الحضارية «دراسات اسلامية»

الاثنين: 20/10/2008

 

نزع الغطاء الديني عن العنف(2/1)

الدكتور صلاح الجابري(*)
(خاص للمعهد)

لا يخص التطرف الدين وحده، وإنما يشمل قطاعات واسعة من الفكر، وفي مقدمها الفكر العلماني ذو الطابع الآيديولوجي. فقد تجد العديد من المنتمين إلى أيديولوجيات علمانية أشد تطرفا من الذين ينتمون إلى الأيديولوجيات الدينية. لكن السبب في تركيز الأضواء على الفكر الديني هو قوة وسائل الإعلام المرتبطة بالمؤسسات المناهضة للدين. ولو قمنا بإحصائية لعدد الأيدلوجيات التي كانت متطرفة ليس في فكرها فحسب، بل وفي استخدام العنف أيضا، لوجدنا أنها تزيد بكثير على التطرف الديني، فمن النازية، إلى الجيش الأحمر، إلى الجيش الأيرلندي السري، إلى المنظمات الإرهابية الأخرى التي برزت أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية(1)، إلى إرهاب الدولة المنظم الذي تمارسه الصهيونية على الفلسطينيين، وذلك الذي تستخدمه الدول ضد مواطنيها في العديد من بلدان العالم الثالث، نجد هناك سلسلة طويلة مليئة بالدموية والمأساوية من التطرف في الفكر والعنف والقمع مارسها الفكر اللاديني على الإنسانية. بل إن ضحايا الأيديولوجيتين الاشتراكية ـ الشيوعية، والرأسمالية بلغت، منذ ظهورهما على الأرض، أضعاف مضاعفة ما ارتكبته أشد الحركات الدينية تطرفا في العالم.
فقد استمرت الحرب العالمية الأولى 1565 يوما، وبلغ عدد الذين قتلوا فيها في ميادين الحرب أكثر من تسعة ملايين نفرا. وعدد الجرحى كان في حدود العشرين مليونا. وعدد المفقودين فيها أكثر من خمسة ملايين. وقد خمنوا مصاريف هذه الحرب بأربعمائة مليون دولارا، ووفقا لمحاسبة ((مؤسسة الأوقاف للسلام العالمي لدايل كارنيجي)) كان من الممكن أن يبنى بهذه المبالغ لكل أسر بريطانيا وأيرلندا واسكتلندا وأمريكا وروسيا وألمانيا وكندا وأستراليا وبلجيكا دورا محترمة مع تجهيزها بما يكفيها من أثاث المنزل!. وقبل أن تنسى مآسي الحرب الأولى كشَّرت الحرب العالمية الثانية عن أنيابها القبيحة وكشفت النقاب عن وجهها الكالح الموحش! وفي فترة قليلة لوَّثت العالم بنيرانها ودمائها. فَقَدَ العالم في هذه الحرب خمسا وثلاثين مليون قتيل، وعشرين مليون معوَّق، وأصيبت الأسر البشرية باثني عشر مليونا من سقط الجنين. وتهدَّم في هذه الحرب ثلاثة عشر مليون مدرسة ابتدائية وثانوية وستة آلاف مختبر علمي! وانفجر ثلاثمائة وتسعون مليارا من القذائف والقنابل في الفضاء! وفي سنة 1945 قصف الأمريكيون مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين بقنبلتين ذريتين صغيرتين، قُتل في هيروشيما وحدها سبعون ألف إنسان خلال دقائق معدودة وجرح سبعون ألفا آخرون. وفي مدينة ناكازاكي قتل أربعون ألف نفر وجرح بقدرهم. وكل واحدة من القنبلتين المذكورتين كانت تحتوي على 235 وحدة يورانيوم، و223 وحدة بلوتونيوم، و335 ألف من المواد شديدة التفجير TNT. هذا مع العلم بأن القنبلة الذرية العادية اليوم أقوى من القنبلة التي أسقطت على هيروشيما بخمسة آلاف مرة! والقنبلة الهيدروجينية أقوى من القنبلة الذرية بخمسة ملايين مرة! (وهذه التقديرات قديمة طبعا في حدود السبعينيات من القرن العشرين). وإن قنبلة ذرية واحدة عادية تكفي لتجعل مدن نيويورك وباريس ولندن وموسكو متساوية مع التراب(2).
وقد كتب أحد الأعضاء السابقين للجنة الجيش الأمريكي باسم ((نيومان)) يقول بشأن الحرب الآتية: لا تختص خسائر الحرب القادمة بالجنود المحاربين، بل لا تنتهي تلك الحرب إلا بانتهاء جميع الأمم والشعوب بضمنها النساء والأطفال، ذلك أن عقول علماء التكنولوجيا والفيزياء قد وضعت تكاليف الحروب عن كاهل الإنسان وفوضتها إلى الآلات الحربية والتراكيب والتشكيلات الفيزياوية، ولا تفرِّق هذه الأسلحة الحربية غير ذات الشعور بين الأفراد المحاربين وغيرهم.
وتقول النظرية الغربية الحديثة في الحرب بأن ميدان القتال ليس واحدا هو ذلك الذي يتقابل فيه الجنود وجها لوجه، بل إن هناك ميادين للقتال شملت المدن والقرى: ليست القوة الأصلية للعدو في جيوشه، بل في مدنه العامرة وأسواقه التجارية ومصانعه ومعامله. فإذا حصلت الحرب فلابد أن تُقصَف هذه الأماكن بالقوة الجوية وبالقنابل المتطورة الحاملة للمواد المتفجِّرة والغازات السامة والميكروبات المولِّدة للجراثيم(3). وهذا ما طبقته أميركا تماما في حرب الخليج الثانية مع العراق.
واستنادا إلى المسح الوطني لضحايا الجريمة الذي قام به قسم العدالة في الولايات المتحدة (1999)، فإن 37 من كل 1000 مواطن أمريكي كانوا ضحايا للجريمة العنفية في عام 1998. أي هناك قتيل واحد في كل 29 دقيقة، وحالة اغتصاب واحدة كل 5 دقائق، واعتداء هائج واحد كل 34 ثانية. ويقتل طفل واحد تحت سن الخامسة كل 15 ساعة (حسب تقارير القتل الإضافية للشرطة الفيدرالية، 1999). ومن الثمانينيات وحتى التسعينيات، تزايدت نسبة الجرائم والاعتداءات الهائجة المرتكبة من قبل الاحداث بنسبة 50%. وإذا كانت إحصائيات الولايات المتحدة ليست مخيفة كفاية، فإن إحصائيات الأمم المتحدة تشير إلى أنه في أقطار أخرى، مثل العراق، جامايكا، وروسيا الاتحادية، وكولومبيا، فإن معدلات الجريمة أعلى بنسبة ثلاث إلى تسع مرات من الولايات المتحدة. وإلى جانب كل واحدة من تلك الاحصائيتين تقع قصة مأساة إنسانية ومعاناة تمتد إلى ما بعد الضحايا أنفسهم، كما أنت نفسك تعرف لو أن أحد أعزائك كان ضحية(4).
ما هي البينة التي تشير إلى أن العنف والإرهاب، المرتكب من قبل الشباب بشكل خاص، يعد مشكلة اجتماعية كبرى؟ ما هو فرق الجنس الموجود في السلوك الارهابي؟ توجد القليل من الملاجئ الآمنة من العنف ومن العدوانيين، التي تأتي بكل الأشكال والأحجام. وضع كل من ديبرا بيبلر و ويندي كريج (Debra Pepler and Wendy Craig 1995) كامرات خفية وحاكيات على أرضية مدرسة في كندا وحصلوا على معدل فعل عنيف واحد كل سبع دقائق. وفي بحث أقيم في بريطانيا العظمى، توصل إلى أن ثلث طلاب المدرسة الثانوية مروا بحوادث عنف خلقت لديهم شعورا بالخوف وصعوبات تركيز في المدرسة، بالإضافة إلى، ضيق نفسي واسترجاع ذكريات عن الحوادث (Sharp, 1995). وقد أوحت دراسة مينيسوتا التي أجراها نك كريك ومورين بجبي Nicki Crick) and Maureen Bigbee 1998) بأن البنات أقل احتمالا لاستخدام العدوان المادي من الفتيان، لكنهن أكثر احتمالا لتوجيه (جروح المشاعر) من خلال العدوان العلائقي بنسبة ثلاث مرات تقريبا، الذي يشمل نشر الإشاعات السيئة، والإبتعاد عن المجموعات المناظرة، والانسحاب من الصداقات. وقد تصورا بأن العدوان العلائقي ربما أكثر ضررا من الناحية النفسية من العنف المادي.
أليس في كل ذلك مثالا واضحا على الإرهاب الدولي المنظَّم، على الرغم من أننا لم نذكر سوى لقطات بسيطة من مآسي الحروب وجرائمها المبتكرة!! أيقال بعد كل ذلك وغيره مما لم نذكره ولا نعرف بأسراره، إن الإسلام مصدر للإرهاب؟!
فضلا عن ذلك لم نجد أي نظرية تعالج مسألة امتهان الإنسانية واضطهادها ونجحت في ذلك في أي من الأيديولوجيات العلمانية التي برزت قديما وحديثا. بل نجد زيادة طرديّة في امتهان الإنسانية وتفاقم عذاباتها كلما ازدادت ثروات الرأسمالية واشتد التنافس الاقتصادي. وكان الفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل قد رأى من قبل أن المسابقات الشائعة اليوم في الإنتاج الاقتصادي هي أحد عوامل انعدام المجتمع البشري في المستقبل الآتي.
ومن بين أكثر الأديان تم تقرير الاتهام ضدها هو الدين الإسلامي والحركات المرتبطة به. وتقرير الاتهام يتبع قوة المتهم بكسر الهاء، وقدرته على توجيه الأذهان نحو تشديد ذلك التقرير، ولفت الأنظار إليه بشتى الوسائل من الإعلام المرئي والمسموع إلى الإعلام الإلكتروني الحديث. ليس لأن التطرف الإسلامي هو الأخطر، وإنما هو الذريعة الموصلة إلى تحقيق أهداف ومصالح استراتيجية هائلة لا يمكن للدول الاستعمارية الاستغناء عنها أو استبدالها. إن تميُّز التطرف أو الإرهاب الإسلامي في ذهن الغرب ليس وليد اللحظة، سواء كانت هذه اللحظة هي لحظة 11سبتمر أو لحظات الانتفاضة الفلسطينية، أو أي لحظة أخرى من لحظات زماننا الراهن، بل هي تمتد إلى اللحظة الأولى لبزوغ نور الإسلام على الأرض. من لحظة معارضة أبي لهب وأبي سفيان ويهود المدينة ونصارى دمشق والدولة البيزنطية امتدادا إلى مواقف كنائس روما، والعصور الوسطى، والمؤسسات الاستشراقية في العصر الحديث. حيث وصفت تلك المؤسسات، عبر تاريخها المتواتر، الإسلام بأنه دين حرب وأن محمد هو رجل حرب. وتمركزت الثقافة الأوربية فيما يتعلق بالإسلام حول هذه الصورة المرسومة عن الإسلام بشكل خاص وعن الشرق الذي ظهر فيه بشكل عام. هكذا تناست أوربا تاريخها الحربي والدموي لتصف الإسلام بأشد الأوصاف التصاقا بها، فلا ضحايا حروب الإسلام كانت أربي من ضحايا حروبهم، ولا تدميرها للثروات كان معادلا لتدمير قنابلهم وصواريخهم.
لكن هذه الصورة الواقعية عن علاقة الغرب بالإسلام لا تبرِّر لنا التطرُّف الذي نلحظه عند بعض المسلمين، أو لدى بعض الحركات الإسلامية. ولا تعفينا من معالجة الخلل المسبِّب لهذا التطرف، وتعيين الأسباب الحقيقية له ومعالجتها بروح موضوعية. ويجدر أن نلفت الانتباه إلى أنه لا يوجد في الواقع ما يسمى بالتطرُّف الإسلامي ولا الإرهاب الإسلامي، وإنما هناك تطرف عند بعض المسلمين أو بعض الحركات الإسلامية. فالقول بالتطرّف الإسلامي يستلزم في معناه تبرير له، أو الإيحاء بأنه جزء لا يتجزأ من المنظومة الفكرية والعقائدية للإسلام، لينتج عن ذلك أنّ كلَّ مسلم هو متطرف، وهو ما تتداوله الوسائل الإعلامية في الغرب وأمريكا تحديدا، بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذا مناف للواقع تماما، ويتعارض مع النصوص الأصولية المقررة للعقيدة الإسلامية. فضلا عن كونه اتهام عقائدي مثقل بأبعاده النفسية والعدوانية التي تعود إلى الأيام الأولى لكنيسة روما، وهذا ما يفقده موضوعيته. والذي يفسر لنا شراسة الموقف الأمريكي والغربي اليوم من الإسلام هو حضور تلك الفكرة في أذهانهم، والتي مثَّل حدث 11سبتمر التجربة الحاسمة التي أثبتت تلك الفكرة وعزَّزت ذلك الموقف المرسوم مسبقا.
الصورة الواقعية للإسلام
يتفق المسلمون على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم على أن الإسلام دين تسامح ومحبة وحكمة، هو دين ينبذ السلوك الإجرامي المنحرف، ذلك لأنه لا يحرِّم الاعتداء على الغير فحسب، وإنما حرَّم اعتداء الإنسان على ذاته بأي شكل من أشكال الاعتداء، فهو إذن حرَّم قتل النفس إلا بالحق، والمقصود هنا بالحق، هو الدفاع عن النفس أو عن العرض، أو عن المِلْكيَّة المشروعة، ولم يسمح قط بقتل النفس من أجل مصالح استراتيجية أو تكالبا على المادة أو غيرها من المصالح الذاتية أو الاجتماعية المرتبطة بدوافع غير مسوَّغة من منطلق منظومته القيمية. وفضلا عن ذلك منع الانتحار وربطه بالعمل الإجرامي. هو دين يؤمن بالعقل كما صرح القرآن الكريم: (..يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ…)(5). ويؤمن بحرية الرأي كما جاء في الكتاب الكريم (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ…)(6)، والمشاركة بالقرار السياسي (..وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ..)(7). يؤمن بالتسامح (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(8).
يقول سبحانه وتعالى (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)(9).
وقوله تعالى (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)(10).
وقوله تعالى (مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ)(11).
وقوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)(12).
وقوله تعالى (وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)(13).
وقوله تعالى (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)(14).
وقوله تعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ)(15).
في هذه الآيات هل نرى شيئاً من القمع أو ظِلالاً من العنف في مخاطبة الكافرين والمشركين وهم يتربّصون الفرص للانقضاض على رسول الله(ص)؟ لا نلمس شيئاً من هذا ولا ذاك.
وفي سيرة الرسول الكريم وأقواله نستطيع تلمس الكثير من الشواهد حول لينه وعفوه ورحمته اتجاه الآخرين...(ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة؟ العفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، والإحسان إلى من أساء إليك، واعطاء من حرمك)(16)
وقوله هذا تأكيد على التعايش مع الناس في ود ورحمة. لقد جسد رسول الله(ص) القدوة في العفو والرحمة، وكان المثال والنموذج في الرفق والرأفة والعطف، كما كان في سائر المحاسن الأخلاقية، فكان يعفو عن الناس ويأمر بالعفو، ويرحمهم ويأمر بالرحمة، وكان يقول(ص): (مروءتنا أهل البيت العفو عمّن ظلمنا واعطاء من حرمنا)(17).
ولم تكن تلك الرحمة تنطلق من الحب والبغض الشخصي في رحمته وعفوه للناس وإنما انطلاقاً من مبادئه، ومن قيم الرسالة التي كان يؤمن بها ويدعو إليها، فرحمته وعفوه كان في سبيل الله عز وجل.. وتحدثنا كتب التاريخ والسير عن ذلك فتقول: (ما ضرب النبي(ص) مملوكاً قط ولا غيره إلا في سبيل الله، ولا انتصر قط لنفسه إلا أن يقيم حداً من حدود الله)(18).
ويقول عنه أمير المؤمنين علي: (ما انتصر رسول الله لنفسه من مظلمة حتى تنتهك محارم الله فيكون حينئذ غضبه لله تبارك وتعالى)(19).
وفي يوم فتح مكة رغم العذاب والعنت الذي لاقاه وأصحابه من أهلها إلا أنه(ص) عفا عنهم.. وقد قال لأهلها: (ما تظنون إني فاعل بكم؟ قالوا أخ كريم وابن أخ كريم.. فقال(ص): أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو ارحم الراحمين.. فاذهبوا فانتم الطلقاء)(20).
وذات مرة كان رسول الله(ص) عائداً من غزوة ذات الرقاع فانسل رجل من الأعداء في غفلة من المسلمين حتى قام على رأس رسول الله(ص) بالسيف وقال: ما يمنعك مني؟ فقال(ص) وهو مطمئن (الله) فمالت قدم الرجل فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله(ص) وقال: والآن من يمنعك مني؟
فقال الرجل: كن خير آخذ، فخلّى النبي(ص) سبيله، فأتى الرجل أهله وقال: جئتكم من عند خير الناس(21).
ويؤمن الإسلام بالتفكير العقلي والمنطقي (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ…)(22)، ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ…)، (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ…)(24)، وقد أمتدح القرآن الكريم الاستدلال العقلي الذي مارسه إبراهيم عليه السلام، والذي انتقل فيه من المتغير والمفتقر والمتعلق، إلى الواجب والكامل والمطلق، أي الذي انتقل فيه من المعلول (العالم) إلى العلة الأولى والواجب المطلق (الله تعالى). وامتدح أصحاب الاستنباط العقلي وألوا العلم والحكمة وأولوا الألباب. وبالمقابل وبخ الذين لم ينتفعوا بعقولهم وملكاتهم الأخرى فقال عنهم (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا…) وعقب في نهاية الآية الشريفة نفسها بأن هؤلاء كالأنعام بل وأدنى من الأنعام، إذ قال: (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ…).
وقد صرح بهذا الدور البارز للعقل في الإسلام أوجست كونت رائد المدرسة الوضعية إذ يقول: (لم يصادر الإسلام العقل وإنما أعطى له قدرة على التحرر والتفكير والتبصر والقدرة على الإبداع الفني والجمالي والعمراني، ولا يمكن لدين أن يفعل هذا إلا إذا كان ديناً يستحق أن يُدرس بعمق)(25).
أما فيما يتعلق بعدالة الإسلام، فقد عبر عن ذلك أحد ابرز المؤرخين الغربيين وهو كلود كوهن (Claude Cahen): (طوال القرون الإسلامية الكلاسيكية لم يسجل إلا اضطهاد واحد ضد الذميين، هو الذي أمر به الفاطمي الحاكم. والذي كان له وقع عظيم في الشرق والغرب بسبب مفاجأته وهو تدمير ضريح السيد المسيح. لكن الأمر كان متعلق بخليفة موسوس قد لا يعزى قراره المبهم إلى تفكير طبيعي سليم ثم أنه هو نفسه نقض قراره في آخر حكمه، ورجع خلفاؤه، إلى نهاية الأسرة، إلى التقاليد السابقة المقامة على تسامح عريض جدا).
والحقيقة أن نص كوهن هذا لا يعبر عن عدالة الإسلام بشكل عام، وإنما كان يعبر عن وضع الذميين في ظل الإسلام، الذي لم يجد في ظلمهم معظم الخلفاء والأمراء مصلحة شخصية لهم، بل قد يعود بالضرر على أنفسهم، لأن هؤلاء الذميين ليسوا خصوما أو منافسين سياسيين لحكام البلاد الإسلامية، مقابل ذلك كان هناك ظلم عظيم وقع على غير الذميين من الطوائف الإسلامية الأخرى، وعلى الرغم من ذلك فإن هذا الظلم لا يعبر عن الموقف الواقعي للدين الإسلامي تجاه الاختلاف في الرأي أو الاجتهاد، وإنما يعبر عن موقف وسلوك الخلفاء والأمراء من مناوئيهم السياسيين الذين يهددون مصالحهم الخاصة، لاسيما في الحكم والملك.

الهوامش
ــــــــ
(*)
رئيس المنتدى الثقافي في الناصرية / معهد الأبحاث والتنمية الحضارية، أستاذ الفلسفة المساعد في جامعة ذي قار
.
(1) أنظر مادة terrorismفي: Encyclopedia Britannica نسخة مضغوطة على قرص مرن، 2001.
(2) اللاري، مجتبى الموسوي، الإسلام والحضارة الغربية، تعريب محمد هادي اليوسفي الغروي، مطبعة الهادي، قم، 1411هـ ق، ص67-68.
(3) عن المصدر نفسه، ص68.
(4) Passer.W, Smith E. Roland: Psychology, Frontiers and Application, Mcgraw Hill, New York, 2001,p.689.
(5) الجمعة، 2.
(6) العنكبوت، 46.
(7) الشورى، 38.
(8) آل عمران، 159.
(9) آل عمران، 20.
(10) المائدة، 92.
(11) المائدة، 99.
(12) النحل، 35.
(13) العنكبوت، 18.
(14) الكهف، 5.
(15) الغاشية، 21.
(16) المجلسي، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت،1404هـ، ج71، ص329.
(17) الحراني، الحسن بن شعبة، تحف العقول، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ص33.
(18) تنبيه الخواطر، ج2،ص26.
(19) الطبرسي، الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق، دار الشريف الرضي، ص22.
(20) الغزالي، إحياء علوم الدين، ج2، ص158.
(21) المصدر نفسه، ج2،335.
(22) آل عمران، 191.
(23) فصلت، 53.
(24) الغاشية، 17.
(25) يوسف، د. محمد، حرية الرأي في الإسلام، ص23.