الحضارية «دراسات إسلامية»

الثلاثاء: 22/07/2008


طبيعة مفهوم الكلام ووظيفته

أ. محمد الداهي(*)

تمهيد:
أصبح مفهوم الكلام يستأثر باهتمام مختلف الحقول المعرفية المعاصرة؛ وذلك ليس باعتباره فقط وسيلة للتواصل، وإنما بوصفه كذلك عددا من الأدوار المحتملة، وعاملا من عوامل تطويع المتلقي وكسب ثقته ومودته (الميثاق التلفظي والاستيثاقي fiduciaire).
وأسهمت الثورة الإعلامية في ترسيخ هذه الوظيفة التطويعية (manipulatoire) للكلام داخل المجتمع. وعليه أصبح المتكلم لا يراهن فقط على إيصال أفكاره إلى المتلقي، بل كذلك إلى تغيير معتقداته والاقتناع بما يتلقاه. وبما أن هذا الأخير لا يتلقى الكلام بسلبية، بحكم مؤهلاته الفكرية واللغوية وخلفياته المعرفية؛ فهو يمارس التطويع المضاد (anti-manipulation) حتى يتجنب الوقوع في شَرَك محدثه، ويشعره باستقلالية فكره وآرائه.
نخصص هذه الدراسة لاستكناه مفهوم الكلام، وإبراز معانيه ومنازله وهويته في بعض المجالات والاختصاصات المعرفية والثقافية (أكانت عربية أم غربية)، وإعادة الاعتبار له بعد أن تراجع النزوع المحايث الذي ارتكزت عليه البنيوية.
1ـ الكلام في الحضارة العربية
1. القرآن الكريم:
إذا استقرأنا القرآن بوصفه المصدر الرئيسي للثقافة العربية الإسلامية، نجده متضمنا للفظة الكلام ومشتقاتها ومترادفاتها (على نحو القول واللغو). ولا يتسع المجال هنا لعرضها كلية. وحسبنا في البداية أن نرسم جدولا يحوي بعض الآيات التي ذكر فيها الكلام والقول واللغو، ثم سنحاول أن نستنتج منها ما تتضمنه كل لفظة من معان.

الكلام ومشتقاته

القول اللغو
(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)البقرة:253. (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق:18.  (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) الطور:23.
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً) الرعد:31. (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) الذاريات:18. (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) المؤمنون:3.
(وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) النساء:164. (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) المجادلة:1. (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) الفرقان:72.
(وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) الشورى:24. (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَر(ِ المدثر: 25. (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) القصص:55.
(وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الزخرف:28. (حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) الممتحنة:4.  
(وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما) الفتح:26. (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ) النمل:85.  
(وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) البقرة:75. (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) الطارق:13و14.  
(إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي) الأعراف:144. (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) يس:7.  
(مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) النساء:46. (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ) النمل:82.  


  الجدول 1 : مشتقات الكلام ومترادفاته (1).

يتضح من خلال العمود الأول أن بعض مشتقات الكلام التي وردت في القرآن الكريم (كلم، تكليما، كلمة، كلمات، الكلم) جاءت مقرونة بالذات الإلهية، مبينة أن من صفاته الكلام الذي لا يحتاج إلى واسطة. وهو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكم متكلما. لكن الله لم يكن يتكلم على الحقيقة إلا مع صفوة من الأنبياء، وخاصة مع آدم ومحمد وموسى. وفي هذه الصدد يرى الغزالي «أن موسى (عليه السلام) سمع كلام الله بغير صوت ولاحرف، كما يرى الأبرار ذات الله(سبحانه) من غير جوهر ولا شكل ولا لون ولا عرض»(2)، ويقول ابن جني: «ولا خلاف بين الأمة أن المسموع في المحاريب كلام الله تعالى على الحقيقة، والجواب عن هذا أن إضافة الكلام إلى المتكلم إن كان الأصل فيها أن تكون من فعله، فقد صار بالتعارف يضاف إليه إذا وردت مثل صورة كلام»(3).وقد تضمنت كلمات الله نصائح وعبرا للإنسان لعله يتذكر ويتوب إلى جادة الصواب، ويعبد الله وحده لا شريك له. وبالجملة، يدل كلام الله وكلم الله وكلماته وكلمته على القرآن، وكلام الله لا يحد ولا يعد. وفي الحديث: «أعوذ بكلمات الله التامات»، وقيل هي القرآن. ولا يقال قول الله بل كلام الله، لأن الكلام يعني ما كان مكتفيا بنفسه وتاما ومفيدا، في حين أن القول ما لم يكن مكتفيا بنفسه(4).
وبرجوعنا إلى مختلف السياقات التي وردت فيها لفظة القول، يتبين أنها تعني من وجهة ما يتلفظ به بنو آدم، وما يصدر عنهم من كلام يتحملون مسؤولية سقطاته وتبعاته، لأن الله سميع بصير، كما أن أي كلمة يتلفظون بها يوجد من يرقبها ويكتبها. ونجد توكيداً لهذا في قوله تعالى (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) الانفطار:10-12. وتعني من جهة أخرى من حق عليهم القول أي من حقت عليهم كلمة العذاب، ووجب الغضب عليهم. ويحفل القرآن بمختلف الصيغ الصرفية لفعل قال (قال، قالا، قالت،قلن، قلنا، لنقولن، تقل، يقول، قلت، قلتم)، وهو ما ترتب عليه كثرة أصناف القائلين. قد يكون الله أو العباد أو الكفار أو الملائكة أو الأنبياء، وقد تكون امرأة وطائفة أو ثلة من المؤمنين أو الظالمين.
ترجع لفظة اللغو إلى جذرها اللغوي «ل.غ.ي»، وهو يعني ما لا يعتد به من كلام وغيره ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع، وقال الأصمعي: ذلك الشيء لغو ولـَغاً ولـَغوي، وهو الشيء الذي لا يعتد به. وقال الأزهري: واللغة من الأسماء الناقصة، وأصلها لغوة من لغا إذا تكلم. وقال الشافعي: «اللغو في لسان العرب الكلام غير المعقود عليه(5). ويعني اللغو في المثاني التي ورد فيها رفت الكلام وفارغه وقبيحه، والهذيان، والباطل، والزور.
ومن خلال مختلف السياقات التي وردت فيها الألفاظ الثالثة ومشتقاتها، يتبين أن كل كلمة متلفظ بها إلا وتصدر عن متكلم حقيقي يتحمل تبعتها نظرا لوجود كاتبين كرام يرصدونها ويكتبونها، ولعلم الله بذات الصدور. كما أن الله كلم صفة من أنبيائه تكليما، وأنزل كلماته لتوجيه الخلق إلى الصراط المستقيم. وهكذا يتحمل الكلام وظيفتين: فهو ـ من جهة ـ موجه من الله إلى عباده للنهي عن الكلام القبيح وفي ما لا يعنيهم، والاقتصار على المهم، ففيه النجاة(6). وهو ـ من جهة أخرى ـ موجه من العباد إلى الله للتضرع والاستغاثة والحمد والهداية.
2. الحديث الشريف:
بعد تفحص مختلف الأحاديث النبوية المتعلقة بالكلام، يتضح أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يذم كثرة الكلام وتشقيقه وتخلله والتقعر والتشديق والتفيهق فيه(7)، وبالمقابل كان يطري طول الصمت، وحفظ اللسان واستقامته، والصدع بالمعروف والحق.
ومن ثمة يتبين أن وظيفة الكلام اتخذت بعداً أخلاقياً صرفاً، فهي إما أمر بمعروف أو نهي عن منكر وإما التلفظ بالأغاليط وتشقيق الكلام والخوض فيها لا يعني.
1. المصادر العربية القديمة:
أ ـ ابن جني:
تعني مادة (ك ـ ل ـ م) ـ على حد تعبير ابن جني ـ من حيث تقلباتها الدلالية القوة والشدة، والمستعمل منها خمسة، وهي: (ك ـ ل ـ م)، و (ك ـ م ـ ل)، و(ل ـ ك ـ م)، و(م ـ ل ـ ك)، وأهملت منه (ل ـ م ـ ك) فلم تأت في ثبت. والكلام هو جنس الجمل التوأم دون الآحاد، والكلام اسم من فعل كلـّم المشتق من مصر التكليم. ويعني به ما كان مكتفيا بنفسه وهو الجملة، أو بعبارة أخرى هو جماع من الأصوات التامة المفيدة. أما القول فهو ما لم يكن مكتفيا بنفسه وهو الجزء من الجملة. وقال الجوهري: الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير، والكلم لا يكون أقل من ثلاث كلمات لأنه جمع كلمة مثل نِِبْقة، نََبـِقٌ(8).
ومن أدل الدليل على الفرق بين الكلام والقول إجماع الناس على أن يقولوا القرآن كلام الله ولا يقال: القرآن قول الله؛ وذلك أنه موضع ضيق متحجر، لا يمكن تحريفه ولا يسوغ تبديل شيء من حروفه. فعبر لذلك عنه بالقول الذي قد يكون أصواتا مفيدة وآراء معتقدة. وأخرج الكلام هنا مخرج ما قد استقر في النفوس، وزالت عنه عوارض الشكوك. وهكذا يتبين أن القول يعني ما نقص وما يستدعي الاعتقاد والرأي والإسراع والخفة، أما الكلام فهو الجمل المستقلة بأنفسها، الغانية عن غيرها، المستوفية حقها من التمام والإفادة، والدالة على الشدة والقول. وإن كان كل كلام قولا، فالعكس ليس صحيحا(9).
ب ـ ابن سنان الخفاجي:
تطرق ابن سنان الخفاجي(10) إلى حد الكلام وحقيقته تمهيداً للكشف عن سر الفصاحة المقصورة عنده على الألفاظ في حسنها وتلاؤمها سواء أتجلت في تأليف اللفظة المفردة أم الكلام، ولاتخاذ موقف من الفريقين المتجادلين في أمر إعجاز القرآن. وقبل تخصيص فصل للكلام عرف بالأصوات والحروف وبين صفاتها ومخارجها. ويعرف الكلام بأنه «ما انتظم من حرفين فصاعدا من الحروف المعقولة إذا وقع ممن تصح عنه أو من قبيله الإفادة»(11). وهكذا يتبين أنه يشترط في الكلام الانتظام الذي لا يتم إلا بتوالي حرفين على الأقل، فلو أتى بحرف ومضى زمان وأتى بحرف آخر لم يصح وصف فعله بأنه كلام، ولا يتم الانتظام إلا بالحروف المعقولة التي تصدر عمن تصح منه الإفادة أو من قبيله، ويستثنى منها أصوات الحيوانات والجمادات. ويشترط القبيل دون الشخص، لأن ما يتلفظ به المجنون يوصف بأنه كلام. وإن لم تصح منه الإفادة، فهي تصح من قبيله، وليس كذلك الطائر وما يجري مجراه (سائر الحيوانات والجمادات). وقد ألزم هذا الحد صاحبه أن اعتبر الأخرس متكلما، وإن احترز البعض من ذلك مشترطا انتظام حرفين مختلفين، وهو ما لا يقع مع الأخرس. ولا يشترط ابن سنان الإفادة في الكلام على ما ذهب إليه سيبويه وغيره من أهل النحو، بل يرى أن العرب مجمعون على تسمية الكلام المفيد وغير المفيد بأنه كلام. ويتعلق الكلام بالمعاني والفوائد بالمواضعة، ولهذا جاز في الاسم الواحد أن تختلف مسمياته لاختلاف اللغات، وهو بعد وقوع التواضع يحتاج إلى قصد المتكلم واحترامه لما قررته المواضعة حتى لا يخل بعمليات التواصل مع البشر.
ويعتبر ابن سنان الخفاجي الكلام صناعة من الصناعات التي لا تكتمل إلا بتوافر خمسة اشياء. وهي تتكون في حالة صناعة تأليف الكلام مما يلي:
ـ الموضوع: وهو الكلام المؤلف من الأصوات.
ـ فأما الصانع: وهو المؤلف الذي ينظم الكلام بعضه مع بعض، كالشاعر والكاتب وغيرهما.
ـ وأما الصورة: فهي كالفصل للكاتب والبيت للشاعر، وما جرى مجراهما.
ـ وأما الآلة: فأقرب ما قيل فيها إنها طبع هذا الناظم، والعلوم التي اكتسبها بعد ذلك.
ـ وأما الغرض: هو بحسب الكلام المؤلف والغاية المتوخاة منه(12).
وإن لم يخصص الخفاجي في كتابه تمييزا واضحاً بين الكلام واللغة، فهو قد أفرد لكل طرف فصلا خاصا. وهذا ما يؤشر ظاهريا إلى أنه تقصد الفصل بينهما. ولما نمعن النظر في كل طرف على حدة يتبين أنه أعطى لكل واحد منهما تعريفا خاصا ومنزلة خاصة. أما حد اللغة «فهي عبارة عما يتواضع عليه القول من الكلام، أو يكون توفيقا، وتجمع لغة على لغات، ولـُغين ولـُغون، وقد قيل في اشتقاقها: إنها مشتقة من قولهم لغيت بالشيء إذا أولعت به وأغريت به، وقيل: بل هي مشتقة من اللغو، وهو النطق، ومنه قولهم: سكتت لواغي القوم أي أصواتهم، ولغوت أي تكلمت، وأصله على هذا لغوة»(13). يرجع ابن جني الرأي الذي يرى أن اللغة مواضعة وليست توقيفا ربانيا. «والصحيح أن أصل اللغات مواضعة، وليس بتوقيف، وإنما أوجب ذلك لأن توقيفه تعالى يفتقر إلى الاضطرار إلى قصده»(14). وفي معرض بيانه لفضل اللغة العربية وتقدمها على سائر اللغات، يتضح أنه يخصص اللغة للحدث اللساني المتعارف على نواميسه وقواعده وألفاظه، ويتصف بالشمولية والتجريد ويهم جنسا بعينه أو أمة برمتها. أما الكلام فيرتبط بمن يحدث فعل الكلام (الإنجاز)، ويحتاج إلى قصده وإرادته واعتقاده وغير ذلك من الأمور الراجعة عليه حقيقة او تقديراً، ويتطلب استخدام ما قررته المواضعة، والتحرز من تنافر متصلة ومنفصلة، واجتماع اللب عند النظم والتأليف.
ج ـ ابن وهب الكاتب:
وبتصفحنا لكاتب البن وهب الكاتب أنه يستخدم إلى جانب مفهوم الكلام مفهومي العبارة واللغة، وهذا ما يقتضي توضيح المفاهيم الثلاثة لرفع اللبس، وبيان الفروق الدقيقة بينها، وتحديد المقصود من الكلام. إن البيان بالقول هو العبارة، ويختلف باختلاف اللغات، وإن كانت الأشياء المبين عنها غير مختلفة في ذواتها، وإن منه ظاهرا وباطنا. ولا يحتاج الظاهر منه إلى تفسير، في حين أن الباطن محتاج إليه بالقياس والنظر. وتحوي اللغة العربية أقساما وأحكاما تتطلب من المتكم تمثلها وتفهم معانيها إن هو أراد بلوغ مراده. ومنها ما هو عام للسان العرب وغيرهم، ومنها ما هو خاص له دون غيره، ويجمع ذلك في الأصل: الخبر والطب. والخبر كل قول أفدت به مستمعه ما لم يكن عنده، ويتفرع إلى جزم ومستثنى وشرط. أما الطلب، فهو كل ما يطلبه الطالب من غيره، ومنه الاستفهام، والنداء، والدعاء، والتمني. فهذه بعض أقسام العبارة التي يتساوى أهل العلم بها، فأما العرب فلهم استعمالات أخرى من الاشتقاق، والتشبيه، واللحن، والرمز، والصرف، والمبالغة، والقطع، والعطف، والتقديم والتأخير، والاختراع(15). وينقسم الكلام قسمين: تام وناقص. فالتام ما اجتمعت فيه أقسام العبارة فكان بليغا صحيحاً، وجزلا فصيحا، وكان جدا صوابا وحسنا حقا، ونافعا صادقا، وعند ذوي العقول مقبولا، ولم يكن تكلفا ولا فضولا. في حين أن الناقص ما قصر عن هذه الأقسام، وكان معيبا عن ذوي الأفهام(16).
مما تقدم يتضح أن العبارة تعني طريقة التعبير عن الأشياء، وهي تختلف باختلاف اللغات، في حين تظل الأشياء المعبر عنها هي نفسها، ويرى ابن وهب أن سائر العبارة، من حيث تأليفها، إما أن يكون منظوما وإما منثورا. وتعني اللغة جماعا من الوجوه والأقسام والأحكام الخاصة بجنس معين (على نحو العرب)، تتطلب من مستعملها تمثلها واستنباط ما يدل عليها إن هو أراد إدراك مبتغاه. ويأتي دور الكلام لإخراج تلك المعايير اللغوية من حيز القوة إلى الفعل، ولا يستوفي الكلام التام حقه على نحو يجعله ينتزع الشرعية من ذوي العقول إلا بعد توافر جملة من الشروط كالبلاغة، والفصاحة، والصدق، والجد، والإفادة. وما قصر عن هذه الشروط كان بادي النقص والعيب عن ذوي الأفهام، ومذموما عند ذوي التحصيل.
دـ ابن خلدون:
يحشر عبد الجبار القاضي وابن خلدون الكلام في عداد الصنائع كالبناء وغيره. ومرجع ذلك عند عبد الجبار أن المتكلم لا يصح منه الحدث الفعلي للكلام إلا بتوافر القدرة والعلم، وهو ما يستدل عليه بمفارقة من تتأتى منه العبارات لمن تتعذر عليه. ويدقق عبد الجبار هذا الشرط المزدوج في موطن آخر حين يقرر أن الكلام من جملة الأفعال المحكمة التي لا تصح إلا من العالم بكيفيتها والمطلع على شبكة مواضعاتها. ويضاف الكلام بوصفه فعلا وحدثا إلى فاعله على جهة الفعلية(17).
ويعد ابن خلدون الكلام صناعة كسائر الصناعات التي تتطلب من صاحبها الدربة والتعلم والاتقان. فإما يجود أو يقصر بحسب تمام الملكة أو نقصانها. وإذ تمكن المتكلم من الملكة التامة في تركيب الألفاظ ومراعاة مقتضي الحال، بلغ حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع، وتتطلب ملكة الكلام حسن الإصغاء لتمثل المفردات، والتفطن الخواص التركيب، ومداومة الاستعمال إلى غاية أن تصبح ملكة وصفة راسخة. ويتفرع الكلام العربي إلى فنين في الشعر والمنظوم. ويشتمل كل واحد منهما على فنون ومذاهب(18).
نكتفي بهذا النزر اليسير من التعريفات التي تعطينا تصورا عن حد الكلام ومنزلته في التفكير اللغوي عندالعرب. وهكذا يتبين لنا أن حد الكلام يختلف عن حد اللغة وإن كان يتفاعل معه ويتداخل إلى حد التماهي. ومن الفروق الظاهرة أن اللغة تحتوي الكلام على نحو احتواء الكل للجزء.فاللغة هي جماع من المعايير والوجوه والنواميس التي لا تدرك تمامها إلا بتكامل أنسجة المواضعات فيها. وبذلك تختلف اللغات وإن بقيت الأشياء المعبر عنها محافظة على مداليلها، وغير مختلفة في ذواتها. وإذا كانت للغة صفة الابتداء أو التواضع فللكلام صفة الاحتذاء أو الحكاية. فالكلام يتحدد أساسا على مستوى الإنجاز والتصرف بوصفه جماعا من الحروف والأصوات المتآلفة المنتظمة المتعاقبة المعقولة الموقعة للإخبار، والإفادة، والاستفادة، والإفهام، والتفهيم، والتفاهم، والتعبير، والتعريف والتواصل.. إلخ(19). ومن الأفعال المحكمة التي تتطلب جملة من الشروط على نحو التعلم والممارسة والدربة والحفظ. ولا يستوفي الكلام حقه من التمام، ولا ينتزع اعتراف الآخر به (منحه الشرعية) إلا إذا وعب جملة من الشروط، منها ما يتعلق بالتركيب (جودة التأليف، وحسن التآلف)، ومنها ما يرتهن بالبعد الأخلاقي (الصدق والجد)، ومنها ما يراهن على توقع المتلقي وتنظره (إجازة الكلام وإطراؤه). ومن جملة الخصائص النوعية التي يستدعيها خروج الكلام من تصوره النظري المجرد إلى بنية الحدث المنجز، نذكر منها على وجه الإجمال ما يلي: ارتهان الكلام بالمكان وقيد الزمان، واتسامه بالشمول (استيعاب إفرازات الوجود) والهوية (استضمار جملة من الحقائق الداخلية) والاضطرار (الطبيعة التسلطية والنفاذ التحكمي للإبلاغ والتواصل)، ووجود رابط الفاعلية بين المتكلم وكلامه(20).
يختلف الكلام باختلاف فاعله ومؤلفه، وبحسب معرفته لوجوه اللغة وأحوالها وعلومها، وقدرته على التصرف والحتذاء والحكاية فيما تم اقراره مواضعة وتواطؤا، وسعة كفايته المعرفية. و«بالجملة إن مؤلف الكلام لو عرف حقيقة كل علم واطلع على كل صناعة لأثر ذلك في تأثيره ومعانيه وألفاظه، لأنه يدفع إلى أشياء يصفها، فإذا خبر كل شيء وتحققه كان وصفه له أسهل ونعته أمكن، إلا أن المقصود في هذا الموضع بيان ما لا يسعه جهله دون ما إذا علمه أثر عنده علمه، فإن ذلك لا يقف على غاية»(21).

الهوامش
ــــــــــ
(*) کاتب وباحث مغربي.
(1) انظر: محمد فؤاد عبدالباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، دارالحديث، القاهرة، 1994م، 1414هـ، مادة كلم: 787-788، مادة قول: 732-733، مادة لغا: 825.
(2)أبو حامد الغزالي، كتاب الأربعين في أصول الدين، دار الجبل، بيروت، 1988: 83.
(3) أبو الفتح عثمان بن جني، الخصائص، حققه محمد علي النجار، ج1، دار الهدى للطباعة والنشر، ط 2، بيروت، لبنان، [د.ت]: 48.
(4) ابن منظور، لسان العرب المحيط، أعاد بناءه على الحرف الأول من الكلمة يوسف خياط، دار الجبل، دار لسان العرب، بيروت، ج5، 1988م، مادة كلم: 290-291.
(5)المرجع نفسه، مادة لغا: 378.
(6) يقول الله تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوف، النساء: 114.
(7) قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):
ـ «إن الله لم يبعث نبياً إلا مبلغا، وإن تشقيق الكلام أو الخطب لمن الشيطان».
ـ «إن احبكم إلي وأقربكم مني محاسنكم أخلاقاً وإن أبغضهم إلي وأبعدهم مني مساوئكم أخلاقا الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون».
ـ «إن أبغضكم إليّ وأبعدكم منـّي مجلسا الثرثارون والمتفيهقون والمتشدقون في الكلام».
ـ «يأتي على الناس زمان يتخللون الكلام بألسنتهم كما تتخلل البقرة الكلأ بلسانها».
(8) ابن منظور، لسان العرب، م. سا، مادة كلم، 290-291.
(9) ابن جني، «باب القول على الفصل بين الكلام والقول»، الخصائص، ج1، م.سا: 5-32.
(10)أبو محمد عبد الله بن محمد سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي، سر الفصاحة، دارالكتب العلمية، 1982م.
(11) المرجع نفسه: 32.
(12) المرجع نفسه: 93 و 94.
(13) المرجع نفسه: 48.
(14) المرجع نفسه: 48-49.
(15) أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب الكاتب، البرهان في وجوه البيان، تحقيق أحمد مطلوب وخديجة الحديثي، ط1، 1967م: 112-122.
(16) المرجع نفسه: 302 و 303.
(17) عبد الجبار القاضي أبوالحسن، المغني في أبواب التوحيد والعدل، كلام مأخوذ من عبدالسلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، ليبيا/ تونس، 1981م: 289.
(18) عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المقدمة، تحقيق درويش الجويدي، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ط1، 1995: 554.
(19) تبين لنا من خلال كثير من المصادر أنه تمت الإشارة إلى كثير من وظائف الكلام:
ـ التعبير: «أما حدها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم» الخصائص، م.سا: 330.
ـ الإفادة والاستفادة: «ليس المقصود من الكلام النطق فقط بل المتكلم يقصد أن يفيد سامعه ما في ضميره إفادة تامة، ويدل به عليه دلالة وثيقة» المقدمة، م.سا: 58.
«لما كان الكلام أولى الأشياء بأن يجعل دليلا على المعاني التي احتاج الناس إلى تفاهمها بحسب احتياجهم إلى معاونة بعضهم بعضا على تحصيل المنافع وإزاحة المضار وإلى استفادتهم حقائق الأمور وإفادتها، وجب ان يكون المتلكم يبتغي إما إفادة المخاطب أو الاستفادة منه» أبوالحسن حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق محمد الحبيب بن خوجة، دار الغرب الإسلامي، ط3، 1986م: 344.
ـ الاخبار: «وإذا ثبت أن الخبر وسائر معاني الكلام معان ينشئها الإنسان في نفسه، ويصرفها في فكره ويناجي بها قلبه ويرجع فيها إليه فاعلم أن الفائدة في العلم بها واقعة من المنشئ لها، صادرة عن القاصد إليها وإذا قلت في الفعل إنه موضوع للخبر لم يكن المعنى فيه أنه موضوع لأن يعلم به الخبر في نفسه وجنسه ومن أصله وماهو، ولكن المعنى أنه موضوع حتى إذا ضممته إلى اسم عقل منه»، عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز في علم المعاني، وقف على تصحيح طبعه وعلق على حواشيه السيد محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، 1984م: 355.
ـ الإفهام: «ما من أحد إلا وهو إذا عبر عما في نفسه بلغ غرضه في إفهام السامع عنه ما يريده على حسب استطاعته وما تساعد عليه آلاته»، رسائل إخوان الصفا، عن عبدالسلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية، م.سا: 50.
«والإفهام إفهامان: رديء وجيد. فالأول لسفلة الناس، لأن ذلك غايتهم، وشبيه برتبتهم في نقصهم. والثاني لسائر الناس، لأن ذلك جامع للمصالح والمنافع. فأما البلاغة فإنها زائدة على الإفهام الجيد، بالوزن، والبناء، والسجع، والتقفية، والحلية الرائعة، وتخير اللفظ، وإحضار الزينة بالرقة والجزالة والحلاوة والمتانة»، أبو حيان التوحيدي، المقابسات، تحقيق علي شلش، دار المدى، ط1، 1986م: 92.
ـ التواصل «إن الكلام الذي يراد به استصلاح العامة واستجماع الكافة، لابد من أن يكون مرة مبسوطا، ومرة موجزا، ومرة مستقصى بالإيضاح والإفصاح، ومرة مجموعا بالرمز والتعريض ومرة مرسلا على الكتابة والمثل، ومرة مقيدا بالحجج والعلل، وعلى فنون كثيرة لا وجه لاستيفائها»المرجع نفسه: 164.
(20) أفرد عبدالسلام المسدي لهذه الخصائص الفصل الثالث الموسوم بـ «مقومات الكلام» في التفكير اللساني في الحضارة العربية، المرجع نفسه: 246-363.
(21) ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة، م.سا: 290.

المصدر: مجلة «عالم الفكر»، المجلد 32، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.