:
1-الفرد/ سيادة الدولة
- بروز مركز الفرد في القانون الدولي وتحول انتهاكات حقوق الانسان الى
حيز الاهتمام العالمي وتدخل الجماعة الدولية لحماية هذه الحقوق في حال
انتهاكها من قبل الدول تجاه مواطنيها، على نحو يحدد سيادة الدول لصالح
هذه القواعد العالمية مثال على ذلك القرار رقم 688/1991 والذي عد قمع
الدولة للمدنيين تهديدا للامن والسلم الدوليين، وفرضت بعده مناطق للحظر
الجوي في سبيل حماية المدنيين من بطش الدولة انذاك، والمثال الاخر يتمثل
بانشاء العديد من المحاكم الدولية في حال حصول جرائم تنتهك حقوق الانسان
والقانون الدولي الانساني كجرائم التصفية العرقية والجرائم المرتكبة ضد
الانسانية وجرائم الحرب، مثل المحكمة الجنائية الخاصة بيوغسلافيا السابقة
وراوندا والمحكمة الخاصة بسيراليون ووحدة الجرائم الخاصة بتيمور الشرقية
واخيرا وليس اخرا المحكمة العراقية الخاصة. وبهذا الصدد يذهب برتران بادي
للقول بـ«إن تحبيذ حقوق الانسان في كل مكان في العالم هو التزام اخلاقي
وفي الوقت نفسه اعتقاد متبصر بأن انتهاك هذه الحقوق في أحد الأماكن من
العالم يؤثر على مكان أخر متجاوز لحدود السيادة»(برتران بادي، عالم بلا
سيادة).
2- قوى العولمة/افول السيادة
- الانسياق مع قوى العولمة من قبل الاطر المؤسسية للجماعة الدولية مثل
الامم المتحدة التي نحت نحو الشراكة مع المنظمات الدولية كالبنك الدولي
ومنظمة التجارة العالمية في بعض المشاريع المشتركة وليس من اعتراف اوضح
من ذلك بفاعلية الاخيرة كشخص من اشخاص القانون الدولي بعد ان كانت الدول
لوحدها هي الشخص الرئيس للقانون الدولي.فضلا عن ان التطور التقني
والاعلامي وثورة المعلومات، قلص من حجم العالم ازاء الوعي به من جهة،
ووسع الادراك بهذا العالم من جهة اخرى، وجعل من سيطرة الدولة على الحدود
محض سراب، مما جعل السيادة تدخل في مرحلة الافول، فالحدود اصبحت مسامية
تنفذ منها المعلومات والاسلحة، والحواجز تذوب امام التقنيات المتطورة،
وغرف الفنادق تفتح ابوابها المغلقة بعد ان اخترقت الاصوات الجدران. ولأول
مرة تصبح التقنية العامل الحاسم في تطور التاريخ، وربما ستصبح العامل
الحاسم في دماره، انه عصر«أفول السيادة» كما جاء في كتاب يحمل العنوان
نفسه لـ«ولتر ب. وستون».
3- الارهاب العابر للحدود/ انكماش السيادة
- بروز الحركات الاصولية وتهديدها سيادة الدول من الداخل، في ظاهرة قد
يصح ان نسميها الانكماش الداخلي للسيادة، فمواطنون تابعون لدول صغيرة
يستطيعون الان تهديد امن اكبر الدول، عصبة من الافراد هددوا امن اكبر
الدول قاطبة في 11 ايلول، وهم نفر مسلحون بأكثر التقنيات تطورا، ملتفون
تقنيا على الرقابة التي تفرضها الدول، كما في استخدامهم الناجح للانترنت،
وهم بذلك وعلى حد وصف جيل كيبيل قد
(خلقوا فضاءا كونيا جديدا، «أمة رقمية» تمتد من ليدز الى بيشاور، من شرم
الشيخ الى مدريد ومن الرياض الى امستردام. وليس لأمة الجهاديين هذه سوى
مكة افتراضية، لم يعد لها مركز معين، بل انها بالاحرى متعددة المراكز،
تنتمي إلى مجرة مواقع الـ«ويب»، منابر تعتليها لتبشر بخلاص البشرية عبر
القضاء على «الكفار»).
العراق: السيادة القانونية/ السيادة الفعلية
كان العراق قد اصبح دولة مستقلة منذ عام 1922 بموجب معاهدة عقدت مع
بريطانيا، لكنه حصل على صك السيادة بانضمامه الى عصبة الامم عام 1932، اذ
حصل بموجب ذلك على الاعتراف الدولي الذي لاتحيا السيادة الا به.
لكن النفوذ البريطاني في العراق ما يزال قويا، وطوال فترة الحكم الملكي
كان الاحساس حاضرا بكون البلاد ما تزال ناقصة السيادة، حتى زمن الاطاحة
بالحكم الملكي 1958. لكن من المبالغة ان نعلن انطلاقة النظام الجمهوري
بوصفها علامة فارقة في مسيرة السيادة، اذ لم تزل رياح الصراع الايديولوجي
تعصف بالمنطقة او على حد ما لاحظ وليام بولك (كانت الاستخبارات الاميركية
والبريطانية تؤثر ببراعة في القوى الداخلية وبحكومات الدول المجاورة لغرض
التأثير على الحكومات العراقية المتعاقبة والهيمنة عليها. وكان احتمال
«تغيير النظام» عن طريق الاغتيال او الانقلاب او الغزو هو الورقة الرابحة
بيد الاجنبي على الدوام) (وليام بولك، الخروج من العراق).
وفي زمن البعث الحاكم 1968-2003 بدأت السيادة تفقد مغزاها منذ ان تحولت
الى محض سيادة الحاكم على شعبه، وسيادة الايديولوجيا على السكان الذين
قسروا عبر هندسة ثقافية فوقية الى الذوبان في تطلعات الحزب الحاكم
واهدافه.
وجاءت الحروب المتتالية 1980-1988، 1991، 2003، لتعمل تدريجيا على تقويض
السيادة وتنتهي اخيرا بتقويض الدولة وانهيارها 2003.
بعد غزو الكويت بدأ العد التنازلي الذي دشن خروج العراق من المجتمع
الدولي، فرض القرار 661 نظاما للعقوبات يصفه البعض بانه «اشد نظام عقوبات
قسوة يفرض على دولة منهزمة منذ أن هزمت روما قرطاجنة» (وليام بولك،
المصدر السابق).
لقد انضوت الجماعة الدولية (لاول مرة) بقيادة الولايات المتحدة، لتقرر
استعادة سيادة الكويت بالقوة (القرار رقم 678)، لكنها من جانب اخر، اخرجت
العراق من حظيرة الجماعة الدولية، اذ لم ترده الى مكانه بوصفه معتديا، بل
تجاوزت ذلك الى تحطيمه وتحويله الى دولة منقوصة السيادة، سيما منذ ان قضى
القرار 687 بأستمرار نظام المقاطعة الاقتصادية واقرار نظام المراجعة
الدورية، مما عنى ان الكل وهو الجماعة الدولية لم تعد تعنيها سيادة بلد
خرج عن قواعد القانون الدولي، فاستحق منذاك ان يبقى منقوص السيادة.
أو على حد تعبير دبلوماسي غربي فأن سياسة الغرب كانت تقضي بأن تبقي
العراق في قفصه. وقد انتهى الامر بمناطق حظر الطيران والغارات المتقطعة
وعمل لجان التفتيش ان اتاحت التفكير مليا في السيادة بوصفها من آثار عهد
يصعب استعادته دون الخلاص من نظام صدام الدكتاتوري.
حين تم ذلك اخيرا بفعل الغزو المباشر، كانت الدولة نفسها قد تهاوت، وعكست
القرارات الصادرة من مجلس الامن منذ القرار 1483 الحاجة الى دعم الشرعية
الدولية بسبب فقدان الشرعية الداخلية او عدم استكمالها بعقد الانتخابات.
وحين أقر القرار رقم 1546/2004 تشكيل حكومة ذات سيادة للعراق، تتولى
المسؤولية والسلطة بحلول 30 حزيران 2004 لحكم العراق، شدد على امتناعها
اتخاذ اي اجراءات تؤثر على مصير العراق فيما يتجاوز الفترة المؤقتة
المحدودة الى ان تتولى حكومة انتقالية منتخبة مقاليد الحكم.
وكانت القرارات المتتالية بعدئذ تؤكد مجددا في ديباجاتها استقلال العراق
وسيادته ووحدته وسلامة اراضيه، كما أقرت بأهمية موافقة حكومته ذات
السيادة على وجود القوة متعددة الجنسيات وتجديد ولايتها.
وكأن سيادة العراق اضحت بحاجة الى اعادة تأكيد من مجلس الامن ومن وراءه
الجماعة الدولية لكي تحتفظ بوهم قيامها في عالم السيادات الفعلية
المنحسرة.
والان يصنف العراق بكونه دولة فاشلة، ويحمل قسمات شبه الدولة، وتحاول
ظلال دولة الامر الواقع (مثل ما يسمى بدولة العراق الاسلامية) ان تعتاش
على خرابه وفراغاته السيادية.
والادهى من ذلك ان القوة السيادية العظمى كانت السبب الاول لتقويض سيادة
العراق وتحاول اليوم أبتزازه بالربط بين خروجه من الفصل السابع من
الميثاق وتوقيعه الاتفاقية معها، فكأن العراق اذا خرج من الفصل السابع من
ميثاق الامم المتحدة سيدخل الى الفصل السابع الاميركي فيظل منقوص السيادة
مهما امتلك من مقومات الاستقلال الاقتصادية والسياسية.
سيظل العراق خلال العقود المقبلة محكوما بقوانين عالم أحادي القطبية وفي
طريقه للتعافي واستعادة السيادة الكاملة، سيصل الى منطقة لم تعد فيها
السيادة تحمل عنفوانها الاول، فقد تغير العالم كثيرا منذ ان بدأت سيادته
تذوب بسبب التوجهات الكارثية لنظامه السياسي السابق، والانكى انه انفتح
فجاءة على كل التأثيرات العولمية المقوضة للسيادة، وصراع الفاعلين
اللانهائيين على خشبة مسرح العالم.
Sohwaad_saloom@yahoo.com
|
|
|