|
السبت:
13/09/2008
القراءة التاريخية للفكر الديني
الضرورات والدلالات(3/2)
حيدر حب الله(*)
معطيات المنهج
التاريخي وفوائده
ولا بأس هنا بالإشارة إلى بعضٍ من الفوائد التي يمكن لدراسة تاريخ العلوم
الدينية أن تغذي بها المعرفة الدينية عامة، ألا وهي:
الفائدة الأولى: فهم العلم ونظرياته
إن دراسة التاريخ العلمي ـ كما تقدّم ـ تساهم بشكلٍ جاد في فهم العلم
نفسه ونظرياته من خلال فهم طبيعة المراكمة التي شكلت المكوّن النهائي
الحالي لهذه النظرية أو تلك، فإذا أخذنا مثلاً نظرية حجية خبر الواحد في
علم الأصول، وحاولنا دراسة المراحل التاريخية التي مرّت بها، فإننا في
إطار سيرنا التاريخي الذي سيفرض علينا المرور التدريجي بأفكار العلماء
والمدارس الأصولية والإخبارية السنيّة والشيعية سوف نتمكـّن من تشكيل
تصوّر واضح عن هذه النظرية، إذ بقدرتنا على إبراز الموائز المستمدة من
الدراسة التاريخية سنستطيع ملاحظة عناصر الالتقاء والافتراق بين
الإخباريين والأصوليين، الانفتاحيين والانسداديين.. أو بين ابن إدريس
(598هـ) والسيد المرتضى وغيرهم، وهذه المعلومات سوف تصبّ في نهاية المطاف
في اتضاح هذه النظرية لدينا بشكلٍ دقيق، سواء وافقنا عليها ـ أي النظرية
ـ بعد ذلك في مرحلة التقييم أو لا؛ لأننا نقوم هنا ـ وفي هذه المرحلة ـ
بمهمّة توصيفية بحتة، ومن هنا نلاحظ أن عدم فهم بعض الدارسين والباحثين
لبعض النظريات يرجع إلى ضعف اطلاعه التاريخي حولها، وهو ما يشكل عنده
صورة منقوصة عنها ليكون حتى حكمه عليها في النهاية حكماً غير مبني على
وضوح ودقة.
الفائدة الثانية: جلاء النزاعات اللفظية واتضاح
المصطلح
قد يشتبه الأمر في بعض الأحيان على الباحث؛ فيتصوّر أن المصطلح المستخدم
في عصرين مثلاً يدلّ على مؤدّي واحد فيما الأمر ليس كذلك، والسبب في ذلك
يرجع أحياناً كثيرة إلى عدم ممارسته القراءة التاريخية؛ لأن هذه القراءة
من شأنها أن تدلـّنا على السياق الذي جاء فيه الاستخدام السابق لنجد من
خلال ذلك أن المراد لم يكن ليرتبط مع المصطلح الذي استخدمه المفكر الآخر،
وهو أمرٌ طبيعي، فمثلاً نظرية الولاية التكوينية التي ينتابها في علم
الكلام الشيعي بعض الغموض ـ على المستوى التصوّري ـ أحياناً، لدرجة أن
بعض كبار علماء الشيعة المعاصرين يضطرّ لعرض جملة التفسيرات المحتملة
لهذه النظرية، ومن ثم يحاكم كل تفسير على حدة(13)، فهل تعني الولاية
القدرة على التدخـّل التكويني أو الواسطة في الفيض أو الغاية في الوجود
أو.. فعندما نمرّ على النظرية مروراً تاريخياً نجد تطوّراتها واضحة،
وتتحدّد ـ من ثمّ ـ معالمها وامتداداتها أكثر، وهكذا الحال في نظرية
الإجماع التي استـُخدمت في علم الكلام والفقه، والتي اتفقت على تعبير
واحد تقريباً، بيد أنها اختلفت في المحتوى والمضمون، فعندما يراد الحكم
على إجماع ادعاه فقيهٌ من الفقهاء مثلاً فلابد ـ من باب الحفاظ على
منطقية الحوار معه ـ من فهم رؤاه حول هذا المصطلح؛ لنعرف السياق الذي
دفعه إلى الاستدلال به، فهل يعبّر من ادعائه الاجماع عن توصيفٍ للواقع
الفقهي، أو قفزة إلى عملية استكشاف الحكم الشرعي أو رأي المعصوم، أو
تقديم تحليلٍ معين حدسيّ، كما يشير إليه صاحب الرسائل(14)، فالقضية إذاً
ليست على نسقٍ واحد.
وكمثال آخر مصطلح الاجتهاد الذي كان يعني الرأي قبال مرجعية النص إلى زمن
المحقق الحلي على رأي البعض(15)، أو إلى أواخر القرن الرابع على رأي
البعض الآخر(16)، وهكذا مصطلح الصحيح والضعيف في علم الحديث حيث كانا
يدلان على مطلق الحديث الحجّة والمعتبر وغيرهما في فترة قبال الخبر الذي
يرويه الثقة الإمامي عن مثله حتى الوصول إلى الإمام(عليه السلام) في فترة
أخرى، هكذا الحال في مصطلح المتقدّمين والمتأخرين، وهو مصطلح يرتب عليه
بعضهم آثاراً عدة على صعيد علمي الرجال والفقه والشيعيّين، فهل الشيخ
الطوسي هو الفاصل، أو أن القضية تتسع إلى أوسع من هذا الحد الدقيق، كما
يذهب إليه بعض العلماء المعاصرين(17)؟
وهكذا نرى أن البحث التاريخي يمكنه أن يحدّ من النزاعات اللفظية، ومن ثمّ
يختزل الوقت أمام الباحث أو المتكلم أو الأصولي أو الفقيه أو غيرهم.
الفائدة الثالثة: اكتشاف مدى ترابط العلوم بعضها
ببعض وطبيعة هذا الترابط
عندما يحاول الباحث أن يحدّد المسار المنطقي لعلاقة علم الكلام بالفلسفة،
فإن دراسته التاريخية لهذه العلاقة في مرحلة التخاصم التي سبقت نصير
الدين الطوسي (672هـ) والفخر الرازي(606هـ) أو فيما بعدها يمكنها أن تمده
بعينة من التجربة التي ترشده إلى الكثير من الإيجابيات والسلبيات في هذه
العلاقة، وبالتالي توجّهه نحو تبنـّي موقفٍ علمي ميداني من العلاقة
المثالية في تصوّره الخاص، إنه بالدراسة التاريخية سيعرف الفائدة التي
جناها هذان العلمان عندما كانا منفصلين ـ منهجاً ومضموناً ـ نظراً لظاهرة
التباري بينهما، كما أنه سيلاحظ الثمار التي أغنت علم الكلام عندما
أغرقته الفلسفة بآخر تطوّرات العقل البشري في مجال المنطقيات والرياضيات
والطبيعيات..
وهكذا أيضاً إذا أردنا دراسة علاقة علمي الفقه والأصول بعلمي الفلسفة
والمنطق مثلاً، معتمدين على رؤية نظرية تحليلية مجرّدة لا تحاكي الواقع
ولا تنظر إلى طبيعة التجربة التاريخية لهذه العلاقة؛ فقد نصل إلى تصوّر
معين، لكن الاطلاع على العلاقة التاريخية الحاصلة منذ قرون بين هذه
العلوم وملاحقة مواقع التأثير والتأثر وتقييم هذه المواقع.. يمكنه أن
يغيّر أحياناً من قناعتنا؛ لأن هذه التجربة الغنيّة بالمعطيات تمدّنا
بمادةٍ مهمة لتحديد تقييمنا لهذه العلاقة تحديداً عملياً ميدانياً، ينطلق
من نفس الواقع والتجربة والمجريات، فعندما نقول مثلاً بأن العقليات تحرف
الذهن عن عرفيّته في فهم النص، يمكننا أن نرجع إلى التجربة التي سبقت
الوحيد البهبهاني (1205هـ) ونقارنها بالتجربة التي لحققه، والتي كان
للعقليات فيها نفوذ أكبر، فهل نلاحظ ميزات بين منهج الشهيدين: الأول
(786هـ) والثاني (965هـ) في الفهم وبين السيد محمد حسين
الإصفهاني(1361هـ) في أبحاثه الفقهية، أو المحقق العراقي (1361هـ) في
تعليقته على العروة؟ هل هناك تمايزٌ من هذا الجانب بين صاحب المدارك
(1009هـ) أو صاحب الشرائع (676هـ) وبين الشيخ الأنصاري في مكاسبه أو
طهارته والمحقق الهمداني (1322هـ) في مصباحه..؟ إن قراءة التجربة يمكنها
أن ترفدنا بمعطيات إضافية على البحث النظري، وترشـّد وعينا بهذه العلاقة
لتبعد عنه الأحكام المبتسرة والمتسرّعة.
وهكذا أيضاً تلاحظ العلاقة بين تطوّرات مباحث الإثبات في علم الأصول
الفقه وبين وضعيّات علم الرجال، فهل ان رؤية السيد أبي القاسم الخوئي
(1413هـ) الأصولية لحجيّة خبر الواحد كان لها أثرٌ في النمو الأخير لعلم
الرجال في الوسط العلمي الشيعي؟ وهي أن لنظرية الانجبار والوهن تأثيراً
تاريخياً في ضمور علم الرجال لمراحل طويلة أحياناً؟(18).
إن هذه العلاقة بين أصول الفقه وعلم الجرح والتعديل يمكن تكشـّفها
تحليلياً، بيد أن التجربة التاريخية تضيف إلى مخزوناتنا معطياتٍ جديدة
نتعلـّمها من تجارب الآخرين.
الفائدة الرابعة: اكتشاف أدوار النظريات بعضها
ببعض داخل علمٍ واحد أو فيما بين العلوم
فعندما نقرأ فكراً معيناً لشخصيةٍ ما في مجال من مجالات، ثم نحاول إبراز
مقارنة بينه وبين الذين لا يؤمنون بميزات فكره، سنجد حينئذ ـ بوضوح ـ مدى
تأثير بعض الأفكار على بعضها الآخر، وكيف أن التزام هذا العالم بنظرية
معينة قد جرّه إلى سلسلة أفكار أخرى، فمثلاً نظرية الإنسان الكامل
العرفانية ومفهوم الولي عند ابن عربي كان لهما علاقة بالنظريات الكلامية
الشيعية فيما يخص الإمامة إما علاقة سببية من هذا الطرف أو ذاك أو علاقة
جدلية تفاعلية، وهكذا النظريات التي تفسّر مبدأ وضرورة النبوة وعلاقتها
بمبدأ العصمة الكلامي، كما هو الملاحظ لدى بعض المتكلمين المتأخرين،
وهكذا أيضاً اتخاذ الإمام أبي حنيفة النعمان (150هـ) مسلكاً متشدّداً من
السنـّة النبوية ـ كما قيل(19)ـ يمكن أن يفسّر لنا قوله بالقياس وأمثاله،
وتشدّد السيد المرتضى وابن إدريس في حجية خبر الواحد قد يفسّر لنا
موقفهما الواثق من الإجماع ويقينيته، بينما الاعتقاد الواسع للمدرسة
الاخبارية بالنص الروائي يرشدنا إلى أسباب هجوم الشيخ يوسف البحراني
(1186هـ) في «الحدائق الناضرة» على الإجماع واعتباره وليداً سنياً(20)،
وكذلك انتقاد التقسيم الرباعي للحديث من طرف الإخباريين عامة، كما يمكننا
على هذا النهج أن نفهم تفسير الشهيد الصدر لظهور السيرة العقلائية
والمتشرعيّة في الفقه والأصول بعد الشيخ الأنصاري؛ حيث كان يرى بأنّ
تراجع نظريتي الإجماع والشهرة وما كان من قبيلهما قد سبّب بروز نظرية
السيرة في العقل الأصولي ضمن تحليل خاص لا مجال لذكره هنا، هكذا نلاحظ
العلاقة بين الموقف من الأخبار والروايات وبين المنهج الانسدادي في علم
الأصول، أو بين التحسين والقبيح والكثير من المسائل الكلامية الأخرى
كالأصلح وقاعدة اللطف واجبر والتكليف بما لا يطاق و.. إلى غير ذلك من
الأمثلة الكثيرة التي تكشف لنا عن هذا الترابط أو التباين على مرّ
التاريخ العلمي بين النظريات والأفكار، وهو ما قد يساعدنا أحياناً على
نقد أو تأييد فكرة معينة من خلال تحليل الروافد الفكرية التي أتت بها أو
أثـّرت عليها.
الفائدة الخامسة: رصد واكتشاف شتات فكري منسي أو
مهمّش
تؤكد التجربة أن سعة الاطلاع على التاريخ العلمي تفنـّد ـ في بعض الأحيان
ـ الأنماط التي يجري فيها استخدام تعميمات غير مرتكزة جيداً على أسس
استقصائية وإحصائية دقيقة، فهناك الكثير جداً من الأفكار التي لا تتم
مراجعتها وهي ما تزال متجاهلة على الصعيد العلمي العام فضلاً عن أن بعضها
ما يزال مدفوناً في بطون المخطوطات، وإخراج هذه الآراء ووجهات النظر كما
يدلل على ثراء سابق في مجالٍ من المجالات، يمكنه أن يثري حتى الوضع
العلمي والثقافي المعاصر أو أن يمدّه بالزخم والعطاء.
والقضية التي تحصل في أكثر العلوم الدينية هي طفو بعض الشخصيات أو الكتب
على السطح والواجهة، نظراً لميزاتٍ فيها مما يؤثر على بقية الشخصيات
والدراسات التي قد تقف في درجة تالية، وهو ما يؤدّي ـ على المدى البعيد ـ
إلى غياب هذه الشخصيات أو الدراسات عن كثير وربما معظم الأبحاث، ومن ثم
يجري تصوّر أن كل الواقع العلمي إنما تعبّر عنه هذه الشخصيات أو الكتب
ذات الدرجة الأولى، فعلى صعيد علم الكلام تبرز أسماء المفيد والصدوق
والحلي والمظفر وكاشف الغطاء والمطهري والإيجي واللاهيجي والقاضي
المعتزلي وابن روزبهان و... فيما تختفي أسماء العشرات الآخرين من ذوي
النشاط والفعالية في تنمية علم الكلام أو مداولته على الأقل كالحلبيين؛
أبي الصلاح (الكافي في الفقه)، وابن زهرة (غنية النزوع)، والحرّ العاملي
(إثبات الهداة)، والفيض الكاشاني (علم اليقين) والسيد شبّر (حق اليقين)
وغيرهم، وهكذا الحال على صعيد علم الأصول تبرز شخصيات النائيني (1355هـ)،
والإصفهاني (1361هـ)، والخراساني (1329هـ)، والأنصاري (1281هـ)، والعراقي
والخوئي (1413هـ)، والصدر (1400هـ)، فيما تختفي ـ نسبياً ـ الكثير من
الشخصيات التي ربما توزّعت أفكارها الأصولية داخل كتبها الفقهية، كصاحب
الجواهر والسيد الحكيم والمحقق أحمد النراقي وأمثالهم..
نحن هنا لا نريد الحديث عن أدلتهم بل حتى عن نفس رأيهم للنظر إلى الواقع
العلمي بإنصاف وأمانة علميين والاطلاع على مجمل تجربتهم على هذا الصعيد.
وهكذا الحال على صعيد الفقه هناك خمسة عشر أو عشرين فقيهاً ـ على الصعيد
الشيعي ـ يتم تداول أسمائهم غالباً في الفقه، بينما لا يلاحظ العديد من
الفقهاء الآخرين، أو حتى يلاحظ فقيه في كتاب له دون آخر، والمسألة عينها
تجري في علم الفلسفة، وفي التفسير أيضاً.
إن المفترض ـ قبل إصدار أحكام تعميمية ـ أن تكون هناك خبرة في مجال معرفة
الآراء والأقوال والمواقف حتى يتسنـّى الحكم وبدقة على آراء ومواقف
الآخرين ودون تسرّع أو عجلة بادعاء قيام إجماع إسلامي أو مذهبي أو شهرة
كذلك على فكرة معينة، دون التدقيق في مسارها التاريخ بشكل جيد.
وقد لاحظنا في الكثير من السجالات الفكرية الدينية، كيف تـُعبر فكرة ما
اجماعية أو مسلمة فيما الرصد التاريخي لا يعطي النتيجة عينها إن لم يـُعط
العكس، وعلى سبيل المثال ما عالجناه في كتابنا «نظرية السنة في الفكر
الإمامي الشيعي» من تاريخ نظرية خبر الواحد، حيث توصّلنا إلى القول بأن
الفكرة التي كانت سائدة ـ شيعياً ـ حتى القرن السابع الهجري، مع استثناء
طفيف تقريبا، هي فكرة عدم حجية أخبار الآحاد الظنية، وهذه النتيجة تختلف
تماماً مع ما بات يرسله العلماء المتأخرون إرسال المسلـّمات في كتبهم، من
شهرة حجية خبر الواحدٍ عند متقدّمي الشيعة، فإذا كان موضوعٌ بهذه
الحساسية قد وقع فيه ـ بناء على صحة ما توصّلنا إليه هناك ـ خطأ، ترك
أثراً نفسياً على بعض الباحثين في هذا المجال، فما ظنـّنا بأفكار أخرى،
أقل خطورة، كما في أي مسألة فقهية عادية، حيث نجد الكثير من المسائل
الفقهية ـ شيعياً ـ لم يكن لها وجود يـُذكر قبل القرن الخامس الهجري مع
الشيخ الطوسي (460هـ)، وقد ثبت لنا بدراسات عديدة صحة هذا الأمر، بما لا
مجال للتفصيل فيه هنا.
الفائدة السادسة: تحديد أسباب النجاح والإخفاق
المرحليين في علم ما
تساعدنا الدراسة التاريخية على تكشـّف اسباب النجاح والإخفاق المرحليين
في علم من العلوم، وذلك من قبيل ما حدث بالنسبة للكلام والأصول والفقه
عقيب وفاة الشيخ الطوسي (460هـ) كما يقال، وما تركته كاريزما الطوسي من
أثر بالغ على شلّ الحركة العلمية بعد وفاته، وأيضاً من هذا القبيل ما حدث
عقيب نفوذ المد الغربي داخل العالم الإسلامي وتنامي التيارات القومية
والعلمانية أو تأثيرات ما يسمى بعصر الانحطاط في تسويق ثقافة الرفض
للتفكير الفلسفي وتضاؤل الحضور الفلسفي في الساحة الثقافية والفكرية
ليتنامى بدلاً عن ذلك الفقه والأصول أو التاريخ والأخبار، وهكذا دراسة
تأثير المرحلة الأندلسية على الفكر والعقل الإسلامي ربما نتيجة نوع من
التلاقح أو الحضور في الساحة الأوروبية، وهكذا الحال في عصرنا الحاضر حيث
أدت الثورة الإسلامية في إيران إلى خلق جو عام كان له بالغ الأثر في نموّ
قسم من الدراسات المتعلقة بالدين، سيما ما يخصّ الفكر الكلامي والفلسفي
الديني الحديث، وما يرتبط بالفكر السياسي الإسلامي، حتى قيل: إن دراسات
الفكر السياسي التي كتبها الشيعة منذ بدايات النصف الثاني من القرن
العشرين تفوق ما أنتجوه طيلة ألف وثلاثمائة عام تقريباً.
الهوامش
ـــــــــ
(*)
كاتب وباحث من لبنان، رئيس تحرير مجلة المنهاج.
(13) السيد كاظم الحائري، الإمامة وقيادة المجتمع: 118-132؛ ويراجع بهذا
الخصوص أيضاً كتاب الولاية التكوينية للشيخ هشام شّري العاملي.
(14) الشيخ مرتضى الأنصاري، فرائد الأصول1: 124-166.
(15) محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول: 249-255.
(16) حسين مدرسي الطباطبائي، مقدمه بر فقه شيعه: 35.
(17) الداوري، أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 196،عند بحثه عن
كتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى.
(18) يرى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي في دراساته الأصولية أو السيرة
العقلانية الممضاة من قبل الشارع قد انصبّت على الخبر الذي يأتي به الثقة
لا الخبر الموثوق ولو لم يأتِ به الثقة، وهذا الموقف أردفه السيد الخوئي
بموقفٍ آخر استم بالتحفـّظ الشديد إزاء قاعدتي جبر الخبر الضعيف بعمل
الأصحاب ووهن الخبر الصحيح بإعراضهم عنه، وهو ما ضيّق من مساحة النص
المعتمد في دائرة الرواة الثقاة، وقد فرض ذلك تلقائياً على السيد الخوئي
ومدرسته مضاعفة الجهد فيما يخص طبيعة الرواة ومواصفاتهم ووثاقتهم، وهو ما
ترك أثراً بالغاً تمثـّل أولاً في موسوعة «معجم رجال الحديث» الرجالية
للسيد الخوئي، وثانياً في اهتمام واسع بعلم الرجال من طرف أبناء مدرسته
الذين يمثلون اليوم تياراً واسعاً في الحوزات الدينية الشيعية، انظر بصدد
نظريات السيد الخوئي المتقدمة كتابه: مصباح الأصول2: 200-203؛ وحيدر حب
الله، نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي، التكوّن والصيرورة: 439-470،
494ـ 497.
(19) انظر كمثال: الدكتور وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته1: 30.
(20) يحيى محمد، المهمل والمجهول في فكر الشهيد الصدر، مجلة قضايا
إسلامية معاصرة، العدد11-12: 160.
المصدر: حيدر حب الله، مسألة المنهج في الفكر الديني، وقفات وملاحظات،
مؤسسة الانتشار العربي، بيروت،2007.
|