نظرية
الإصلاح الاقتصادي من القرآن الكريم / 2
د. إحسان الأمين(*)
(خاص للمعهد)

2 – مبدأ
الحرِّيّة الإقتصادية المحدَّدة:
سمح الإسلام للأفراد للتحرُّك
بحرِّية في المجال الإقتصادي، لضمان نمو المجتمع واضطراد التقدّم
فيه، ولكنه حدَّد هذه الحركة بحدود من القيم المعنوية والخلقية،
التي توجه حركة الإقتصاد للخير العام وتبعده عن الشرور والإنحراف،
ضمن المعايير التي يؤمن بها الإسلام.
وهذه الحدود، يظهر عملها وتثبت
فاعليتها من خلال مسارين:
الأوّل: التحديد الذاتي الذي
ينبع من أعماق النفس وإيمان الفرد والتزامه الشخصي.
الثاني: التحديد الموضوعي،
الذي يُعبِّر عن قوّة خارجية، تُحدِّد السلوك الإجتماعي وتضبطه،
ضمن المقررات العامّة.
وإذا ما ضعف العامل الإجتماعي
وغابت الضوابط القانونية، فإنّ العامل الذاتي يبقى حياً، وآثاره
مستمرة، وهو ما نلاحظه في أعمال البرّ والخير التي قام بها
المسلمون عبر مختلف العصور وسائر الأماكن، بإخلاص ذاتي وفي سبيل
الله.
أمّا جانب الضوابط الإجتماعية،
فيتمثّل بأمرين:
الأوّل: النص على منع النشاطات
المضرّة – بنظر الإسلام – كالرِّبا والإحتكار وغير ذلك.
الثاني: إقرار مبدأ الإشراف
العام لولي الأمر على النشاط الإقتصادي العام وتدخل الدولة لحماية
المصالح العامّة وحراستها، وتحقيق العدالة الإجتماعية عملاً بقوله
تعالى: {أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا
الرَّسولَ وأُولِي الأمرِ مِنكُم}
(النِّساء/ 59).
فالسلطة الإسلامية الشرعية لها
حقّ الطاعة والتدخل لحماية المجتمع وتحقيق التوازن فيه، ضمن دائرة
الشريعة وحدودها.
وقد طبّق الرسول الكريم(ص) هذا
المبدأ.. ومن أمثلة ذلك أنّه قضى بين أهل المدينة في مشارب النخل:
أنّه لا يمنع نفع الشيء، وقضى بين أهل البادية: إنّه لا يمنع فضل
ماء ليمنع فضل كَلأ، وقال: "لا ضرار ولا ضرار".
3 - مبدأ
العدالة الإجتماعية:
في توزيع الثروة والإستفادة من
الإمكانات والفرص الإقتصادية، وهذا المبدأ الإسلامي يقوم على
أساسين:
الأوّل: مبدأ التكافل العام
لتوفير حدّ الكفاية – لا الكفاف – من لوازم الحياة الإقتصادية
الضرورية ومتطلِّباتها لسائر الناس لغرض توفير حياة كريمة لهم كهدف
أساس ومسؤولية أولى للدولة في الإسلام.
الثاني: مبدأ التوازن
الإجتماعي، الذي يعمل لكسر إنحصار المال ومجالات الإستفادة
والإستثمار بيد طبقة خاصّة من الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال
والمتنفذين، بل يعمل لكي تكون الفرص متكافئة بين سائر الطبقات،
ومجالات الإستفادة موزّعة بشكل عادل بين الأغنياء والفقراء على
السواء، من دون تمييز، ولكي تصل الهوة بينهم وتتحسّن أوضاع الناس
كلّما تحسّنت الظروف الإقتصادية، لا أنّها تصب في خدمة طرف دون
آخر.
ويتم جزء كبير من التوازن
أيضاً بإعادة توزيع الثروة من خلال فرض الضرائب وأخذ الزكوات
وصرفها على المستحقين لها والصالح العام من مصارف الدولة، وبذا يتم
إرفاد القطاع العام من القطاع الخاص، دون إعاقة نشاطه وإرتقائه،
قال تعالى: {وفي أموالِهِم حَقٌّ
لِلسَّائِلِ والمَحرُوم} (الذّاريات/
19).
ويعمل الإسلام لكي يكون تحقيق
هذين الهدفين، من خلال رفع الروح الأخلاقية والإحساس بالمسؤولية
الدينية والإجتماعية، حتى يكون هناك تعاون طوعي لأفراد المجتمع
للعمل الخير والبرّ والإحسان إلى بعضهم البعض.. بروح بنّاءة خيرة
لا روح الطمع والحرص والجشع المادي.
- الضوابط
والموانع ضدّ الفساد:
مع كل التوجيه الروحي والتربية
الأخلاقية التي يُوفِّرها الإسلام للناس حتى يكون تعاملها مع
الملكية والمال تعاملاً متنامياً، ومع كل المبادئ التي يطرحها
لتنظيم الإقتصاد وعدالة توزيع الثروة.. مع كل ذلك فإنّ الناس ليسوا
جميعاً بمنزّهين ويوجد دائماً أُناس لسبب تربوي وآخر، يحاولون
إستغلال الفرص وسهو المجتمع أو غفلة القانون فيمدّون أيديهم إلى
المال العام لنهبه وسلب الناس حقوقهم بأنواع من الفساد المالي،
فكان لابدّ من وجود رادع وموانع تحول بينهم وبين ذلك وتلاحقهم
لإسترجاع الأموال المغصوبة، ولم يغفل الإسلام هذا الجانب، فكان له
خطوات عملية على هذا الصعيد، منها:
أوّلاً: تقنين الأحكام
المتعلِّقة بالمعاملات، وتحديد مساحة الحلال والحرام فيها، وملاك
الأحكام ومقتضاها هو: إيجاب ما لابدّ منه وتحريم ما فيه فساد
وكراهة ما لا ينبغي وإستحباب ما فيه مصلحة راجحة.
ونجد في طليعة قائمة المحرّمات
الإقتصادية، عناوين أُمّهات المفاسد فيها والتغليظ على فاعليها،
ومنها:
- حرمة أكل أموال الناس
بالباطل، بكافّة أنواعه، قال تعالى: {يا
أيُّها الّذينَ آمَنوا لا تأْكُلُوا أموَالَكُم بَينَكُم بالباطِلِ
إلاّ أنْ تَكونَ تِجارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُم...}
(النِّساء/ 29).
- ومن ذلك الرشوة، قال تعالى:
{وَلا تَأْكُلُوا أموَالَكُم بَينَكُم
بالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً
مْن أموالِ الناسِ بالإثمِ وأنتُم تَعلَمُون}(البقرة/
188).
وقد سمّى القرآن الرشوة والمال
الحرام سُحتاً في عدّة موارد من القرآن، منها قوله تعالى:
{... أُولئِكَ الّذين لَم يُرِدِ اللهُ
أنْ يُطّهِّرُ قُلُوبَهُم لَهُم في الدُّنيا خِزيٌ ولَهُم في
الآخرَةِ عَذابٌ عظيم * سَمَّاعُونَ لِلكَذِبِ أكَّالُونَ
لِلسُّحتِ...} (المائدة/ 41-42).
والسُّحت: المحظور الذي يلزم
صاحبه العار كأنّه يسحت – يقشر – دينه ومروءته، وقد روي عن
النبي(ص) أنّه قال: "كل لحم نبت من سُحْتٍ فالنار أولى به"[1].
- حرمة السرقة، وقد شدّد
الإسلام العقوبة عليها، لغرض الصدّ والرَّدع عنها، قال تعالى:
{والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقطَعُوا
أيدِيَهُما جَزَاءً بِما كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ واللهُ
عَزيزٌ حَكيم * فَمَن تَابَ مِن بَعدِ ظُلمِهِ وأصلَحَ فإنّ اللهَ
يَتُوبُ عَلَيهِ إنّ اللهَ غَفُورٌ رَحيم}(المائدة/
38-39).
ويُقام حدّ السرقة بشروط
معيّنة مذكورة في كتب الفقه، ومنها أن تكون السرقة من حِرزٍ مصون،
خُفيةً، من غير حاجةٍ ولا شبهةٍ.. وغير ذلك من الشروط، وقال
المُفسِّرون بأنّ الإصلاح هنا: إرجاع الأموال المسروقة إلى
أصحابها.
- الرِّبا، وهو مصدر لزيادة
الثروة بالباطل من غير عمل، على حساب آخرين يزدادون فقراً وحاجة،
وقد شدّد الله تعالى على حرمته وغلّظ القول على آكليه، ووصفهم
بأنكر الصفات، بل هدّدهم بحرب من الله ورسوله، ليعلم بذلك سوء فعله
وأثره.
قال تعالى:
{الّذينَ يَأكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُون إلاّ كَما
يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطانُ مِنَ المَسِّ ذلكَ بأنّهُم
قالوا إنّما البَيعُ مِثلُ الرِّبا وأَحَلَّ اللهُ البَيعَ
وحَرَّمَ الرِّبا فَمَن جَاءَهُ مَوعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فَانتَهَى
فَلَهُ مَا سَلَفَ وأمرُهُ إلى اللهِ ومَن عَادَ فأولئِكَ أصحابُ
النَارِ هُم فِيها خالِدُون * يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا ويُرْبِي
الصَّدَقاتِ واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيم}
(البقرة/ 275-276).
وقال تعالى:
{يا أيُّها الّذينَ آمَنوا اتَّقُوا
اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنتُم مؤمنين * فإنْ
لَم تَفعَلوا فَأْذَنُوا بِحَربٍ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ وإن
تُبتُمْ فَلَكُم رُؤُوسُ أموَالِكُم لا تَظلِمونَ ولا تُظلَمونَ
*وإنْ كانَ ذُو عُسرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا
خَيرٌ لَكُم إنْ كُنتُم تَعلَمون}(البقرة/
278-280).
- الفاحشة والزِّنا، وهما من
مظاهر الفساد المستشرية في معظم دول العالم، حيث تعمل في هذا
المجال عصابات ونوادٍ وشبكات دولية ومحلية، ويسمّى ذلك بـ"تجارة
الرقيق الأبيض"، وهناك دول مُصدِّرة وأخرى مستوردة، وبعضها ذات
"إنتاج وطني" ومكتفية ذاتياً، وتذهب ضحية هذا العمل الشنيع سنوياً
مئات الآلاف من الفتيات المغرّر بهنّ، واللاتي يخدعن بحجّة العثور
على عمل وظيفي أو خدمي لهنّ ثمّ يجبرن على الزِّنا تحت شرائط
مُذلّة وقسريّة صعبة.. وشدّد الإسلام على حرمة الزِّنا وهو أحد
الآثام الكبائر.
قال تعالى:
{ولا تَقرَبُوا الزِّنى إنّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلا}
(الإسراء/ 32).
وقال تعالى:
{... ولا تَكرِهُوا فَتَياتِكُم على
البِغَاءِ إنْ أرَدنَ تَحَصُّناً لِتَبتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ
الدُّنيا...} (النور/ 33).
وقال المُفسِّرون: قوله تعالى:
{إنْ أرَدنَ تَحَصُّناً}
ليس للقيد والشرط، وإنّما هو لبيان فظاعة الأمر ومنتهى بشاعته،
بإكراههنّ على الزِّنى وهنّ يردن التعفُّف عنه...[2]
وإرادة التعفُّف مستحصلة عند سائر النِّساء بفطرتهنّ، فلا تستسيغ
الرذيلة إمراة، إلاّ عن إكراه وإجبار.
- القمار، وهو من
وسائل الكسب غير المشروع، والذي يأتي من دون عمل ولا نفع للمجتمع،
ويكون وسيلة لسلب ونهب أموال الناس بالباطل، ليذهب إلى جيوب
المقامرين الماكرين وأصحاب النوادي المتكسبين بالحرام، وغالباً ما
يجتمع القمار مع محرمات أخرى كالخمر وغيرها من المواد المُخدّرة،
وكذلك الفاحشة والزِّنا.
قال تعالى:
{... إنّما الخمرُ والمَيسِرُ والأنصَابُ والأزلامُ رِجسٌ
مِن عَمَلِ الشَّيطانِ فَاجتَنِبُوهُ لَعَلّكُم تُفلِحُون * إنّما
يُرِيدُ الشَّيطانُ أنْ يُوقِعَ بَينَكُمُ العَدَاوَةَ والبَغضَاءِ
في الخَمرِ والمَيسِرِ ويَصُدَّكُم عَن ذِكرِ اللهِ وعَنِ
الصَّلاةِ فَهَل أنتُم مُنتَهُون}
(المائدة/ 90-91).
وتدلُّ الإحصائيات على أنّ
حوالي 42% من حوادث المرور وحوادث القتل العائلي سببها تناول
الخمر، وكذلك فإنّ القمار يُخرِّب البيوت ويُؤدِّي إلى العداوة بين
المتقامرين الذين قد يقتل بعضهم البعض بسبب الخسارة.
وتقف وراء محلات القمار
والنوادي الليلية شبكات فساد، حيث تستغلُّها لتهريب الأموال، أو ما
يُسمّى بغسيل الأموال وتبييضها، وكذلك لإستدراج وإستغفال كبار
الموظفين وتقديم الخدمات القذرة لهم لترتيب الصفقات المالية
الفاسدة.
ثانياً: النهي عن التصرُّف
السَّيِّئ، كالإسراف والتبذير وصرف الأموال بغير وجه حق، والتغليظ
عليهم حتى أنّه وَصَفَ المترفين بالمجرمين[3]،
بقوله تعالى: {... وَاتَّبَعَ الّذينَ
ظَلَمُوا ما أُترِفُوا فِيهِ وكانوا مُجرمين}(هود/
116).
وكذلك ذمّ المُبذِّرين ووصفهم
بأنّهم إخوان الشياطين، فقال تعالى: {إنّ
المُبَذِّرينَ كانوا إخوَانَ الشَّياطِينِ وكانَ الشَّيطانُ
لِرَبِّهِ كَفُورا}(الإسراء/ 27).
وحجب الله تعالى حُبّه عن
المُسرفين، فقال تعالى: {... وَكُلُوا
وَاشرَبُوا ولا تُسرِفوا إنّهُ لا يُحِبُّ المُسرِفين}
(الأعراف/ 31).
وفي مقابل ذمّ التصرُّف الطائش
بالأموال، ذمّ البخل والشُحّ واكتناز الذهب والفضّة وعدم إنفاقها،
لأنّه يُؤدِّي إلى تعطيل الثروة عن دورها في التنمية وخير المجتمع،
فضلاً عن خير مالكها نفسه، فقال تعالى: {...
والذينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَهَا في
سبيلِ اللهِ فَبَشِّرهُم بِعَذابٍ أليم * يَومَ يُحمَى عَلَيها في
نارِ جَهَنَّمَ فَتُكوَى بِهَا جِبَاهُهُم وجُنُوبُهُم وظُهُورُهُم
هذا ما كَنَزتُم لأنفُسِكُم فَذُوقُوا ما كُنتُم تَكنِزُون}
(التوبة/ 34-35).
ودعا الله تعالى إلى الإعتدال
في الإنفاق كحد وسط يتنعّم الإنسان بما مَنَّ الله عليه وينفق ممّا
يزيد عن حاجته في سبيل الله ونفع المجتمع، بلا تبذير ولا تقتير،
فقال تعالى: {والّذينَ إذا أنفَقُوا لَم
يُسرِفُوا وَلَم يَقتُرُوا وكانَ بَينَ ذلكِ قَوَاماً}
(الفرقان/ 67).
3 - تحديد
شرائط الصلاحيات المالية:
عمد الإسلام إلى الوقاية من
الحادثة قبل وقوعها من خلال إشتراط مواصفات معيّنة لمن يعطى المال
وسلب صلاحية الإنفاق ممّن لا تتوفّر فيه بعض الشروط.
فقد اشترط الإسلام بلوغ
الرُّشد، بعد البلوغ الجسمي، للولد اليتيم حتى يُسلَّمَ له المال
ليتصرّف به وفق إرادته، ويُراد بالرُّشد: حُسن التصرُّف بالمال،
وذلك يتم بتصرُّفهم فيه على نحو متعقل، قال تعالى:
{وَابْتَلوا اليَتَامى حتّى إذا
بَلَغُوا النِّكاحَ فإنْ آنَستُم منهُم رُشداً فَادْفَعوا إليهِم
أموَالَهُم...} (النِّساء/ 6).
وفي الآية دلالة على أهميّة
إلتزام ذلك في سائر الأولاد، بل سائر مَن يؤتمنون على المال، ولذلك
نهى القرآن عن إعطاء السُّفهاء الأموال، وهم ضعفاء العقول، ممّن لا
يحسنون التصرُّف، فإنّ بهذه الأموال قوام الملّة وسعادة الأُمّة،
فلا يجوز إعطاؤها لمن لا يعرف قدرها ولا ينفقها في محلّها، ليبذرها
ويستهلكها في توافه الأُمور، ولذلك أجيز شرعاً الحجر على السفيه،
وهو مَن يُبذِّر ماله فيما لا ينبغي، وحجز أمواله والإنفاق عليه
منها بالمعروف، قال تعالى: {ولا
تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أموَالَكُم التي جَعَلَ اللهُ لَكُم قِياماً
وارزُقُوهُم فِيها واكسُوهُم وقولوا لَهُم قَولاً مَعرُوفاً}
(النِّساء/ 5).
فإذا كان هذا حال الناس
العاديين، فهل يجوز أن يولّى السفيه ولاية المسلمين أو تسلّم له
أموالهم، لينفقها في لذّاته وأنسه وطربه؟ هيهات ذلك، فإذا كان
السفيه لا يؤتمن على ماله الشخصي، فكيف يؤتمن على أموال الأُمّة؟
وقد قال الإمام علي بن أبي
طالب: (إنّ الله تعالى فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم
بِضَعفة الناس، كيلا يتبيّغ – يهيج ويطغى – بالفقير فقره)[4].
4 – المحاسبة
والمساءلة:
وهو باب مفتوح على المتموّلين،
سواء كانت أموالهم خاصّة، أو أموال الناس والدولة، فالحساب أشدّ،
وقد مرّت علينا الآية الكريمة، في قوله تعالى:
{ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أموَالَكُم التي جَعَلَ اللهُ
لَكُم قِياماً...} (النِّساء/ 5)،
وذكرنا هناك أنّ السفيه، وبموجب هذه الآية، تحجر أمواله إذا لم
يحسن التصرُّف فيها وكان يُبذِّرها فيما لا ينبغي، فكان من حق
الحاكم أن يحجز أمواله وينفق عليه بالمعروف، ويمنعه من أن يصرف هذه
الأموال في أُمور لا تستحق ذلك، وهي أمواله الخاصّة، والآية
المباركة تُعبِّر عنها بلفظ: أموالكم، إشعاراً بأنّ الأموال
الخاصّة للأفراد، تعود بالنتيجة لجميع الناس، وينبغي أن تستثمر بما
فيه صلاح المجتمع ونموه و"قيامه".. وبالتالي فَمَن أساء التصرُّف:
حوسب وسُلِبَ منه حق التصرُّف، فحجر وحجزت أمواله.
هذا في الأموال الخاصّة، فكيف
بالأموال العامّة التي تعود إلى الناس جميعاً، وأموال الدولة
وأموال الوقف والصدقات والمساجد... إلخ، فبلا شك يجب أن تكون عليها
رقابة ومحاسبة، ليعلم فيمَ تنفق وكيف، وهل تصرف بصلاح المجتمع،
وبالحدود التي حدّدها الشارع ودوّنها القانون، من دون فساد وسوء
تصرُّف، وإلاّ فلابدّ حينها من كف يَدِ المُتصرِّف بها ومحاسبته
ومعاقبته إن كان قد أساء وأثم، وإعادة الأموال المسلوبة إلى
محلّها.
قال تعالى:
{يا أيُّها الذينَ آمَنوا لا تَأكُلُوا أموَالَكُم بَينَكُم
بِالبَاطِل...} (النِّساء/ 29).
5 – رعاية
الموازين والمعايير:
للقوانين والأنظمة التي تنظم
الإقتصاد والتجارة والمناقصات والمقاولات والبيع والشراء وسائر
المعاملات.. لهذه القوانين كبير الأثر على حفظ الحقوق ورعاية
العدالة ومنع الفساد، ولذلك أكّد الإسلام على رعاية القسط في
التشريع، ووضع المعايير العادلة التي تحفظ حقوق الناس، قال تعالى:
{... وَأَوفُوا الكَيلَ والمِيزَانَ
بِالقِسطِ لا نُكَلِّفُ نَفساً إلاّ وُسْعَهَا...}
(الأنعام/ 152).
وقد جاءت الرسالات السماويّة
بمبادئ العدل والقسط وبَيَّنت الحق من الباطل وأرست أُصول العدل،
قال تعالى: {لَقَد أرسَلنا رُسُلَنا
بِالبَيِّناتِ وأنزَلنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزَانَ لِيَقُومَ
النّاسُ بِالقِسط...} (الحديد/ 25).
وأكّد القرآن الكريم – في
معالجته وملاحقته للفساد – على موضوع رعاية الموازين وإيفاء الكيل،
كعنوان عام، للعدل في المعاملات التجارية، مذكِّراً بأنّ الله
تعالى خلق العالم ووضع الميزان، كي يحفظ لكل ذي حق حقّه، فقال
تعالى: {وَالسَّماءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ
المِيزَانَ * ألاّ تَطغَوا في المِيزَان * وأقِيمُوا الوَزنَ
بِالقِسطِ ولا تُخسِروا المِيزان}
(الرّحمن/ 7-9).
وقد ورد في التفسير أنّ الله
تعالى ذكر (الميزان) ثلاث مرّات، وفي كل مرّة له معنىً جديد،
فالأوّل يُراد به (العدل)، والثاني يُراد به (الآلة)، والثالث
يُراد به (الموزون)، والغرض من ذلك كلّه: مراعاة العدل في الأحكام،
وفي المكيال، والميزان[5].
وفي سورة هود، نقرأ على لسان
النبي شعيب، دعوته لرعاية المكيال والميزان، ورعاية حق الناس،
معتبراً الإخلال بذلك من مظاهر الإفساد، فقال:
{وَيا قَومِ أَوفُوا المِكيَالَ والمِيزَانَ بِالقِسطِ وَلا
تَبخَسُوا النّاسَ أشياءَهُم وَلا تَعْثَوا في الأرضِ مُفسِدِين}
(هود/ 85).
وهذا كلّه يُبيِّن أهميّة
القوانين الإقتصادية ودورها في صدّ الفساد، فإنّ القوانين التي
تحفظ للناس حقوقهم وتضمن لهم العدالة في الفرص والمجالات، وتمنحهم
المجال بصورة متساوية للمشاركة في المزايدات والمناقصات، وتمنع
وتحاسب على التلاعب أو العطاءات المباشرة من دون مناقصة ومزايدة،
والتي تمنح على أساس المحسوبية والمنسوبية.. إنّ هذه القوانين تقلل
فرص الفساد وتُضيِّق مجال المناورة على الفاسدين وتزيد من حالة
التنافس الإقتصادي الشريف والمكشوف بعيداً عن التعاطي السرّي
والمحدود للمعاملات والمداولات الإقتصادية، كما يمكن تقسيم
العطاءات لتكون أصغر، وبالتالي يتم توزيع الإمتيازات والأرباح على
شركات أصغر ومقاولين أكثر، بدلاً من إنحصارها بعدد قليل ومن فئة
خاصّة متمكنة عملاً بقوله تعالى: {...
كَي لا يَكُونَ دُولَةً بَينَ الأغنِياءِ مُنكُم...}
(الحشر/ 7).
6
- إعادة توزيع الثروة:
مهما كانت الضوابط الإقتصادية،
فإنّ حرِّية التملّك والحثّ على العمل والنهي عن إكتناز المال
والتشجيع على الإستثمار وعمارة الأرض واستحباب التجارة والزراعة..
وغير ذلك من النشاطات الإقتصادية المفيدة للمجتمع، وحركة الإقتصاد
وسرعة التنمية وغير ذلك من العوامل يؤدِّي بشكل وبآخر إلى نشوء
ثروات مالية كبيرة عند البعض وظهور طبقة من الأغنياء.
ولا يمنع الإسلام من الغنى،
لأنّ المنع يؤدي إلى قتل حركة الإقتصاد وغياب الحوافز الباعثة على
العمل والإستثمار، ولكن في نفس الوقت يحثّ الإسلام على عدم
الإكتناز، بل الإنفاق من المال على المحتاجين والفقراء وفيما ينفع
الناس والمجتمع من الصدقات الجارية.
وفرض الإسلام على المال الفائض
عن حاجة الناس الزكوات ليعود جزءاً منه إلى الدوران في خدمة
المجتمع ورفع مستوى الطبقات الفقيرة، فكانت الزكاة في الأنعام،
وهي: الإبل والبقر والغنم، وفي الغلات، وهي: القمح والشعير والتمر
والزبيب، وربّما رأى البعض وجوبها في سائر أنواع الحبوب، وكذلك تجب
في النقدين: الذهب والفضّة.
ووجَبَ الخُمس، أي دفع 20% من
الغنائم مطلقاً والمعادن والكنوز، وما يخرج بالغوص والمال الحلال
المختلط بالحرام، ممّا لا يعلم مالكه، ويُراد بذلك تطهيره، والمال
المجهول المالك، الذي لا يعلم صاحبه، وأيضاً في فائض المؤونة، ممّا
يزيد عن مصاريف السنة من الأرباح، بحسب رأي الإمامية.
ولم يكتف الإسلام بهذه
الفرائض، بل أعطى لولي الأمر صلاحية فرض زكوات إضافية بحسب حالهم،
وبحسب حاجة المجتمع، إذ كان من واجبات الدولة توفير الحياة الكريمة
للعيش بكفاية للمحرومين والمحتاجين من المجتمع، وهذا مشابه لما
يُسمّى بالضرائب اليوم، والتي تتغيّر وتزداد بحسب واردات الأفراد
المالية، وبحسب الظروف الإقتصادية، قال تعالى:
{خُذْ مِن أموَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وتُزَكِّيهِم
بِها...} (التوبة/ 103).
وكل هذه الإجراءات تهدف إلى
إعادة توزيع وتقسيم الثروة حتى لا تتكدّس عند أفراد ويحرم منها
آخرون، مشاركون لهم في الحياة وآمالها، وفي تحمّل الصعاب التي
يواجهها البلد ويدافعون عن سيادته وحرماته، فكان من حقّهم وقد
حرموا لأسباب عديدة، ربّما أكثرها خارجة عن إرادتهم.. كان من حقّهم
أن يشاركوا الأغنياء بعضاً من أفراحهم، كما أنّهم يشاركونهم وربّما
يحملون عنهم جلّ أتراحهم.
قال تعالى:
{مَا أَفَاءَ اللهُ على رَسُولِهِ مِن أهلِ القُرى فَلِلّهِ
ولِلرَّسولِ وَلِذِي القُربَى واليَتَامَى والمَساكِينِ وابنِ
السَّبِيلِ كَي لا يكونَ دُولَةً بَينَ الأغنِياءِ مِنكُم...}
(الحشر/ 7).
وقال تعالى:
{وَفِي أموالِهِم حَقٌّ لِلسَّائِلِ
والمَحرُوم} (الذّاريات/ 19).
خطى الإصلاح
الإقتصادي في منهج القرآن
نستطيع أن نتعرّف من معالجة
القرآن الكريم لظاهرة الفساد الإقتصادي على بعض خطوات الإصلاح
المطلوبة في هذا الحقل الحيوي في المجتمع حتى نقترب من الحالة
الصحيحة التي يريدها الإسلام، وهي:
أوّلاً: تصحيح الأفكار الحاكمة
في المجتمع بخصوص المال ودوره في الحياة، إلى النظرة الوسطيّة، بين
التصوّف والرهبنة، وبين الإتجاه المادي المنفعي.. فالمال نعمة ولكن
ينبغي الإستفادة منه للذات والمجتمع، بالتمتّع للحياة الشخصية
وهناك حق الله وحقوق عباده، يقول تعالى: {وابْتَغِ
فِيما آتاكَ اللهُ الدارَ الآخِرَةَ ولا تَنسَ نَصِيبَكَ من
الدُّنيا...} (القصص/ 77).
ويقول: {والذينَ
في أموَالِهِم حقٌّ مَعلُوم * لِلسَّائِلِ والمَحرُوم}
(المعارج/ 24-25).
وفي نفس السياق يجب تصحيح
النظرة الإجتماعية إلى المال كقيمة، فالمال لا يعطي الإنسان قيمة
معرفية أو شرعية أو تصحيحاً وتأييداً لعقيدته وفكرته.. نعم، المال
يزيد في مكانة الإنسان إذا أنفق منه في سبيل الله، في خدمة المجتمع
ونفع الإنسانية، إذ إنّ قيمة كل امرئ ليس ما يملكه، بل إن (قيمة كل
امرئ ما يحسنه) كما يقول الإمام علي(ع).
إنّ هذه النظريّة الحاكمة
اليوم في المجتمعات الرأسمالية، حيث يحكم رأسمال وهو الذي يمتلك
السياسة والإعلام، والشركات الكبرى هي التي تأتي بالحُكّام
والرؤساء، وتجد آثارها في سائر المجتمعات.. إنّ هذه النظريّة قديمة
يستعرضها القرآن في موضع آخر، في قصة بني إسرائيل، إذ طلبوا منه أن
يبعث الله لهم ملكاً ليقاتلوا في سبيل الله، فلمّا عيّن لهم ملكاً
اعترضوا عليه لأنّه لم يكن من أصحاب المال، رغم أنّه كان يمتلك
المواصفات المطلوبة من القدرة العلمية والكفاءة البدنية، نقرأ ذلك
في قوله تعالى: {وقال لهم نَبِيُّهُم
إنّ الله قد بَعثَ لكم طالوتَ مَلِكاً قالوا أنّى يكونُ لهُ
المُلكُ علينا ونحنُ أحقّ بالمُلك منهُ ولم يُؤتَ سَعَةً من المال
قال إنّ الله اصطفاهُ عليكم وزادهُ بَسطَةً في العِلمِ والجِسمِ
والله يُؤتِي مُلكَهُ مَن يشاءُ واللهُ واسعٌ عليم}
(البقرة/ 247).
ثانياً: يجب أن توضع حدود
وضوابط للتصرُّفات المالية للحُكّام، بعيداً عن السرف والتبذير
والصلاحيات المطلقة، ويجب أن يكون هناك تناسب معقول بين رواتبهم
ومستوى معيشتهم، ورواتب ومعائش الناس، فلا يكون الفارق كبيراً.
إنّ الإسلام لا يلغي الفروق في
الرواتب والحوافز المالية – كما تفعل الماركسيّة – لأنّ الفروق في
الكفاءات والإمكانات طبيعية ولكل عطاء، بحسب جهده وكفاءته وإبداعه
ولأنّ إلغاء الفروق يقتل الحوافز ويعطل ماكنة الحياة من التقدّم
والتطوّر، ولكنه في نفس الوقت لا يرضى بالفروق الهائلة التي تجعل
الحُكّام في واد من الترف والرفاهية، بل الإسراف والتبذير، والناس
في واد سحيق من الفقر والعوز.
لقد ذكر القرآن الكريم
"الإسراف" كعلامة فارقة ومميّزة للفساد والفاسدين في أكثر من موضع،
وشدَّد النكير على ذلك حتى جاء الأمر الإلهي: {فَاتَّقُوا
اللهَ وأَطِيعُون * ولا تُطِيعُوا أمرَ المُسرِفِين * الذين
يُفسِدونَ في الأرضِ ولا يُصلِحُون}
(الشُّعراء/ 150-152).
وهكذا يجب العمل على أن يكون
أهمّ المعايير الأساسية لتمييز صدق الحاكمين وصلاحهم من زيفهم
وفسادهم، ولسائر الأفراد والجماعات، هو أسلوب تعاملهم مع المال من
حيث الإسراف والتبذير ومدى رعايتهم لحقوق الله وحقوق الناس.
ثالثاً: يجب العمل على العدالة
في توزيع الثروة، وتجنّب الإحتكار، وتمركزها بيد عدّة معدودة أو
طبقات خاصّة، واستفادة عموم أبناء الشعب من خيراتها وبركات البلد،
خصوصاً المحتاجين والمتضرِّرين منهم، يقول تعالى:
{مَا أَفاءَ اللهُ على رَسُولِهِ مِن
أهلِ القُرى فَلِلّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُربى واليَتامى
والمَساكِينَ وابنِ السَّبِيلِ كَي لا يَكونَ دُولَةً بَينَ
الأغنِياءِ مِنكُم وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهَاكُم
عَنهُ فَانتَهُوا واتَّقُوا اللهَ إنّ اللهَ شَديدُ العِقاب *
لِلفُقَرَاءِ المُهاجِرِينَ الذينَ أُخرِجُوا مِن جِيارِهِم
وأموَالِهِم يَبتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللهِ ورِضوَاناً ويَنصُرُونَ
اللهَ ورَسُولَهُ أولئِكَ هُمُ الصَّادِقون}
(الحشر/ 7-8).
ويجب تعديل قوانين الضريبة لكي
يذهب جزء من واردات المتموّلين وأصحاب الثروة إلى الفقراء
والمحتاجين، كما يقول تعالى: {والذينَ
في أموَالِهِم حقٌّ مَعلُوم * لِلسَّائِلِ والمَحرُوم}
(المعارج/ 24-25).
وبالتالي، يجب أن يكون هدف
الدولة الأساسي العدالة الإجتماعية وتأمين الضمان الإجتماعي لتوفير
الحدّ الأدنى للحياة الكريمة لسائر المواطنين، وليس على أساس
البرامج الإقتصادية الرأسمالية من دون مراعاة حقوق الناس وحفظ
كراماتهم.
يقول تعالى:
{إنّ الله يأمُرُ بالعدل والإحسان
وإيتاء ذي القُربى ويَنهى عن الفَحشاء والمُنكر والبَغي يَعِظُكُم
لعلّكم تذكَّرون} (النحل/ 90).
رابعاً: يجب العمل على وضع
القوانين والأنظمة التي ترتب الأعمال الإقتصادية على أساس الإنصاف
ورعاية الحقوق والإلتزام بالموازين العلمية الصحيحة والقواعد
الشرعية والقانونية، ومراعاة نظم المواصفات النوعية والفنّية، حتى
لا يضيع حق جميع الأطراف ولا يبخس الناس أشياءهم. فمكافحة الفساد
لا يكفي فيها النصيحة والإرشاد، بل لابدّ أن تتحوّل القيم
والمفاهيم إلى أحكام وتشريعات ملزمة يحاسب عليها ويعاقب المتخلِّف
عنها.
يقول تعالى:
{وَالسَّماءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ
المِيزَانَ * ألاّ تَطغَوا في المِيزَان * وأقِيمُوا الوَزنَ
بِالقِسطِ ولا تُخسِروا المِيزان}
(الرّحمن/ 7-9).
خامساً: بسبب الفساد والظلم:
تضيع حقوق وتسلب أموال ويكون هناك ظالمون ومظلومون ومنتفعون
ومحرومون.. ولابدّ أن يعمل المصلحون على إرجاع الحقوق والأموال
المسلوبة إلى أصحابها ورفع الحيف عن المظلومين والمضطهدين.
ولا يكفي في هذا المجال رفع
الشعارات، أو حتى تصحيح الأوضاع المستقبلية من دون معالجة آثار
الماضي الذي نهشت فيه مخالب المجرمين الفاسدين في أجسام الناس
ونخرت في نفوسهم.. فالمسألة ليست مجرّد ذنب شخصي ينتهي بتوبة فردية
بين الإنسان وربّه، وإنّما المسألة مسألة إعتداء على حقوق الآخرين
وسلب ونهب لأموالهم أو ممتلكاتهم، فلابدّ أن ترجع إليهم حقوقهم،
ولابدّ أن تعمل الدولة إن كانت جادة على إعادة الحق إلى أهله بأسرع
ما يمكن، إنْ كانت نيّة التصحيح جادة.
وفي القرآن الكريم مثال بَيِّن
على هذا الأمر، حيث أوقف الله تعالى قبول توبة المذنب الذي سرق
أموال الناس على إصلاح الوضع، يقول تعالى: {فمن
تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنّ الله يتوب عليه إنّ الله غفور رحيم}
(المائدة/ 39).
فقد قال المُفسِّرون: فَمَن
تاب من بعد سرقته وأصلح أمره: بردّ ما سرقه والخلاص من تبعات عمله
والعزم على أن لا يعود إلى ما كان عليه، فإنّ الله يتوب عليه.
وهكذا لابدّ أن تتّجه حركة
الإصلاح إلى تصحيح الأوضاع الإقتصادية وإسترجاع الحقوق المسلوبة،
وإعادتها إلى أهلها، سواء كانت تعود للحق العام وبيت المال:
للدولة، أو للمؤسسات الأهلية أو الأفراد، بلا فرق.
.....................
(*) كاتب وباحث من العراق ، معهد الأبحاث والتنمية
الحضارية .
الهوامش :
...........................
[1] مفردات ألفاظ القرآن للراغب الإصفهاني،
مادة سُحت.-
[2] التفسير الواضح المفسر، الصابوني، في تفسير
للآية.-
[3] الترف: التكبُّر والطغيان من الغنى والسعة،
والتبذير: تضييع المال، وبذّر المال: مزّقه إسرافاً، والإسراف:
تجاوز الحد.-
[4] نهج البلاغة، خطبة 209.-
[5] التفسير الواضح الميسر، في تفسيره للآيات.-