الحضارية «دراسات اسلامية»

الاربعاء: 06/08/2008

 

 

طرق اثبات القواعد الفقهية

رياض منصور الخليفي(*)

إن متقضى منهج البحث العلمي ألا نبحث في أثر حكم قبل تحقيق النظر في أصله وباعثه، فلا يليق في سياق بحثنا لمسألة «حجية الاستدلال بالقاعدة الفقهية» أن تغفل المصادر التي تبنى عليها القاعدة الفقهية، وهو ما يمكن أن نسميه: «طرق إثبات القواعد الفقهية»، والتي يمكن إرجاعها إلى ثلاثة طرق؛ هي: النص، والاستقراء، والاستدلال، هي مطالب هذا المبحث، وبيانها فيما يلي:
النص
حقيقة أن تأتي القاعدة الفقهية المطابقة للفظ النص، أو تأتي مطابقة لمعنى النص من كتاب الله أو من السنة الصحيحة عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، وهذا الطريق يتفرع إلى فرعين هما:
أولاً: مطابقة النص للفظ القاعدة الفقهية:
ومثال ذلك حديث «لا ضرر ولا ضرار»(1) فإنه مطابق للفظ قاعدة: (الضرر يزال)، حتى عبر بعض العلماء عن القاعدة المذكورة بنص الحديث، ومثل ذلك يقال في حديث: «إنما الأعمال بالنيات، وانما لكل امريء ما نوى»(2)، فقد جعله بعض العلماء نص قاعدة فقهية؛ هي (الأمور بمقاصدها)، ومثله أيضاًَ حديث «الخراج بالضمان»(3)، فإنه قد وردت بنصه قاعدة فقهية كلية، وكذا حديث: «ليس لعرق ظالم حق»(4).
وأما الضوابط الفقهية ـ في اصطلاح المتأخرين ـ وهي «ما اختص من القواعد الفقهية بباب معين»، فمما ورد من النص مطابقا لمعناها: حديث: «البيئة على المدعي، واليمين على من أنكر»(5)، ومثله حديث: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»(6).
ثانياً: مطابقة النص لمعنى القاعدة الفقهية:
وهذا النوع من القواعد الفقهية لا ترد مطابقة للفظ النص الشرعي، وإنما هي مطابقة لمعنى النص، لا لفظه، وهي الأكثر الغالب فيما ثبت بطريق النص، فمن القواعد المطابقة لمعنى النص القاعدة الفقهية الكلية «العادة محكمة»، فإنها إنما طابقت جملة من النصوص الشرعية، لا يلفظها بل بمعناها، ومن النصوص المطابقة لمعنى القاعدة، قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف)(7).
ومن ذلك أيضاً ـ القاعدة ـ الفقهية الكلية الكبرى «المشقة تجلب التيسير»، فإنها إنما وردت مطابقة لمعنى هذه القاعدة: قوله تعالى: (ويريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)(8)، وقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)(9).
ومن هذا النوع ـ أيضاً ـ :القاعدة الفقهية «اليقين لا يزال بالشك»، فإنها جاءت مطابقة لمعنى حديث: «فليطرح الشك، وليَبْن على ما استيقن»(10).
والمقصود: أن من طرق إثبات القواعد الفقهية: النص من القرآن أو السنة، سواء أكان النص مطابقاً للفظ القاعدة أم مطابقا لمعناها.
وأنبه في هذا المقام على ضابطين مهمين عند الاستدلال بهذا النوع من القواعد الفقهية المطابقة للنص، وهذان الضابطان هما:
1ـ أن يكون النص الوارد ظاهر المطابقة لمعنى القاعدة الفقهية بلا تكلف.
2ـ أن يكون النص الوارد معتبراً، فإن كان أية من كتاب الله فشرطـُها ألا تكون منسوخة، وإن كان حديثاً من السنة فيشترط كونه صحيح الإسناد معتبر الدلالة.
الاستدلال
الاستدلال لغة: طلب الدليل، وفي اصطلاح أهل الاصول يطلق على معان مرجعها إلى: «إقامة مطلق الدليل من نص أو إجماع أو قياس أو غيرها»، كما يطلب ويراد به نوع خاص من الأدلة، وهو المراد هنا(11).
وقد عرّف بعض الأصوليين الاستدلال بأنه: «إقامة دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس شرعي»(12)، كما عرفه السمعاني بأنه: «طلب الحكم بالاستدلال بمعاني النصوص»(13)، وأما القرافي فقد عرفه بقوله: «محاولة الدليل المفضي إلى الحكم الشرعي من جهة القواعد، لا من جهة الأدلة المنصوبة»(14)، وقال صاحب مراقي السعود(15).
(ما ليس بالنص من الدليل***وليس بالإجماع والتمثيل)
وأما الشاطبي: فقد عبر عن الاستدلال بأسلوبه الفذ فقال: (كل أصل لم يشهد له نص معين، وكان ملائماً لتصرفات الشرع ومأخوذا معناه من أدلته فهو صحيح يبنى عليه، ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به، لأن الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم بأنفرادها دون انضمام غيرها إليها كما تقدم؛ لأن ذلك كالمتعذر)(16).
قال الزركشي في شرحه باب «الاستدلال» من جمع الجوامع ما نصه: (لما انتهى الكلام في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكان الأئمة أجمعوا على أن الأدلة لا تنحصر فيها، وأنه ثم دليل شرعي غيرها، واختلفوا في تشخيصه من استصحاب واستحسان وغيرها، عقد هذا الكتاب لذلك.
وإنما أفردوه عما قبله لانه تلك الأدلة قام القاطع عليها، ولم يتنازع المعتبرون في شيء منها، فكان قيامها لم ينشأ من اجتهادهم بل أمر ظاهر، وأما المعقود في هذا الكتاب: فهو شيء قاله كل إمام بمقتضى اجتهاده، وإنما سموه استدلالاً لأنه في وضع اللسان عبارة عن طلب الدليل، أو اتخاذه دليلاً، كاستأجر أجيراً أي اتخذه، كما تقول: احتج بكذا)(17).
وعلى هذا فإن الاستدلال اصطلاح يعمّ أنواعاً من الأدلة الإجمالية الاجتهادية، والتي يستدعي الاحتجاج بواحد منها البحث والمناقشة لمذاهب العلماء وأدلتهم فيه، فقد يكون الدليل الإجمالي المندرج تحت مصطلح «الاستدلال» حجة عند طائفة من العلماء أو آحادهم، وليس هو كذلك عند الآخرين، فإن الحكم على أحد طرق الاستدلال بالصحة أو الفساد امر اجتهادي تابع لنظر المجتهد في الأدلة.
ومن الأدلة المندرجة تحت عموم «الاستدلال» المصطلحات التالية: الاستصحاب، والاستصلاح ـ أو المصلحة المرسلة ـ ، والاستقراء الناقص، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي، والقياس بأنواعه، والبراءة الأصلية، وسد الذرائع والأخذ بأقل ما قيل، وعمل أهل المدينة، وغيرها من الأدلة(18).
والذي عليه الأئمة: صحة الاحتجاج بالاستدلال من حيث الجملة، وقد نقل الزركشي وغيره إجماع العلماء على ذلك(19)، وأنه من جملة الطرق المثبتة للأحكام الشرعية، ولهذا يورده الأصوليون عقيب الأدلة الإجمالية المتفق عليها (الكاتب والسنة والإجماع والقياس).
وعلى هذا فيقال: إذا ثبتت القاعدة الفقهية بطريق من طرق الاستدلال المختلف فيها، فإن القاعدة الفقهية تصلح دليلا عند من اعتبر هذا الطريق من المجتهدين، ومن أبطل الطريق الاجتهادي الذي بنيت عليه القاعدة الفقهية، فقد أبطل الاستدلال بالقاعدة الفقهية ضرورة إبطال أصلها.
وبناء على هذا التفصيل في حكم القاعدة الفقهية المبنية على الاستدلال بتبين خروج هذا النوع من القواعد الفقهية عن تحرير محل النزاع، ذلك لوقوع الاتفاق على توقف الاستدلال بها على ثبوت أصلها.
وثمة خلاف فيما إذا كانت الأدلة الاجتهادية دالة على الحكم بذواتها، أم انها عبارة عن طريق يتوصل به إلى معرفة الدليل؟ وبالتالي هل هي من أصول الفقه حقيقة لإفادتها العلم؟ أم إنها ليست من أصول الفقه لإفادتها الظن؟
والذي يظهر أن الخلاف في هذه المسألة هيّن(20)، فإننا اذا تحقققنا من صحة الدليل الاجتهادي، ورجحنا اعتباره وأهليته لأن تبنى عليه الأحكام الشرعية، ولو بطريق الظن، فإنه لا تضر حينئذ تسميته بأي لفظ، لأن العبرة بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني(21).
الاستقراء
والاستقراء هو أحد طرق الاستدلال عند الأصوليين، لكنه يفرد بالبحث لكونه أخص من الاستدلال، وحد الاستقراء: (تصفح أمور جزئية؛ ليحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات)(22)، أو هو: تتبع الجزئيات كلها أو بعضها؛ للوصول إلى حكم عام يشملها جميعاً(23).
وينقسم الاستقراء إلى قسمين: تام وناقص، وبيانهما على النحو التالي:
أولاً: الاستقراء التام:
وهو: إثبات الحكم في جزئي؛ لثبوته في كلي على سبيل الاستغراق(24)، والاستقراء التام حجة عند الأصوليين من غير خلاف(25)، لكنهم اختلفوا في إفادته القطع أو الظن على قولين، والأكثرون على أن الاستقراء التام يفيد القطع والجزم اليقين(26) وعللوا مذهبهم بأن الحكم إذا ثبت لكل فرد من أفراد الشيء على سبيل التفصيل فإنه لا محالة ثابت لكل أفراده على سبيل الإجمال(27).
قال ابن تيمية: (وأما الاستقراء فإنما يكون يقينيا إذا كان استقراء تاما)(28).
ثانياً: الاستقراء الناقص:
وهو: إثبات الحكم في كلي لثبوته في أكثر جزئياته من غير احتياج إلى جامع، وهو المسمى في اصطلاح الفقهاء «إلحاق الفرد بالأعم والأغلب»(29).
وقد جرى خلاف يسير بين أهل الأصول في حجية «الاستقراء الناقص» على قولين، وهذا الخلاف مبني على أصل مسألة أخرى، هي: هل الاستقراء الناقص يفيد الظن بذاته، أم لابد له من قرينة من خارجه منفصلة عنه، بحيث يكون لهما مجتمعين قوة إفادة الظن؟.
فذهب جمهور الأصوليين إلى أن «الاستقراء الناقص» يفيد الظن الغالب لذاته، دون الحاجة إلى قرينة من خارجه، فتعين القول بحجيته؛ لأن العمل بالظن الراجح متعين(30)، عملاً بحديث: «نحن نحكم بالظاهر»(31).
وفرعوا على ذلك أن قوة الظن تختلف بحسب كثرة الجزئيات وقلتها، فكلما كانت الجزئيات أكثر كان الظن أغلب وأقوى، والاستقراء أوثق(32).
وقد ذهب الرازي في المشهور عنه إلى منع الإفادة «الاستقراء الناقص» الظن لذاته، وشرط لبلوغه رتبة الظن اعتضاده بدليل آخر، فقال: (وهل يفيد الظن أم لا؟ الأظهر أن هذا القدر لا يفيد إلا بدليل منفصل، ثم بتقدير حصول الظن وجب الحكم بكونه حجة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «اقضي بالظاهر»)(33).
بيد أنني أنبه على فارق دقيق في تعريف «الاستقراء الناقص» بين الفريقين، فالرازي عرفه بقوله: (إثبات الحكم في كلي لثبوته في بعض جزئياته)(34)، فالكلي حسب تعريفه هو: ما بني على بعض جزئياته، في حين أن تعريف الجمهور فيه (لثبوته في أكثر جزئياته)، وفرق بين البناء على الأكثر الغالب وبعض القليل، وهذا يرجح أن الخلاف بين القولين يتمحض في اللفظ دون الحقيقة، وبهذا تترجح حجية الاستقراء الناقص لإفادته الظن.
والحاصل أن القاعدة الفقهية إذا ثبتت بطريق الاستقراء نظرنا، فإن كان الاستقراء تاماً فالقاعدة حجة يستدل بها على أحكام الفروع ـ سواء أقلنا أفاد القطع أم الظن ـ باتفاق العلماء، وهذا الموضع خارج عن محل النزاع لوقوع الاتفاق عليه، أما إذا كانت القاعدة الفقهية إنما ثبتت بطريق الاستقراء الناقص ـ لا التام ـ فهو طريق يفيد الظن، والظن يصلح مناطاً للاحتجاج، وهذا هو محل النزاع في المسألة.


الهوامش
ــــــــ
(*) باحث شرعی، بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، دولة الكويت.
(1) رواه الحاكم في المستدرك (2/57)، وصححه، ووافقه الذهبي، وانظر جامع العلوم والحكم لابن رجب: 287.
(2) أخرجه البخاري(1)، ومسلم (1907) وغيرهما، وانظر فتح الباري لابن حجر (البابي الحلبي)(1/12).
(3) أخرجه أبو داود (779)، والترمذي (1285)، وقال: حسن صحيح، والنسائي (4502)، وابن ماجه(2242).
(4)أخرجه البخاري تعليقا، في الحرث، باب من أحيا أرضاً مواتاً، وانظر صحيح البخاري (2/823).
(5)أخرجه البيهقي (10/252) بإسناد حسن عن ابن عباس، وأصله في الصحيحين، البخاري (4552)، مسلم (1711).
(6) قال المناوي في فيض القدير (5/420)، وقال: (ورواه الإمام أحمد وأبوداود والترمذي في الأشربة، وابن حبان، كلهم عن جابر، وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه ابن حبان، قال الحافظ ابن حجر: ورواته ثقات)
(7) الاعراف: 99.
(8) البقرة: 185.
(9) الحج: 78.
(10) رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري (571).
(11) نشر البنود 2/255، نيل السول للولاتي: 193، كشاف اصطلاحات الفنون للتهناوي 2/398.
(12) شرح الكوكب المنير 4/397، تشنيف المسامع للزركشي 3/408.
(13) القواطع للسمعاني 2/259.
(14) شرح تنقيح الفصول للقرافي: 450.
(15) نشر البنود 2/256-257.
(16) الموافقات للشطابي 1/27.
(17) تشنيف المسامع للزركشي 3/408.
(18) نشر البنود 2/255، وانظر شرح تنقيح الفصول للقرافي: 455.
(19) تشنيف المسامع للزركشي 3/408، وانظر نشر البنود 2/255، والقواطع للسمعاني2/259.
(20) انظر البحر المحيط للزركشي 1/26.
(21) القواطع للسمعاني 2/267.
(22) البحر المحيط للزرشكي4/10.
(23) التعريفات للجرجاني 18.
(24) شرح الكوكب المنير 4/418، البحر المحيط للزركشي 6/10، نهاية الوصول للهندي 8/4050.
(25) نهاية الوصول للهندي 8/4050، شرح الكوكب المنير 4/420، البحر المحيط للزركشي 6/10.
(26) شرح الكوكب المنير 4/418، البحر المحيط للزركشي 6/10.
(27) البحر المحيط للزركشي 6/10.
(28) مجموع الفتاوى لابن تيمية 9/188، وانظر المستصفى للغزالي1/163.
(29) الآيات البينات للعبادي 4/248.
(30) البحر المحيط للزركشي 6/10ـ11، نهاية الوصول للهندي 8/4050، شرح الكوكب المنير 4/419ـ420، روضة الناظر لابن قدامة 1/142، شرح تنقيح الفصول للقرافي: 448، المحلي على جمع الجوامع 2/345، نهاية السول للإسنوي 1/188، تشنيف المسامع للزركشي 3/416، أصول الفقه لابن مفلح 4/1449، الإبهاج لابن السبكي 3/185.
(31) انظر التلخيص الحبير لابن حجر 2/405، والمقاصد الحسنة للسخاوي: 91-92.
(32) شرح الكوكب المنير 4/419، نهاية الوصول للهندي 8/4050.
(33) المحصول للرازي 6/161، وانظر البحر المحيط اللزركشي 6/10.
(34) المحصول للرازي 6/161.