الحضارية «دراسات استراتيجية»

السبت: 23/08/2008

 

نظرة الى مستقبل
العلاقات العراقية الأردنية

سعد سلوم
(خاص للمعهد)

تمتد جذور العلاقات الأردنية العراقية الى الماضي الهاشمي المشترك في تجربة بناء الدولتين في العراق وشرق الاردن، فحين قرر العراقيون مبايعة فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، قبل الأمير عبد الله بن الحسين إمارة شرق الأردن نيابة عن والده الشريف الحسين بن علي.
وبعد تتويج فيصل ملكا على عرش العراق في آب عام 1921، بدأت العلاقات الأردنية العراقية تتسم بطابع الود والاتفاق على كثير من الأمور المهمة ذات العلاقة المشتركة بينهم، فقد أيد الملك فيصل استقلال حكومة شرق الأردن، الذي أعلنته بريطانيا عام 1923م، كذلك تباحث الأخوان في عام 1924م بشأن وضع التدابير اللازمة لوقف الغزو الوهابي على شرق الأردن.
وفي أوائل عام 1945م نما حلم مشترك يدور حول إمكانية توحيد البلدين لكنه استبدل بمعاهدة تحالف وأخوة تم التوقيع عليها في 14 نيسان 1947، لكن العلاقات وصلت الى قمتها في الاعلان عن الاتحاد العربي بين الدولتين عام 1958، وذلك قبل ان يطيح انقلاب 14 تموز بالعائلة الهاشمية المالكة في العراق ويطوي صفحة الملكية والملوك الى الابد ليبدأ عهد الانظمة الثورية الجمهورية التي دمرت سياساتها المجتمع والدولة.
السياسة الاردنية ازاء العراقيين
تحتم على الاردن منذاك التعامل مع دولة عراقية قوية تنمو قدراتها العسكرية على حدوده الشرقية، وفي وقت شكلت فيه الدولة في الاردن فاصلا جغرافيا بين العراق واسرائيل حتى قيل ان استحداثها كان بمثابة العازل الواقي لاسرائيل من عدوها العراقي.
هذه المملكة الصغيرة محدودة الموارد تعاملت مع تحديات هائلة وسط جو اقليمي مشحون بالعداء والصراعات والمؤامرات فعلى حدودها الشرقية كان المارد العراقي الذي تورط بحروب مع جيرانه وعلى حدود الغربية كان النزاع العربي الاسرائيلي يخرج من حرب خاسرة ليدخل في اخرى دون الوصول الى تسوية تؤمن الاستقرار على حدود المملكة.
وبالنسبة للعلاقات مع العراق فقد وقعت الاردن في مأزق التعامل مع عراقين يكاد لا يشبه احدهما الأخر بصورة كبيرة:
- العراق الاول هو عراق صدام حسين الذي بنى دولة قوية ذات نظام عسكري شبه بروسي وكان الأردن (حكومة وشعبا) محتشدا وراء مغامرتها العسكرية المتعثرة، مثال على ذلك الحرب مع ايران 1980- 1988 اذ يتذكر العراقيون مشهد جلالة الملك الحسين بن طلال (والد الملك الحالي عبد الله) في التلفزيون الرسمي يطلق قذيفة من مدفع عراقي باتجاه الحدود الشرقية حيث جمهورية إيران الإسلامية التي أسقطت الشاه عن عرشه وشرعت بتصدير ثورتها لدول الجوار.
وقد جنى الاردن فوائد عظيمة من جراء تطابقه مع سياسات صدام الطموحة انذاك لتصوير نفسه في صورة المدافع عن الانظمة العربية السنية من طوفان الغزو الإيراني الشيعي، لكن السياسة العراقية سرعان ما انعطفت وراء مغامرة غزو الكويت عام 1991 فأضرت بالاردن بسبب وقوفها مع العراق او اتخاذها موقفا معتدلا من النزاع، وقد دفع الاقتصاد الاردني الثمن باهضا بسبب انقطاع المساعدات الأميركية بالإضافة الى التداعيات المرتبطة بعودة أكثر من (300) ألف أردني كانوا يعملون في الكويت ودول خليجية، وشكل هولاء عبئاً اقتصاديا واجتماعيا وماليا ثقيلاً على بلد محدود الموارد، ويعاني من بطالة وفقر ومديونية.
الفترة الذهبية في العلاقات العراقية الاردنية
ويشير المراقبون الى الفترة الممتدة من 1991-2002 الى كونها تمثل الفترة الذهبية للاردن في تاريخ العلاقات بين البلدين حيث دعم فيها العراق الاقتصاد الاردني سواء بالهبة المجانية للنفط او منحه بأسعار مخفضة وتحولت الاردن الى المتنفس الاقتصادي الوحيد للعراق في فترة المقاطعة الاقتصادية له من قبل المجتمع الدولي بضغط اميركي.
لكن لا يمكن القول ان السياسة الرسمية كانت مع العراق قلبا وقالبا، فقد اصدر الملك الحسين الكتاب الابيض لحرب الخليج موضحا فيه وجهة النظر الاردنية التي سعت للوصول الى حل سلمي للازمة فصورت كسياسة معتدلة في ظل جو قرعت فيه طبول الحرب.
الا ان ذلك لم يعف الاردن من مواجهة تبعات علاقاتها مع نظام صدام، ولكي نكون منصفين فقد كان الشارع الاردني والذي هو بمعظمه يتكون من فلسطينيين 50-70% من السكان مع صدام حسين على الرغم من كل جرائمه الدولية ومذابحه الداخلية وسواء كانت السياسة الرسمية تتحرك معه او ضده، فضلا عن سيطرة صدام الهائلة على وسائل الاعلام الاردنية من خلال ضخ الاموال وشراء العقارات لصحفيين طبلوا لسياساته الخرقاء.
وقد وصلت العلاقات على مستوى سياسي الى منعطف جديد مع استضافة صهر الرئيس العراقي الهارب حسين كامل، فضلا عن استقبال قسم من المعارضة العراقية مما أثار غضب صدام، لكن العلاقات بقيت تسير ضمن ضوابط محسوبة واعتماد متبادل: العراق لا يستطيع التخلي عن منفذه الوحيد على العالم الخارجي كما ترحب الاردن باستمرار سياسة النفط المدعوم الذي رفع عن كاهلها بعض الاعباء الاقتصادية.
الموقف الاردني من الاحتلال الاميركي للعراق
بعد الغزو الاميركي 2003 تعلمت السياسة الأردنية من اخطاء الماضي، فكان هناك تأييد اردني رسمي واضح للغزو على الرغم من الرفض الشعبي العارم وعداء الشارع المتزايد للسياسة الاميركية...لكن لم يثر انفصال السياسة الرسمية عن قواعدها الشعبية قلق النخبة الاردنية الحاكمة بقدر ما أثاره (العراق الاخر) الذي تحتم على الأردنيين التعامل معه بعد سقوط صدام.
وتحول هذا القلق الى ذعر بعد ازدياد النفوذ الايراني في العراق ومواجهة مخاطر تفكك العراق وانقسامه و احتمال مجابهة الاردن أكثر من عراق على حدودها الشرقية بكل ما يتضمنه ذلك من مخاوف انتشار الحركات المتطرفة عبر الحدود وتدفق اللاجئين بأعداد تغير التوازن الديموغرافي في البلاد وتشكل عبئا على اقتصادها الضعيف.
وتحول القلق الاردني الى كابوس بعد أن تسبب عراقيون في مقتل 57 شخصاً في تفجيرات الفنادق بعمان فكان رد الفعل في سياسة التشديد على المسافرين العراقيين في الحدود وعدم تجيد الاقامات، فأنقلبت الضيافة الاردنية الى تذمر وسخط .
لكن لنكن واقعين فأن الاردن لم يغلق ابوابه تجاه التعاملات الرسمية حيث استمر بتدريب كوادر الشرطة والجيش العراقيين اضافة الى تدريب الكوادر الامنية اللذين اعيد بناؤهما وفقا للمواصفات الامريكية، وتعامل الاردن بأيجابية مع تحولات وانتقالات السلطة فأيد ابتداء مجلس الحكم الانتقالي، ثم الحكومة المؤقتة، والانتخابات وما نجم عنها من حكومة شرعية منتخبة، كما أبقى سفارته في بغداد مفتوحة رغم تعرضها لهجوم في اب عام 2003، وان كان قد قد قرر تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي....
دلالات زيارة العاهل الاردني لبغداد ومستقبل العلاقات العراقية الاردنية
وقد جاءت زيارة العاهل الاردني الى بغداد بعد نجاحات الخطة الامنية والجولات الدبلوماسية المكوكية لوزير الخارجية ورئيس الوزراء العراق، كمؤشر رمزي على القبول الاقليمي والدعم لحكومة المالكي، لكنها من جهة اخرى قد تكون دليلا على برغماتية الحكومة الاردنية وتحركاتها المحسوبة بما يحقق مصالحها الاقتصادية, وقد صدر بيان رسمي أكد ان الجانبين بحثا تطوير العلاقات بين البلدين الشقيقين في المجالات كافة.واستعرض المالكي خلال اللقاء التطورات السياسية والنجاحات الامنية وتوجه الحكومة نحو مشاريع البناء والاعمار بعد عودة الحياة الى طبيعتها والتخلص من العصابات الارهابية والخارجين عن القانون معربا عن امله بفتح صفحة جديدة في العلاقات بين العراق والاردن وبما يخدم مصلحة الشعبين الشقيقين ويعزز الامن والاستقرار في العراق وعموم المنطقة.من جهته جدد الملك عبدالله الدعم والتأييد للحكومة العراقية ومساندتها في جهودها الهادفة الى بسط الامن والاستقرار واعادة الاعمار والبناء واستعداد الاردن للوقوف مع العراق لتحقيق مايصبوا اليه الشعب العراقي من امن واستقرار وازدهار.
لكن رغم النغمة المتفاءلة للبيان فأن الاجواء في بغداد منقسمة بشأن دلالات زيارة الملك الأردني عبد الله ولقاءه رئيس الوزراء العراقي، فهناك ترحيب رسمي بالزيارة وتصويرها كنجاح للدبلوماسية العراقية التي بدأت تجني ثمار نشاطها الإقليمي والعربي خلال الشهور السابقة وهناك من جهة أخرى استياء يمكن تلمسه لدى قطاعات واسعة من الشارع العراقي ترى في الزيارة تحريكا للملف الاقتصادي بما يصب في صالح الاقتصاد الاردني دون تحريك فعال للملف الإنساني حول أوضاع اللاجئين العراقيين في الأردن.
جلس العاهل الأردني قبالة رئيس الوزراء نوري المالكي بطريقة مميزة ذكرت العراقيين بطريقة جلوس ابيه الملك حسين أمام صدام حسين في الثمانينات، وأمامه صحن من التمر العراقي الشهير وقنينة من الماء.
احتلت هذه الصورة الصفحات الرئيسية للصحف العراقية صباح يوم الثلاثاء المصادف 12-8-2008 وأثارت جملة من التساؤلات... فقد كان مقررا أن تتم هذه الزيارة إلى بغداد شهر تموز بموجب اتفاق مع المالكي خلال زيارته إلى عمان في يونيو/حزيران الماضي، لكنها تأجلت لاسباب أمنية.
حملت هذه الزيارة التي تعد اول زيارة لزعيم عربي منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003 دلالات عديدة منها:
أولا (على صعيد العلاقات بين النخب الاردنية العراقية)
كانت الزيارة مؤشرا على استعادة الثقة المتبادلة بين النخب الحاكمة في البلدين التي اهتزت خلال السنوات السابقة، فقد كان لكل طرف تحفاظاته على الطرف الآخر، فالحكومة العراقية في نظر القادة الأردنيين طائفية همشت مكونا سكانيا أساسيا هو سنة العراق، كما ان النفوذ الإيراني في العراق طالما أثار المخاوف الاردنية من نمو هلال شيعي في محيط المنطقة العربية السنية.
من جهة اخرى ينقد القادة العراقيون صمت الحكومة الأردنية ازاء أقامة رغد ابنة صدام الكبرى واتباع النظام السابق في الأراضي الأردنية واستخدامهم أموالا طائلة لدعم التمرد في العراق. كما ان الكثير من المتطرفين الإسلاميين الداعمين للتمرد من أصول أردنية وأشهرهم أبو مصعب الزرقاوي.
وقد كان نجاح الخطة الامنية للمالكي من جملة الاسباب التي عملت على استعادة الثقة أو ترميمها و أظهرت حكومته بمظهر قوي، كما ان العمليات العسكرية الحكومية ضد الميليشيات الشيعية كانت دليلا ومؤشرا على نفي الصفة الطائفية عن الحكومة بالاضافة الى مشروع المصالحة الوطنية الذي اطلقه المالكي والذي استهدف معالجة سلبيات قانون اجتثاث البعث الذي تم تصويره اردنيا كأستهداف لسنة العراق بشكل اساس.
ثانيا: (على صعيد العلاقات الاميركية الاردنية)
الدلالة الثانية للزيارة تؤشر التأثير الأميركي في سياسة الدول العربية تجاه العراق، حيث يقيم المراقبون زيارة العاهل الأردني في ضوء الضغوط الأميركية نحو انفتاح الدبلوماسية العربية تجاه فك العزلة عن العراق، وبغض النظر عن مصداقية هذا الرأي الا ان الإدارة الأردنية للسياسة تجاه الشرق حيث يقع العراق تعكس وضوحا تدفعه مصلحة دعم تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والذي ليس مرتبطا بالعلاقة مع العراق بالضرورة بل يشمل بالدرجة الأساس تحريك الرعاية الأميركية لملف النزاع العربي الفلسطيني مما يقض مضجع الحكومة الاردنية تجاه ما وراء الضفة الغربية لنهر الاردن حيث لايزال الصراع مستمرا لانشاء دولة فلسطينية.
ثالثا: (على صعيد العلاقات الاقتصادية بين الجانبين)
كما ان الملف الاقتصادي يهيمن على أجواء الزيارة اذ يطمح الأردن الى استيراد النفط العراقي مجددا بأسعار تفضيلية، في مواجهة فاتورة نفط مرشحة أن تقفز إلى زهاء ثلاثة مليارات دولار هذا العام.
وقد كان الاردن في العقد الاخير من حكم صدام حسين يحصل على برميل النفط بثمن يصل الى 9 دولارات فقط حين كان سعره العالمي اكثر من 30 دولارا، فضلا عن انه لم يكن ملزما بالدفع نقدا بل يستطيع ايفاء المبالغ لقاء سلع استهلاكية أردنية. وحين خسرت الأردن هذه السياسة السخية بعد سقوط نظام صدام ظلت السياسة الأردنية في سعي لاستعادة السخاء السابق أو على الاقل استبداله بصفقة تتضمن أسعارا تفضيلية، لذا وعلى عكس ما يشاع فليست خطوة العاهل الاردني الزيارة الرسمية الاولى لاستعادة السياسة السخية السابقة حيث سبق ان زار رئيس الوزراء الاردني معروف بخيت بغداد في آب 2006 للحصول على تعهد بتزويد الاردن بـ10 الاف برميل يوميا بأسعار تفضيلية، وفي هذا السياق تحمل زيارة العاهل الأردني طموح تحريك هذا التعهد وتحويله الى واقع فعلي.
استنتاجات نهائية
- زيارة العاهل الاردني الى بغداد تؤخذ دليلا على بوادر لتجاوز الخوف من صورة عراق منقسم على ذاته، سيما وان سياسته الرسمية تدعم عراقا تعدديا في ظل دولة موحدة مما يتطابق بالضرورة مع رؤية الحكومة العراقية الحالية، لذا تعد الزيارة نجاحا للدبلوماسية العراقية من جهة ومؤشرا على بداية فك الحصار السياسي والدبلوماسي عن حكومة المالكي نحو تجاوز سلبيات الدبلوماسية العربية تجاه القضية العراقية وتحولاتها.
- على الرغم من ذلك فأن هناك حقيقة واضحة للعيان: مستقبل الاردن يتأثر بما يحصل في العراق أكثر من تأثر العراق بما يحصل في الأردن... لذا تجيء الزيارة اعترافا بهذا التأثير وان نجاح الدولة على الحود الشرقية للاردن كسب لها على مختلف الاصعدة.
- لا يمكن اعتبار الزيارة قطعة دومينو اولى في محيط عربي تعقبها زيارات عربية متعددة أكيدة، فالأردن احدى دول محور الاعتدال: الاردن، مصر، السعودية، لا تمثل جميع توجهات السياسة العربية فالاخيرة تحمل مقاربات مختلفة ازاء القضية العراقية وتراهن على فشل عملية التحول الديمقراطي فيه وقد لا يسعدها رؤية الزعماء العرب يتزاحمون على أبواب بغداد لنيل رضا واشنطن.
- الرغبة الاردنية في قيادة المبادرة الاولى على صعيد دول محور الاعتدال، فهناك صراع خفي او معلن بين الدول المذكورة: مصر، السعودية، الاردن لقيادة المبادرات وتحقيق نوع من النصر الدبلوماسي اللازم لامتلاك نوع من رأس المال الرمزي اللازم للقيادة الاقليمية... وهو ما دخلت فيه دولة قطر مؤخرا في ما يخص القضية اللبنانية مما يعكس مقومات القيادة الكاريزمية الجديدة لقيادة شرق اوسط جديد لم تعد فيه القوة الصلبة (العسكرية) هي محور الرهان بقدر ما اصبحت فيه القوة الناعمة (الاعلام، الدبلوماسية، الثقافة) تحتل المقدمة معبرة عن تحول جديد في العلاقات الاقليمية والدولية دعنا نسميه عصر القوة الناعمة.


 

Saad_saloom@yahoo.com