|
|
 |
الحضارية
«دراسات اسلامية» |
|
الاربعاء: 12/11/2008
الغيب بين الوحی
والعقل(2/2)
إلياس بلكا
المذهب الثاني: المتشابه ما لا سبيل إلى معرفته واستأثر الله بعلمه:
وذلك كأخبار الآخرة وأحوالها، ووقت قيام الساعة وعلاماتها الكبرى كياجوج
وماجوج وخروج الدجال، والحروف المقطعة في أوائل السور.. فهذه لا نعرفها و
لا نستطيع معرفتها، بل يجب أن لا نطلب ذلك. ولذا ذم القرآن طلب المتشابه:
(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا
تَشَابَهَ)[آل عمران: 7] ومدح الله تعالى الراسخين في العلم بالإيمان،
ولو عرَفوا معنى المتشابه على التفصيل ما كان لمدحهم بالإيمان مزية، لأن
كل من عرف شيئاً على وجه التفصيل آمن به ولابد(36). وقد يوصف بالرسوخ من
يفرق بين ما يستقيم تأويله، وما لا مطمع في تاويله(37). وهؤلاء يقفون في
القراءة على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)،
وما بعده جملة استئنافية ابتدائية، أي قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي
الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)(38).
ما هي الحكمة في إنزال المتشابه؟
والجواب عن هذا يختلف باختلاف المذهبين. فعلى الأول ـ أي المتشابه هو
الخفي الدلالة ـ تكون الغاية هي إظهار فضيلة العالِم بالنظر والبحث، «ولو
كان كل فن من العلوم شيئاً واحداً لم يكن عالم ولا متعلم، ولا خفي ولا
جلي»(39). قال الرازي ـ ضمن فوائد المتشابه: «الوجه الثالث أن القرآن إذا
كان مشتملاً على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل
العقل، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة.
أما لو كان كله محكماً لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية، فحينئذ كان
يبقى في الجهل والتقليد»(40) أما على الرأي الثاني فتكون الحكمة من ذكر
المتشابه في القرآن هو اختبار العباد ليظهر هل يؤمنون به ويسلمونه، أم
يزيغون عنه. ولذلك عرّف بعضهم المتشابه بأنه: ما اُمرتَ أن تؤمن به
وتـَكِل علمه إلى عالمه(41). وقال الزركشي: من الحِكم «إنزاله ابتلاء
وامتحاناً بالوقوف فيه والتبعد بالاشتغال من جهة التلاوة وقضاء فرضها،
وإن لم يقفوا على ما فيها من المراد الذي يجب به العمل.. ويجوز أن
يمتحنهم بالإيمان بها..»(42) وزاد الشيخ عبده هذا المعنى إيضاحاً بقوله:
«إن الله أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به، فإنه لو كان كل ما
ورد في الكتاب معقولاً واضحاً لا شبهة فيه عند أحد من الأذكياء ولا من
البلداء، لما كان في الإيمان شيء من معنى الخضوع لأمر الله تعالى
والتسليم لرسله»(43).
لا يحتاج في التكليف إلى المتشابه
على أن المتفق عليه بين العلماء أن التكليف لا يتوقف على معرفة المتشابه
وإدراكه. ولذلك فالتعبير بـ«أم الكتاب» عن الآيات المحكمات الواضحات،
و«أم الشيء» معظمه.. هذا التعبير إشارة إلى أن القرآن الكريم قد أوضح
وفصّل ما يحتاج إليه الإنسان في دنياه وآخرته، مما تقوم به الحجة. وغير
ذلك قد يكون بعضه متشابها لأنه لا دور كبير له في مهمة الاستخلاف.
وقد ضرب الإمام الطبري لهذا المعنى مثلاً، وهو قوله تعالى: (يَوْمَ
يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ
تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا
خَيْرًا)[الأنعام: 158] وأخبر النبي عليه السلام أن تلك الآية طلوع الشمس
من مغربها.. قال الطبري: «الذي كانت بالعباد إليه الحاجة من علم ذلك هو:
العلم منهم بوقت نفع التوبة بصفته، بغير تحديده بعد بالسنين والشهور
والأيام. فقد بيّن الله ذلك لهم بدلالة الكتاب وأوضحه لهم على لسان رسوله
صلى الله عليه وسلم مفسّرا. والذي لا حاجة لهم إلى علمه منه هو: العلم
بمقدار المدة التي بين وقت نزول هذه الآية ووقت حدوث تلك الآية(44)، فإن
ذلك مما لا حاجة بهم إلى علمه في دين ولا دنيا، وذلك هو العلم الذي
استأثر الله جل ثناؤه به دون خلقه فحجبه عنهم، وذلك وما أشبه هو الذي
طلبت اليهود معرفته في مدة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته من قِبل قوله:
الم، والمص، والر..»(45).
المتشابه ابتلاء للعقل
وهذا المعنى ينكشف ببحث العلاقة بين المتشابه والعقل، وهذه المسألة
بالذات ـ وموضوع المتشابه بصفة عامة ـ من أعقد قضايا أصول الدين وأغمضها.
ولكن لا بأس أن أقول فيها رأياً:
المتشابه قسمان:
1ـ ما خلف ظاهر العقل، وذلك مثل الآيات التي يفيد ظاهرها التجسيم: (وَالسَّمَاءَ
بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)[الذاريات: 47]، (وَيَبْقَى
وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)[الرحمن: 27] وكقوله تعالى
في عبده عيسى بن مريم:(وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ
مِنْهُ)[النساء: 171](46). قال الرازي ـ في قوله تعالى: (وَمَا يَذَّكَّرُ
إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)[البقرة: 269]ـ: «هذا ثناء من الله تعالى على
الذين قالوا آمنا به.. فيعلمون الذي يطابق ظاهرُه دلائل العقول فيكون
محكماً. وأما الذي يخالف ظاهرُه دلائل العقول فيكون متشابهاً. ثم يعلمون
أن الكل كلام من لا يجوز في كلامه التناقض والباطل، فيعلمون أن ذلك
المتشابه لا بد وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى»(47). ثم اختلف
العلماء في معنى الرسوخ في العلم في هذه الحالة، هل هو بتمييز المتشابه
عن الحكم، ثم تفويض العلم بالأول إلى الله سبحانه، أم هو بتفسير المتشابه
ومعرفته؟(48). والمتشابه هنا لا يخالف صريح العقل، بمعنى المناقضة التامة،
فهذا لا يوجد في القرآن ولا في السنة الثابتة، فمهما قلبتَ النظر فيهما
لن تجد فيهما «المستحيل عقلاً»، إنما تجد نصوصاً قد تختلف مع ظواهر بعض
العقول، أو ـ على الأصح ـ مع بعض عادات العقل في التفكير والتفهم.
2ـ ما عجز العقل عن معرفته، واستأثر الله تعالى بعلمه من دون خلقه. ولذلك
ذكر الرازي من الأقوال في تفسير المتشابه: «القول الرابع: إن كل ما أمكن
تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي، أو بدليل خفي، فذاك هو المحكم.
وكل ما لا سبيل إلى معرفته فذاك هو المتشابه»(49). وهذا يتنوع إلى قسمين
بحسب متعلق هذه المعرفة:
1ـ حقيقة المتشابه: فهنا يجهل العقل الحقيقة مطلقاً، لكنه مع ذلك له
حالتان:
أ ـ 1 ـ إما أن يكون له شعور بالمتشابه على الجملة، بحيث يفهمه فهماً ما،
ولو بمجرد معرفة الأسماء. وهذا كأحوال الآخرة وصفاتها وما سيجري فيها،
وكالقدر وسره، وأكثر الغيبيات.
قال الشيخ محمد عبده: إن هذا النوع من المتشابه «في القرآن ضروري لأن من
أركان الدين ومقاصد الوحي الإخبار بأحوال الآخرة، فيجب الإيمان بما جاء
به الرسول من ذلك على أنه من الغيب، كما نؤمن بالملائكة والجن، ونقول إنه
لا يعلم تأويل ذلك، أي حقيقة ما تؤول إليه هذه الألفاظ إلا الله.
والراسخون في العلم وغيرهم في هذا سواء، وإنما يعرف الراسخون ما يقع تحت
حكم الحس والعقل فيقفون عند حدهم، ولا يتطاولون إلى معرفة حقيقة ما يخبر
به الرسل عن عالم الغيب، لأنم يعلمون أنه لا مجال لحسهم ولا لعقلهم فيه،
وإنما سبيله التسليم، فيقولون آمنا به كل من عند ربنا.. ومن المحال أن
يخلو الكتاب من هذا النوع فيكون كله محكماً بالمعنى الذي يقابل المتشابه..
فتبين مما قررناه أنه لا يقال على هذا: لماذا كان القرآن منه محكم ومنه
متشابه، لأن المتشابه بهذا المعنى من مقاصد الدين، فلا يلتمس له سبب لأنه
جاء على أصله»(50) وبعض العلماء لم يعُدّ هذا القسم من المتشابه، قال ابن
عاشور: «ليس من المتشابه ما صرح فيه بأنا لا نصل إلى علمه كقوله: (قُلِ
الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)[الإسراء: 85]»(51).
أ ـ 2ـ الحالة الثانية للمتشابه، وهي حين لا يكون له معنى، لا في العقل
ولا في اللغة. وهذا بالنسبة إلينا، وفي أول النظر، ولها عند الله تعالى
معان صحيحة. ثم من العلماء من يقول هذا المتشابه نؤمن به ولا نفسره ولا
نعرف معناه أو نتطلبه، ومنهم من يقول بل يجوز أن نبحث عن معناه ونجتهد في
تحصيله، ويمكن أن يصيب رأينا في ذلك. ويكاد لا يوجد في القرآن من هذا
الضرب سوى فواتح السور.
ب ـ زمان المتشابه: كقيام الساعة مثلاً، وأشراطها الكبرى، فهذا مفهوم
واضح، لكن عرض له التشابه في وقت تحققه متى يكون. فهذا رأي من نظر إلى
زمان المتشابه. أما من نظر إلى أن القيامة مثلاً أمر معروف في نفسه بوصف
القرآن إياه، وإنما نجهل متى يكون، فلم يـَعُد هذا من المتشابه(52).
ولهذا ميزت بين النص إذا عارض ظاهر العقل، وبينه إذا تجاوز العقل. ففي
الحالة الأولى يصطدم العقل بما يخالف طريقته المعتادة في العمل، وفي
الثانية لا يجد مخالفة ما، ولكنه لا يفهم كل شيء ولا يدرك الموضوع
بأطرافه جميعاً.
خاتمة
إن وجود المتشابه في نصوص الوحي درس موجـّه إلى العقل الإنساني، لكي يعمل
ويبحث حيث يجوز له ذلك، ويعرف حدوده ومجاله فيما وراء ذلك. فهذا توجيه
للعقل وتأديب له. ولا يصح أن نعتبر المتشابه نقيضاً للعقل القطعي. وإن
كانت القاعدة هي إبعاد المتشابه ـ وأمور الغيب عامة ـ عن جدل العقل
والفكر.
الجدل بين أفلاطون والإمام مالك
رغم أن أفلاطون ليس هو من دشن الطريقة الجدلية في الفلسفة، والمعروفة
بالديالكتيك... إلا أنه أكبر فيلسوف جدلي، ولهذا اختار ـ لعرض فلسفته ـ
طريقة الحوار، حيث الكتاب كله عبارة عن كلام وأخذ وردّ بين مجموعة من
الفلاسفة ـ أو المتهمين ـ الإغريق.. أي عبارة عن جدل. وعادة ما يمثل
أفلاطون في هذه المحاورات أستاذه سقراط، فهو الشخصية المركزية في الحوار.
ويعجب القارئ فعلاً من جدل أفلاطون ومن قدرته الهائلة على المناقشة، فهو
لذلك مـُمتِع بعكس تلميذه أرسطو.. ذو الأسلوب الجاف.
وعادة ما يقدم أفلاطون الإشكال في بداية الحوار، ويعرض للحلول المتوفرة
على لسان بعض الحاضرين.. ثم يتدخل سقراط فيبدأ بمساءلة صاحب الرأي، ويكشف
له شيئاً فشيئاً عن أخطائه وتناقضاته.. فإذا تمّ ذلك وأذعن المخالف، بسط
سقراط «الصواب» واحتج له بمنطق ظاهري قوي(53).
لكن محاورات أفلاطون تكشف ـ ربما من حيث لم يقصد صاحبها ـ عن ضعف العقل
الإنساني وتردده، لأنها وإن كانت تنتهي ـ في الأكثر ـ بترجيح رأي ما إلا
أن القارئ لا يطمئن إلى هذا الترجيح بشكل تام، فقد علـّمه هذا الجدل أنه
يمكن لرجل أقوى من سقراط أن ينقض هذا الرأي الأخير الذي قرره ودافع عنه،
فيثبت رأياً آخر. بل إن أفلاطون نفسه ترك بعض حواراته معلقة دون حل، ولم
ينته فيها إلى نتيجة. ولذلك تعجبني قراءة الحوارات الأفلاطونية، حيث
أتفرج من خلالها على تناطح العقل مع نفسه(54).
إذن يمكن لرجل أجدل من سقراط أن يقنعنا بموقف آخر، ثم يأتي رجل ثان فيثبت
لنا أمراً آخر، ثم ثالث.. وهكذا دواليك. وهذا ما فهمه الإمام مالك وعبّر
عنه بعبارة جميلة وبليغة. فقد قال له رجل ـ على مذهب المرجئة ـ : يا أبا
عبد الله اسمع مني شيئاً اُعلمك به وأحاجـّك، وأخبرك برأيي، فإني ما أريد
إلا الحق، فإن كان صوباً فاعترف به، وإلا بيّن لي رأيك. فقال له الإمام
مالك: فإن غلبتني؟ فقال الرجل: اتبعني. قال مالك: فإن غلبتك؟ قال: أتبعك.
ثم قال مالك: فإن جاء رجل فلكمناه فغلبنا؟ قال: نتبعه. وهنا قال مالك:
أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل على محمد لجدله. وقال أيضاً:
أرأيت إن جاء من هو أجدل منه، أيدع دينه كل يوم لدين جديد؟(55).
إن العقل البشري يقف ـ في قضايا لا تحصى كثرة ـ موقف الحائر أو المتردد،
فلا يكون قادراً لوحده على معرفة الحق فيها. وهنا لا يسعفه منطقه ولا
جدله، لأن دائرة الممكنات والاحتمالات ـ في مثل هذه القضايا ـ واسعة
جداً. وإنما يتبع الناس رأياً معيناً فيها، لا للقطع بصوابه، بل لأن
مستوى الجدل وقدرته لا يسمحان بقول آخر؛ فإن جاء رأي آخر واحتمى بجدل
أقوى وسفسطة أظهر.. تـُرك القول الأول.. وهكذا. وسبب هذا الوضع أن عالم
الإنسان ليس هو عالم الرياضيات، وليس لأسئلة مثل: ما هي صفات الخالق،
وماذا بعد الموت، وما الفضيلة، وما هي غاية الوجود.. أجوبة حسابية أو
هندسية. لهذا حين يقصي الإنسان الوحي من حياته ومصادر معرفته.. لا يتوفر
له جواب واضح لكل إشكال، فيضطر إلى استعمال الفكر والتأمل والقياس.. أي
تتحول القضايا الوجودية الكبرى للإنسان إلى مسرح للجدل، وإلى مباراة بين
المتجادلين، لعل بعضهم أجل من بعض.. لكنهم جميعاً أهل الجدل.
قاعدة في الشبه بين عالمي الغيب والشهادة
رغم أن الغيب والشهادة يقابل المحسوس، إلا أنه باستطاعتنا تكوين صورة عنه
والإحساس ببعضه على نحو ما، كما في تصورنا للجنة ونعيمها، وللنار
وعذابها.. ولو كان هذا متعذراً كل التعذر ما أفاض القرآن في وصف بعض
المغيبات بمصطلحاتنا وألفاظنا التي نعقلها. والحكمة في ذلك تقريب عالم
الغيب إلى ذهن المخاطـَب وشعوره، وحتى يكون له ضرب من الإدراك المجمل
والعام لهذا العالم.
ويحكي الله تعالى عن أهله الجنة قائلاً:(كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ
ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا
بِهِ مُتَشَابِهًا)[البقرة: 24]، فالتشابه قائم، لكنه لفظي في الأكثر.
ولذلك قال أبو طاهر القزويني ـ بعد كلام في قصور العقل عن فهم الغيب ـ
:«ومن هذا القبيل قراءة أهل العرصات الكتب المكتوبة بخط الملائكة الكرام،
ولا شك أنها بخلاف كتابة أهل الدنيا.. ومن ذلك أيضاً ما يخلق الله تعالى
من إدراك لذات كثيرة من نعيم الجنة: مطعومها مشروبها ومشروبها وملبوسها
ومنكوحها، عن حالة لا توجد في الدنيا، كما وردت به الأخبار الصحيحة في
ثواب الأعمال. وتلك الإدراكات بذاتها لا تضاهي شيئاً من الإدراكات التي
تـُدرك بها اللذات الدنيوية، فإنها وإن كانت تشاكلها في الجنسية
والتسمية، فإن لها اختصاصات عجيبة تكلّ العقول عن دركها. وقول ابن عباس ـ
ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا بأسمائه ـ أصل كبير في هذا
الباب(56). فلعدم تلك الإدراكات في الدنيا لا نجد في أنفسنا لذة النظر
إلى وجه الله الكريم، ولا غير ذلك من اللذات الموعودة في الجنة، كما لا
يجد الصبي في صباه لذة الجاه لأنه لم يخلق له إدراك ذلك. والدليل على هذه
الجملة قوله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة جل و علا: أعددت لعبادي
الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بله ما اطلعتم
عليه، ثم قرأ قوله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ
مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[السجدة: 17].
وهذه خطة ضلت فيها الفلاسفة فأنكروا أمور الآخرة. وإذا قد صح لك أن العقل
لا يطلع على كنه حقائق الأشياء الغيبية، ولا يبلغ منتهى أسرارها، علمت أن
غايته أن يقيس ما لم يره على ما يراه بأدنى شبه يكون بينهما(57) فهذا
التشبيه ـ أو القياس ـ رخصة وضرورة، لأنه لابد للإنسان أن يفهم الغيب
فهما مجملاً ـ حيث يتعذر الفهم التفصيلي والحقيقي ـ ، لكن الضرورة تقدر
بقدرها، ولذلك كان هذا التشابه ـ في بعض أمور عالمي الغيب والشهادة ـ
اسمياً أو لفظياً أكثر منه في المعنى. ولذلك نحن نفهم بعض صفات الله
تعالى وأنه مثلاً عليم قدير جواد رحيم.. بالقياس إلى صفات العلم والقدرة
والجود والرحمة.. في البشر، مع الفرق العظيم ـ والذي لا نهاية له ـ بين
صفات الخالق وصفات المخلوق. فالأصل ـ إذن ـ ألا يتوسع فيه تشبيه الغيب
بالدنيا، كما قال رشيد رضا ـ في الآيات التي فيها ذكر القلم واللوح
والمحفوظ.. ـ: مذهب السلف أن نؤمن بالقلم الإلهي واللوح المحفوظ، وما كتب
بالقلم في اللوح من مقادير الخلق وإحصائه جميع ما كان ويكون في هذا
العالم، من بدء تكوينه إلى يوم القيامة، من غير أن نحكم آراءنا وأقيستنا
في صفة شيء من ذلك، ولا نقبل قول أحد ـ غير المعصوم ـ فيما يزعمه من وصف
اللوح أو القلم أو تلك الكتابة. ومن الجهل الفاضح أن نشبه ذلك بما نعهده
من كتابتنا، ونحن نرى البشر قد اخترعوا لتدوين الكلام طرقاً يتلقاها
بعضهم عن بعض على مسافة ألوف من الأميال والفراسخ في البر والبحر، بواسطة
الكهرباء التي تـُسخـّر لذلك، بأسلاك وبغير أسلاك.. والذين يؤولون ما ورد
في اللوح والقلم والعرش ليسوا أبعد عن مذهب السلف ممن يشبهون هذه العوالم
الغيبية بما يعهدون من صنع البشر في هذا العالم المتغير، وهم يرون أن هذه
المصنوعات تتغير وتترقى كلما ترقى الناس في الصناعات، حتى إن الشيخ
الشعراني صوّر الميزان الإلهي الذي يزن به تعالى أعمال العباد المعنوية
كلها في وقت واحد قصير ـ وهو أسرع الحاسبين ـ بصورة أحقر الموازين
البشرية التي اخترعوها في طور البداوة والجهل بفنون الصناعة، ونحن نرى
البشر قد اخترعوا في هذا العصر أنواعاً من الموازين الدقيقة للأثقال
المادية وللأمور المعنوية كالرطوبة والحرارة والبرودة والسرعة(58).
الهوامش
ــــــــــ
(36) راجع: البغوي. معالم التنزيل، مرجع سابق، 3/8؛ الرازي. مفاتيح الغيب،
مرجع سابق، 7-191-192؛ ابن عطية. المحرر والوجيز، مرجع سابق: 3/17؛ جامع
البيان، مرجع سابق: 3/107، كلها عند تفسير الآية.
(37) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 3/165؛ وانظر: البغوي، معالم التنزيل،
3/11.
(38) البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق: 3/10؛ أبو السعود، إرشاد العقل
السليم، مرجع سابق: 1/218.
(39) ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، مرجع سابق: 62؛ وانظر أيضاً: رضا،
محمد رشيد، تفسير المنار، مرجع سابق: 3/170-171.
(40) الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، 7/186، آل عمران: 7.
(41) البرهان في علوم القرآن، مرجع سابق: 2/81.
(42) المرجع السابق: 2/81.
(43) رضا، محمد رشيد، تفسير المنار، مرجع سابق: 3/170.
(44) المقصود بالآية الأولى قوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ
رَبِّكَ).... والآية الثانية هي طلوع الشمس من المغرب لا المشرق. ومعنى
كلام الطبري أن الذي يحتاج الناس إليه هو معرفة متى تنفع التوبة، فقيل
لهم قبل طلوع الشمس من جهة الغرب. بينما هم لا يحتاجون إلى معرفة متى
سيحدث هذا الطلوع وفي أي سنة.
(45) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان، 3/108، آل عمران: 7.
(46) انظر: ابن عطية، المحرر الوجيز، 3/15، أبو السعود، إرشاد العقل
السليم، 1-218.
(47) الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، 7/194، آل عمران.
(48) رضا، محمد رشيد، المنار، 3/168.
(49) الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، 7/185.
(50) رضا، محمد رشي، المنار، 3/167-168.
(51) ابن عاشور، التحرير والتنوير، 3/160. وقارن بـ: ابن عطية. المحرر
الوجيز، مرجع سابق، 3/20-21.
(52) كابن عاشور في: التحرير والتنوير، 3/160. وانظر: ابن عطية. المحرر
الوجيز، 3/17. من المفيد للقارئ أن يرجع في موضوع المتشابه إلى: رأي ابن
عطية في المحرر الوجيز، 3/20 إلى 23، ورأي ابن تيمية في الفتاوى، 13/270
فما بعدها.
(53) لكن يبدو سقراط ـ أحياناً ـ بتلاعبه بالكلمات والألفاظ، وباحتمالاته
وردوده.. أكثر سفسطة من مخالفيه. ومن أمثلة هذا محاورة Protagoras.
(54) من الحوارات المعلـّقة:تييتوس، وإيون، وبروتاغوراس (Theetete, Ion,
Protagoras) أما محاورة بارميندس(Parmenide) فنموذج للقدرة على إثبات
الشيء ونقيضه، بالقوة نفسها والكفاءة العقلية ذاتها.
(55) توجد القصة نفسها ـ مع اختلاف يسير في الرواية ـ في عدد من المصادر
منها: الأصفهاني، حلية الأولياء، 6/354، خبر رقم 8900؛ اليحصبي. القاضي
عياض. ترتيب المدارك، 2/38-39.
(56) انظر تفصيل هذه الفكرة في مبحث (اللغة والوجود) الآتي.
(57) نقله الشعراني في: اليواقيت والجواهر، 2/166، والحديث المذكور رواه
الشيخان.
(58) تفسير المنار، مرجع سابق، 7-471، سورة الأنعام.
المصدر: الغيب والعقل، إلياس بلكا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي،
الولايات المتحدة الأمريكية، 2008م.
|
|
|