الحضارية «دراسات اسلامية»

 الإثنين : 01/06/2009   

  
 نظرية الإصلاح الاقتصادي من القرآن الكريم / 1

 

د. إحسان الأمين(*)
(خاص للمعهد)

 

 

 

الفساد المالي والإقتصادي هو المراد غالباً من لفظ الفساد، إن أطلق، وهو الذي تعلّقت به (الإتفاقية الدولية لمكافحة الفساد)، ووافقت عليها الجمعية العمومية للأُمم المتحدة بأغلبية (144) دولة، وقد تضمّنت هذه الإتفاقية وصفاً مسهباً للعديد من أنماط الفساد، مثل الرشوة، وإختلاس الأموال العامّة، والإتجار بالنفوذ، وإساءة إستغلال الوظيفة العامّة، والإثراء غير المشروع، والإفساد في القطاع الخاص، إضافة إلى إختلاس الأموال في القطاع الخاص[1].

ولابدّ من القول بأنّ الفساد المالي ابتلي به العالم اليوم بكل دوله، شماله وجنوبه، كبراها وصغراها، المُتقدِّمة منها والنامية وغير النامية، "الديمقراطية" منها والإستبدادية، بلا إستثناء، ولعلّ من الغريب، أنّ الفساد في الدول النامية والفقيرة تُغذِّيه وتُروِّج له الدول الكبيرة، خصوصاً المستعمِرة منها، وبشكل أخص، الأكثر إدّعاءً لحقوق الإنسان والديمقراطية والحرِّية، وصدق ربّ العزّة القائل: {إنّ المُلُوكَ إذا دَخَلوا قَريَةً أفسَدوها...} (النمل/ 34).

ويذهب بعض الباحثين إلى أنّ هناك إرتباطاً وثيقاً بين إنتشار الفقر في بلد، وإنتشار الفساد بمختلف أنواعه، خصوصاً المالي منه[2].. حيث يعيش الملايين من الناس في دول العالم الثالث تحت خط الفقر وفي نفس الوقت يعيش آخرون في الترف والإسراف واللهو والمجون.

ويتّضح من ذلك: عظيم الخطر وجليل الأثر الذي ينهض به الإصلاح المالي والإقتصادي، في مقابلة الفساد من نوعه، وهذا ما نبّه وأكّد عليه القرآن، حتى اقترن عنوان الإصلاح فيه، بمواجهة الفساد الإقتصادي، إضافة للعناوين الأخرى.

- توصيف الفساد الإقتصادي في القرآن:

إهتمّ القرآن الكريم بمعالجة ظاهرة الفساد عموماً والفساد الإقتصادي بشكل خاص، لأنّه الوجه الآخر للفساد في الحكم والسياسة، ولأنّه السبب والهدف لذلك الإنحراف غالباً، فإستضعاف الناس إقتصادياً هو من أوجه الفساد في الحكم، كما هو وسيلة لإضعاف قوّة الشعب والسيطرة عليه، وهو في نفس الوقت هدف للظالمين الجشعين والفاسدين الذين ينهبون ثروات الشعب ليترفوا ويسرفوا فيها إشباعاً لشهواتهم ونزواتهم.

ويعرض القرآن لنا نماذج صارخة للفساد في المال، كما هو الفساد في الحكم والسلوك والأخلاق، سنتعرّض لبعضٍ منها بالدراسة والتحليل:

1- فرعون:

الطاغية المستبد، والمستكبر المتعجرف، والفاسد المُسرف، كان حقَاً مثالاً للشخص الذي اجتمعت في حاله كل خصائص السُّوء والإنحراف عن العدل، واتاع والهواء، في الفكر والأعمال، فاستحقّ الوقوف لدراسة شخصيّته، كما صوّرها لنا القرآن، لنعرف من خلاله صفات الفاسدين ومظاهر الفساد، لتكون لنا المعايير والموازين التي نُميِّز بها بين السلوك الصالح القويم، والسلوك الفاسد المريض، وليكون فرعون: تذكرة للحاكمين وللشعوب على السواء، فيتجنّب مسيرته الجميع ويبتعد عن صفاته أُولو الألباب، كيف كان سلوك فرعون وما هي تصرّفاته وآفاته؟

الأوّل: إنّه كان من المسرفين.. يعيش حالة الترف والبذخ على حساب أموال الناس، وقد بنى وغيره قصوراً وأهراماً وتماثيل وأصناماً على حساب شعبه المحروم، ولم يعش مع معاناتهم ولا شاركهم همومهم.

قال تعالى: {... وإنّ فِرعَونَ لَعالٍ في الأرضِ وإنّه لَمِنَ المُسرفين} (يونس/ 83).

و"الإسراف" شاخص فارق للمفسدين عن غيرهم، قال تعالى: {... وَكُلُوا واشرَبوا ولا تُسرِفوا إنّهُ لا يُحِبّ المُسرفين} (الأعراف/ 31).

ثانياً: إنّه مع سرفه في المال وتبذيره للثروات، أذاق شعبه الويلات، فلم يستفد من ذلك المال لإسعاد شعبه، بل إستعمله لإستضعافهم وإستغلالهم فعاشوا فقراء محرومين ومستضعفين مستهلكين – يقتل الأبناء ويبقي النِّساء ليُسخِّرهنّ للخدمة والعمل – وقد مات الآلاف منهم في بناء أهراماته، فكلّما زادت ثروات البلد زاد نهب الحاكم الفاسد ولم يُفرِّق ذلك في حال الناس إن لم يزدادوا سوءاً.

قال تعالى: {إنّ فِرعَونَ عَلا في الأرض وجَعَلَ أهلَها شِيَعاً يَستَضعِفُ طائفةً منهم يُذَبِّحُ أبناءَهُم ويَستَحيي نِساءَهُم إنّهُ كانَ من المُفسدين} (القصص/ 4).

ثالثاً: إنّ هذه السلطة وتلك الأملاك والأموال شكّلت حجاباً على عقله وفكره فاغترّ بنفسه ولم يعد يرى الحق، وظنّ أنّ هذه القوّة تعطيه صفة الألوهية وتضفي على معتقداته وآرائه المشروعية، وأنّ الطرف الآخر، موسى، بفقره ووضعه الإجتماعي العادي، يفتقد الحقيقة ولا يحمل الرسالة، وكأنّ الرأي يدور مدار السلطة والمال والجاه.. لا مدار الحقّ والصدق والعدل، وهكذا اتّبعه قومه، فهم أعمتهم المظاهر، رغم سوء أوضاعهم، وأطاعوه رغم إستخفافه بهم وإستضعافهم، لأنّهم ممّن يعتقد أنّ: الحق مع الحكومة، و(الناس على دين ملوكهم) كما قيل.

أُنظر إليه كيف يتصرّف: {ونادى فِرعَونُ في قَومِهِ قالَ يا قومِ أليسَ لي مُلكُ مِصرَ وهذه الأنهارُ تجري من تَحتي أفلا تُبصِرون * أمْ أنا خَيرٌ من هذا الذي هوَ مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِين * فلولا ألقِي عليهِ أسوِرَةٌ من ذهبٍ أو جاءَ معهُ الملائكةُ مُقتَرنين * فاستَخَفَّ قَومَهُ فأطاعوهُ إنّهم كانوا قَوماً فاسقين * فلمّا آسَفُونا انتَقَمنا مِنهُم فأغرَقناهُم أجمعين * فجَعَلناهُم سَلَفاً ومَثَلاً للآخرين} (الزُّخرف/ 51-56).

رابعاً: إنّ فرعون إستخدم هذه القوّة وهذا المال لإضلال الناس، والصدّ عن سبيل الله، كما يستخدم الكثير من الفاسدين الأموال في التضليل الإعلامي وشراء الذمم الرخيصة والرشوة والوشاية.. ومن ثمّ إستخدام القوة في قمع المعارضين.

فلم تكن السلطة والقوّة والمال عند فرعون وسيلة تقدّم وإزدهار وتنمية وإعمار، بل كانت وسيلة قمع وإستبداد وإستضعاف، نقرأ في القرآن: {وقال مُوسى ربّنا إنّك آتَيتَ فِرعَونَ ومَلأهُ زينَةً وأموالاً في الحياة الدنيا ربّنا لِيُضِلّوا عن سَبيلكَ ربّنا اطمِس على أموالهم واشدُد على قُلُوبهم فلا يؤمنوا حتى يَرَوا العذاب الأليم * قال قد أُجيبَت دَعوَتُكُما فاستَقِيما ولا تَتَّبِِعانِ سبيلَ الذين لا يَعلَمون} (يونس/ 88-89).

وهكذا كانت الأموال وزينة السلطان.. حاجزاً عن معرفة الحق وإتباعه.. فجعل فرعون ملأه[3] من الجاهلين: الذين لا يعلمون.

خامساً: إنّ الفساد والإنحراف والطغيان يؤدي إلى ذهاب البركة ونقص الثروات، لأنّ الإنسان هو الذي يُعمِّر البلاد ويُطوِّر الزراعة ويُنمِّي الإقتصاد، وإذا ما فقد الإنسان في أي مجتمع عزّته وكرامته وسلب حقوقه وإمتيازاته، فإنّه لا يمكن لهذا الإنسان المسحوق أن يصنع حضارة أو يشارك في نهضة أو تنمية، لأنّه يكون قد فقد في وجوده الروح الخلاقة وماتت فيه الحوافز المُحرِّكة.

وبالعدل يدوم الحكم وبالإنصاف تزيد البركة، والإنفاق يزيد الرِّزق، وحيثما يكون الظلم والكفر والإسراف والإستضعاف، فإنّ الله يسلب من ذلك المجتمع السعادة ويبتليه بشتّى الإبتلاءات والمحن، وهكذا كان حال مجتمع فرعون، يقول تعالى: {ولقد أخَذنا آلَ فِرعَونَ بالسِّنينَ ونَقصٍ من الثَّمَراتِ لعلّهم يَذَّكَّرون... فأرسَلنا عليهمُ الطوفانَ والجَرَادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاستكَبَروا وكانوا قَوماً مُجرمين} (الأعراف/ 130، 133).

2- قارون:

الغنيُّ المُتكبِّر، صاحب الثروة الكبيرة المتغطرس، وعلى الرغم أنّه كان من قوم موسى، وقيل أنّه كان إبن عمه وكان ذا صوت حسن بتلاوة التوراة.. إلا أنّه اغترّ وتجبّر عندما أثرى واستغنى، وبلغت ثروته أن مفاتيح خزائن أمواله، يعجز عن حملها المجموعة الكبيرة من الرجال الأقوياء، فكم كانت خزائنه؟! كان من أصحاب "المليارات"، ولكنه كان يخرج على قومه أشراً بطراً متكبراً عليهم، غير ذاكرٍ لآلاء الله، غير شاكر لنعمته عليه، وكأنّ المال هو كل شيء: قيمة، وكأنّه يعطيه القوة والبقاء.. وذكّره قومه بأنّ الله لا يُحبُّ الفرحين: المُتكبِّرين، وقالوا له: استمتع بمالك ولكن لا تَنسَ الله، ولا تنس الدار الآخرة بأن تُقدِّم لنفسك عملاً صالحاً وصدقة جارية تنفعك هناك، وأحسن كما أحسن الله إليك: أنفق من مالك على المحتاجين، ممّا أعطاك الله، ولا تبغ الفساد، لا تتطاول بمالك على الناس بأنواع البغي والظلم.. ولكنّ غروره أعماه، وقال: ما أوتيت من مال فهو بقدرتي، بذكائي وفهمي وعلمي.. فكان ما كان من عاقبته السيِّئة التي قصّها لنا القرآن، والتي أكّد فيها على نفي قيمة المال المعنوية والإجتماعية ما لم ينفق منها في سبيل الله بالأعمال الصالحة وخدمة المجتمع، وأنّ العلو والإستكبار من الأغنياء وإستغلال الثروة لإستعباد الناس وظلمهم هو نوع من البطر والتجبُّر ونكران ذكر الله وشكره، وهو نوع من الفساد الذي يؤدي بصاحبه إلى الهلاك، فيقول تعالى: {إنّ قارونَ كان من قَومِ مُوسى فَبَغى عليهم وآتَيناهُ من الكُنُوزِ ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصبَةِ أولي القُوّةِ إذ قالَ لهُ قَومُهُ لا تَفرَح إنّ الله لا يُحِبّ الفَرِحِين * وابْتَغِ فيما آتاكَ اللهُ الدارَ الآخرةَ ولا تَنسَ نَصيبَكَ من الدنيا وأحسِن كما أحسَنَ اللهُ إليك ولا تَبغِ الفَسادَ في الأرض إنّ الله لا يُحِبّ المُفسدين * قالَ إنّما أُوتِيتُهُ على عِلمٍ عندي أوَلَم يَعلَم أنّ اللهَ قد أهلك من قَبلِهِ من القُرُونِ مَن هو أشدّ منهُ قُوّةً وأكثرُ جَمعاً ولا يُسأَلُ عن ذُنُوبهم المُجرمون * فَخَرجَ على قومِهِ في زِينَتِهِ قال الذين يُريدُونَ الحياة الدنيا يا لَيتَ لَنا مِثلَ ما أوتِيَ قارونُ إنّهُ لَذُو حظِّ عظيم * وقالَ الذين أُوتُوا العِلمَ وَيلَكُم ثَوَابُ اللهِ خيرٌ لمَن آمَنَ وعملَ صالحاً ولا يُلَقّاها إلاّ الصابرون * فَخَسَفنا بهِ وبِدارهِ الأرضَ فما كان لهُ من فِئةٍ يَنصُرُونهُ من دونِ اللهِ وما كان من المُنتصرين * وأصبح الذين تَمَنّوا مَكانَهُ بالأمسِ يقولون وَيْكَأنّ اللهَ يَبسُطُ الرِّزقَ لمَن يَشاء من عبادهِ ويَقدِرُ لولا أنْ مَنَّ اللهُ علينا لَخَسَفَ بنا وَيْكَأنّهُ لا يُفلِحُ الكافرون} (القصص/ 76-82).

3- الإخلال الإقتصادي في قوم شعيب:

والصورة الثالثة صورة القوم الذين يخلّون بالنظم الإقتصادية ولا يلتزمون بالمعاملات الصحيحة: إنّهم يقللون الميزان ويبخسون المكيال، فيأكلون حق الناس ويخلّون بالإقتصاد.. فلا تكون هناك ثقة ولا إطمئنان في المجتمع فضلاً عن ضياع الحقوق والإثراء بالحرام، وذلك عين الفساد.

ولأنّ الأنبياء يُذكِّرونهم بالحق، والمؤمنون ينهونهم عن الباطل، فإنّهم وزيادة في غيّهم وتعنّتهم، كانوا يُهدِّدون المؤمنين ويُخوِّفون الناس من اتباع الرسالة.. ولمّا لا ينفع ذلك هدّدوا النبي وأتباعه بالتهجير والإبعاد أو ترك الإيمان واتباع ضلالهم.

وهذه صورة من الصور التي تُبيِّن إمتداد الفساد المالي إلى الجوانب الإجتماعية الأخرى، فكان فساد الحكم والظلم والبغي لغرض قمع المصلحين وصدّهم عن معارضة خطواتهم الفاسدة وعبثهم بمقدرات الناس وسرقة أموالهم.

وهكذا كانت دعوة شعيب الإصلاحية: دعوة لإصلاح الأوضاع الإقتصادية ومكافحة الفساد، قائمة على الإيمان والدين، كعامل للتقوى والإمتناع عن الجرائم الإقتصادية.

يقول تعالى: {إنّكم لَتَأتونَ الرجالَ شَهوَةً من دونِ النِّساءُ بل أنتُم قَومٌ مُسرفون * وما كانَ جَوابَ قَومِهِ إلاّ أن قالوا أخرِجُوهُم من قَريَتكُم إنّهم أُناسٌ يَتَطهَّرون * فأنجَيناهُ وأهلَهُ إلاّ امرأتَهُ كانت من الغابرين * وأمطَرنا عليهم مَطَراً فانظُر كيفَ كانَ عاقبةُ المجرمين * وإلى مَديَنَ أخاهُم شُعَيباً قال يا قومِ اعبُدُوا اللهَ ما لكم من إلهٍ غَيرُهُ قد جاءَتكُم بَيِّنةٌ من ربِّكُم فأَوفوا الكَيلَ والميزانَ ولا تَبخَسوا الناسَ أشياءَهم ولا تُفسِدوا في الأرضِ بعدَ إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كُنتُم مؤمنين * ولا تَقعُدوا بكلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدّونَ عن سبيلِ اللهِ مَن آمنَ بهِ وتَبغُونها عِوَجاً واذكروا إذ كنتم قليلا فَكَثّركُم وانظُروا كيفَ كانَ عاقبةُ المُفسدين} (الأعراف/ 81-86).

{قال المَلأُ الذينَ استَكبَروا من قَومِهِ لَنُخرجَنّكَ يا شُعَيبُ والذين آمنوا معكَ من قَريَتِنا أو لَتَعودُنَّ في مِلّتِنا قال أوَلَو كُنّا كارهين} (الأعراف/ 88).

{وَيا قومِ لا يَجرِمَنَّكُم شِقاقي أن يُصِيبَكُم مثلُ ما أصابَ قومَ نوحٍ أو قومَ هودٍ أو قومَ صالحٍ وما قومُ لوطٍ منكم ببعيد} (هود/ 89).

وبذلك يعطينا القرآن في قصة النبي شعيب مع قومه، صورة متكاملة من رسالة الإصلاح التي حملها الأنبياء، في بُعدها الديني العقائدي: في الدعوة إلى عبادة الله، وفي بُعدها الإصلاح الإقتصادي: في الدعوة إلى رعاية الموازين ورعاية حقوق الناس المالية والتقيد بالنظم والقوانين الإقتصادية {أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} (هود/ 78)، وفي بُعدها الحقوقي بالتنويه على حرِّية الناس في الإعتقاد ورفض الإكراه فيه {أو لتعودنّ في ملّتنا قال أوَلو كُنّا كارهين} (الأعراف/ 88)، وفي بُعدها السياسي: في فضح إستخدام القوّة للإرعاب والإرهاب لقمع الصوت المعارض والمصلح، وفي مجال إصلاح العادات والتقاليد الموروثة {قالوا يا شُعيب أصلاتك تأمُرُك أن نترك ما يعبدُ آباؤنا...} (هود/ 78).

وبيان العلاقة بين أنواع الفساد، الثقافي والإقتصادي والإجتماعي والسياسي، وهناك دروس أخرى تحملها الآيات المباركات، فلتراجع في مظانها من التفسير.

- مبادئ الإصلاح الإقتصادي في الإسلام:

ترتبط الأوضاع الإقتصادية ومدى صلاحها أو فسادها بالنظام الإقتصادي الحاكم في المجتمع من حيث مبادئه وقيمه وقوانينه وتشريعاته، تنظيماته وبرامجه المانعة للفساد، ويتأثّر كل ذلك بفلسفة الحياة والنظرة إلى المادّة، كونها وسيلة أو غاية، وقيمة المال والملكية في القيمة الإنسانية ودورها الإجتماعي.

وهناك خصائص أخرى إضافية تُشكِّل – مع ما ذكرناه – معالم النظام الإقتصادي، والتي لها إرتباط مباشر بتكوين سلوك الفرد وسيرته الإقتصادية، ومدى صلاحه أو فساده.

ولكل مفردة ممّا ذكرناها إرتباط بالتي بعدها، فحوافز الفرد وأخلاقياته الإقتصادية، تلعب دور المُحرِّك أو المُوجِّه لسلوكه الفاسد أو دور المقيّد والمهذّب له، وكذلك النظام الذي يعمل بتشريعاته إلى تعديل السلوك الإجتماعي العام وتوفير العدالة وتكافؤ الفرص أو إنّه يُسبِّب عكس ذلك فيُوفِّر الإمكانات ويُسخِّر الثروات لطبقة دون أخرى ويُسهِّل عملية نهبها كالمال العام وإفسادها في الإقتصاد.

وأخيراً، يأتي دور الحدود والمحرمات والعقوبات كقوّة ردع وإعاقة للفساد وصدّ للفاسدين وإعادة الأموال المسروقة إلى أصحابها الشرعيين.

ولسنا هنا بصدد التفصيل في النظام الإقتصادي الذي يرسي الإسلام مبادئه ويُنظِّم مناهجه وغاياته، فذلك يستحق لوحده كتاباً بل كتباً، ويمكن الرجوع إلى أفضل الكتب بهذا الباب: كتاب "إقتصادنا" للإمام الشهيد السيد محمّد باقر الصدر، ولكن نهدف إلى إعطاء صورة أوّلية تساعد في بيان منهج الإصلاح الإقتصادي في الإسلام، خصوصاً بعدما سبق وأن عرفنا خطورة الفساد الإقتصادي، ومدى المواجهة الكبيرة للإسلام، ومن خلال دستوره القرآن، مع هذا الفساد وملاحقته لأسبابه ونتائجه، لتكون الصورة متكاملة.. فمن جانب يلاحق الإسلام الفساد ويكافحه، ومن جانب آخر يضع الأُسس والبرامج التي تصلح الأوضاع وتحول دون الفساد، ونبدأ أوّلاً بدراسة المبادئ الأساسية للمنهج الإقتصادي في الإسلام والتي تعتبر بدورها مبادئ الإصلاح وأسسه العامة:

أولاً - إرساء النظرة الأخلاقية للمال:

الحياة ليست فرصة عابرة للذّة والعلاقات الإقتصادية ليست قائمة على المصلحة الأنانية ومراعاة المصالح بين الأطراف، والدُّنيا ليست داراً للبقاء، فالآخرةُ تستحق التضحية والعناء، والمال ليس له قيمة ذاتية، ولا هو هدفٌ مطلقٌ ليصل له الإنسان بأيّة صورة، وتكون قيمة الإنسان بأرقام فلكية وبحجم مدخراته.. إنّ كل هذه الأفكار الحاكمة في المجتمعات المادية تُحوِّل العالم إلى غابة يسيطر فيها الأقوياء ويضيع فيها الضعفاء ويفترس القوي فيها الآخر قدر ما يستطيع دولاً وشعوباً، من دون إلتزامات أخلاقية ولا مبادئ سامية، ليحيا مَن يحيا في ترف وإسراف يلعب بالمال ويتلاعب بالإقتصاد العالمي، دون أي إهتمام بملايين الناس الذين يتضوّرون جوعاً ويموتون لنقص الغذاء وفقد الدواء..

ويفقد بذلك الإنسان إنسانيته، ولا يحس بآلام إخوته الذين يعيشون على نفس هذه الأرض بأسوء حياة، دون تكافل أو تضامن من دول أخرى لا يعنيهم سوى زيادة قوتهم وثرواتهم، ولا يهمّهم إلاّ التخطيط لمزيد من السيطرة والإستعمار ونهب الثروات.

ولذلك كلّه فالإسلام يبدأ بالإصلاح من ألف باء النظرة إلى الحياة ومهمّة الإنسان ودور المال ووظيفة الإقتصاد، فالنظرة والفكرة هي التي توجِّه السلوك وتقود المناهج، فإن صلح الإنسان صلح العالم، وإن فسد أفسد كل شيء من حوله.

ولذلك ركّز الإسلام من خلال الرؤية القرآنية، والتي جاءت السنّة مبينة ومفصلة لنا على إرساء تفسير خلقي للملكية في الإسلام، يُوجِّه السلوك ويُنظِّم البرامج الإقتصادية في المجتمع بإتجاه بنّاء وصالح، والمقصود بذلك: التصوّرات المعنويّة التي أعطاها الإسلام عن الملكية ودورها وأهدافها، وعمل لإشاعتها بين الأفراد لتصبح قوّة موجّهة للسلوك ومؤثرة على تصرفات الأفراد التي تتصل بملكياتهم وحقوقهم الخاصة[4].

ويمكن لنا بإيجاز أن نلخص تلك التصورات بما يلي:

1- إنّ الله تعالى هو خالق الكون وباعث الحياة، وهو صاحب كل شيء فيه، فهو مالك الوجود وربّ العالمين، والمال ماله، وإليه ترجع أصول الملكيات، يتصرّف فيها كيف يشاء، وتمضي فيه إرادته.

2- إنّ الناس خلفاء الله في الأرض وأمناؤه عليها وعلى ما فيها من أموال وثروات، كما قال تعالى: {هو الذي جَعلَكُم خَلائفَ في الأرضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيهِ كُفرُهُ ولا يَزيدُ الكافرينَ كُفرُهُم عندَ رَبِّهِم إلاّ مَقتاً...} (فاطر/ 39).

فالإنسان، وكيل لله تعالى على الملكية التي أؤتمن عليها، وأميناً على الثروة التي جُعِلَت بإختياره وسخّرت له.

والله تعالى هو الذي منح الإنسان هذا الدور وأهّلهُ للخلافة، ولو شاء لإنتزعها منه، قال تعالى: {إنْ يَشَأ يُذهِبكُم ويَستَخلِفْ مِن بَعدِكُم ما يشاء...} (الأنعام/ 133).

3- طبيعة خلافة الإنسان أن يتلقّى تعليماته بشأن الثروة المستخلف عليها وكيف يتصرّف فيها ممّن منحه تلك الخلافة، وهو الله تعالى، قال تعالى: {آمِنوا بِاللهِ ورسولِهِ وأنفِقوا ممّا جَعَلَكُم مُستَخلَفينَ فيه فالذينَ آمنوا مِنكُم وأنفَقوا لَهُم أجرٌ كبير}(الحديد/ 7).

ومن نتائج ذلك أن يكون الإنسان مسؤولاً عن تصرّفاته، فيما استخلف فيه وما أؤتمن عليه، قال تعالى: {ثمّ جَعَلناكم خَلائفَ في الأرضِ مِن بَعدِهِم لنَنظُرَ كَيفَ تَعمَلون} (يونس/ 14).

4- الأصل في الخلافة أنّها للجماعة الإنسانية كلّها، والتي خلق الله تعالى الأرض وأعدّ الثروات الكونية وجَعلها لخدمة الإنسان، النوعي، الذي يشمل كل أفراد البشرية، كما قال تعالى: {هو الذي خَلَقَ لَكُم ما في الأرض جميعاً...} (البقرة/ 29).

وكان من أهدافه تعالى أن يُعمِّر الأرض، ويُحافظ على صلاحها للحياة، لتعمّ خيراتها الجميع، كما قال تعالى: {... هو أَنشأَكُم مِنَ الأرضِ واستَعْمَرَكُم فِيها...} (هود/ 61)، {ولا تُفسِدوا في الأرض بَعدَ إصلاحَها} (الأعراف/ 56).

ولذلك كان حقّاً عليه أن يتصرّف بما لا يضرّ بالوجود البشري والوضع الطبيعي، وأن تكون حركته بإتجاه إعمار الأرض وخير البشرية.

5- إنّ الإنسان مسؤول عن الملكية والثروة والمال وسائر النعم التي أنعم الله تعالى عليه، من حيث تصرُّفه وسلوكه فيها وأدائه لرسالته في إعمار الكون وإستثماره، ومسؤوليته عن إصلاح المجتمع وسعادة البشرية من حوله، وما منح البعض دون بعض وإختلاف درجات الناس في الملكية والثروات والأرزاق..

كل ذلك للإبتلاء وهو ضرب من الإمتحان الإلهي لمدى تحمّل الإنسان لمسؤولية الخلافة وأدائه للأمانة التي حُمِّلُها، قال الله تعالى: {هو الذي جَعلَكُم خَلائِفَ في الأرضِ وَرَفَعَ بَعضَكُم فَوقَ بَعضٍ دَرَجاتٍ لِيَبلُوَكُم في ما آتَاكُم...} (الأنعام/ 165).

فالملكية الخاصّة والأموال والثروات ليست ملكيات فردية تورث في الإنسان العلوّ والإستكبار والأنانية والإستئثار، بل هي مسؤولية إجتماعية ليعلم هل يحسن أو يسيء، وهل ينفع الناس أو يغتر بماله.

6- ولمّا كانت الخلافة لله في الأصل للجماعة البشرية والنوع الإنساني، وكانت الملكية والثروات الوسيلة لأداء هذا الدور الجماعي، فإنّ إمتلاك الفرد للمال لا يمنع من مسؤولية الجماعة عن ذلك المال ولا صلتها به، لأنّ للمال رسالة إجتماعية وكونية في الإعمار والإستخلاف، ولذلك كان من واجب الجماعة أن تحمي المال من سفه المالك وتصرُّفه اللامسؤول إذا لم يكن رشيداً، لأنّ السفيه لا يمكن أن يقوم بدور صالح في الخلافة، وقد يستنزف المال ويصرف الطاقة المخلوقة لخدمة كل الناس في غير محلّها، لذلك قال الله تعالى: {ولا تُؤتوا السُّفهاء أموالكم التي جعل اللهُ لكم قياماً وارزُقُوهُم فيها واكسُوهُم وقولوا لهم قولاً معروفاً} (النِّساء/ 5).

وقد وصفت الآية الكريمة الأموال قائلة: {أموالكم التي جعل اللهُ لكم قياماً} إشعاراً بأنّ الأموال قد جعلها الله للجماعة، يعني أنّه استخلف الجماعة، لا ليُبذِّروها أو يُجمِّدوها، بل ليقوموا بحقها ويستثمروها ويحافظوا عليها، لخير الإنسان والبشرية، فإذا لم يتحقق ذلك عن طريق الفرد، فلتعمّ الجماعة بمسؤوليتها[5].

7- لمّا كان الإنسان مسؤولاً في تصرّفاته المالية أمام الله لأنّه المالك الحقيقي لجميع الأموال، ومسؤول أمام الجماعة لأنّ الخلافة لها بالأصل، فالملكية للمال مظهر من مظاهر الإستخلاف.. كان من حقّ الجماعة أن تمنعه عن التصرُّف في ماله بشكل يؤدِّي إلى ضرر بليغ بسواه وأن تحجر عليه إذا لم يكن أهلاً للتصرُّف في ماله لصغر أو سفه، وأن تضرب على يديه إذا جعل من ماله مادّة للفساد والإفساد، كما ضرب رسول الله(ص) على يد سمرة بن جندب وأمر بقطع نخلته الخاصّة ورميها حين اتخذها مادّة فساد، وقال له: "إنّك رجل مُضارّ"[6].

8- حين أعطى الإسلام للملكية الخاصّة مفهوم الخلافة، فالمال مال الله، والإنسان مسؤول أمامه عنه.. جرّدها عن كل الإمتيازات المعنويّة التي اقترنت بوجودها عبر الزمن، ولم يسمح للمسلم بأن ينظر إليها بوصفها مقياساً للإحترام والتقدير في المجتمع أو أن يقرنها بنوع من القيمة الإجتماعية في العلاقات المتبادلة.

والقرآن يُنكِّل علانية بمن يرى لنفسه الفضل على سواه بالمال، وينقل لنا قوله متهكماً عليه: {... فَقالَ لِصاحِبِهِ وهوَ يُحاوِرُهُ أنا أكثَرُ مِنكَ مالاً وأعزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهوَ ظالِمٌ لِنَفسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أنْ تَبِيدَ هذِهِ أبَداً * وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً...} (الكهف/ 34-36).

وفي المقابل يبجل القرآن موقف المؤمن الذي قال: {... إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالاً وَوَلداً * فَعَسَى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِ خَيراً من جَنَّتِكَ ويُرسِلَ عَلَيها حُسباناً منَ السَّماءِ فَتُصبِحَ صَعيداً زَلَقاً * أو يُصبِحَ مَاؤُها غَوْراً فَلَن تَستَطيعَ لَهُ طَلَباً * وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فأصبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ على ما أنفَقَ فِيها وهيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِها ويقولُ يا لَيتَني لَم أُشرِكْ بِرَبِّي أحَداً} (الكهف/ 39-42).

والآيات الذامّة لمنهج التفكير المادي القائم على الإكتناز وجمع المال للشعور بالزهو والفخر والقيمة كثيرة.

9- الملكية في الإسلام أداة لا غاية، فهي وسيلة لتحقيق الهدف من الخلافة العامّة وإشباع الحاجات الإنسانية المتنوعة، وليست غاية بذاتها تطلب بوصفها تجميعاً وتكديساً شرهاً لا يرتوي ولا يشبع، كما هو حال الكافر {الذي جَمَعَ مالاً وعَدَّدَهُ * يَحسَبُ أنّ مالَهُ أخلَدَهُ} (الهُمزة/ 2-3)، بل الذي يبقى ويخلد ما يخلفه الإنسان من عمل صالح وما ينفقه في سبيل الله، كما قال رسول الله(ص): "إذا مات الإنسان انقطع إلاّ من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له".

وقال أيضاً: "ليس لك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت ولبست فأبليت وتصدّقت فأبقيت".

10- لم يُلغِ الإسلام الإنتفاع بالمال، ولكنه ألغى أن يكون غاية له، ولكنّه فتح أُفقاً آخر أمام الإنسان لتتحوّل الثروة إلى نعمة باقية، وذلك من خلال الإنفاق في سبيل الله وفي ما ينفع البشريّة، ليدخّر ما ينفقه عند الله تعالى ولحياته الآخرة الخالدة، فلا يجد ما ينفقه خسارة، بل هو ربح وفائدة وإدخار ليومٍ هو {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنون * إلاّ مَن أتى الله بقلبٍ سليم} (الشُّعراء/ 88-89).

ويكون ما يعمله من عمل صالح وما ينفقه من الخير موافقاً لفطرته ورضا لنفسه، وإعماراً لآخرته، فهو في الحقيقة إذ ينفق في سبيل الله والآخرين، ينفق لنفسه وسيجد ما أنفقه حاضراً بزيادة وأضعاف مضاعفة.

قال تعالى: {... وَما تُقَدِّمُوا لأنفُسِكُم مِن خَيرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ...} (البقرة/ 110).

وقال تعالى: {... وَما أَنفَقتُم مِن شَيءٍ فَهُوَ يُخلِفُهُ وهُوَ خَيرُ الرَّازِقِين} (سبأ/ 39).

وقال أيضاً: {مَن ذَا الذي يُقرِضُ اللهَ قَرضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ... } (البقرة/ 245).

وفي المقابل حين تكون الحياة قصيرة والفرص محدودة والنفوس شرهة وخسيسة، والإثراء ليس إلاّ هدفاً، فإنّ هذا الإنسان الذي يعيش هذه الروحية، يشعر دائماً بالقلق على مستقبله والحرص على حياته والبخل والشحّ في ماله، والخوف من الخسارة والإفتقار.. وينسب القرآن هذه النظرة المادية الضيقة إلى الشيطان الذي يوسوس في صدر الإنسان ليبعده عن الخير والإيمان.

قال تعالى: {الشيطانُ يَعِدُكُمُ الفَقرَ ويَأمُرُكُم بالفَحشاءِ واللهُ يَعِدُكُم مَغفِرَةً مِنهُ وفَضلاً واللهُ واسعٌ عليم} (البقرة/ 268)[7].

ثانياً - تنظيم الملكية والمال والثروة:

لم يقتصر الإسلام في مكافحة الفساد ودعوته إلى الإستفادة الخيرة من المال على تصحيح الإعتقاد في المال وبناء الأخلاق الفاضلة في الإقتصاد وتنمية روح الخير والعطاء.. لم يقتصر على ذلك فحسب، بل عمل على تثبيت مبادئ لتنظم الملكية وتوزيع الثروة على أساس من العدالة والتوازن، والتي تحفظ للحياة الإقتصادية حيويتها ودورها البنّاء في تحريك أسواق العمل وزيادة الإنتاج وتوفير الرفاه والرخاء، وفي نفس الوقت تحديد الضوابط التي توزع الثروة وتُقسِّم الإمكانات على أساس عادل ومنصف لجميع الطبقات، وأهم هذه الشرائط هي:

1 - مبدأ الملكيّة المزدوجة:

فالإسلام اختلف في ذلك عن النظامين الرأسمالي والإشتراكي، واللذين تَصَرّفا على طرفي نقيض في التعامل مع الملكية، فالمجتمع الرأسمالي الذي آمن بالملكية الفردية أو الخاصّة، كقاعدة عامّة وسمح بمختلف أنواع الثروة للناس تبعاً لنشاطاتهم وظروفهم ولم يعترف بالملكية العامّة إلاّ حين تفرض الضرورة الإجتماعية، وهي حالة إستثنائية، فكان المجتمع ميداناً رحباً لحركة رؤوس الأموال وباتت تسيطر بذلك على كافة المجالات، حتى السياسة والإجتماع، بل الثقافة والمعرفة والإعلام، بما تمتلكه من إمكانات هائلة وإستغلال للفرص المثمرة لأصحاب المال وبات الفرد العادي مستهلِكاً ومستهلَكاً في هذا العالم المادي الصرف.

والمجتمع الإشتراكي ألغى الملكية الخاصّة وجعل الملكية الإشتراكية هي المبدأ العام وليست الملكية الخاصّة إلاّ إستثناء، وبذلك ألغى الحوافز الفردية والميول الطبيعية للإنسان نحو التملّك وحرم الناس المتميِّزين والنشطين من تحصيل المكافآت والأرباح التي يستحقونها.. وانسحب الغاء الحرِّية الإقتصادية على سائر الحقول الأخرى، فألغيت أيضاً الحرِّيات السياسية وحرِّية الصحافة والإعلام والفكر والنشر.. لئلاّ يظهر صوت معارض لهذا القمع والكبت المطلق.

أمّا المجتمع الإسلامي فكان وسطاً، لا هذا ولا ذاك، إذ قرّر الأشكال المتعدِّدة للملكيات، فهو يؤمن بالملكية الخاصّة والعامّة وملكية الدولة، ولكل حقّه الخاص الذي يعمل به، كوضع عام، لا كحالة إستثنائية أو خاصّة، وضمن بذلك الحرِّية الفردية وتحفيز العامل الذاتي لتطوير الإقتصاد وتنشيط سوق العمل في نفس الوقت الذي ضمن فيه ملكية الدولة ومركزيتها ووجود ملكيات عامّة لسائر المجتمع، كمجال يضمن وجود القطاع الخيري والعام، الذي يعود بالنفع على الناس لأجيال مستقبلية، فلا يدخل في نطاق ملكية الدولة فتستأثر به، ولا في الملكية الفردية فيحتكره.

وكان من صحّة النظريّة الإسلامية، القائمة على أساس الملكية المزدوجة، أن كُلاً من التجربتين الرأسمالية والإشتراكية اضطرّت إلى العدول عن فكرتها الأساسية واللجوء إلى الشكل الآخر للملكية، فأخذ المجتمع الرأسمالي بفكرة التأميم وإختصاص قطاعات معيّنة من الملكية بالدولة.. ولجأت الإشتراكية إلى السماح ابتداءً بالملكيات الخاصّة المحدودة، ومن ثمّ رفعت اليد وأطلقت المجال للملكية الفردية، كما في روسيا والصين.

 

 

.....................
(*) كاتب وباحث من العراق ، معهد الأبحاث والتنمية الحضارية .


الهوامش :
...........................


[1]  المشاريع الدولية لمكافحة الفساد، المنظمة العربية لمكافحة الفساد، ص49-

[2]  نفس المصدر-

[3]  الملأ هم وجوه القوم من الوزراء والأمراء والقادة وأمثالهم.-

[4]  إقتصادنا، الشهيد السيد محمد باقر الصدر، ص563 وما بعدها-

[5]  نفس المصدر، ص566.-

[6]  نفس المصدر، ص567.-

[7]  انظر: اقتصادنا، ص570.-