الحضارية «دراسات اسلامية»

الاثنين: 06/10/2008

الدين في مرآة النهضة والعصر(2/1)

د. فهمي جدعان

يتعين عليّ أولاً، لكي يكون لقولي معنى، أن أفارق ثلاثة فهوم جوهرية تجد لها اليوم في مواطن مختلفة من البيئات الثقافية أذناً صاغية وقبولاً سهلاً تسوغه وقائع زمنية عارضة. الفهم الأول يطال الدين نفسه، إذ بات يعتقد أن الدين قد أصبح شيئاً من الماضي، وأن العلمانية والليبرالية قد نجحتا في تحويله إلى موقف «فرداني» قد «قطع» مع الثقافة الاجتماعية العامة ـ أو أنها هي قد «قطعت» معه ـ وأن إخفاق ما أطلق عليه الإسلاميون (فكر الصحوة) وما نعته الآخرون بـ(الأصولية) أو (الإسلام السياسي) أو (ما بعد الأصولية)، قد عجّل بعملية التحويل هذه من (المجتمعي) إلى (الفرداني). الفهم الثاني يطال مفهوم النهضة ـ أعني النهضة العربية ـ إذ بات كثيرون يرون أن هذه النهضة، التي انخرط فيها مفكرو القرن التاسع عشر، وجرى عليها بدون ككل ـ أو ظل مسكوناً بهواجسها ـ مفكرو (المشاريع النهضوية) في القرن العشرين إلى أيامنا، ليست في حقيقة الأمر إلا (إيديولوجيا) إيهامية أو طوباوية لا حقيقة واقعية لها. وبالطبع فإن إخفاق (الوهم ـ الحلم) هو، هنا أيضاً، المسوغ الأساسي في نقد المفهوم أو إقصائه. الفهم الثالث يطال مفهوم (الهوية). إذ يذهب نفر من مفكرينا اليوم، وغداة ما يسمى أفول الدولة ـ الأمة أو الدولة الوطنية، وغداة انتشار ظاهرة العولمة واشتدادها، إلى القول بـ«وهم الهوية»، وإلى تكرار مقولة فرنسوا بايار إنه ليس ثمة هوية وإنما ثمة «إستراتيجيات في الهوية».
القول الذي سألقيه على مسامعكم هذا المساء ينهض في وجه هذه الفهوم الثلاثة جميعاً، ولا يستقيم إلا بذلك. وهو، بكل تأكيد، لا يتسع لمناقشة هذه الفهوم وردها بتعليل مفصل، ويكتفي من ذلك، على سبيل الملاحظة حيناً أو تقرير واقع مشخص حيناً آخر أو الاعتقاد حيناً ثالثاً، بالزعم أن ما تم التعبير عنه بالعبارة أو العنوان: «إخفاق الإسلام السياسي»، وفق استخدام أوليفييه روا، ليس، بكل تأكيد، مكافئاً للقول إن الدين أو «التدين» قد انحسر من الحياة الفردية والاجتماعية العربية، وإن الظاهرة الدينية على مستوى الكوكب، لم تتضاءل أهمية مكانة وانتشاراً وتأثيراً، وإن المذاهب الوضعية والعلمية أو العلموية! ـ والليبرالية والعلمانية لن تبدد «التدين»، ولم تجرد الدين من دور فاعل حقيقي في الحياة الأخلاقية والاجتماعية والقانونية والسياسية. وإذ أرسلنا البصر بعيداً، لا يشكك أحد اليوم في مكانة (الدين) في الحياة الشاملة للمجتمع الأمريكي ـ تشير بعض البحوث إلى أن واحداً من كل أميركيين اثنين يؤدي الصلاة في الكنيسة أسبوعياً ـ وكل القرائن تدل على المعتقدات الدينية لرجال الدولة والسياسة في الولايات المتحدة تفرض أحكامها، وأن «البروتستانية المناضلة» تتعاظم. أما في الفضاءات العربية، فيشير الواقع إلى أن التيار الأغلبي The Main Stream يعزز هذه المكانة للدين، ويتعلق به في الحياة الأخلاقية والاجتماعية على الأقل. من وجه آخر يتعين القول إن مفهوم النهضة ـ وإن كان مفهوماً إيديولوجياً إذ يجري على ألسنة مفكري (المشاريع النهضوية) وأقلامهم ـ إلا أن النهضة في ذاتها ليست يوطوبيا أو خيالاً من الخيالات، وإنما هي، على الرغم من كل شيء، وقل كل شيء، «مطلب حيوي» مرتبط بحياة العرب وغائيتهم في الوجود، مثلما أنه مرتبط بمفهوم (الهوية). لاشك أننا لسنا على مسافة واحدة من (النهضة العربية) بما هي أفق افتراضي شامل يطال بشكل مشخص جملة الأقطار العربية، لكن ذلك لا يعني إلا شيئاً واحداً هو أن الصورة الأولى ـ أعني النهضة بما هي أفق شامل ـ مطلب مستبد بالمخيال العربي، وأنا حين نستخدم التعبير (النهضة العربية) إنما نستخدمه لا بما هو تعبير عن ماهية مطلقة وواقع شامل متحقق، وإنما بما هو «رسوم الشيء» ـ بالمعنى المنطقي للتعريف ـ أي أن (النهضة العربية) هي في التحليل النهائي مجموع «النهضات» الخاصة بكل فضاء قطري أو إقليمي عربي، إذ تلك وحدها هي التي نستطيع أن نتكلم عليها ونخوضَ فيها ـ على وجه الحقيقة لا الوهم ـ في الظروف المعطاة الشاخصة أو المنظورة من حياة المجتمعات العربية ودولها «الوطنية».ومن وجه ثالث، يتعين علينا ألا نتمثل (الهوية) بما هي (ماهية) ثابتة مستقرة أبدية ـ إذ هذا الفهم هو الذي يدفع مفكري (الهوية) إلى إنكارها وإلى اعتبارها مجرد «وهم» ـ فالحقيقة أن (الهوية) ليست في نهاية التحليل إلا تشكلاً وجودياً حيوياً يتراكب فيه التاريخي والاجتماعي والنفسي والقانوني والزمان والمكان، ويظل قابلاً لتشكلات متجددة على الدوام تتحدد دلالتها الأساسية في أنها تأذن بقدر عال من المماثلة النسبية، ومن «التعاطف» والحس العام والقصد أو المعنى المشترك.
ما سأشرع في قوله الآن يصدر إذن على هذه الرؤى، ويقارب مسألة الدين ـ دين الإسلام على وجه التحديد ـ أي هو الذي يقع هنا في قلب «الإشكال» ـ من باب الاعتقاد أن لهذا الدين، في معطياته الراهنة، علاقات مشخصة، إيجابية أو سلبية، بمشكل النهضة، وأنه في وجوده وحراكه ومصيره، قد بات في حالة اشتباك وتداخل معقدة دقيقة مع تيار العصر وظواهره الحاكمة، إذ يتعذر تماماً الكلام على موقع الدين من النهضة دون الكلام على موقع الدين من العصر أو العصر من الدين.
والحقيقة أن (النهضة العربية) تشخص منذ مطالع ما نعت بـ (العصر الليبرالي)، وخلال عهود الاستقلال وتشكلات الدولة الوطنية العربية المعاصرة إلى أيامنا هذه، بما هي هاجس يستحوذ على الوعي الخاص والجمعي العربي، وبما هي تطلع متوتر مستمر ينشد الخروج من الأحوال النكدة التي تحاصر عوالم العرب الذاتية، وهي أحوال تتفاقم أعراضها ومخاطرها ومتعلقاتها منذ العقد الأخير من القرن الماضي على وجه الخصوص، وتتخذ منذ مطلع القرن الحالي مشكلاً كارثياً، إذ يبدو فيها الدين ـ دين الإسلام على وجه التحديد ـ في حالة «أزمة» في وعينا وواقعنا، ومنبع توجس وخطر في الوعي الخارجي والكوني.
كان الدين في التجربة التاريخية العربية مبدأ لخروج العرب من أفق القبيلة، والتنابذ، ومن حال تشبه «حالة الطبيعة»، إلى أفق الإنسانية والعالمية والحضارية. ولم يَفـُت في عضد هذه الرسالة ويخرجْها عن مسار الرحمة والقوة والاجتماع، إلا تحولـُها من نظام النبوة والخلافة الرحيم إلى ما وصفته بعض أحاديث الفتن بـ (الملك العضوض)، وهو ملك قائم على الغلبة والجبروت والاستبداد، متعلقٌ بغائية دنيوية تطلب المنفعة والسلطة والخير الخاص، مسوّغ على نحو ما لما زعمه بعض الناظرين من دعوى القول إن «الرسالة» النبوية قد أخفقت، ولما أكدته ـ خلافاً لذلك ـ جمهرة المؤمنين التي ذهبت إلى أن خللاً قد حدث، وإن إصلاحه ممكن، إما بالعودة إلى (السلف) وإما بـ (التجديد) وإما بطرق أخرى. والذي غلب على النظر هو ما اختاره ابن خلدون، في تعليله لأفول العمران الإسلامي، ومن القول إن إزاحة الدين من الفضاء العام هي أحد الأسباب المؤذنة بفساد هذا العمران وانحلاله، وهو قول أكثرُ واقعية من زعم أولئك القدماء والمحدثين، الذين يجعلون هذه الإزاحة السبب الوحيد في هذا الأفول، أو مِنْ دَعْم بعض المحدثين الذين يرون أنه علة البلاء، وأن الخلاص يأتي من هذه الإزاحة أو «العزل».
لم يتخل مفكرو النهضة العربية ـ مفكرو العصر الليبرالي ـ عن الدور الأساسي للتمدن الإسلامي في مشروع التقدم والترقي. فمنذ رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي إلى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ظل (الدين) عاملاً أساسياً في مركب النهضة. وكان هذا ذا جناحين: التمدن الإسلامي من ناحية ـ وهو عندهم تمدن معنوي أساسه قيم أخلاقية وروحية وإنسانية ـ والتمدن الغربي من ناحية ثانية ـ وهو تمدن مادي أساسه ما أسماه رفاعة الطهطاوي (المنافع العمومية)، وما أضافه خير الدين التونسي إلى هذه (المنافع) من (تنظيمات) قائمة على العدل والحرية والعلم. أما الأفغاني فشدد على الدور الروحي والتربوي والأخلاقي للدين، وربط بينه وبين غائية (السعادة) ربطاً عضوياً.
بيد أن نهايات القرن التاسع عشر شهدت تياراً متعاظماً، يدعو ممثلوه إلى تقديم الإيمان (الوطني) أو (المدني) في الشأن العام، ويصرح بعضهم بأن قيام الدولة على أساس ديني يعزز أسباب النفور والصراع والتفكك، لا أسباب الاتحاد والوئام والاتفاق، وأنه يتعين لذلك توجيه الدين إلى فضاء الحياة الأخلاقية والاجتماعية والشخصية، وبناء الحياة العامة وحياة الدولة ونظمها وقوانينها، وفق مبدأ (استقلال العقل الإنساني) عن أية سلطة خارجة عن سلطته، أي أن يكون (العقل) هو مبدأ السلطة السياسية ونظم الدولة. وجدت هذه القضية تمثلاً قوياً لدى المفكرين العرب المسيحيين أولاً، ثم دافع عنها بعض المفكرين المسلمين، من أمثال عبد الحميد الزهراوي وعلي عبد الرزاق الذي جاء كتابه (الإسلام وأصول الحكم)،غداة إقدام كمال أتاتورك على إلغاء الخلافة في العام 1924م بعد أن كان فصلها عن السلطنة قبل ذلك بعامين.
لم تنقض إلا سنوات قليلة بعد أن تعلن الأطروحة ـ النقيض لمذهب الاستقلال التام للعقل الإنساني ـ أي مذهب العلمنة ـ عن نفسها في صورة حركة دينية سياسية إحيائية عبر عنها أولاً ـ مستلهماً طريق محمد عبده ـ محمد رشيد رضا، ثم جذرها حسن البنا وتلامذته في (جماعة الإخوان المسلمين). تعلقت هذه الأطروحة بالدعوة إلى دولة إسلامية تستند إلى مبدأ الهوية الذاتية الإسلامية، وبشعار جذري مصمم من ثلاث كلمات: تطبيق الشريعة الإسلامية. وقد أصبح هذه المركب تقليداً تأخذ به بعد ذلك جملة الحركات الدينية السياسية المعاصرة، أو ما يسمى (الإحيائية الإسلامية) بأشكالها الثلاثة الكبرى: الإحيائية الأصولية المتصلبة، والإحيائية السلفية التقليدية، والإحيائية المعتدلة.
مع هذا التطور في الفكر الديني، لم يعد الدين ذا وظيفة قيمية وروحية فحسب، وإنما أيضاً ذا وظيفة عملية «نضالية» صدامية، جهادية. لم تعد غائيته الأساسية تكمن في «إصلاح» الفرد والمجتمع في أخلاقهما ومناشطهما الروحية، أو في اتخاذ موقف من الوجود والعالم والنهايات، أو أن يكون مصدراً للسعادة أو للعزاء أو التحدي الروحي بإزاء قسوة النظام البشرية، وإنما أصبحت غائيته المركزية تكمن في (الصراع) من أجل مبدأ «خلاصي»، تجسده دولة تحتكم إلى مطلق الدين وتقف من (الأغيار) موقف «التقابل» الذي يصل إلى أقصى الحدود.
جاء هذا التطور الجسيم في الفترة نفسها التي راح فيها المستشرق برنالد لويس وتابعه صمويل هنتنجتون يروجان لفكرة الصراع الحضاري بين الإسلام وبين الغرب، ولفكرة صدام الحضارات التي شهر بها هنتنجتون بينما هي في الأصل من بنات عقل برنالد لويس، الذي برع في العقــْدين الأخيرين في التنظير لصورة نمطية بغيضة للعرب، وفي التحريض المبطن على الإسلام، وبشكل أخص غداة أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ومن قبل مع (الصحوة) و(الثورة) الإسلامية في إيران.
يشكل هاجس (النهضة) عند العرب ـ سواءٌ في أفقها الافتراضي الشامل، أم في فضائها المحلي القطري «الاقليمي» ـ حالة مركزية في المخيال والوعي العربيين. ويحتل الدين ـ دين الإسلام على وجه التحديدـ موقعاً دقيقاً فاعلاً في حراك هذه الحالة. بيد أن هذا الدين لم يعد خالصاً لشروطه البيئية الخاصة فقط، وإنما أصبح أيضاً منخرطاً بل «متورطاً» في فضاء عالمي واسع، ذي منطق خاص وأحكام خاصة وشروط معينة. هو، من وجه أول، مطالبٌ بأن يكشف عما يمكن أن أسميه «شرعية إيجابية» في دور عليه أن يؤديه لمطلب (النهضة) الحيوي؛ وهو، من وجه ثان، مطالب بأن يبدي كفاية حقيقية في علاقته بتحولات العصر، وعلى وجه الخصوص في «المعطى العولمي» الخارجي ـ أي خارج حدوده الجغرافية السياسية القديمة ـ وهو المعطى الذي راهن على أن يكون جزءاً منه بعد أن قرر بعض أبنائه ـ وقد باتوا كثرا ـ أن يفروا من مواطنهم الأصلية ويلتحقوا بالفضاءات الغربية الأوروبية والأميركية، وأن يحملوا معهم دينهم ليعيشوه هناك، أو لينقلوا (الدعوة) إليه إلى هناك، أو ليظلوا على طقوسه ورموزه.
تثير الحالتان قضايا وصعوبات: مشكل الدين والنهضة أولاً، ومشكل الدين والعصر ثانياً.
تجسد الحالة الأولى مشهداً يتطلع فيه العرب إلى الخروج من مأزق هذه الأوضاع المزمنة التي يصدق عليها ألف اسم قبيح واسم، وطـَلـَب هذا المجهول الذي يحمل هذا الاسم السحري (النهضة)، والتي يؤكد أهل (الدين) أن للدين دوراً جوهرياً فيها إن لم يكن يمثل ـ في أعين بعضهم ـ بعده الوحيد. والحقيقة هنا أننا لسنا بإزاء صوت واحد للدين، وإنما نحن قبالة صوتين على الأقل: صوت التيار الأغلبي The Main Stream، وصوت التيار الإحيائي بأشكاله الثلاثة الرئيسية: السلفية التاريخية، والسلفية المحدّثة، والسلفية المتعالية، أو وفق إطلاق رضوان السيد: الإحيائية السلفية التقليدية، والإحيائية المعتدلة، والإحيائية الأصولية المتطرفة.
ما هي القيم التي تؤسس الرؤية العامة للتيار الأغلبي؟ علينا أن ننبه هنا إلى أن التيار الأغلبي هو جمهور الناس الذين يدينون بدين الإسلام، تقليداً أو إرثاً ثقافياً أو اقتناعاً إيمانياً أو تعلقاً حضارياً. وهؤلاء يشخص الدين عندهم بما هو جملة من الأوامر والنوهي، أو من الأحكام التي تتردد بين قطبي الحلال والحرام، ويتفاوت الالتزام بها عندهم دون أن يخرجهم هذا التفاوت من الإيمان، أي أن التفاؤل هو سمتهم، مثلما أن من سماتهم الأساسية: التسامح، والرحمة، والثقة في المجتمع، الدعوة لدين الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ونشدان الخير العام، والتفاهم والحوار والعيش المشترك الآمن مع المؤمنين بغير دين الإسلام، والتوافق مع العالم الخارجي، ونبذ المقاتلة والعنف، وعيش الإسلام بما هو حالة «تدين» وإيمان وعمل صالح ينشد صاحبها النجاة والخلاص قبل أي شيء آخر. وتلك هي في الغالب الأعم صورة (التجربة التاريخية) لعامة الناس، وإن لم تكن تلك هي صورة الفرق والجماعات «النشطة» ذات القاع «الإيديولوجي السياسي الثوري» على وجه العموم. فهذه ذات صوت آخر، لكنه ليس الصوت الأغلبي وإن كان هو الصوت «الأعلى»، والأعظم صخباً، والأخطر فعلاً وآثاراً.
لا يثير التيار الأغلبي العمومي اليوم مشكلات حقيقية في وجه آمر النهضة. فرؤيته العامة موافقة تمام الموافقة لمطلب النهضة ولمتطلباتها الفعلية. والدين من هذا الوجه ميسور المسالك. بيد أنّ الأمر يختلف تمام الاختلاف حين تتعلـّق المسألة بالدين وفق المنظور الإحيائي. فههنا يصبح (الدين) في علاقته بالنهضة مبدأ لجملة من الأوضاع الدقيقة أو الصعوبات التي تحتاج إلى تجاوز، أو المواقف المتضادة التي تتطلب النظر والمراجعة ورفع التضاد أو فضـّة. وإذا سلـّمنا بأنّ القضية هنا تنطوي على عنصر أساسي هو أنّ غائية النهضة تتقدّم في الظروف التاريخية القائمة على أية غائية أخرى، وأنّ أحد مقوّماتها، أو أنـّه ـ وفق ما تصوّر ما ـ عامل مثبط للنهضة أو كابح لنمائها وتحققها، فإنه يصبح من الضروري حينذاك أن يتقرّر الاعتقاد بأن النهضة العربية لن تستطيع أن تنجز شيئاً من مطامحها ووعودها إن وقف الدين ـ أو تصوّر ما للدين ـ حائلاً دون إنفاذ المبادئ الضرورية لقيام النهضة. والحقيقة هي أن ثمة جملة من «الرؤى» أو «المواقف» المرتبطة بالتصوّرات الإحيائية للدين ـ كلـّها أو بعضها ـ تتطلـّب بشكل أو بآخر مراجعة نظرية أو عملية أو تحوّلاً حقيقياً لكي لا تصطدم بآمر النهضة، ولكي لا تكون مبدأ لإعاقة مسيرتها. بيد أن «الموقف الديني الإحيائي» قد جرى على التأكيد أنّ النهضة هي التي يتعيّن عليها أن تنصاع للآمر الديني. غير أنّ هذا النظر لا يستقيم؛ لأن الواقع هو أن (النهضة) لا تقدّم نفسها بما هي «إيديولوجية» مناهضة أو منافسة أو مقابلة للإيديولوجية الدينية، وإنما على وجه التحديد بما هي هدف دنيوي يطلب للعرب القوة المعنوية والمادية، وتوافر أسباب الحياة الدنيوية الكريمة المحوطة بأطر اجتماعية وسياسية وقانونية، تبدّد أحوال التخلـّف والظلم والاضطهاد والعسف، وتقدر على مضاهاة شروط العالم الحديث وأحكامه. هذه أهداف وغايات إنسانية خالصة ليس لأي تصوّر ديني أن ينكرها أو أن يقف في طريقها. بل أكثر من ذلك، يمكن لمفكـّر ديني كابن قيم الجوزية أن يقول إنها تتوافق تمام التوافق مع شرع الله؛ لأنها تجسّد مبادئ المصلحة والعدل، وأنـّها بعض «مقاصد الشريعة» إذ الشريعة جاءت لتقيم العدل وحيث ظهرت أمارات العدل فثمّ شرع الله.
ومع ذلك فإن النهضة تتطلـّب تظافراً وتوافقاً في الرؤى والمواقف، وتحتاج، من جانب الرؤية الدينية الإحيائية، بجملة أشكالها، إلى تغليب أو تسييد جملة من الفهوم أو المواقف أو الرؤى التي تساعد على إنفاذ شروط النهضة، وعلى الإفلات من علاقة (الصراع) أو (الصدام) التي تنطوي عليها بعض التطوّرات الإحيائية لهذه الفهوم والرؤى والمواقف.
الفهوم والقضايا والمواقف، التي يتشابك فيها الدين والنهضة، وتـُحْوج إلى تعديل صريح في نمط العلاقة بين الطرفين، بدءاً بتعديل في النظر في المجال الدين لهذه المسائل، عديدة. بيد أنّ المركزي منها ينحصر، في اعتقادي، في القضايا الآتية:
الأولى: قضية الحداثة: وهي كما نعلم قضية «صدئة» لم تخلُ من أن تكون موضوعاً لقول كل قائل. ولا يتسع المقام هنا لإعادة الخوض في معطياتها وفي جوهها ومشاكلها التي تبعث على الضجر والسأم. والذي يهمني هنا، في هذا السياق، سياق الدين والنهضة، هو أنّ أقول إنـّه على الرغم من أنّ الحداثة حداثات، ومن أنّ الحداثة متحوّلة متبدّلة، وأنّه يتعذر القبض على ماهيّة ثابتة نهائية لها، وأنـّها أيضاً تجد في تيّار (ما بعد الحداثة) وسواه ما يجبّ بعض مسلـّماتها، إلا أنـّها تظل ذات «روح» ودلالة وغائية محدّدة فاعلة. لقد غزت الحداثة الفضاءات المسيحية التقليدية في الغرب وصدمتها بقوّة، لكن المسيحية استطاعت أن تتكيّف مع معطياتها وتنجو بنفسها، إن أمكن القول. وهي اليوم مستقرة في فضاءاتنا أيضاً وتقابل مقاومة شديدة من التيار الديني الاتباعي أو التقليدي. لكنها توجّه بقوّة تيار التنوير فضلاً عمّا أمكن نعته تيار اليسار الإسلامي، الأمر الذي يجنح إلى الاعتقاد بأنّ النهضة عندنا لم تعد ممكنة بدون الأخذ بمقوّمات الحداثة أو التكيّف معها، في حدود فهم للدين لا يقف في حالة تضاد وصراع مع روح هذه الحداثة، ومع ما أسّس منها للعالم الحديث. والتكيّف مع الحداثة لا يعني بالضرورة «القطع» مع الدين نفسه، وإنما القطع مع التفاسير أو التأويلات الدينية المضادة لما هو جوهري في الحداثة، أي للعقلانية وللحريات الأساسية، ولاستقلال الشخص الإنساني واحترامه، وللتسامح والتقدّم. والسؤال الذي يتعيّن وضعه هنا والإجابة عنه هو التالي: هل البناء الثقافي لدين الإسلام بناء رافض لهذه القيم؟ حين يكون الرد بـ (لا) نكون مطمئنين إلى أن الدين سيكون عاملاً معزّزاً للنهضة. لكن ما يتعيّن الإقرار به هو أنّ المقصود بـ(البناء الثقافي) للدين ليس هو (التراث) ـ الذي هو بطبيعته وماهيته «تاريخي» متمايز عن (الوحي) برغم تأثره به ـ وإنما جملة الغائيات المركزية والمقاصد الجوهرية للنص الديني. وهذا يعني ضرورة التخلي عن أيّة رؤية للتراث تتمثـّله بما هو «أيديولوجية» مطلقة متفرّدة يمكن اعتمادها لإعادة تشكيل الحاضر وبناء المستقبل. قد تستحضر منه، للحاضر، عناصر، لكنـّه يظل في جوهره «حاضر الماضي» و«صورة واقع تاريخي» تـَحْتِم كل المعطيات الراهنة لا استيعابه فحسب وإنما، على وجه التحديد، تجاوزه إلى واقع جديد نتولـّى نحن إبداعه. إذ البناء الثقافي للدين، اليوم، منوط بفهمنا للنص الديني وبمتعلقات الواقع الذي نتقلـّب فيه، أو بالتفسير وبالواقع. هذان هما اللذان يوجهان إلى تعزيز الدين للنهضة، أو إلى خلاف ذلك.
القضية الثانية تتمثـّل في مشكل مبدأ (الحاكمية) على النحو الذي تصوّره المفكر الهندي أبو الأعلى المودودي، وتابعه فيه المفكـّر المصري سيد قطب، وهو الفكر الذي أفضى بأصحابه إلى توجيه الغائية الإسلامية إلى الشعار الذي تمّ اختزاله في التعبير (تطبيق الشريعة). إنّ هذا الشعار هو واحد من أكثر الشعارات الإسلامية المعاصرة إثارة للجدل وللصعوبات. فهو يجابه مقاومة من ثلاث جهات على الأقل: الدولة الوطنية، والتيارات الليبرالية والعلمانية، والبيئة الدولية الراهنة. فالدولة الوطنية العربي المعاصرة تجذرت في قوانينها الوضعية، ولم تعد قابلة للتخلي عن امتيازاتها وللانصياع إلى قوانينها وأحكام ليست هي واضعتها، فضلاً عن أنـّها «تستثقل» الأخذ بها. وليس يخفى كذلك أنّ القوى التي تتحكـّم فيها هي، في الغالب الأعم، قوى منحدرة من مواطن وقطاعات ذات غائيات دنيوية تقدّم مبدأ استخدام الشريعة أو إهمالها على مبدأ تطبيق الشريعة. وهذا المبدأ الأخير يعني تجريدها من كل سلطة حقيقية، اللهم إلا أن تنهج في الأمر نهج الاستحواذ الكامل على الشريعة وتطويعها لغاياتها الخاصة.
أما التيارات الليبرالية والعلمانية، فالمسألة عندها محسومة لغير صالح تطبيق الشريعة، إذ إنـّها تستند في طبيعتها وماهيتها إلى مبدأ إطلاق الحريّة من ناحية ـ وهذه لا تتحكم إلى الشريعة في إنفاذ إرادتها ورغبتها ـ وإلى مبدأ استقلال العقل الإنساني وإطلاق اجتهاداته وأحكامه الإنسانية، بعيداً عن أيـّة سلطة سواءً أكانت سلطة دينية أو غير ذلك، دون ن يعني ذلك بالضرورة إنكار الإيمان الديني بما هو اعتقاد وسلوك خاص للفرد في شأن نفسه.
والبيئة الدولية المعاصرة تشخص اليوم بما هي أكثر الجهات نفوراً وعداء لمبدأ قيام دول عربية أو إسلامية على أسس «دينية» يمثـّل تطبيق الشريعة أحد مقوّماتها الأساسية. وذلك لسببين على الأقل: الأول أن أصواتاً كثيرة في هذه البيئة، سياسية وثقافية وعامة، تكرّر الزعم بأنّ الشريعة الإسلامية تنهض في وجه «حقوق الإنسان»، وتلجأ في كثير من أحكامها إلى ممارسات وإجراءات وسياسات «تمتهن» بعض هذه الحقوق الأساسية. ويتم التشديد في هذا الصدد بشكل خاص على وضع (المرأة) في الدين وفي المجتمع، وعلى موقف الإسلام من غير المسلمين ومن الأقليات على وجه العلوم، ومن أحكام «العقوبات» التي تنعت، على الأقل، بأنها غير إنسانية. وقد استجمع بعضهم جملة النعوت التي تحلق بالشريعة الإسلامية في المخيال الغربي في ثلاثة هي أنّ هذه الشريعة «قاسية وبربرية وغير عادلة»!. السبب الثاني الذي يثير التوجّس على نحو أخطر في هذه المسألة يرجع إلى الاعتقاد الذي روّجته قوى سياسية وجهات استشراقية وأجهزة إعلام دولية، بأنّ الدين الإسلامي دين «عدواني» في طبيعته وماهيّته، وأنّ مفهوم (الجهاد) ومقاتلة غير المسلمين يمثـّل أحد الأركان الأساسية في هذا الدين. ويترتب على ذلك أنّ قيام دولة دينية إسلامية تطبّق أحكام الشريعة سيترتـّب عليه بالضرورة إحياء هذا «الفرض». وإنفاذه في العلاقات الدولية بين هذه الدول وبين العوالم البشرية الأخرى، وما قسمة العالم إلى «فسطاطين» إلا شاهد على هذا النزوع العدواني! ومع ذلك، فإنّ علينا ألا نقطع في الحكم بشأن «البيئة الدولية» هذه، إذ الأمر يظل حمّالاً للوجوه، ورمسفيلد نفسه صرّح ذات مرّة أنه لا يعارض قيام دولة إسلامية غير أصولية. لكن إذا كانت كل الطرق في سبيل إقامة دولة طبيعتها دينية راديكالية وغايتها دينية مسدودة، على المدى المتطوّر على الأقل، فإنّ العقل وآمر اجتناب التهلكة يحكمان بتعليق هذا الأمر والسير في سبل أخرى. وهذا على وجه التحديد هو ما دعا بعض المفكرين المسلمين أنفسهم إلى اقتراح «تأجيل النظر في أمر تطبيق الشريعة» (رضوان السيد)، أو إلى تعليق أحكام الحدود المثيرة للجدل (طارق رمضان)، وذلك درءاً لمناهضة الإسلام نفسه والاعتداء عليه. إنـّه من غير شك اقتراح حصيف، لكنـّه في حقيقة الأمر لا يفعل شيئاً أكثر من دفع المشكلة إلى الأمام وتأجيل الصراع حولها إلى عهود لم نعلم من أمرها شيئاً. هل ثمة سبيل آخر للإبقاء على جوهر دين الإسلام حياً بين الناس ومعتبراً في أي مشروع للنهضة؟ في اعتقادي أنّ ذلك ممكن إذا ما اتجهنا إلى التحول من شعار «تطبيق الشريعة» وفق الطرائق التاريخية القديمة، إلى مبدأ الأخذ بـ(مقاصد الشريعة) وبغائية (العدل)، أي إلى نظرية المصلحة التي وضع مقدّماتها الأولى عدد من الفقهاء السياسيين المسلمين، وبخاصة الماوردي والشاطبي وابن القيم وآخرون. فالأصل في الشريعة والمقصد النهائي هو مصالح العباد في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم وأوطانهم ودينهم، أي في جملة أمورهم الحاجية والضرورية والتحسينية حسب مصطلح الشاطبي، بحيث يسود العدل وتلبى الحاجات ويرتفع الظلم والعدوان. والسؤال الجوهري يظل هو السؤال التالي: كيف يتسنـّى لنا، بدلاً من أن نظل مستمرّين بلا حراك أو أمل في الحراك أمام صعوبات ودقائق مشكل تطبيق الشريعة، أن نستخدم نظرية مطوّرة في المصلحة وفي العدل، وأن نقول إنّ الحريات الأساسية والكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة، واحترام اعتقادات الآخرين والتسامح، والازدهار الاقتصادي والتنمية البشرية، وتقدير المرأة وتمكينها من حقوقها ومن أداء دورها الكامل في الحياة العامة.. وجملة حقوق الإنسان.. هي حقاً مبادئ وقيم تدخل في نسيج الدين، وأنّ الدين يصبح، بها، قادراً على أداء دور بنـّاء فاعل، وليس قوّة تعوق تقـدّم المجتمع وتفتح النهضة؟

المصدر: كتاب«تحديات التاريخ والمستقبل»، مؤسسة عبد الحميد شومان/عمان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت.