|
الاحد:
14/09/2008
القراءة التاريخية للفكر الديني
الضرورات والدلالات(3/3)
حيدر حب الله(*)
الفائدة
السابعة: إقصاء النزعات الشخصانية والفئوية وتقليص دورها
تساهم الدراسات التاريخية فيما يتعلـّق بالشخصيات العلميّة في زالة الثقل
النفسي الذي تتركه مثل هذه الشخصيات على الصعيد العلمي والمعرفي، فعدم
دراسة شخصية من الشخصيات دراسة علمية تاريخية تقوم على مبادئ المقارنة
والمقاربة، وعلى تكشـّف النجاحات والإخفاقات التي واجهتها هذه الشخصية،
وعلى الانتقادات والدفاعات التي أحاطت الحديث عنها على مرّ العصور من قبل
المؤيدين لها أو من قبل المعارضين، إن عدم ذلك كله سيترك البعد العاطفي
والنفسي يتصدّر كرسي الحكم على الأمور سواءٌ قدّم هذا البعد جواباً
إيجابياً أو سلبياً، فالتصورات التي قد يصحّ التعبير عنها بأنها أوليّة
عن شخصية ما ونابعة ـ عادة ـ من وثائق أشبه بالصحفية، يمكنها أن تسطـّح
وَعْيَنا بهذه الشخصية نفسها، وتجعل الانفعال متحكـّماً بالمواقف كله،
بحيث يفترض بعضهم أن هذه الشخصية ـ ومن حبّه لها ـ قد ولدت من العدم
وكأنه لا تراكمات أتت بها إنه يحاول أن يقرأً فكر هذا الشخص دون مقارنةٍ
بأمثاله على أقل تقدير، وإذا به يتوصل إلى نتيجة تقول بأن هذا الشخص لا
نظير له أبداً، أما لو درس تاريخية الشخصيات بنظرة شمولية تستوعب الظروف
المحيطة، فسيجد أن هذه الشخصية ـ مع الاعتراف الكامل بتفوقها وتقدمها
وعطاءاتها ـ إنما تقدمت خطوة أو خطوات في طريق ساهم الآلاف ـ وما يزالون
ـ في طيّة، ولم تكن القضية انبثاقاً من عماء مطلق أو فراغ أزلي.
وهكذا الحال في الموقف السلبي من بعض الشخصيات أو من شخصيات بعض
الاتجاهات، فإن الحمولات المسبقة التي لا تدرس الشخصيات دراسة مستوفية في
تاريخها قد تؤدي إلى تفويت فرص على علوم بأكملها، فالمذهبية التي تلفّ
علم الكلام تفوّت عليه الكثير من التلاقحات الضرورية التي تثريه وتضاعف
من إنتاجياته، فعلى سبيل المثال، الصراع الذي وقع في تاريخ علم الكلام
الإسلامي حول قضية التحسين والتقبيح كان له تأثيرٌ بالغ في تطوير
الدراسات العقلية وتحديد قيمة العقل في الفكر الديني عموماً، لكن البقاء
اليوم على هذه الثنائية أي ثنائية العدلي وغيره أو ثنائية المعتزلي
والأشعري في هذه القضية سوف يرهق علم الكلام قبال النظريات الجديدة التي
أغرقت العالم الغربي في هذا الموضوع منذ «كانط» ومن سبقه وحتى عصرنا
الحاضر، بمعنى أن الضرورة (المعرفية) صارت تفرض اليوم تشكيل جبهة موحدة
في التيار الديني إزاء هذه الموضوعات، ولم يعد هناك معنى للتحفظ إزاء
عمليات المزاوجة والانتقائية الإيجابية بين التيارات التقليدية القديمة،
وهذا معناه أن الشعور بالثنائية داخل الإطار الديني صارت له أضرار عديدة
وفقاً للمستجدات، والحال أن هذه القضية يجب أن تخرج عن دائرة التداول
المذهبي، وبالتالي يجب أن يزول التقسيم الذي يجعل قضية العقل العملي
وأمثالها داخلة في الأطر المذهبية، بحيث يقال: إن هذه المقولة تابعة
للمذهب الشيعي، وتلك تابعة للمذهب السني والأشعري؛ لأن هذه المذهبية ـ
وهي نتاج تاريخي ـ سوف تربك طبيعة المستجدات وهي تتجاهل الواقع العالمي
الفكري اليوم الذي يفرض إلغاء الطابع المذهبي الديني لقضية من هذا
القبيل، فالتحسين التقبيح ليست مسألة الإمامة، وإن اتصلت بها، بيد أن
إدخالها بوصفها ورقة صراع مذهبي يضرّ بحركة البحث وحيويته ضرراً بالغاً
جداً، وهكذا الحال في بعض القضايا الأخرى التي تعكس المذهبية ضرراً
كبيراً عليها من قبيل مسألة النظر والمعرفة في علم الكلام وغيرها.
وهكذا الحال في علمي الرجال والحديث؛ فإن المذهبية تفوّت على هذين
العلمين مواداً كبيرة قدّمتها شخصياتٌ من اتجاهات أخرى، تماماً كما يقول
الشيعة في تعليقهم على موقف أهل السنة من روايات الراوي الشيعي، فإن ردّ
أهل السنة لهذه الروايات باتهام الرفض في راويها، قد ضيّع عليهم فرصاً
كبيرةً في التعرف على الموروث الإسلامي والعكس الصحيح، والكلام عينه على
صعيد عدم الأخذ بتوثيقات أو تضعيفات الرجاليين الشيعة أو السنة.
إن هذه الدراسات ـ وبهذا الشكل ـ سوف تقلـّص من تأثيرات النزعات
الشخصانية في العقل والفكر كله، دون أن تلغي مبدأ التفاعل العاطفي
والمرجعي معها، كما أنها ستمنح الاعتراف الطبيعي ـ لا المنقوص ـ بكل أو
أكثر النتاجات الفكرية والعلمية، وتحدّ ـ من ثم ـ من اختزال المعرفة أو
احتكارها.
بيد أن هذا لا يعني الإنقاص أو ممارسة الاحتقار التقزيم لجهود الآخرين
نتيجة نزعة تبسيطية للأمور، وهو أمرٌ يلاحظ التورّط به لدى بعض الباحثين
المعاصرين، فممارسة طريق الاعتدال يمكنها أن تجنبنا الإفراط والتفريط في
هذا المجال إذا أتقنـّا هذه الممارسة.
ونفس هذه الكلام يمكن تطبيقه على فكر أو مدرسة أو.. كما حاوله المفكر
المعروف روجيه غارودي في تعامله مع الفكر الغربي، وتأكيده في أكثر من
كتبا لا سيّما «حوار الحضارات» على طبيعية الظاهرة الغربية وعدم كونها
إعجازاً استثنائياً على قطيعة مع الحضارات والأمم والثقافات السابقة
والمعاصرة له.
وفي تقدير الكاتب، فما لم يجر ممارسة نوع من الجرأة المؤدبة في حق
التجارب الفكرية الدينية مهما بلغت من العظمة والكبرياء والشموخ فلن يكون
بالإمكان عبور هذه التجارب نحو المزيد من التقدم، لأن الثبات في مراحل
العظماء ـ كتجاوزهم ـ مشكلتان تعيقان نموّ الفكر وتطور المعرفة
الإنسانية، دونما استثناء بارز على هذا الصعيد، من هنا يجب تحييد التعاطي
التبجيلي مع التجارب السابقة دون التورط في النقد المشوّه واللاهث، وكما
يقول بعض الباحثين المعاصرين فإن طريقة «الإطراء والتبجيل (الإطلاقية)
القائمة على عقدة (الدهشة والتعجب) والتي تتسم بأنها تعجز عن أن تغطي
الجانب الفكري.. طريقة تفضي إلى الخروج بحصيلة مشوشة ومضللة عن الفكر
المقروء إن لم نقل أنها تقع في التناقض لما تزاوله من مهنة النقل
والبقالة، حيث التعامل بروح واحدة مع كل من المهجور والمعوّل عليه أو
القديم والجديد»(21).
وفي هذا الإطار، ننظر بتحفظ نسبي إلى كثير من الدراسات المؤلفات
والمؤتمرات والمشاريع والندوات و... التي تمركزت على دراسة شخصية
تاريخية؛ حيث نجد منطق التبجيل مهيمناً، وأنّ الهدف الرئيس من وراء هذه
الاعمال هو ـ في الغالب ـ تقديم الجانب الإيجابي من الشخصية، الأمر الذي
قد يبرّر أحياناً بأن المرحلة لا تسمح بحركة نقد واسعة، بل المطلوب ـ
اولاً ـ التعريف بالتراث والكشف عن مزاياه الحميدة.
إن هذا اللون من التفكير ـ على صحّته النسبية ـ ليس مكتملاً؛ إذ من
قال:إن المفترض في البداية عرض الموروث بصورته الإيجابية وتأجيل الجوانب
السلبية؟ وما هي المبرّرات الموضوعية لاستخدام هذا الأسلوب في الحياة
العلمية حيث كلامنا فعلاً؟
من هنا، نرى ضرورة فتح باب القراءات العلمية ـ بما للكلمة من معنى ـ
للشخصيات والموروث التاريخي. بعيداً عن منطق الدعاية والإعلام، أو عن
منطق التجريح والتشفي، فلست هذه دعوة لفضح العلماء والسابقين، بل هي رغبة
في إعادة هيكلة آليات التعامل معهم، وسوف يأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ
مزيد توضيح لهذه النقطة لدى الحديث عن إشكاليات المنهج في قراءة التاريخ
الإسلامي.
الفائدة الثامنة: القدرة على قراءة التجربة من
الداخل
وهذه نقطة مهمة، فعلى سبيل المثال تمدّنا القراءة التاريخية للفكر
بالمزيد من المعرفة بأمور لم يلتفت إليها حتى أصحاب التجربة أنفسهم؛ لأن
خوض التجربة يفرض التأطـّر بأطر تفرضها طبيعة الظرف والصراع والتحولات
بحيث قد يصعب أحياناً لمن يقف داخل التجربة أن يلاحظ المجمل العام
للأحداث بشكل واع، أما من يقف خارج التجربة بعد أن تهدأ الأمور فإن
بإمكانه أن يلاحظ العديد من النقاط التي لعبت دوراً في التجربة نفسها،
ومن ثم، بإمكانه أن يحدّد نقاط الضعف ونقاط القوة هنا أو هناك، ما دام
غير خاضع لتأثير حرارة وسخونة التجربة نفسها، وأفضل مثال على ذلك على
صعيد علم الكلام العاصر هو الصراع الكلامي مع المذهب الماركسي الذي امتدّ
منذ بدايات القرن العشرين تقريباً وحتى أواخر الثمانينات، فنحن اليوم غير
خاضعين لحرارة الجو الماركسي والخلاف الديني الإلحادي، من هنا بإمكاننا
أن نضع الملاحظات على تجربة المتكلـّم الإسلامي قبال ظاهرة الإلحاد دون
أي تحفظ، والسبب في هذا الأمر عادة هو أن طبيعة التجربة حينما تكون في
أوجها وذروتها تدخل فيها اللعبة السياسية والاجتماعية، ومن ثم، لن تعود
لعبة فكرية خالصة مادام لهذه اللعبة تأثير بالغ على الأوضاع الحياتية،
أما حينما تنتهي التجربة فإن الأطراف سوف يكونون أقدر على بيان واقع
الأمور دون مواربة؛ ذلك أنه ليس ثمة تأثيرات سلبية حتى للنقد البناء
الداخلي بهذا الحجم الذي كان موجوداً زمان التجربة، وهذا يعني أن القراءة
الخارجية ـ بهذا المعنى للخارجية ـ تلعب دوراً كبيراً في تحديد أوضاح
لنقاط الضعف والقوة ربما أكثر من أصحاب التجربة نفسها ووروّادها.
الفائدة التاسعة: تحديد نقاط الفراغ وكشف المبادئ
المستورة
تساعد القراءة التاريخية على اكتشاف نقاط الفراغ التي خفيت أو لم يلتفت
إليها السابقون والمتقدمون، وكذلك اكتشاف أسس ومباني معرفية أو مضمونية
انطلق منها المتقدمون دون أن يسجّلوها في أفكارهم ونظرياتهم، بحيث لا يصح
القول بأن هذه النظرية أو تلك كانت مصيبة دون إضافة هذا النقص البنيوي
الذي لم يجر التنظير له، وإنما تمت ممارسته فقط.
والسبب الرئيس في عمليتي الاكتشاف هاتين هو طبيعة عنصر المراكمة العلمي،
ذلك أن الأفكار ـ و لاسيما منها النظريات والمشاريع الفكرية ـ لا تولد
عادة بشكل دفعي، وإنما تخضع لنظام حياة متكامل؛ إذ تتراكم المعلومات
والأفكار والتصوّرات نتيجة البحث والجدل والمناظرة والحوار بمختلف أشكال
هذه الوسائل، وعلى إثر هذا التراكم تبدأ النظرية في أخذ تشكـّلات أكثر
اكتمالاً، فالنظريات ـ كالصور والرسومات ـ عندما تبدء النقطة الأولى منها
لا تظهر جلياً بأجزائها ومكوّناتها ونواقصها، لكنها عندما تصبح شبه
مكتملة تبدأ نقاط الفراغ بالبروز وأخذ المعالم الخاصة بها مما يسهل على
الناظر لها إكمال تكوينها واكتشاف مميزات عناصرها وإخراجها المخرج
النهائي، وهذا الإكمال لا يتسنى عادة ما لم تكن هناك قراءة تاريخية تبيّن
لنا: كيف اكتمل ما اكتمل من الصورة تدريجياً؟
وكمثالٍ بارز على هذا الأمر تجربة تأسيس فقه النظرية، الذي نادى به جماعة
من كبار العلماء من أبرزهم السيد محمد باقر الصدر(22)، فإن فقه النظرية
تعبيرٌ آخر ـ من الناحية العلمية ـ عن إعادة تشكيل صور متكاملة للفقه،
تعيد إنتاجه ضمن محاور وأبواب وعناوين ومداخل مختلفة، والأمر الذي يحصل ـ
وهو ما أكدته تجربة النصف الثاني من القرن العشرين ـ هو أن تجميع
المفردات الفقهية المتناثرة جداً والمتصلة بنظرية ما كالنظرية الاقتصادية
أو السياسية أو الاجتماعية.. يؤدي إلى تشكـّل صورة كبيرة مبرقشة، أي
تتناثر فيها نقاط فراغ لم تكتمل، إن إعادة تشكيل الفقه وفق أسس ذات طابع
كلي حديث ـ كالدولة والفرد والمجتمع والاقتصاد والعالم والأسرة و... وهي
عناوين جديدة تلعب دوراً هاماً في إعادة إنتاج الفقه الإسلامي إذا تمّت
الموافقة على اعتبارها مداخل لهذا الفقه ـ أدى ـ ويؤدي ـ إلى تشكل صور
جديدة لا تخلو من نقاط فراغ، وهذا معناه أن دراسة المسار التطوّري
التاريخي للفقه يحدّد لنا ـ من خلال التجارب السابقة ـ حجم الفراغ الذي
تم ملؤه تدريجياً، على صعيد الجهود التي سعت لتحقيق مشروع فقه النظريات
والفقه الكلي، كما يحدد حجم الفراغ الذي برز عندما بدأت تجربة فقه
النظرية بالدخول إلى حيّز الوجود الفكري والبحثي.
وإذا أخدنا نفس تجربة فقه النظريات أنموذجاً، سنجد من جهة أخرى الأسس
التي سار الفقه عليها في مرحلة ما قبل هذا المشروع دون أن يلاحظ هذا
الفقه نفسه هذه الأسس وهذه المسارات التي حكمته وتحكـّمت في نشاطه،
فعندما كان يتحدّث الشهيد الصدر في إطار قراءته منجزات الشيخ محمد جواد
مغنية وغيرها عن موضوع اعتماد الفقه على النظرة الفردية الانكماشية
والحاجة إلى الفقه الاجتماعي(23)، فقد كان يصدر في ذلك عن دراسة لتاريخ
منجزات هذا الفقه، فلو لم يكن على اطلاع على تاريخ هذا الفقه ومساراته
ونتاجات علمائه لما أمكنه تحديد نقطة بهذا النوع من الحساسية، لكن الأهم
من ذلك هو نفس مشروعه حول فقه النظرية، ذلك أن هذا المشروع كشف عن ثغرات
في بنية الفقه، ووضع الفقه أمام سلسلة من التساؤلات الكبيرة والكثيرة.
ومقصودنا من أنموذج فقه النظرية التدليل على أن قراءة تاريخ الفقه ما قبل
هذا المشروع وما بعد بالنسبة لنا يكشف لنا عن نقاط فراغ عديدة عاني
ويعاني منها الفقه نفسه، فعنصر المراكمة الذي عززته مقولة فقه النظرية
ساعد في الإطلالة على الفقه من زاوية أخرى، زاوية تتجاوز منطق التبجيل
والتعظيم الذي لا يمثل في حدّ نفسه خطأ وإنما يشكل تخطـّيه وسيلة إضافية
لإكمال مسيرة الفقه كله.
ويمكن هنا إضافة مثال آخر يوضح الفكرة ويعززها، وهو مثال تفسيري، وهو
قاعدة الجري والانطباق التي نظـّر لها ومارسها العلامة المفسّر السيد
محمد حسين الطباطبائي (1981م) مستنتجاً إياها من الأحاديث الشريفة(24).
إن دراسة الأداء التفسيري السابق على العلامة فيما يخص هذا الموضوع
(وسنعتبر هنا أن العلامة هو الحدّ الفاصل ما قبل نظرية الجري والانطباق
وما بعدها بعيداً عن أي تحديد تاريخي مدروس حول الفكرة، لأن جانب عدم
تخصّص الوارد بالمورد من جوانب قاعدة الجري القديمة التطبيق والممارسة،
بيد أن جانب تطبيق التأويل والبطن القرآني فيه شيء من الجدة دون استباق
النتائج)، ومن ثم ملاحظة إنجاز العلامة في هذه القاعدة وصياغتها
وبلورتها، يفضي إلى اكتشاف خللٍ ما في النظام التفسيري السابق الذي ـ حسب
الفرض ـ كان يفتقد في تصوّراته قاعدة من هذا القبيل، وهذا معناه أننا
أمام احتمالين هما:
أـ أن تكون القاعدة المذكورة منطلقاً تفسيرياً للعلماء السابقين حينما
كانوا يأخذون بالنصوص الروائية التي تطبّق آية على موارد متعددة.
ب ـ أن يكون هناك خلل معين اكتشفناه عندما عثرنا في الدراسة التاريخية
على قاعدة الجري، لكن ما يبدو للباحث بعد ذلك أكثر صعوبة وإشكالية هو
فيما إذا رفض قاعدة الجري أو حدّ من دائرتها ولو بحجـّة أنها قاعدة
مقبولة نظرياً لكنها على خلاف ألسنة الروايات التي افترضت مصاديق لها، أو
لا أقل بعض هذه الروايات عملياً، وهو ما سيكشف لنا من خلل وفراغ في
النظرية التفسيرية الماضية نصبح مطالبين بملئه أو بوضع إجابة منطقية عنه،
الأمر الذي لم يكن ليحصل لولا الاطلاع التاريخي على نتاج شخص كالعلامة
الطباطبائي.
وبهذا نجد من خلال قراءة المسار التطوّري التاريخي للنظريات والمحاور
العلمية نقاط الخلل أو الفراغ التي جرى ملؤها تدريجياً، وبالتالي اكتشاف
هذه النقاط، ومن ثم محاولة ملئها مجدداً إذا لم تتم الموافقة على الخطوات
السابقة للعلماء على هذا الصعيد.
الفائدة العاشرة: رصد المسار التطوّري للعلم
واستشراف المستقبل
ومن إسهامات القراءة التاريخية محاولة استكشاف مستقبل علم ما من خلال
قراءة مساره التطوّري حتى اللحظة الحاضرة، فإذا جاز التعبير، تشبه العلوم
في حركتها التاريخية حركة التاريخ كله، لقد مثلت المادية التاريخية التي
أطلقها الفكر الماركسي نقطة في غاية الأهمية حتى لو رفضنا مضمون هذه
المادية، ذلك أن ما تعتمد عليه فلسفة التاريخ الماركسي ـ ومن قبلها
تطوّرات البحث التاريخي مع عصر النهضة نفسه ـ هو وجود أنظمة كونية تتحكم
بمسار التاريخ، وكأن التاريخ كتلة نلاحظ مسار تشكلها وتطوّرها ونكتشف
قوانينها في مختبر ما، وهذه الظاهرة ـ الفكرة نجدها عند عبد الرحمن بن
خلدون الذي مثل البدايات الهامة لعلمي: التاريخ والاجتماع في قراءة أنظمة
الحياة على شبه قراءة أنظمة الطبيعة، وتنامى الوضع إلى أن وصل مع أرنولد
توينبي (1975م) وأوزفالد شبنجلر(1936م) إلى مراحل من التنبؤ
بالمستقبل(25)، وأساس هذا النوع من التنبؤ قائم على مذهب الحتمية القائل
بأنظمة عليـّة ومعلولية في حركة الحياة كالطبيعة، ويرى مذهب الحتمية هذا
في التاريخ مقولة لا بلاس في الطبيعة، في اننا لو حصلنا على معرفة بحالة
الكون في وقت محدد فبالإمكان التنبؤ بكل ما يستدعي ويتلو هذه الحالة إلى
نهاية تاريخ الكون.
لا نريد ممارسة التطبيق الحرفي لهذه المفاهيم على حركة العلوم، لكنها
بالتأكيد تحظى بدرجة من الصحة في الحياة العلمية، من هنا بإمكان القارئ
لحركة علم من العلوم استشراف مستقبل هذا العلم، لا أقل مستقبله القريب من
النمو أو الضمور، والنجاح أو الكسل والفشل و... فإذا قرأنا مثلاً تاريخ
علم الفقه مع الدولة البويهية أو الصفوية مثلاً للاحظنا نسقاً خاصاً من
التطوّر كان يحصل لهذا الفقه عقب دخوله الحركة السياسية وأنظمة الحكم
بدرجة من الدرجات، وانطلاقاً من قراءة سلسلة تجارب الفقه الشيعي مع
الدولة/الأمة/السياسة/الحكم... في سلسلة حقبات ماضية، يمكننا استشراف
حالة ما بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران نهاية السبعينات من القرن
العشرين إلى عقود أخرى ـ بعيداً عن القول القاضي بأن الحركات الإسلامية
في القرن العشرين والجمهورية الإسلامية في إيران كشفت عن خوار الفقه
وضعفه ووهنه ورفعت القناع عن واقعه الزائف كما يراه البعض، فهذه مقولة
أخرى تحتاج لدراسة مستقلة ـ وذلك انطلاقاً من ضغط الواقع الذي له نتائجه
المتعددة.
وهكذا إذا حاولنا قراءة تجربة التفسير الطبيعي العلمي للقرآن الكريم التي
مثـّل طنطاوي جوهري وأحمد الاسكندراني، ومن بعدهما الشيخ محمد رشيد رضا
صاحب تفسير المنار (1935م)، أنموذجاً بارزاً فيها من خلال إخضاع الآيات
والنصوص لنتائج العلوم الطبيعية، فقد ظهر تيار كبير بين العلماء المسلمين
رأى ضرورة مواكبة العلوم الطبيعية؛ فاضطرّه ضغط الواقع لتقديم منهج
تفسيري قرآني يحاول تحقيق وصلةٍ وانسجام ما بين النص القرآني والنتاجات
العلمية الحديثة، هذه التجربة عندما تقرأ تاريخياً ثم تقيّم مضمونياً
سنجد فيها ـ وهذا موقف شخصي بحت قد لا تتم الموافقة عليه ـ درجة عالية من
الخلل الذي يعود ـ بالدرجة الأولى ـ إلى عمليات إخضاع النص تحت تأثير
مخاوف اللاوعي وهرباً من ضغط الواقع دون أن نتنكـّر لدور العلوم الطبيعية
في كشف حيثيات في النص الديني لم يكن ليلتفت إليها المفسّر أصلاً، وهذه
المخاوف جرّت بعضهم إلى تصوّر أن القرآن الكريم يمثل كتاباً علمياً
كيميائياً فيزيائياً طبياً، ثم ظهر اتجاه يعطي الشرعية لهذه المقولات
انطلاقاً من كون القرآن تبياناً لكل شيء، حتى ظهرت أخيراً جماعة «فرهنكستان
قم» في إيران، تدّعي وجود جميع العلوم في القرآن، على شبه ما ذهب إليه
الغزالي (505هـ) في كتابه «جواهر القرآن»، ووصل الحال إلى إصدار كتاب تحت
عنوان «البرنامج الكمبيوتري التوحيدي»، والذي يدّعي وجود نظام كمبيوتري
على أسس مفهوم التوحيد.
وبعيداً عن تحديد مدى صدق هذه المقولة التي يرفضها العديد من العلماء
الآخرين، إلا أنها حاولت أن تعطي للقرآن دوراً في الحياة من خلال إدارجه
في مصادر المعرفة العلمية، مادام هذا النوع من المعرفة هو السائد،
وكنتيجة طبيعية لذلك صار من الضروري إنهاض النص وتثويره لكي يضخّ
بالمعطيات العلمية.
لكننا عندما نقرأ التجربة بعد تراجع ضغط تلك المرحلة، سنجد ـ بهدوء
أعصابنا ـ أن الكثير من هذه التفاسير ـ وليس جميعها ـ كان تحميلاً لا
ينسجم مع قواعد اللغة العربية أو بلاغتها أو ظهورها الطبيعي، وهذه
التجربة ستصبح منطلقاً لنا لندرس واقعنا الفعلي والمستقبلي على ضوئها؛
لنطبّقها في تجارب أخرى نقع فيها، وهذا ما نلاحظه اليوم بالضبط، إذ
التيارات المتعددة تحاول في ظرف ضغط الواقع السياسي أو الاجتماعي هنا أو
هناك أن تستنطق النص القرآني لصالحها والتجارب السابقة سوف تعطينا قناعة
بأن نتائج قراءة خاضعة للضغط بهذا الشكل ستكون خاطئة بدرجة عالية، وهو ما
سيجعلنا أكثر انضباطاً، بل أكثر شكاً في صحّة ما توصلنا إليه، وأكثر
تواضعاً مهما كان اتجاهنا الذي نميل له؛ لأن نتائج قراءة النص في ظروف
كهذه تقول التجربة عنها: إنها خاطئة في كثير من الأحيان ومتسرّعة
وتحميلية وما شابه ذلك.
ولا نريد من هذا المثال الانتقاص من قيمة التفسير الطبيعي العلمي للنص
القرآني الذي لا ننكر اشتماله على موضوعات علمية، كما لا نريد ادعاء وجود
قراءة موضوعية نزيهة، لكن ما نريده هو تحديد تعاطي هذا المنهج التفسيري
وضبط حدوده ونطاقه وأساليبه، ومن ثم توظيف هذه التجربة في تقييم تجارب
حالية أو تحديد نمط التعاطي المستقبلي مع تجارب لاحقة.
وهكذا الحال في تجربة الدعوة إلى الالتحاق بالركب الغربي والانصهار به
التي ظهرت منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وأخذت أشكالاً متطوّرة
مع شخصيات من أمثال سلامة موسى (1958م) وطه حسين (1973م) في بدايات حياته
في الساحة العربية، وحسن تقي زاده (1969م)و.. في الساحة الإيرانية، أو
تجربة الرفض المطلق للوافد الغربي والتي امتازت بها مجموعة من التيارات
السلفية..
هذه التجارب التي نلاحظ مشكلاتها الحادة اليوم يمكنها أن تعطينا استشرافا
لمستقبل المشاريع الحاضرة المشابهة لها أو المطابقة، مع الحفاظ على
الخصوصيات وعلى الزمان والمكان، وبالتالي تحدّد نمط التعاطي اللازم
الإجراء مع مثل هذه المشاريع والأفكار.
وبذلك نجد أن قراءة تجارب معرفية وعلمية متقدّمة قراءة تاريخية خاصة
تجعلنا أكثر قدرة على تحديد أوضاع أفكار أو علوم أو آراء معاصرة، لاسيما
من زاوية معرفية ومنهجية، ومن ثمّ تحديد المستقبل على ضوء هذه المعرفة
بالواقع الحاضر.
وبعبارة أخيرة موجزة: إن العقل التاريخي ضرورة للمعرفة الدينية، وما لم
نفعّل هذا العقل في نشاطاتنا الفكرية فلن نتمكـّن من تجاوز الكثير من
المشكلات العالقة في ساحة الفكر الديني.
الهوامش
ـــــــــ
(*)
كاتب وباحث من لبنان، رئيس تحرير مجلة المنهاج.
(21) الشيخ يوسف البحراني، الحدائق الناضرة1: 35-40، وأيضاً ج9: 361-378.
(22) انظر: اقتصادنا: 355-405، وله أيضاً «الاتجاهات المستقبلية لحركة
الاجتهاد»، مجلة فقه أهل البيت (عليهم السلام)، العدد1: 13-21، وراجع حول
النظرية عند السيد الشهيد: خالد الغفوري، مجلة فقه أهل البيت (عليهم
السلام)، العدد 20، فقه النظرية لدى الشهيد الصدر: 123-204؛ وسلسلة كتاب
قضايا إسلامية معاصرة، العدد 30، فقه النظرية عند الشهيد الصدر، باقر
برّي.
(23) انظر مجلة فقه أهل البيت(عليهم السلام)، العدد الأول، مصدر سابق،
وسلسلة اخترنا لك، بحوث إسلامية، محمد باقر الصدر، الفهم الاجتماعي للنص
في فقه الإمام الصادق(عليه السلام): 234-241.
(24) محمد حسين الطباطبائي، القرآن والإسلام: 56-57.
(25) اعتمد توينبي المنهج الاستقرائي في دراسة التاريخ ليصل به إلى
تعميمات، موسّعاً بذلك ما أتى به قبله شبنجلر في كتابه الشهير «أفول
الغرب».
المصدر: حيدر حب الله، مسألة المنهج في الفكر الديني، وقفات وملاحظات،
مؤسسة الانتشار العربي، بيروت،2007.
|