الحضارية «دراسات اسلامية»

الثلاثاء: 07/10/2008

الدين في مرآة النهضة والعصر(2/2)

د. فهمي جدعان

القضية الثالثة تتمثــّل في غياب «السلطة المرجعية الدينية» في الإسلام السنـّي على وجه الخصوص إذ هو الأغلبي في العالم العربي. لا أثر لهذه المسألة في المذهب الشيعي إذ للمذهب مرجعيته الحاسمة. لكنـّها تجسّد اليوم في الإسلام السنـّي وضعاً خطيراً للغاية، إذ إنّ غياب هذه المرجعية أتاح لكل فريق بل لكل فرد أن يجتهد رأيه، وأن يستقل برأيه أو اجتهاده، نظراً وعملاً. وحديثاً يتعلـّل أيديولوجيو «الجماعات الإسلامية» الراديكالية بهذا المنطق نفسه، إذ يسمحون لأنفسهم بتفسير نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية وفقاً لاجتهاداتهم الخاصة. فيحللون ويحرّمون ويكفرون ويضللون، ويقسمون العالم إلى فسطاطين، ويعلنون الجهاد والمقاتلة على المجتمعات السلامية تارة وعلى حكـّامهم المسلمين تارة أخرى، وعلى النصارى تارة ثالثة، وعلى دول العالم العربي وسواه تارة أخرى، ولا يقابلون من يعترض عليهم في فهومهم إلا بالاحتقار والاستهانة والعداء. ليس هناك أيّة سلطة أو مرجعية دينية حاسمة تقفهم عند حدود معيّنة وتحول بينهم وبين الشطط والتجاوز والتطرّف، وتعريض الدين نفسه فضلاً عن أهله للخطر والتهلكة. وبذلك تبدو ثغرة الاختلاف والصراع والشقاق، التي تتولـّد من غياب مرجعية كابحة موحّدة جامعة، مصدر إشكال وصعوبة في طريق أداء الدين لدور إيجابي فاعل في النهضة نفسها. وبطبيعة الحال، لا يجوز لهذه الحال أن تستمر. إن تأسيس مرجعية دينية عليا شاملة و«معتبرة» لدين الإسلام هو بكل تأكيد أمر دقيق وخطير ومثير للتساؤل والإشكال، لكن التطوّرات «العلمية» تحتم مراجعة الأمر جديّاً، إذ لم يعد مقبولاً أن يوضع مصير دين الإسلام والمسلمين في أيدي قلـّة من الأفراد أو الفرق الهامشية «النشطة»، التي ترى رأيها الخاص في تـُنفِذه «عملياً» ثم تحمّل الإسلام وأهله نتائجه الكارثية.
القضية الرابعة تتصل بالبنية التكوينية البشرية للعالم العربي من جهة الانتماء الديني. فمعلوم أنّ في العالم العربي إلى جانب الأغلبية التي تدين بدين الإسلام، مواطنين غير مسلمين، وعلى وجه التحديد مسيحيين، وهؤلاء، برغم المكانة الجليلة التي احتلوها في التاريخ العربي الإسلامي، إلا أنـّهم عبّروا عن شكاوى كثيرة من سياسة الملل الدينية العثمانية في القرن التاسع عشر، واضطربت أمور كثيرة بسبب الأوضاع التي كانوا يشكون منها. والسودان ليس هو الحالة الوحيدة المعاصرة. ومعلوم أن قوى الهيمنة والتفريق تستطيع اليوم أيضاً أن تنفذ من أبواب الحساسية الدينية المتبادلة لكل تخلق الشقاق والاضطراب، وتعرقل الاندماج والاتحاد وبالتالي النهضة نفسها. ويكفي أن تستحضر بعض الخطب الدينية في المساجد أو بعض الأحاديث الدينية المناهضة للنصارى في الأقنية العربية وفي وسائل الإعلام المختلفة، أو بعض حالات الاعتداء الآثمة على دور العبادة المسيحية ـ وفاعلوها قد لا يكونون من المسلمين ـ لكي يتأجّج الصراع والشقاق وتضرب مسيرة التقدّم والنهضة. كما تصل إلى الأسماع دعاوى بعض المتطرّفين الآتية من الفضاءات الخارجية المندّدة بما يلاقي غير المسلمين من أذى وتمييز هنا أو هناك. ومعنى ذلك أنّ هاجس «الوحدة الوطنية» ينبغي أن يدخل في النسيج الاجتماعي للدين، وإلا فإنّ النكوص والارتداد سيكونان قدر النهضة.
القضية الخامسة: العام والخاص، ومشكلة العام والخاص هي أيضاً إحدى المشكلات التي يتعيّن توجيهها بحيث تخدم قضية النهضة ولا تكون سبباً في الحدّ من انطلاقها. والذي أقصده هنا ثلاثة مفاهيم أساسية هي مفاهيم الأمة والجماعة والشخص. فواقع الأمر هو أنّ الخطاب الديني الإسلامي الحديث قد قدّم مفهوم (الأمة) على كل مفهوم آخر، بحيث بدأ هذا المفهوم مبدأ «سحرياً» خارقاً وقادراً على فعل المعجزات، وعلى حلّ مشاكل المسلمين جميعاً. وفي الخطاب الديني الوعظي يصوّر هذا المفهوم بما هو «القوّة العظمى» المنقذة والحامية من كل المخاطر والشرور الخارجية. وتضاءل، لذلك، مفهوما الجماعة والشخص، لا بل إنّ هذا الأخير يبدو وكأنـّه قد تنازل عن ذاته وعن فعله الشخصي المبادر المشخص؛ ليتكئ على (الأمّة) التي تعدل في مخياله الفردي قوّة كونية لا قبل لأحد بالوقوف أمامها أو التصدّي لها، إذ هي تمثـّل الملايين من البشر ودولاً ومناطق واسعة من المعمورة. لم يدر المخيال الإسلامي أن مفهوم الأمة مفهوم روحي بالدرجة الأولى، وأنـّه في الرؤية القرآنية مبدأ للتعاون والتعاضد والتكافل وفعل الخير ونبذ الشر، وليس مبدأ يقوم مقام (الأسباب) وقوانين الفعل، فضلاً عن أنـّه قد تعذر تماماً «توظيفه» توظيفاً مادياً مشخصاً في القضايا الجوهرية للشعوب العربية والإسلامية في العصور الحديثة، وجمال الدين الأفغاني الذي دعا إلى الجامعة الإسلامية لم يتكلـّم على دولة إسلامية واحدة ذات كيان قانوني وسياسي موحّد. والمفهوم القرآني للأمة الواحدة هو مفهوم روحي وأخلاقي في المقام الأول. يتعيّن أن ندرك أنّ هذا المفهوم لا يمكن أن يتقدم على مفهومين ماديين مشخصين كمفهوم الجماعة ـ في المصطلح الديني ـ أو المجتمع في المصطلح الحديث، وكمفهوم الفرد أو الشخص. إذ على قوّة هذين العنصرين يقوم كل تغيّر أو تطوّر أو نهضة مادية مشخصة وملموسة. وفي إطار ديني إسلامي، يتعيّن إقامة علاقة جدلية مباشرة بين هذين المفهومين، بحيث لا يجوز المجتمع على الفرد مثلما كانت عليه الحال في النظم الاشتراكية الغالية، ولا يتجاوز الفرد على المجتمع مثلما هي الحال في النظم الليبرالية المسرفة. والفرد نفسه ـ الذي يحيل إلى مفهوم «الفردانية الذاتية» الانعزالي، ينبغي أن يعدل ليصبح (الشخص) الذي لا يقف عند حدود دنيا الإنسان وإنـّما ينفتح على الآخرين وعلى المجتمع بفعالية ومحبّة ونشدان للخير العام، في نطاق منظومة إنسانية هي الأقرب إلى روح الدين والأعظم أثراً في ازدهار شروط النهضة.
القضية السادسة: الرؤية الانفصالية؛ وهي تستحق قدراً أوسع من القول. فواقع الأمر أنّ تطوّراً ظاهرياً قد نجم في الفضاء الديني الإسلامي، وتمثـّل في تشكـّل نزعة متصلـّبة للدين يتبنـّى أصحابها عقيدة «المجابهة والانفصال»، أعني الانفصال عن المجتمع والعالم ومناصبتهما النفور والعداء والكراهية والمقابلة. ليست هذه النزعة جديدة، فقد عرف التاريخ المبكـّر للإسلام نزعات مماثلة، غير أنـّها تحمل سمات «الأيديولوجية المنظمة» الراديكالية، التي تناهض مجتمعات المسلمين نفسها فضلاً عن دولهم، كما أنـّها تضع الإسلام وعوالمه في حالة «صدام» عنيف مع العالم الخارجي، وفي الحالتين، يجد الدين نفسه وأهله في موضع الخطر والمحنة والتهلكة. والحقيقة أنّ الرؤية التقابلية الانفصالية هذه لا تنهض في وجه مسار النهضة والتقدّم في العالم العربي فحسب، وإنـّما تذهب أيضاً في الطريق المعاكس للتجربة التاريخية الإسلامية. إذ إنّ هذه قد تميّزت بانفتاحها وعالميتها وبقدرتها على استيعاب الاختلاف والتعدّد والتسامح والنسبية الثقافية، مثلما أنـّها آتت أكلها في عملية الدمج والاندماج لهويات مختلفة تحت سماء حضارة الإسلام. ومن ناحية أخرى، اتجهت هذه التجربة غداة اكتمال فترة التكوين إلى اختيار مبادئ التفاهم والسلم الاجتماعي. لا يشك أحد في أنّ هذه التجربة لم تكلـّل دوماً بالنجاح، وفي أنّ المواجهة والتقابل في حقل الفعل ظلا وسيلتين فاعلتين، لكنهما علمياً لم يكونا مقصودين لذاتيهما. كما لا يشك أحد في أنّ بعض تيارات الفكر السياسي الديني الإسلامي لم يتخل عن منهج الرؤية الانفصالية والتقابلية في حقل النظر والعمل كليهما. بيد أنّ ما أسميته أنا شخصياً في إحدى دراساتي بـ(التيار السلفي المتعالي) ـ وهو ما يسمّى في الإعلام المعاصر بالإسلام الأصولي وما يسميه أوليفييه روا «ما بعد الأصولية» ـ لا يعجز عن دفع هذا النمط من النظر بالقول إنّ «الوسيط الخارجي» ـ سواء أتمثـّل في الصحابة أم السلف أم التابعين وتابعيهم أم مجمل التجربة التاريخية الإسلامية ـ لا يعتد به، وإنّ اليقين يكمن في النص القرآني وفي الحديث فقط، وهما يوجهان إلى الرؤية الانفصالية والتعلـّق بهوية الأمة الذاتية الثابتة والجوهرية، وبمنهج المقاتلة الذي أعلى من شأنه وفق هذا التصوّر فقهاء وعلماء كبار يتقـدّمهم ابن تيمية.
يتعذر حسم الخلاف بالنقاش، لأنّ مبدأ «الاختيار» لا يستند أصلاً إلى مقدّمات عقلية برهانية صريحة ولا إلى نصوص محكمة غير حمّالة للوجوه، وإنما هو مبدأ قد أملته ظروف تاريخية صعبة شكـّلت أمام العقل الإسلامي المأزوم آفاقاً مسدودة هيّأت لهذا العقل أن لا يخترقها إلا بعملية قسرية عنيفة لا تأبه بالنتائج الكارثية المترتبة عليها. تلك هي حال منطق نزعة الانفصال والمجابهة والتقابل. غير أنّ هذه النزعة تجد نفسها، على الرغم من كل شيء، غريبة عن (التيار العام) في الإسلام، محاصرة في الداخل وفي الخارج، وعاجزة في نهاية المطاف عن إدراك نتائج طبية وغايات مجدية. وأخطر من ذلك كله أنه تغلـّب دنيا الفرد الذي ينتهج هذه السبيل طلباً لخيره الخاص الأخروي، على دنيا (الجماعة) التي تتعرّض للعدوان الشامل والاحتقار والمحاصرة والإبادة، فضلاً عن «تدنيس المقدّس الإسلامي» بأيدي «الأغيار». وتفجير مشاعر الكراهية والعداء لهذا (المقدّس). اليست هذه هي الثمار المحرّمة التي حملتها إلى العرب والإسلام الأيديولوجية الانفصالية التقابلية. فأتاحت بذلك السبيل لأصوليي الغرب أن يقوموا إنّ «الأصولية» ـ بما تتجسّد فيه من العنف والكراهية والإرهاب أصيلة كامنة في طبيعة دين الإسلام نفسه؟ أليس هذا ما يزعمه الاستشراق الجديد ممثلاً في برنالد لويس، وإرنست غلنر، وجوديث ميللر، وبسام طيبي، وفؤاد عجمي، ومارتن كريمر، ودانييل بايبس، وستيفن أمرسون، وباري روبن، فضلاً عن أسقف فيينا؟
ومن وجه ثان، وفي السياق الكوني الخارجي، تشير جميع القرائن إلى أنّ أيـّة صيغة نهضوية تخلي في طياتها مكاناً لرؤية تقابلية صدامية للدين لن يقدر لها أي قدر من النجوع، وأنـّها ستقابل باستجابة جذرية حاسمة وبسياسة إقصائية أو استئصالية قصوى. ذلك هو المحيط الخارجي للنهضة، أما الفضاء الداخلي فلن يأذن هو أيضاً ـ سواءٌ في أحواله السياسية والاجتماعية الراهنة أم في أحواله الإصلاحية المنتظرة ـ لمثل هذه الرؤية بأن تحظى بأي قدر من الشرعية ومن الحريّة. وأي دور للدين في أي مشروع قابل للنهضة مدعو لأن يؤسس على تصوّر عقلاني واقعي ذرائعي، أي ذي جدوى. وليس يتحقق ذلك إلا في إطار رؤية رحيمة شاملة للدين، رؤية تتمثل ثلــّة من القيم العليا الأساسية التي توفـّر للدين القيام بدور إيجابي في النهضة من وجه، وفي العلائق الطيّبة بالعالم الخارجي من وجه آخر. وليس ذلك من أجل نزع الصفات البغيضة المجحفة التي تشكـّلت مؤخراً في حق دين الإسلام فحسب، وإنـّما أيضاً من أجل ردّ الحق الأصلي إلى هذا الدين، في أنـّه دين إنساني مقاصده تحقيق المصالح العظمى للإنسان في نفسه ووجوده وعمله وحياته وأخلاقه، وتحقيق الخير لجملة الإنسانية، بالرضا والقبول والإقناع والمناقشة والحوار والتفاهم التوافقي، لا بالإكراه والقسر والتضييق والعنف. لذا كانت «المصالحة» مع المجتمعات الإسلامية شرطاً ضرورياً من أجل أن يكون للدين دور في أي مشروع للنهضة. ومثل هذه «المصالحة» ضرورية مع العالم الخارجي، الذي يطالبُ بدوره بالحوار والنقاش والشرح، وبأن يدرك أنّ دين الإسلام ليس ديناً معادياً للحضارة ولقيم الغرب العليا، إذ إنّ قيم العقلانية والحرية والمساواة والعدالة واحترام الشخص الإنساني، والتسامح وصون الحريّات الأساسية وحقوق الإنسان الأساسية، هي قيم كامنة في صلب هذا الدين وفي طبيعته الجوهرية، وأنّ ما بدا في التجربة التاريخية القديمة والمعاصرة من خيانة لهذه القيم وخروج عنها، إنـّما يرجع إلى اعتبارات تاريخية مشخصة وإلى مثالب البشر أنفسهم، لا إلى الدين نفسه. إنّ حقيقة الأمر هي أنّ هذه القيم كانت «أصولاً بذرية» كامنة في طيّات «النصوص»، لكن نظم الغلبة والملك العضوض والاستبداد غيّبتها وقمعتها إلى أن جاءت «الحداثة الغربية» لتحييها وتنميها وتعظـّم من شأنها أو لتفرضها.
لكن الدين ـ دين الإسلام ـ لم يعد خالصاً لفضائه الخاص الممتد في الجغرافية البشرية والسياسية القديمة. لا شك أنـّه كان دوماً ديناً عالمياً، بمعنى أنـّه يرمي إلى مخاطبة كل البشر وإلى نشر عقائده ورؤاه وقيمه خارج الفضاءات البشرية الخالصة له. بيد أنّ ذلك كلـّه قد كان في القروض الماضية محكوماً بحالة (الصراع) التاريخية التي حكمت في الغالب الأعم علاقات العرب والإسلام بالعام، وبوجه أخص بالغرب. ومن المؤكد أنّ القرون الأخيرة التي ارتبط الإسلام فيها بالدولة العثمانية لم تشهد من الجانب العربي والإسلامي اتصالاً بشرياً سلمياً نشطاً على الطريق الممتد من الإسلام إلى الغرب ـ إذ كان ذلك مرتبطاً بالقناصل والبعثات الرسمية والعلاقات العسكرية. أما على الطريق الممتد من الغرب إلى الإسلام فكان أوسع، وكان مرتبطاً على وجه الخصوص بالرحّالة الغربيين. بتعبير آخر كان ثمة «طوق عازل» يحول دون التواصل والاتصال البشريين بين الإسلام وبين الغرب. ولم يتم فتح أبواب في هذا الطوق من الجانب العربي والإسلامي إلا في القرن التاسع عشر، حين أقدمت بعض الأسر العربية ـ وبخاصة المسيحية ـ على (الهجرة) إلى العالم الجديد، وحين أقدمت فرنسا على احتلال الشمال الأفريقي وإنجلترا على احتلال مصر على وجه الخصوص. غير أنّ ذلك كلـّه لم ترافقه (هجرة دينية إسلامية) إلى الغرب، ولم يـُثـِر مشكلة يمكن أن يطلق عليها اسم (مشكلة المهاجرين) أو (المشكلة الإسلامية). فهذا لم يحدث إلا في النصف الثاني، بل في الثلث الأخير من القرن العشرين، ولم تتفاقم مخاطره في عين الغرب إلا بعد الثورة الإسلامية الإيرانية، وبشكل أكثر حسماً وحدّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001م، وما صاحب ذلك من شعور باستفحال الخطر والتهديد الآتيين، في المخيال الجمعي والسياسي الغربي، من هذه التطوّرات التي اعتورت الحركات الدينية ـ السياسية الإسلامية المتصلـّبة، التي صمّمت استراتيجيتها مع الغرب وفقاً لقواعد الصراع والجهاد والقتال، وأنفذت هذه الاستراتيجية بـ «ضربات» عدّة عنيفة جسّدت وجهاً لما نعت بـ«الإرهاب الإسلامي».
ليس هنا موضع التفاصيل في هذه المسائل ومتعلـّقاتها. إذ إنّ الذي يهمني من ذلك كلـّه، في أمر دين الإسلام والعصر الراهن، هو أنّ أنوّه بأمرين:
الأول: أنّ دين الإسلام في علاقته بالعالم المعاصر قد دخل ـ أو اُدخل ـ في منطقة التقابل أو المواجهة المستحيلة.
الثاني: أنّ دين الإسلام قد خرج من حدوده الجغرافية البشرية القديمة وعبرَ فضاءات الغرب واستقرّ فيها، لا بصورة فتح أو غزو أو اعتناق واسع لهذا الدين من قبل الغربيين، وإنـّما بصورة أمواج بشرية ذهبت طوعاً لتبحث عن العمل أو عن شروط حياة أفضل غير متوافرة في المواطن الإسلامية الأصلية. بهذا الاعتبار تكلـّمت جوسلين سيزاري، وكذلك فعل أيضاً أوليفييه روا عمّا سمي (الإسلام المعولم).
ومثلما اتسمت أحوال دين الإسلام في مواطنه الأصلية ـ وبخاصة العربية ـ وفي علاقته بنهضة هذه الواطن بأنها «حرجة»، فإنّ علاقة دين الإسلام بالعالم المعاصر وبفضاءات ما وراء حدوده الأصلية هي أيضاً علاقة «حرجة».
من الوجه الأول لا يشك أحد في أن تطوّراً حقيقياً قد لحق بطبيعة التصوّرات والمواقف المتبادلة بين الإسلام من ناحية وبين الغرب من ناحية ثانية. والتطوّر المركزي الخطير الذي نجم هو أنّ (دين الإسلام) قد بدا في حالة تقابل حاد ومواجهة عنيفة قبالة الغرب وحضارته. أو هكذا على الأقل تمثله الغرب الأمريكي بقدر عظيم والغرب الأوروبي بقدر أقل. لكن هذا التطوّر نفسه قد كان نتيجة تطوّر آخر نجم في أعطاف الإسلام وأحشائه. وهو أنّ تجاوزاً صريحاً قد حدث للإسلام التاريخي، الإسلام الحضاري، إسلام «التيار الأغلبي»، إذ أمكن للجماعات، التي نعتت بالأصولية أو الراديكالية، أن تستأثر بالإسلام وأن تستولي عليه ـ وفقاً لتعبير بعضهم ـ وتجعل من نفسها، بغلبة الفعل النشط والقوّة، الناطق المسموع باسمه المحتكر لسلطته! وقد أضفت سياسات وأفعال هذا (الإسلام السياسي الراديكالي) الذي تنطق به هذه الحركات، صدقية قويّة على أطروحة (صراعات الحضارات) والخطر الإسلامي. ومن الطبيعي والحال على هذا النحو، أن تكون الصيغة المتولـّدة هي صيغة (المجابهة) و(التقابل). لكن كل ذي عقل يعلم أنّ هذا التقابل مستحيل! وأنـّه يتعذر تماماً إلحاق الهزيمة بالغرب والحضارة الغربية لألف سبب وسبب. وليس يخفى أن الزج بدين الإسلام في مغامرة قتالية يائسة لا يمكن أن يحمل أي خير للإسلام، فضلاً عن أنّ الإسلام الأغلبي نفسه ـ بأبنائه ودوله وأممه لا يريد ذلك. يقول أهل المواقف القصوى وأصحاب الفسطاطين المتقابلين إنهم يطلبون «الشهادة» وإنـّهم يفعلون ما يفعلون لمرضاة الله ولحسن الثواب. لكن ما هو نصيب (جماعة المسلمين) وبالتعبير الإسلامي: الأمّة والسواء الأعظم منها وما أسميناه بـ(التيار الأغلبي)، من ذلك كلـّه؟ وما هو نصيبه في (دار الإسلام) نفسها؟ وما هو نصيبهم في (دار الأغيار) أيضاً؟ لقد أجابت وقائع السنوات الأخيرة المشخصة عن ذلك كلـّه ببلاغة وبيان تامّين. لكن أحداّ لم يتنبه إلى أنّ الذين ينكرون موقف (المجابهة القصوى) ويموتون أو يستشهدون من أجل المعنى الرمزي للفعل لا من أجل نتائجه، من أن موقفهم هو موقف صوفي لا موقف سياسي، وفضلاً عن ذلك فإنه موقف يقدّم مصلحة الفرد الشخصية على مصلحة الجماعة والأمة! أي إنـّه يقدّم الخير الخاص على الخير العام.. وذلك موقف مناقض تمام المناقضة لمنطوق دين الإسلام ولروحه أيضاً. وموقف (المجابهة القصوى) يولد أيضاً شبهات خطيرة ودعاوى جسيمة في حق الإسلام نفسه، ويسمح لبعض الأصوليين في الغرب بأن يحولوا المجابهة السياسية إلى مجابهة دينية بل لاهوتية، إذ يقول أحدهم ـ جون اُشكروفت والكل يعرفه ـ: «الإسلام دين يفرض الله فيه عليك أن تبعث إبنك ليموت من أجله! والمسيحية إيمان يرسل الله فيه ابنه ليموت من أجلك»!. الكلمة بليغة جداً ويتعيّن على دعاة (المجابهة القصوى) أن يدقـّقوا في دلالاتها الفلسفية واللاهوتية، وألا ينظروا إليها فقط من باب التحقير والتشهير.
من الوجه الثاني نقول إنّ دين الإسلام قد عبر حدود (الأغيار) ـ وبخاصة الغرب الأوروبي والغرب الأمريكي ـ وأصبح إسلاما مُعولماً. وفي بعض بلدان أوروبا الكبرى، أمكن اعتباره الدين الثاني بعد المسيحية الكاثوليكية. بالطبع يمكن لنا أن ننظر في أحواله وأحوال أهله غداة أحداث سبتمبر، وقد قيل في ذلك الشيء الكثير. لكن ليس هذا هو ما أريد أن أقف عليه هنا والآن. وما يهمني أخطر من ذلك وهو ما ينهض في وجه دين الإسلام من مشكلات حقيقية تحكم تطوّره ومصيره في العالم المعاصر، في فضاءات الغرب من جهة، وفي الفضاءات التي تطالها (العولمة) وتجريب فيها بعض أحكامها، وتضع دين الإسلام نفسه في أحوال «حرجة».
ينهض في وجه دين الإسلام أولاً، في فضاءات العصر، صورة له تتمثـّله ديناً غير إنساني، ديناً بربرياً ينطق كتابه المقـدّس بآيات الكراهية والعنف والعدوان، وتفصح عوالمه عن انتهاكات صريحة لحقوق الإنسان. ومع أنّ (اللجنة الدولية لحقوق الإنسان) في جنيف قد عبرت عن قلقها لاستمرار ربط الإسلام بهذه الظواهر، ودعت إلى حوار عالمي من أجل ثقافة السلام والتسامح واحترام حقوق الإنسان والتنوّع الديني، وبرغم الدعوات العديدة في المؤتمرات الرسمية والدولية إلى عدم ربط دين الإسلام بالإرهاب، إلا أنّ الصورة مستمرة، وستظل كذلك إلى حين، ولن يعدل منها في جميع الأحوال إلا تعديل ظاهر في «السلوك الإسلامي»، وتنكـّب غربي عن النظرة «العنصرية» والعدوانية، وعن جنوح الهيمنة في مقاربته لتفسير الدين الإسلامي.
وينهض في وجه دين الإسلام ثانياً، جملة القيم المدنية الحديثة التي تسهم (العولمة) اليوم في سرعة انتشارها وفرضها، كما تجعل (الديموقراطية المناضلة) ـ ديمقراطية ليوستروس والمحافظين الجدد ـ منها مطالب يتعيّن على جميع الدول والمجتمعات الأخذ بها وتطبيقها. بعض هذه القيم يخص (مسلمي الهجرة) وبعضها يخص المسلمين في أوطانهم الأصلية. وقد مرّ القول إنّ التصلـّب في الرؤى المتعلـّقة بقيم الحداثة ليس تصلـّباً آتياً من طبيعة (النصوص) التي يحتمل الثابت منها الاجتهاد أو التأويل، وإنـّما هو آت من العقليات التي تتمثـّل هذه النصوص في حدود شروطها الذاتية أو الموضوعية أو التاريخية، فيند كثير من فهومها عن معاني الحداثة. ولا أظنني في حاجة لأن أقدّم الدليل على أنّ قيم العدالة الحريّة والمساواة والكرامة والشخص الإنساني والعقلانية والعلم هي قيم تجد ما يؤسسها وينهض لتعزيزها في هذه النصوص. والإشكالات التي تثور في شأن هذه القيم لا تثور في حدود الثقافة العربية الإسلامية وحدها، وإنما في حدود الثقافة الغربية نفسها أيضاً. وجميع هذه القيم، هنا وهناك، خاضعة للتداول والنقاش والمراجعة. وفي الإسلام الحديث، لا يعاند هذه القيم إلا القطاع «الاتباعي» المتشدّد من التيار الإحيائي. وأنا لا أعتقد أن استمرار مثل هذا الاتجاه الأولي هو أمر خارق للعقل أو لمعطيات سوسيولوجيا الأفكار والثقافة.
وينهض في وجه دين الإسلام ثالثاً انتشار المذهب (النسبي) في جميع القطاعات الثقافية والإنسانية المعاصرة. وظاهرة (النسبية) تمثـّل خروجاً صريحاً على فلسفة الحداثة التقليدية المؤسسة على مفهوم العقلانية الموضوعية. وهي سمة من سمات (ما بعد الحداثة)، ومظهر من مظاهر الاحتجاج على العقلانية الدجماطية أو الوثوقية. والنسبية تعني في حقيقتها استواء الحقيقة والمذاهب والمبادئ والعقائد، وأنّ أياً من المؤمنين ببعض هذه الأمور لا يحق له أن يستقل بالحقيقة ويضلل المؤمنين بغيرها. بتعبير آخر، النسبية تعني عملياً تعديل أحكامنا على الآخرين المخالفين لنا في الرأي أو العقيدة أو المذهب، والتسليم بأنّ من حقهم أن يعتقدوا ما يشاؤون، وأنـّه ليس من حقنا أن ننكر عليهم ذلك حتـّى لو كنـّا نعتقد أنـّهم في ضلال مبين. بذلك تبدو التعددية الدينية أو المذهبية أو الثقافية نتيجة طبيعية للنسبية، ويبدو نجوم عشرات الديانات «الطبيعية»، والعقائد والمذاهب أمراً طبيعياً، ويتعيّن على كل واحد أن يقبل باختلاف الآخرين في معتقداتهم الخاصة، وأن لا يكون ذلك مبدأ للانفصام أو للصراع الاجتماعي المحلي والكوني. النسبية تعني حق التعدد والاختلاف، ولا تعني أنّ عقائد الآخرين المضادة أو المناقضة لعقيدتي تملك اليقين المطلق نفسه الذي أملكه أنا بشأن يقيني الاعتقادي. هذا أمر جديد بالنسبة للمؤمن بدين الإسلام، الذي ألف منهج البغدادي في (تضليل) المخالفين، أو منهج الغزالي في (تكفير) أو (تبديع) القائلين بهذه القضية الفلسفية أو تلك من القضايا الخلافية، أو المنهج السلفي التقليدي في إنكار وشجب أو تكفير الخارجين عن (منهج السلف). لا يحس المسلم في ديار الإسلام إحساساً حاداً بمشكل النسبية، لكن المسلم في ديار الهجرة، أعني في الغرب، يحياه في جميع مناشطه اليومية، أي في الفضاء الثقافي الاجتماعي العام الذي يتحرّك فيه. وإذا لم يفهم الآية لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ على ظاهرها بقبول ورضى، فإنه لا شك واقع في (صعوبة) حقيقية.
وينهض في وجه دين الإسلام رابعاً ـ وذلك حاله في الفضاء العولمي الغربي على وجه الخصوص ـ تحول الاعتقاد الديني من المجال الثقافي الاجتماعي إلى المجال التديّني الفردي أو الشخصي. بتعبير آخر إنّ «فردنة» أو شخصنة الدين أي ارتداده إلى الذات أو الشخص ـ هي التطوّر الذي لحق بالدين في ذلك الفضاء، وذلك أنه أقلـّي في هذا الفضاء، لا يستطيع أن يعبّر عن نفسه اجتماعياً وقانونياً وسياسياً، طالما أن المجتمعات التي دخل إليها هي مجتمعات تحكمها أنظمة اجتماعية وسياسية وعقائد مباينة أو مخالفة. ويترتـّب على ذلك الارتداد إلى جماعات ثقافية أقليّة يمارس الدين في أطرها ممارسة دينية فحسب، أو أن يحيا المؤمن إيمانه في إطار (ذاتية مطلقة وشخصية صريحة ليست هي ما يميّز المؤمن بدين الإسلام في المجتمعات التي يشخص فيها دين الإسلام، بما هو دين الدولة أو المجتمع، أو بما هو مقوّم أساسي من مقوّمات الثقافة. نحن إذن هنا بإزاء تحوّل صريح من الدين، بما هو أساس اجتماعي (عام)، إلى الدين بما هو (تديّن) فردي أو شخصي خاص.
وينهض في وجه دين الإسلام أخيراً في فضاء العصر العولمي، ما أطلق عليه بعض الكتـّاب الإسلاميين التعبير: (تفكيك الإسلام). والمقصود إحداث «خروق اجتهادية» في منظومة الإسلام العقيدية والفقهية، بالإقدام على تبني رؤى أو مواقف أو ممارسات غير مألوفة أو غير مقبولة أو منكرة، قياساً على ما جرت عليه الفهوم السائدة أو التجربة التاريخية الإسلامية، في نطاقها «السنـّي» على وجه التحديد.
ويمكن التمثيل على ذلك بالمواقف المجموعات الإسلامي في بلدان (الهجرة) التي تجنح إلى «التساهل» في أمر الأشكال التعبيرية أو الاجتهادات الفقهية التاريخية المستقرّة، أو التي تبدو محل «إجماع» عام.. ولعل من الأمثلة التي نجمت مؤخراً حالة (إمامة المرأة للصلاة) التي جسّدتها في الولايات المتحدة أمينة عبد الودود وأثارت جدلاً وشجباً واسعين من قبل العلماء والكتـّاب المسلمين، إذ اعتبرها بعضهم «بدعة» منكرة، ورأى فيها بعضهم «تفكيكاً» للإسلام، أو أنها تجسّد صورة منافية للإسلام ليست في نهاية الأمر إلا «إسلاماً أمريكياً». لن تكون هذه الحالة آخر حالات «اختراق» الفهوم الإسلامية التقليدية في الغرب، لأنّ المسلمين في الغرب سيظلون دوماً خاضعين لضغط متطلبات العالم الذي يعيشون فيه والقيم التي تحرّك مجتمعاتهم. وحالة أمينة عبد الودود ليست إلا استجابة لمطالب قيمة (المساواة) في المجتمع الغربي الحديث.

المصدر: كتاب«تحديات التاريخ والمستقبل»، مؤسسة عبد الحميد شومان/عمان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت.