|
|
 |
الحضارية
«دراسات اسلامية» |
|
الثلاثاء: 23/09/2008
التصور الإسلامي
للبيئة دلالاته وأبعاده
د. محمد زرمان(*)
علم البيئة
علم البيئة الذي يدرس هذه العناصر المكونة للمجال الحيوي فوق الأرض،
ويركز على بيان نوع العلاقة التي تربطها ببعضها وتسلكها جميعا في نظام
واحد علم حديث، بدأ خطواته الأولى في شكل بسيط بعيد عن الاهتمام بالبيئة،
وذلك على يد العالم الألماني أرنست هيكل Ernest Haeckel المتخصص في علم
الأحياء، والذي عكف على دراسة العلاقة بين الحيوانات والمكونات العضوية
وغير العضوية في البيئة المحيطة بها، وأطلق على هذا النوع من الدراسة اسم
(Ecologie) (Ecology) خلال الثمانينيات من القرن التاسع عشر الميلادي. ثم
توالت الدراسات بعده تبحث في هذه العلاقة عند أنواع معينة من الحيوان
والنبات، وقادها الشغف العلمي إلى استكشاف بيئات أوسع في البر والبحر
والجو، مما أدى إلى الكشف عن قوانين أعقد جعلت العلماء ـ شيئاً فشيئاً ـ
ينتبهون إلى أن البيئة الأرضية كلها محكومة بنظام واحد شامل يسري عليها
مهما تعددت مظاهرها وتنوعت(1).
وأطلقوا على هذا النظام اسم «المنظومة البيئية» (ECOSYSTEM) وهي تعني أن
أية منطقة من اليابسة أو من البحار وما يحيط بها من الغلاف الجوي وما
تحويه من مجموعات من أنواع الكائنات الحية، تتفاعل مع بعضها البعض ومع
المكونات غير الحية من مواد وعناصر في التربة والماء والهواء في عمليات
متتابعة ومنتظمة، تؤدي إلى تدفق الطاقة ودوران العناصر بينها، وتكون
محصلتها إنتاجية أولية (نباتية) وإنتاجية ثانوية (حيوانية)(2).
وتتوزع الكائنات الحية في المجتمع البيئي من
الناحية الوظيفية إلى مستويات غذائية مختلفة:
1ـ الكائنات المنتجة: وهي النباتات الخضراء، وتتميز بكونها كائنات ذاتية
التغذية، تبني غذاءها من مواد غير عضوية بسيطة، بتثبيت الطاقة أثناء
عملية البناء الضوئي.
2ـ الكائنات المستهلكة: وهي كائنات غير ذاتية التغذية، تعتمد على كائنات
أخرى في تغذيتها، وهي إما أن تكون كائنات المستهلكة أولية وهي الحيوانات
العاشبة التي تتغذى على النباتات، أو كائنات مستهلکة ثانوية تتغذى على
اللحوم، أو كائنات حية تقوم بأكثر من دور واحد في المجتمع البيئي كأن
تكون عاشبة ولاحمة في الوقت نفسه مثل الإنسان، أو أن تكون كائنات مستهلكة
دقيقة وهي تتمثل في الحيوانات اللافقارية الصغيرة التي تعيش في التربة
وتتغذى على النثار من البقايا غير الحية للنباتات والحيوانات، او كائنات
دقيقة كالبكتيريا. والفطر التي تستمد الطاقة اللازمة لها عن طريق تحليل
البقايا الحيوانية النباتية. وعملية التحليل التي تقوم بها هذه الكائنات
الدقيقة مهمة جداً في المنظومة البيئية، حيث يتم بواسطتها تحويل المركبات
المعقدة إلى عناصر أولية ومركبات بسيطة تنطلق في الهواء أو التربة؛ لتصبح
في متناول النباتات(3)، ومن ثم تبدأ دورة جديدة للحياة وهكذا.
وقد ركزت الدراسات اللاحقة على مظاهر هذا النظام الفريد وقوانينه، وظل
هذا الاتجاه يتدعم ويتبلور حتى بلغ درجة عالية من النضج والتكامل. غير أن
استفحال ظاهرة التلوث البيئي، وازدياد الشعور بخطرها مع بداية الثلث
الأخير من القرن العشرين هو الذي أعطى دفعا قويا للدراسات البيئية ووجهها
وجهة جديدة، لا تقتصر على الدراسة المجردة للنظام البيئي، بل تستصحب
دراسة مشكلات التلوث البيئي وبيان مظاهرها وأسبابها، والبحث في سبيل
علاجها والوقاية منها، وبذلك ظهر علم البيئة علماً مستقلاً بعد أن نشأ في
أحضان علم الحياء، وقطع أشواطاً هامة فيه، واستفاد أثناء تكونه وتطوره
ونضجه من علوم كثيرة مثل علم الحيوان، والنبات، والكيمياء الحيوية،
والجغرافيا، والمناخ، والتربة(4).
مفهوم البيئة في الإسلام
أما مفهوم البيئة في الإسلام ـ باعتباره المحيط الذي يعيش فيه الإنسان،
ويتبادل ضمنه علاقات التأثير والتأثر مع عناصر البيئة المختلفة الحية
والجامدة على السواء ـ فإنه يتجاوز حدود الموارد المادية، ليشمل طبيعة
العلاقة التي تربط الإنسان بهذه البيئة، ونوعية هذه العلاقة، باعتبار أن
التصور الثقافي الذي ينتج النشاط الفكري وما يترتب عنه من سلوك عملي له
أثره القوي والواضح على البيئة، ولا مجال لتجاوزه وإغفال نتائجه.
فإذا كان المفهوم الحديث يعتبر أن البيئة هي الموارد المادية التي تتفاعل
فتمد الإنسان بأسباب الحياة، وتوفر له ما يحتاجه من مأكل وملبس ومأوى،
فإن الإسلام يعطي الأولوية في قيام الحياة الإنسانية الكاملة لصلاح
العقائد، وانتشار الفضائل، والتزام الإنسان بالهدى الرباني، ويولي هذا
الأمر أهمية خاصة، بناء على تميز الإنسان عن باقي عناصر الطبيعة، على
الرغم من كونه أحد مواردها ـ من خلال قدرته النفسية والروحية التي تجعله
قادراً على التأثير في محيطه تأثيراً قد يكون سلبياً وقد يكون إيجابياً
تبعاً لما ينطوي عليه تركيبه الفكري من قيم و مباديء.
فالبيئة التي هي موطن الحياة الإنسانية، شاملة ـ بهذا المفهوم ـ للموارد
المادية والمعنوية على السواء؛ لأن الإنسان لا تستقيم حياته بصلاح
الموارد البيئية المادية فقط، وإنما ترتبط هذه الاستقامة إلى حد بعيد
بمرجعيته الثقافية، ومرتكزاته الفكرية التي يصدر عنها في سلوكه وردود
أفعاله.
لذلك عد الله سبحانه وتعالى دين الإسلام نعمة تضاهي في قيمتها جميع النعم
المادية التي بسطها لبني آدم، لأنه مصدر الهدى، ودليل العباد إلى ما يصلح
أمورهم وأحوالهم، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ
دِينًا)(5)، ولولا الأهمية القصوى التي تكتسبها نوعية العلاقة الفكرية
بين الإنسان وبين البيئة لما أولاها الوحي هذه المكانة المركزية: «فالناس
ـ في نظر القرآن الكريم وفي الواقع ـ يعيشون في بيئات أنفسهم أولاً:
مباديء ومثلاً وقيماً، أو يكونون خلواً منها؛ لينعكس أثر ذلك كله على
بيئاتهم المادية ومواردها: سعياً ومواقف وأهدافاً»(6).
وحتى نتبين أبعاد هذا المفهوم، يجدر بنا أن نتعرف إلى المكانة التي تحتها
البيئة في القرآن والسنة، ونتلمس مدى اهتمامهما بإقامة جسور التواصل
والتوافق بينها وبين الإنسان؛ لضمان حمايتها والمحافظة عليها.
مظاهر البيئة في القرآن والسنة
تحتل البيئة في المنظور الإسلامي موقعاً متميزاً، اكتسبته انطلاقاً من
اهتمام القرآن الكريم والسنة الشريفة بها، واللذان جعلا حمايتها
والمحافظة عليها جزءاً لا يتجزأ من واجبات المسلم التي يثاب عليها إن قام
بها، ويعاقب على التفريط فيها، إهمالاً منه، أو تقصيراً لما يترتب على
نكوصه عن أداء واجبه من خلل وفساد. وقد شمل هذا التوجيه جميع مظاهر
البيئة وكافة مجالاتها، بدءاًً من إماطة الأذى عن الطريق، وانتهاء بتحريم
قتل النفس التي حرم الله.
والمتمعن في مصادر الشريعة وأصولها يدرك أنها قد وضعت الأسس الهامة التي
تضبط في إطارها ـ سلوك المسلم في تعامله مع البيئة، كما حددت الشروط
الواجب التقيد بها، لتتم المحافظة على مواردها من الاستنزاف الجائر أو
سوء الاستخدام، مراعية في ذلك أهم عامل في هذه القضية وهو تربية الوازع
الديني، وتنمية الجانب الأخلاقي، والتركيز عليهما؛ لضمان التزام الإنسان
بواجباته الشرعية تجاه عناصر البيئة الطبيعية من أحياء ونباتات ومياه
ومعادن وموارد للطاقة وغيرها.
وهذه التوجيهات ـ في مجملها ـ ترمي إلى تحقيق مقصد جليل يتمثل في إصلاح
الحياة الإنسانية والطبيعية، وتفادي أسباب الفساد والهلاك، ليتمكن
الإنسان من القيام بأعباء المهمة الاستخلافية التي أوجده الله من أجلها.
وتظهر المكانة الخاصة التي أولاها القرآن الكريم للبيئة جلية فيما أفرده
لها من آيات كريمة، بلغ تعدادها قرابة سبعمائة وخمسين آية(7)، تحدث فيها
بإسهاب عن الأرض الذلول التي مهدها الله لبني آدم، وفرشها، وبسطها لهم
ليسعوا في مناكبها: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ
لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا)(8) وقال تعالى: (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا
فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)(9).
كما تحدث عن الأشجار الخضراء الوارفة الظلال التي تكون جنات معروشات،
وحدائق ذات بهجة، مصدراً غنياً من مصادر الغذاء بما تجود به من الثمرات
ذات الأنواع المختلفة، والأشكال المتعددة، والأذواق المتباينة، ثم تتحول
بقدرة خالقها إلى مصدر مهم من مصادر الطاقة التي توفر للإنسان وقوداً
يسهل له قضاء حاجاته: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ
مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى
بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)(10). وقال عزوجل(الَّذِي
جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ
مِنْهُ تُوقِدُونَ)(11).
وأفاض في ذكر الماء مصدر الحياة، وصوره في جميع أشكاله: في شكل أمطار
تنزل من السماء؛ فتحيي الأرض بعد موتها، وتنبت الزرع، وفي شكل أنهار، تشق
الحقول والمزارع، فتروي التربة والبشر والأنعام، وفي شكل مياه جوفية تسير
بين طبقات الصخور لمسافات طويلة، ثم تتفجر ـ بإذن ربها ـ ينابيع صافية
عذبة (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا
مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ)(12).
وذكر البحار وعظمة خلقتها، وسعة مساحتها، وروعة تكوينها، وأرشد إلى ما
أودع فيها من أرزاق وفيرة للمنفعة والمتعة: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ
الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ
حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(13).
وعرض صور الرياح والسحاب والبرق والرعد وما يجري في الغلاف الجوي للأرض
من عمليات مناخية تحفظ الحياة وتنميها: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ
الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ
يَشَاءُ)(14)، وقال تعالى: (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ
الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)(15).
وصور عالم الحيوان، وبين قدرة الله سبحانه وتعالى في اختلاف الخلق ومظاهر
الإبداع، وأشار إلى أن هذا العالم العجيب له خصائصه وطبائعه وشعوره مثل
عالم الإنسان: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ
بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم)(16)، وأن قسماً كبيراً منه قد
سخره لبني آدم؛ لينتفعوا بلحمه وصوفه وأوباره وألبانه، ويتخذوا منه
مركباً ذلولاً يقرب لهم المسافات ويجنبهم مشقة الأسفار: (وَالْأَنْعَامَ
خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ *
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ *
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا
بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ
وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً)(17).
وما إلى ذلك من المشاهد البيئية البديعة التي زخرت بها آيات القرآن،
ووردت في سياق يصورها على أنها نعم جليلة، تفضل بها الله سبحانه وتعالى
على عباده، ومن بها عليهم؛ ليتمتعوا بطيباتها، ويتقلبوا في خيراتها،
ويستشعروا منها عظمته وجبروته.
ومما يلفت النظر إلى هذه الآيات التي تتضمن حديثاً مستفيضاً عن مظاهر
البيئة المختلفة؛ تنبيه الإنسان إلى استشعار جمالها، والإحساس بما تنطوي
عليه أشكالها وألوانها وحركاتها المختلفة من متعة تثير النفس، وتبعث فيها
البهجة والراحة، سواء في هيئتها الذاتية، وشكل خلقتها الفردية، أوفي
تناغمها مع باقي المكونات التي ترسم مشاهد مثيرة ومناظر بديعة. قال
تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ
الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ
سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ
أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)(18).
ويعلق سيد قطب على هذه الآية قائلاً: «.. واللفتة إلى ألوان الصخور
وتعددها وتنوعها داخل اللون الواحد بعد ذكرها إلى جانب ألوان الثمار، تهز
القلب هزا، وتوقظ فيه حاسة الذوق الجمالي العالي.. إن عنصر الجمال يبدو
مقصوداً قصداً في تصميم هذا الكون وتنسيقه، ومن كمال هذا الجمال: أن
وظائف الأشياء تؤدي عن طريق جمالها. هذه الألوان العجيبة في الأزهار تجذب
النحل والفراش مع الرائحة الخاصة التي تفوح، ووظيفة النحل والفراش مع
الرائحة الخاصة التي تفوح ووظيفة النحل والفراش بالقياس إلى الزهرة هي
القيام بنقل اللقاح؛ لتنشأ الثمار، وهكذا تؤدي الزهرة وظيفتها عن طريق
جمالها»(19).
وقد صرح القرآن الكريم أن خلق مظاهر الطبيعة على هذه الصورة الجميلة أمر
مقصود، يبدو ذلك واضحاً في قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي
السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ)(20)، وقوله عزوجل:
(وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)(21)،
وما إليها من الآيات التي تؤكد أن عناصر البيئة ليست تراكمات مادية
جامدة، وإنما هي ـ بالإضافة إلى المنفعة المادية التي توفرها للإنسان ـ
مصدر للإشباع الروحي بالتأمل في جمالها وتغذية الروح بمشاهدها.
بل إن الله سبحانه وتعالى ينبه الإنسان إلى أن الكون بجميع مخلوقاته
الحية والجامدة ـ على السواء ـ تسري فيه روح شفافة تتصل بخالقها من خلال
تسبحه وتمجيده، والإنابة إليه، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ
يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ
صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ)(22)، فيحس الإنسان
وهو يتأملها بما يسري فيها من الحياة، ويدرك أنه ليس وحيداً في هذا الكون
الفسيح، فإن جميع ما حوله من بدائع صنع الله تبدو في صور شتى، وأشكال
مختلفة، ذات طبائع متباينة تشاركه الصلاة والتسبيح.
ويقول عزوجل في سورة الإسراء: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ
وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ
بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ
حَلِيمًا غَفُورًا)(23) يقول سيد قطب: «وهو تعبير تنبض به كل ذرة في هذا
الكون الكبير، وتنتفض روحاً حية تسبح الله، فإذا الكون كله حركة وحياة،
وإذا الوجود كله تسبيحة واحدة شجية رخية، ترتفع في جلال إلى الخالق
الواحد الكبير المتعال. وإنه لمشهد كوني فريد، حين يتصور القلب كل حصاة
وكل حجر، وكل حبة وكل ورقة، وكل زهرة، وكل ثمرة، وكل نبتة، وكل شجرة، وكل
حشرة وكل زاحفة، وكل حيوان، وكل إنسان، وكل دابة على الأرض، وكل سابحة في
الماء والهواء.. ومعها سكان السماء. كلها تسبح الله، وتتوجه إليه في
علاه. وإن الوجدان ليرتعش وهو يستشعر الحياة تدب في كل ما حوله مما يراه
ومما لا يراه، وكلما همت يده أن تلمس شيئاً، وكلما همت رجله أن تطأ
شيئاً.. سمعه يسبح الله، وينبض بالحياة»(24).
ويكتسي هذا التوجيه الإلهي أهمية خاصة، تتمثل فيها ينطبع في وعي الإنسان
من احترام للبيئة وتعظيم لخالقها، وما يترتب عن هذا الشعور الجميل من رفق
بعناصرها، واقتصاد في استغلالها، وما يتولد عنه من مشاعر الحب والرأفة
والحرمة التي تجعله حريصا على إبقاء جمالها قائماً مستمراً، والاستنفاع
منه بالقدر الذي يلبي حاجاته الأساسية دون هدر أو فساد.
كما ضم الحديث النبوي توجيهات كثيرة ترشد الإنسان إلى المحافظة على مظاهر
البيئة باعتبارها نعماً إلهية، وتحذر من سوء استغلالها، وإهدارها
والإسراف في استعمالها، وتدعو إلى الإنتفاع بها والتمتع بطيباتها في حدود
الحاجة، سواء أتعلق الأمر بالأشجار، أم الزرع، أو المياه، أو الحيوانات ـ
الأليفة منها والبرية ـ أو الحشرات على مختلف أنواعها، وتعد ذلك ضرباً من
ضروب الطاعات التي يتقرب بها العبد من ربه.
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ـ متوعدا المفسدين الذين يتلهون بقطع
الأشجار في غير منفعة أو ضرورة ـ:«من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار».
سئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال: هذا الحديث مختصر، يعني من قطع
سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق يكون له
فيها صوب الله رأسه في النار»(25). وأوصى خيراً بالحيوانات الأليفة، وأمر
أصحابها بالرفق بها: «اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها
صالحة، وكلوها صالحة»(26)، ولعن الله كل من اتخذ حيواناً غرضاً للرماية،
أو روضه للمباريات التي يتم فيها التحريش بين حيوانين حتى يقتل أحدهما،
أو كواه بالنار؛ ليتم التعرف عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تتخذوا
شيئاً فيه الروح غرضا»(27).
دلالات التصور الإسلامي للبيئة وأبعاده
وانطلاقا من هذا الاهتمام الكبير بالبيئة في جميع حالاتها حية وجامدة،
يكون التصور الإسلامي لها من خلال تحديد القرآن والسنة لمصدرها ومصيرها،
وتوضيحهما لحقيقتها وأبعادها، وضبطهما لعلاقة الإنسان بها أثناء مزاولته
لنشاطه العمراني.
ومن خلال استقرائنا للآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تتناول موضوع
البيئة، يمكننا تحديد المعالم الكبرى لهذا التصور الذي يتكون في وعي
المسلم أثناء تلقيه لمباديء دينه، ويتبلور في شكل صورة ثقافية لا تلبث أن
تصبح أداة فاعلة في توجيه سلوكه البيئي، نذكر منها:
الله وحده هو خالق البيئة ومنظمها
وهذا أول أساس يبنى عليه التصور الإسلامي. فالبيئة بجميع عناصرها من
إبداع خالق قدير، سواها وقدرها، وأوجدها في أروع صورة، وأكمل خلق، وهي في
جميع أشكالها وأطوارها شاهد حي على عظمة الإله وتفرده بالألوهية،
ووحدانيته، بما يتجلى فيها من نظام بديع يستغرق جميع مكوناتها، ابتداء من
أدنى مخلوق إلى أكبر كائن فيها، بحيث يشهد انسجام عناصرها وتكاملها على
أن من أبدعها واحد لا شريك له: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ
تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ)(28)، (لَوْ
كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ
رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)(29).
توازن البيئة
إن جميع موجودات البيئة متوازنة مقدرة، خاضعة لقانون دقيق لا تحيد عنه،
بحيث تنسجم في كيفها وكمها وبعضها مع بعض، ويمثل كل كائن منها حلقة في
سلسلة متناغمة، بحيث لا تعثر فيها على خلل أو اضطراب أو تشويش؛ مصداقا
لقوله تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ
وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ)(30).
فكل ما خلقه الله تعالى من أصغر جسيم في الذرة إلى أضخم تجمعات المجرات
هو قائم على نظام بديع، وله دوره الذي يلعبه في هذا النظام الكوني
المتناسق، حيث قدر عزوجل لكل مخلوق غاية لوجوده، ووظيفة مقدرة له، لا
يجوز الإخلال بها، وإن كانت هذه الوظائف الحيوية تخفى على الإنسان بسبب
جهله، فهو مطالب باحترام هذه المخلوقات جميعا، والتعامل معها وفق الوجه
المشروع الذي وجدت لأجله؛ حتى يتيسر له فهمها وتقدير دورها في البيئة.
فالشمس والقمر مسخران بأمر الله تعالى؛ لإرسال الضوء والدفء بمقدار محدد،
وكمية مناسبة لا تزيد ولا تنقص ولا تختل، وإلا تعرضت الأرض للفناء، فلو
أعطت الشمس نصف كمية الإشعاعات التي تعطيها حالياً لتجمدت الأرض بما
عليها من كائنات حية، ولو أن الكمية الحالية زادت بالنصف لاحترقت الأرض،
وأمست الموجودات رماداً(31).
ومثل ذلك النسبة المضبوطة لكمية الأوكسجين في الهواء، والتي تقدر بـ 21%،
فلو أنها ارتفعت إلى 50% فإن جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم
تصبح عرضه للاشتعال مع وجود أقل شرارة، ثم إن هناك توازنا بين هذه الكمية
من الأوكسجين، ونسبة ثاني أكسيد الكربون في الهواء، فلو زادت النسبة في
مادة على حساب الأخرى لذوى النبات، ومات الحيوان(32)، واختفى الإنسان من
الأرض.
وتعاقب الليل والنهار ـ وبالمدة المطلوبة وحسب فصول السنة ـ يتيح لأنواع
الثمار والنباتات أن تنمو بشكل طبيعي؛ حتى تأخذ حاجتها الكافية من الشمس
دون إفراط أو تفريط. ودوران الأرض حول نفسها وحول الشمس بسرعة دقيقة، له
أثره القوي في وجود الحياة واستقرارها، فهي تدور حول نفسها بسرعة ألف ميل
في الساعة وتدور حول الشمس بسرعة خمسة وستين ألف ميل في الساعة، فلو أن
الأرض زادت قليلاً من سرعتها المضبوطة لتناثرت المنازل وتفككت الموجودات،
ولو أن هذه السرعة نقصت قليلا لهلك من على الأرض من حر وبرد(33).
ولعل أبرز مجال تتبدى فيه ظاهرة التوازن في البيئة هو عناصر البيئة
الأرضية نفسها، بما كشف فيها العلم الحديث من مقادير غاية في الدقة تتحكم
في حركة الكائنات الحية والجامدة.
خيرية البيئة
تأخذ هذه الفكرة مكانها في وعي الإنسان المسلم من اعتقاده الجازم أن
البيئة التي خلقها الله تعالى هي في أصل وجودها خير كلها؛ لأنها في
ابتداء خلقتها نعمة إلهية، تفضل بها الله على خلقه.
وكونه نعمة يستلزم أن جميع موجوداتها بمختلف أشكالها وأنواعها وهيئاتها
قد خلقت لمنفعة الإنسان وليس شيء منها قط قد وجد من أجل الضرر به أن
إلحاق الأذى به، على الرغم مما يبدو في بعض مظاهرها من أوجه الشر التي لا
تلبث التجارب الميدانية والدراسات العلمية أن تكشف عن خيريتها الأصلية.
والقرآن يؤكد أن جميع ما يوجد على الأرض قد خلق لحكمة تتضمن الخير، وليس
في شائبة من شوائب العبث، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا: (وَمَا
خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ
ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)(34)، وضرب مثلاً بحشرة صغيرة ضعيفة يحتقرها
الإنسان ويتحاشى أذاها؛ ليبين أن كل الموجودات مهما بدت ضئيلة، قليلة
النفع أو عديمته، لها مكانها الخاص في سلم المخلوقات: (إِنَّ اللَّهَ لَا
يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا
فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ
رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ
اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا)(35).
وفي هذا السياق نهى الرسول(صلى الله عليه وسلم) عن سب الريح؛ لأنها مخلوق
مسخر لمنفعة الناس، تدفعها الإرادة الإلهية حيث تشاء، وأمر حين التأذي من
هبوبها ـ بالتوجه بالدعاء إلى الله عزوجل ليجعل ذلك خيراً عليهم: «الريح
من روح الله، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها
وسلوا الله خيرها، استعيذوا بالله من شرها»(36) كما نهي عن سب الديك،
ولعن الأنعام والدواب.
إن هذا التوجيه الرباني القائم على اعتبار جميع الكائنات البيئية ذات
قيمة في ذاتها، سيثمر ـ ولا شك ـ موقفاً إنسانياً يتحاشى الإضرار بها، أو
إبادتها أو تعطيلها عن أداء وظائفها الطبيعية، وإنما يستفيد مما أتيح له
الاستفادة منها، ويدفع أذى بعضها في حدود ما يضمن له سلامته أو سلامة
محاصيله، ولا يتعرض للمخلوقات التي لا تدخل ضمن نشاطاته الزراعية أو
الصناعية بالمطاردة الجائرة أو الصيد العابث؛ لتظل دورة الحياة سائرة في
حدود التوازن المطلوب.
وهو في الوقت ذاته: محفز للإنسان المسلم لارتياد آفاق البحث والدرس
والتعقيب، للوقوف على أوجه النشاط الذي تمارسه مختلف الكائنات الحية ـ
النباتية منها والحيوانية ـ والدور الذي تقوم به الطبيعة الجامعة؛ لتتبين
له خيريتها ومظاهر منفعتها. وقد عالج الجاحظ هذه الفكرة بوحي من ثقافته
الإسلامية العميقة حين قال في كتاب الحيوان: «فإياك أن تسيء الظن بشيء من
الحيوان لاضطراب الخلق، ولتفاوت التركيب، ولأنه مشنوء في العين أو لأنه
قليل النفع والرد، وإن الذي تظن أنه أقلها نفعاً لعله أن يكون أكثرها
رداً.. واعلم أن مواقع منافعها من جهة الامتحان والبلوى، ومن جهة ما أعد
الله عزوجل للصابرين.. ولتقف، حتى تتفكر في الباب الذي رميت إليك بحميلته،
فإنك ستكثر حمد الله عزوجل على خلق الهمج والحشرات وذوات السموم
والأنياب، كما تحمده على خلق الأغذية من الماء والنسيم»(37).
كما تناولها الراغب الإصفهاني، وأكد أن جميع خلق الله خير في ذاته،
وبإمكان الإنسان أن يدرك ذلك إذا تجاوز نظرته الضيقة إلى حدود الكون
الرحبة: «بين الحكماء كثيراً من فوائد ما عده الناس شروراً، وذكروا في
الحشرات كالديدان والنمل والحية والعقرب والبق والبراغيث والذبان
والضفادع والسراطين إنما خلقت من عفونات لو بقيت في الماء والأرض والهواء
لكانت أسبابا للوباء فخلقها الله تعالى منها، وجعل غذاءها تلك العفونات
التي منها خلقت؛ ليقل بذلك أسباب الوباء، مع ما فيها من المنافع في جملة
الأدوية»(38).
وقد أثبتت التجارب العلمية ـ بعد أن قطع الإنسان شوطاً واسعاً في التقدم
ـ أن جميع المخلوقات قد وجدت لمنفعة الإنسان ـ بوجه من الوجوه ـ إذا فهمت
ميزاتها الخلقية، وازدادت هذه الفكرة رسوخاً وصدقاً بعد أن ذاق الإنسان
وبال اعتدائه على عناصر الطبيعة الحية؛ لاعتقاده أنها شر وأذى يستوجب
القضاء عليه.
فديدان الأرض التي يشمئز الإنسان من منظرها ولا يتورع عن دوسها بقدمه في
احتقار قد تبين للعلماء أنها أنفع الحيوانات كلها على الإطلاق، وأنها
أكثر نفعاً للإنسان من الأغنام والأبقار وغيرها. لأنها العامل الأساسي في
تهوية التربة؛ «فهي حين تحفر الأرض إنما تحدث فيها فتحات تساعد جذور
النبات على اختراق الأرض، وتعمل على تهوية التربة عن طريق اندفاع الهواء
والماء في هذه الفتحات وأن هذه الدودة تقوم بطحن التربة إذ يدخل الطين في
حويصلاتها، وبعد طحنه تعيده ترابا خفيفا هشا صالحا للزراعة، كما أنها
تجذب أوراق الشجر ومثيله لتدفنه في الأرض؛ حتى يتحلل ويصبح سماداً طيباً
للأرض»(39).
يقول العالم الكبير جون أرثر تومسون: «إن عدد ديدان الأرض في الفدان
الواحد من الأرض الصالحة للزراعة في بريطانيا هو خمسون ألف دودة، وأن
القناة الهضمية لهذه الديدان تمر من خلالها عشرة أطنان من التربة سنويا
في الفدان الواحد، وأنها تغطي سطح التربة بفضلاتها بمعدل ثلاث بوصات في
كل خمسة عشر عاما، إنها بحق أعظم صانع للتربة في العالم، وإنها لأكثر
حيوانات العالم أجمع فائدة من الناحية العملية»(40).
ويرد أحد علماء الحيوان على الذين تنقبض نفوسهم من منظر العنكبوت ويتمنون
لو أنها لم توجد على الأرض أنه: «لو لم توجد العناكب على الأرض لاختل
الميزان، وأهلكت الحشرات كوكبنا. فالعناكب تأكل وحدها في علم واحد من
الحشرات ما يقدر بوزن ثلاثة ملايين رجل»(41).
ومن الأمثلة البارزة أيضاً على ذلك: أن العلماء قد اجتهدوا في إيجاد
المبيد الفعال الذي يقضي قضاء مبرماً على البعوضة ناقلة فيروس الملاريا،
وبعد أن أشرفوا على إبادتها تبين لهم الخلل الفظيع ألذي أحدثوه في توازن
البيئة، فقد ظهرت بعدها أنواع جديدة من الحميات هي أشد فتكاً بالإنسان من
حمى الملاريا، تنقلها بعوضة أخرى كانت بمثابة الغذاء المفضل لبعوضة
الملاريا والحاجز الذي يحول بينها وبين الإنسان، عند ذلك أدركوا أن
لبعوضة الملاريا دورها الذي تلعبه في توازن البيئة، وأن الوقاية من شرها
وأذاها لا يكون بقتلها وأبادتها مما يتنافى مع حكمة خلقها، وإنما بالسعي
لإيجاد أفضل السبل للتحصن منها، وخلق المناعة ضد شرها بالتطعيم(42).
وقد ذهب بعض الدارسين إلى أن المقصود من الاستعاذة برب الفلق من شر
مخلوقاته في قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ
مَا خَلَقَ)(43)، إنما تعني الالتجاء إليه وسؤاله سبحانه أن ييسر لنا سبل
الوقاية من شر هذه المخلوقات، وليس بالقضاء عليها(44) حتى لا يكون هناك
تناقض بين الاعتقاد بحكمة الله وواسع علمه في خلقها وتكليفها بوظيفة
معينة، وبين السعي لتفادي أضرارها حفاظا على صحة الإنسان وسلامة مؤهلاته
الجسمية والعقلية.
الإنسان أهم عناصر البيئة
ومن معالم التصور الإسلامي للبيئة أيضاً: أن الإنسان ليس عنصراً من عناصر
البيئة فقط، كما تشير إلى ذلك التعريفات الحديثة، بل هو في نظر الإسلام ـ
أهم عنصر من عناصرها، وأبلغها تأثيراً فيها، فهو ـ وإن كان يشترك مع
البيئة الطبيعية في وحدة العنصر، كون مادته الأولى هي التراب، وفي الخضوع
للناموس الإلهي في الوجود والحياة والفناء إلا أنه يتميز عنها بما خصه به
الله سبحانه من التفرد في الخلق من حيث استجماعه لعنصري المادة والروح،
وهي الميزة التي لا يتوفر عليها مخلوق آخر غيره: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ
مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا
لَهُ سَاجِدِينَ)(45)، ومن حيث استواء الخلق الذي يؤهله لأداء وظيفي خاص:
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)(46).
كما يتميز عنها ـ أيضاً ـ بما زوده الله به من قابلية للتعلم واكتساب
المعرفة: (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)(47)، وما حباه من
إرادة حرة تجعله كائنا مستقلا ـ نوعا ما ـ عن البيئة التي ينتمي إليها،
إذ هو المخلوق الوحيد الذي يتوفر على ملكة الإدراك الواعي التي تؤهله
لإحداث التغيرات في البيئة، وقد سمى الله تعالى هذا التمييز تكريما
وتفضيلا للإنسان: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ
وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)(48).
وبذلك تم تحديد العلاقة بين الإنسان والبيئة، والتي تقوم على الشعور
برابطة القرابة التي تجمعهما بالنظر إلى اتحاد عنصر التكوين الأول، وتوقف
حياته على تفاعله مع مكوناتها، وفي الوقت ذاته وعي الإنسان بتميزه عنها
لأداء دور خاص فيها، استجابة للإرادة الإلهية التي رشحته لهذه الوظيفة.
تسخير البيئة للإنسان
ومن مقتضيات هذا التكريم تسخير جميع عناصر البيئة للإنسان، وجعلها منحة
مبذولة له، يتصرف فيها وينتفع بمواردها في إطار القيام بمهمة الخلافة في
الأرض، باعتبارها الغاية من وجوده في الحياة.
ومعنى التسخير: أن جميع عناصر البيئة قد خلقها الله بحيث تكون مهيأة
لاستقباله، صالحة لاستقراره، معدة لأن تتفاعل موجوداتها كلها مع حركته
فوقها. وتتجلى مظاهر هذا الإعداد الرباني في كل ما يحيط به من جامدات
ونباتات وحيوانات، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ *
وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ *
وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ)(49). قال
القرطبي: «أي سخرناها لهم حتى يقود الصبي الجمل العظيم، ويصرفه كيف يشاء،
لا يخرج عن طاعته»(50).
وقد تنبه علماء المسلمين إلى التناسب الموجود بين قدرات الإنسان وسائر
الموجودات في العالم، وخلصوا إلى تقرير أن ذلك أمر مقصود من الله سبحانه
وتعالى؛ ليحقق إرادته في استخلاف الإنسان في الأرض عن طريق تسخير
كائناتها له، ومن ذلك: ما ورد في كتاب تفصيل النشأتين للراغب الأصفهاني
الذي أكد أن الإنسان هو المقصود من العالم، وأن كل ما عداه موجود لأجله
فقال: «المقصود من العالم وإيجاده ـ شيئاً بعد شيء ـ هو أن يوجد الإنسان،
فالغرض من هذه العناصر وتوازنها: أن يحصل منها النبات، ومن النبات: أن
يحصل الحيوانات ومن الحيوانات: أن تحصل الأجسام البشرية، ومن الأجسام
البشرية: ان يحصل منها الأرواح الناطقة، ومن الأرواح الناطقة: أن يحصل
منها خلافة الله في الأرض... وجعل تعالى الإنسان سلالة العالم وزبدته،
وهو المخصوص بالكرامة كما قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ
وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ
الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا
تَفْضِيلًا)(51)، وجعل ما سواه كالمعونة له»(52).
وقد تناول ابن رشد هذه الفكرة نفسها، وأكد أن التوافق العجيب الموجود بين
الإنسان والأرض من آثار القدرة الإلهية الحكيمة، فقال: «إن جميع
الموجودات ـ التي ههنا ـ موافقة لوجود الإنسان، وهذه الموافقة هي ضرورة
من قبل فاعل قاصد لذلك مريد، إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق،
فأما كونها موافقة لوجود الإنسان فيحصل اليقين بذلك، باعتبار موافقة
الليل والنهار، والشمس والقمر لوجود الإنسان، وكذلك موافقة الأزمنة
الأربعة له، والمكان الذي هو فيه أيضاً، وهو الأرض. وكذلك تظهر أيضاً
موافقة كثير من الحيوان له، والنبات والجماد، وجزئيات كثيرة مثل الأمطار
والأنهار والبحار، وبالجملة الأرض والماء والنار والهواء، وكذلك أيضاً ـ
تظهر العناية في أعضاء الإنسان وأعضاء الحيوان، أعني كونها موافقة لحياته
ووجوده»(53).
والله سبحانه وتعالى حينما أعد البيئة لتكون مسخرة للإنسان، لم يشأ أن
يجعلها ممهدة تمهيداً كاملاً فيميل البشر إلى الكسل، ويركنون إلى
السلبية، كما لم يشأ ـ أيضاً ـ أن يجعلها لغزاً محيراً، ومجالاً مستغلقاً
عن النظر، وغامضاً يأبى كل محاولات الفهم والكشف والاستفادة(54)، بل قدر
ان تكون في متناول الإنسان شرط أن يوظف طاقاته العقلية والجسمية،
ويستنفرها، ليبدأ رحلة المقاومة والتحدي، والدأب والمعاناة، والفشل
والنجاح، الإبداع والإخفاق، حتى تكتسي حياته فوق الأرض طابع الاجتهاد
المفضي إلى تحقيق الاستخلاف: «وكل ذلك في سبيل الإعداد لمصير دائم في
الحياة الأخرى يكون محكوماً في سعادته وشقائه بقدر ما يتحقق من مهمة
التعمير التي تثمر الترقية الفردية والجماعية للإنسان»(55).
وقد عبر القرآن الكريم عن هذه التهيئة بعبارة (التذليل) التي توحي بمعاني
التمهيد، والتسهيل، والتيسير، والإعداد، والتجهيز الذي يمكن الإنسان من
مباشرة عملية الاستخلاف. قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ
وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)(56)، قال ابن كثير: «..ذكر نعمته على خلقه في
تسخيره لهم الأرض، وتذليله إياها لهم، بأن جعلها قارة ساكنة، لا تميد ولا
تضطرب، بما جعل فيها من جبال، وأنبع فيها من العيون، وسلك فيها من السبل،
وهيأ فيها من المنافع ومواضع الزروع والثمار»(57).
وإدراك الإنسان المسلم لحقيقة التسخير التي أفاض القرآن والحديث في
بيانها وتوضيحها، يجعل علاقته بالبيئة علاقة توافق وانسجام تنتفي فيها
مشاعر التناقض والغربة، وتغيب أحاسيس العداء والاستعصاء لتتحول إلى سعي
رفيق لفهمها وسبر أغوارها، واكتشاف خباياها لإماطة اللثام عن بعض مظاهرها
التي تبدو عدوانية، والتي يدرك المسلم أن وراءها حكمة ومنفعة، يتوجب
عليها استيعابها ليتم له تسخيرها وفق أحسن الأساليب وأقومها.
تعمير البيئة
وقرر الإسلام ـ إلى جانب ذلك ـ أن هذه البيئة الموزونة بأرضها وسمائها،
ومائها، وهوائها، ودوابها، مسخرة للإنسان؛ ليعمرها بما يصلح حاله، وما
يلبي حاجاته الضرورية والكمالية على السواء، ويسعى في مناكبها بالعمل
الجاد المثمر، ليستخرج كنوزها وثرواتها تحقيقا لوظيفة الخلافة المنوطة به،
والتي تتطلب منه استثمار مقدرات البيئة، والتفاعل معها في حدود الالتزام
بالمنهج الإلهي الذي يضيء له الطريق، ويرسم له أبعاد وظيفته الحضارية.
وقد جعل الله سبحانه وتعالى العمران جزءاً أساسياً من تكوين الإنسان
الفطري حين ربط بينه وبين حاجات الإنسان الأساسية ربطاً عميقاً يجعله
مدفوعا إلى الإعمار دفعا، لأنه ليس بمقدوره أن يتوقف عن السعي في مناكب
الأرض، لارتباط هذا السعي بوجوده، كما هو الحال في حاجته الدائمة إلى
الغذاء والكساء والمأوى وما إليها، وهذا ما يفسر حركة الإنسان فوق الأرض،
وتفاعله مع مختلف المظاهر الطبيعية منذ فجر التاريخ، وسعيه الدائم
لتسخيرها بما وهبه الله من طاقات عقلية، وقدرات جسمية، غير أنه أرشده إلى
مراعاة التوجيهات الإلهية في حركته العمرانية، وأوجب عليه أن تصب جميع
نشاطاته في إطار إصلاح البيئة وتنميتها وتطويرها بما يكفل للبشرية
الاستفادة من كل ما أودع الله فيها من الخيرات، وتجنب إفسادها والإضرار
بعناصرها؛ لتبقى موردا دائما للرزق الوفير.
من هنا اعتبرت البيئة ـ في المنظور الإسلامي ـ أمانة وضعها الله في يد
الإنسان، ومكنه من ناصيتها، وأخضع له جميع مكوناتها؛ ليتصرف فيها تصرف
السيد في أملاكه، وسماها استخلافا، ومعناه أن الله تعالى قد أناب عنه
الإنسان في هذا الوجود، ليتصرف في مملكته الكونية طبقاً لحق الاستخلاف
الذي وهبه إياه.
ومن ثم فالخلافة في تكليف إلهي للإنسان ليباشر مهمة الإعمار والبناء في
الأرض وفق إرادة الله، لتتحقق بذلك العبودية الكاملة لله في هذا الكون
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ
خَلِيفَةً)(58).
غير أن استخلاف الإنسان في الأرض ومنحه مطلق السيادة على الكون لا يعني
أنه مالك له، وإن كان سيدا عليه، فهو ليس حاكماً بالأصالة، وإنما حاكم
بالتفويض، أي أن الله أطلق يده بالتصرف في الأرض للقيام بأعباء أمانة
الاستخلاف، وهو ما توحي به كلمة الخليفة التي تعني في جملة ما تعني
النيابة أو الوكالة. وعليه، فهو غير مخول أن يسير في الأرض بهواه منفصلاً
عن توجيه الله سبحانه وتعالى، لأن هذا يتنافى مع طبيعة الاستخلاف الذي
يستلزم ـ في جوهره ـ أن يظل الإنسان الخليفة مرتبطا بمن استخلفه ارتباطاً
مستمراً، وأن يجتهد اجتهاداً دائماً للاقتراب منه، وذلك بالعمل الدائب
والكدح المستديم لترقية ذاته وتنميتها حتى تنصاع لمنهجه في الإعمار
والإصلاح، وبذلك تتحقق وظيفة الاستخلاف في مستوياتها الراقية.
ويترتب على هذا المبدأ، أن جميع الكائنات التي تكون البيئة هي ملك لله
وحده، وهي مسخرة للإنسان على سبيل الاستخلاف والائتمان؛ ليعبد الله من
خلال تفاعله معها بالتعمير والإصلاح. ولذلك فإن كال ما يوضع في متناول
يده منها يكون على سبيل العارية، ومن مقتضيات الأمانة: أن ينتفع بها
المؤتمن في حدود ما يحتاج إليه من أسباب الرزق، مع مراعاة شروط صاحب
الملك الحقيقي الذي أنهى إليه أنه أصلح له الأرض وحذره من إفسادها:
(وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ
لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(59)، وقال تعالى: (وَلَكُمْ فِي
الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)(60)، فقوله تعالى:
(وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) يشير: «إلى أن كل ما في بيئة الأرض من مسخرات
للإنسان هو عارية تعود إلى صاحبها الحقيقي الذي هو الله عزوجل عندما يخرج
المنتفع بها في الدنيا بوفاته»(61).
كفاية البيئة
وقد تضمن القرآن الكريم والسنة النبوية وعداً صادقاً لبني آدم، إن هم
عمروا الأرض بالإحسان، وتعهدوها بالإصلاح، وحافظوا على عناصر بيئتها من
التخريب والتدمير والإفساد، أن تظل هذه البيئة تتفجر بالخيرات، وتجود
بالأقوات، وتضمن لهم رغد العيش وطيب المقام، ولا يخشون فيها جوعاً ولا
ضنكاً إلى أن يأذن ربها بفناء العالم.
وجاءت الآيات القرآنية مؤكدة تكفل الله بالأرزاق وإرسالها الدائم لضمان
كفاية البيئة، حتى يتمكن الإنسان من أداة دوره الاستخلافي وهو آمن إلى
أنها لن تلقي به إلى المجهول، إن هو دأب على استثمارها وتنميتها، وتفنن
في استغلال مواردها والاستنفاع بها، قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي
الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)(62)، وقال عزوجل (وَجَعَلَ
فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)(63).
وقدر الله أن تتنوع مظاهر هذه الكفاية متدرجة مع نشاط الإنسان العمراني،
وترقيه في سلم التقدم المادي الذي يفتح له باستمرار أبواباً جديدة للرزق،
وتتكشف له موارد غنية للاستنفاع، مما يدل على أن بعض عناصر البيئة
القابلة للاستثمار ظاهرة، متيسرة للإنسان، بينما بعضها الآخر كامن لا
يتمكن الإنسان من الاستفادة منها إلا إذا حان الوقت الذي قدره الله
لها(64)، وهو ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى: (وَالْأَرْضَ
مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ
كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ
لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا
خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)(65)، وفي قوله
عزوجل: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي
الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ
خَبِيرٌ بَصِيرٌ)(66): «إنه رزق في البيئة موفور في غير نفاد، ولكن بعضه
منظور ناجز، وبعضه خفي مقدر في ظهوره بأوقات تقتضيها الحكمة»(67).
ومن تأملنا في هذه التوجيهات، يتبين لنا أن الإسلام قد وضع الأسس المتينة
التي يقوم عليها التصور الإسلامي للبيئة، وأرسى القواعد العامة التي تضبط
سلوك المسلم البيئي، وتوجه نشاطه الفكري الذي يعد الصورة الأصلية نشاطه
المادي والوجه الثاني له لما بينهما من الاتصال العضوي المحكم والتفاعل
المستمر، كما حدد بدقة نوعية العلاقة التي تربط الإنسان بعناصر البيئة،
والتي تخوله حق التصرف الواسع فيها بالاستثمار والتنمية والتطوير في إطار
القوامة التي تدفعه ـ في الوقت ذاته ـ إلى المحافظة عليها وحمايتها،
والرحمة بمخلوقاتها، والرأفة بكائناتها؛ حتى يفضي تعامله معها إلى
العمران والإصلاح الذي سيكون الرصيد الذي يحمله معه إلى أخراه، باعتبار
أن جميع أعماله في الحياة الدنيا أعمالاً تعبدية يبتغي بها وجه
الله:(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
أَحْسَنُ عَمَلًا)(68).
الهوامش
ـــــــــ
(*) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة باتنة، الجزائر.
(1) النجار، د.عبد المجيد، قضايا البيئة مشاكلها وقضاياها، مكتبة ابن
سينا، القاهرة، 1993م: 39.
(2) عياد، د. محمد عبد الجواد (الاستقرار والتوازن في المنظومة البيئية)،
مجلة التربية ع 95، ديسمبر 1990 قطر: 220.
(3) عياد، د. محمد عبد الجواد (الاستقرار والتوازن في المنظومة البيئية)
مجلة التربية، ع 95: 220.
(4) النجار، د.عبد المجيد، مرجع سابق: 41.
(5) المائدة: 3.
(6) الكيلاني، د. زيد «حماية البيئة في الإسلام»: 202.
(7) الزبيدي، قاصد ياسر، الطبيعة في القرآن الكريم، دار الرشيد، بغداد،
1980:46.
(8) طه: 53.
(9) الذاريات: 48.
(10) الرعد: 4.
(11) يس: 80.
(12) الزمر:21.
(13) النحل: 14.
(14) الروم: 48.
(15) البقرة: 164.
(16) الأنعام: 38.
(17) النحل: 5ـ8.
(18) فاطر: 27و28.
(19) قطب، سيد، في ظلال القرآن ـ دار الشروق، بيروت، ط7، 1978، مج 5:
2943.
(20) الحجر: 16.
(21) النحل: 6.
(22) النور: 41.
(23) الإسراء: 44.
(24) قطب، سيد، في ظلال القرآن، مج 4: 2230-2231.
(25) السجستاني، سليمان بن الأشعث. سنن أبي داود، تحقيق: محمد محي الدين
عبد الحميد، دارالفكر، بيروت، د.ط.د.ت. كتاب الأدب، رقم الحديث 4561، ج4:
361.
(26) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، رقم الحديث 2548، ج3: 23، ومسند أحمد،
مسند الشاميين، رقم الحديث 16769.
(27) مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد
عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ت.د. ط. كتب الصيد
والذبائح وما يؤكل من الحيوان. رقم الحديث 3617، ج3: 1549. وسنن الترمذي.
كتاب الصيد، رقم 1395. وسنن النسائي، كتاب الضحايا، رقم 4367 و 4368.
وسنن ابن ماجه، كتاب الذبائح، رقم 3178. ومسند أحمد، مسند بني هاشم، رقم
1766 و 2345 و 2350 و 2401.
(28) الملك: 3.
(29) الأنبياء: 22.
(30) الحجر: 19.
(31) طبارة، عفيف عبد الفتاح، روح الدين الإسلامي: 57.
(32) المرجع نفسه: 58.
(33) زكي، مع الله في السماء: 78.
(34) ص: 27.
(35) البقرة: 26.
(36) سنن أبي داود، كتاب الأدب، رقم 4433، بإسناد حسن، ج4: 326، وسنن أبن
ماجه، كتاب الأدب، رقم 3717، ج2: 1228.
(37) الجاحظ، الحيوان، تحقيق: عبد السلام هارون، دار إحياء التراث،
بيروت: ط3، 1969، ج2: 301.
(38) الاصفهاني، الراغب، الاعتقادات، تحقيق: شمران العجلي، مؤسسة الأشرف،
بيروت، 1988م: 235.
(39) نوفل، عبد الرزاق، بين يدي الله، دار الكتاب العربي، بيروت: 99و100.
(40) نوفل، عبد الرزاق، بين يدي الله: 100.
(41) المرجع نفسه: 101و 102.
(42) الشريف، د.عدنان، بين القرآن الكريم وعلوم البيئة، رسالة الجهاد، س.
6. ع. 62، يناير 1988، مالطا: 37.
(43) الفلق: 1و2.
(44) الشريف، د. عدنان، بين القرآن الكريم وعلوم البيئة: 37.
(45) الحجر: 28و29.
(46) التين: 4.
(47) البقرة: 31.
(48) الإسراء: 70.
(49) يس: 71-73.
(50) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دارالكتاب العربي، بيروت، ط1،
1967م، ج15: 55.
(51) الإسراء: 70.
(52) الأصفهاني، تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، تحقيق: د.عبد المجيد
النجار، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1988: 10.
(53) ابن رشد، مناهج الأدلة في عقائد الملة، تحقيق: محمود قاسم. مكتبة
الانجلو المصرية، القاهرة، ط3، 1919: 151-152.
(54) خليل، د. عماد الدين، حول إعادة تشكيل العقل المسلم، سلسلة كتاب
الأمة، رئاسة المحاكم الشرعية، قطر، ط1، 1400هـ:97.
(55) النجار، د.عبد المجيد، قضايا البيئة من منظور إسلامي: 177.
(56) الملك: 15.
(57) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، 1970م، ج4: 398.
(58) البقرة: 30.
(59) الأعراف: 85.
(60) البقرة: 36.
(61) الفقي، محمد عبد القادر، «المفهوم الإسلامي للبيئة»، مجلة الفيصل،
السعودية، ع 225، أغسطس 1995: 57.
(62) هود: 6.
(63) فصلت: 10.
(64) النجار، د. عبد المجيد، قضايا البيئة من منظور إسلامي: 140.
(65) الحجر: 19-21.
(66) الشورى: 27.
(67) النجار، د.عبد المجيد، قضايا البيئة من منظور إسلامي: 141.
(68) الملك: 2.
|
|
|