الحضارية «دراسات اسلامية»

الاحد: 13/07/2008


علم الاسلاميات التطبيقية
(كيف نفهم الاسلام اليوم)(2\2)

محمد أركون
ترجمة هشام صالح

مثال على الفوضى المعنوية
في دورة عام 1986 في مؤتمر الفكر الإسلامي في الجزائر تجرأت على عرض مفهوم علم الإسلاميات التطبيقي بصفته مشروعاً معرفياً لدراسة التراث الإسلامي. وكان ذلك أمام جمهور كبير، مرحّب قليلاً أو كثيراً بأفكاري وطريقتي في فهم الأمور. والواقع أنه يدعى إلى المؤتمر الطلاب من شتى أنحاء الجزائر لكي يستمعوا إلى حديث العلماء الدينيين الأكثر شهرة في العالم الإسلامي. وبالتالي فجمهور القاعة كان متنوعاً، متعدد المشارب والاتجاهات، غزيراً فعلاً. وخلال نهار كامل مرهق جداً استمر من الساعة التاسعة صباحاً إلى الساعة الثامنة مساء تعرضت شخصياً لجلسة حقيقية من جلسات محاكم التفتيش، وعلى الرغم من صعوبة المواجهة بقيت صابراً. والمحاكمة التفتيشية لم تتركز على محاضرتي التي كنت قد ألقيتها البارحة بقدر ما تركزت على عبارة من كتاب لي صادر بالفرنسية بعنوان: الفكر العربي. (تقول هذه العبارة التي سأضع نصها بالفرنسية أولاً: le Coran est un discours de structure mythique) وقد ترجمها الزميل السوري والأستاذ الجامعي الدكتور عادل العوا على النحو التالي: القرآن هو خطاب أسطوري البنية. لم ينتبه على الرغم من انه فيلسوف ومتخرج من السوربون إلى أن كلمة أسطورة غير مناسبة هنا. فنحن نعلم أن القرآن يستخدم كلمة أسطورة لتسفيه الأساطير التي لا معنى لها والمفرّغة من آفاق المعنى، أقصد أساطير الشعوب القديمة. ويعارضها بأحسن القصص التي يستخدمها القرآن لوضع العلم في متناول مخلوقاته. هناك مفهوم يوناني غني جداً هو ميثوس (muthos) المضاد للوغوس (logos). وقد استعيد مفهوم الميثوس من قبل علم الأنتربولوجيا المعاصرة وأغني كثيراً. ولكن اللغويين العرب الذين ترجموا هذا المفهوم بالأسطورة برهنوا على جهل مزدوج. فهم من جهة ركزوا على الجانب الخرافي والأسطوري من الحكايات الشعبية كما كانت النـزعة التاريخية الوضعية المتطرفة قد فرضته منذ القرن التاسع عشر. وهكذا جهلوا الرهانات الفلسفية للمزدوجة المفهومية (ميثوس/ لوغوس). كما جهلوا أكثر المكتسبات الحاسمة التي قدمتها لنا الأنتربولوجيا الثقافية والاجتماعية في مواجهة النـزعة التاريخية الوضعية المتطرفة. وهكذا نجد أن أجزاءً ضخمة من الفكر القديم والمعاصر لا تزال مدفونة في المستحيل التفكير فيه بالنسبة للناس الذين لا يعرفون إلا لغة واحدة: هي هنا اللغة العربية. بل وأسوأ من ذلك، فلكيلا يعدوا المفهوم القرآني «قصص» بالدلالات الإيحائية السلبية للأسطورة الخرافية، فإنهم لم يتجرءوا على ترجمة كلمة (mythe) الفرنسية بكلمة «قصص» العربية. وهذا مثل ساطع ناصع على المستحيل التفكير فيه. (ولكن يمكن أن أقول الشيء ذاته عن الإيمان المسيحي، أو اليهودي، أو البوذي، أو الهندوسي... وذلك لأن الآليَّات الاستدلالية أو الفكرية التي أصفها هنا تنطبق على الجميع مما يعني أن لها بعداً انثروبولوجياً).
الحداثة والتحديث
بعد كل ما قلته سابقاً هل من داع لتصحيح الرؤيا المتشائمة ظاهرياً والتي انتهيت من عرضها للتو؟ سوف أضيف قائلاً ما يلي: منذ الاستقلال حصل تطور اقتصادي وتراكمت ثروات، وأجريت بعض التصحيحات على التوجهات الخاصة بالتطور الاجتماعي والاقتصادي. كما وبذل أولو الأمر بعض الجهود من أجل تدريس العلوم البحتة أو التكنولوجية الضرورية للتحديث. ولكنهم بالمقابل مارسوا رقابة إيديولوجية على علوم الإنسان والمجتمع، وعلى مكانتها وطريقة استخدامها. نقول ذلك ونحن نعلم أن هذه العلوم هي وحدها التي تتيح القيام بنـزع الأسطرة والأدلجة عن جميع أنماط الخطابات ومستوياتها: من خطابات سياسية، أو اجتماعية، أو دينية، أو ثقافية، أو تشريعية قانونية، تماماً كما فعلت آنفاً بالنسبة لمفهوم «الأسطورة»: (le mythe). إن هذه الرقابة الإيديولوجية التي تمارس مثلاً عن طريق التعريب الفج، أو عن طريق تقليص أو حتى حذف تعليم الفلسفة والعلوم الاجتماعية، هي التي جعلت مستحيلاً إدخال علم الإسلاميات التطبيقي كمنهج تحريري للفكر في المغرب الكبير وفي شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي. إن الثمن المدفوع حتى الآن بسبب ذلك يبدو باهظاً. أقول ذلك وأنا أفكر بالإفقار المتواصل للمجال الفكري والثقافي، وبالهلع الأخلاقي للضمائر، وبالإحساس الفردي والجماعي بانعدام الأمن، وكذلك الإحساس بالفشل، والإحباط، والضياع، والفوضى المعنوية، والحرمان من أبسط الحقوق المدنية. ينبغي أن نضيف إلى ذلك تراكم الأشياء المستحيل التفكير فيها والأشياء اللامفكَّر فيها، هذا في حين أن تسارع التاريخ العالمي يفرض علينا إيجاد أجوبة ملحة على مشاكل عديدة مطروحة بشكل سيء، أو حتى غير مطروحة على الإطلاق. كما وينبغي أن نجد أجوبة أو حلولاً للعنف البنيوي المتأصل داخل كل الأنسجة والشرائح الاجتماعية. وهو عنف ناتج عن تضافر أو تداخل إيديولوجيتين اثنتين: الأولى قومية، والثانية دينية. وكلتاهما تبحث عن السلطة بدون أن تمتلك أي مشروع تاريخي. وبالتالي فهما كلتاهما تحملان في طياتهما ثقافة مضادة للديمقراطية.
أعود الآن إلى مسألة الذاكرات الجماعية التي تقف في مواجهة السلطة المركزية ذات النمط اليعقوبي الفرنسي. نحن نعلم أن تاريخ فرنسا المدرَّس للطلاب منذ حلول عهد الجمهورية الثالثة هو تركيبة تمجيدية للأمة. وهي تركيبة تتم بمساعدة أماكن الذاكرة المنتخبة والمنتقاة من أجل تشكيل سرد قصصي ذي بنية أسطورية. (انظر بهذا الصدد كتاب بيـير نورا: أماكن الذاكرة). ماذا يمكن أن نقول عن التواريخ المدعوة وطنية أو قومية والتي كتبت من قبل «النخب المثقفة» للدول المتحررة حديثاً من الاستعمار والتي تدرس للطلاب في المدارس؟ لقد لزم مرور بعض الوقت قبل أن يظهر مؤرخون قادرون على التحرر من إطار إيديولوجيا الكفاح الوطني من أجل تقديم صورة متماسكة عن «الأمم المشوهة، المفككة، أو حتى المنكر وجودها كلياً» من قبل القوة المستعمرة. ولكن تأثير الرؤيا القومية جرى تعقيده أكثر، ثم بشكل أخص استبدل وحلَّت محله إيديولوجيا الاحتجاج الأصولي. ومعلوم أنها إيديولوجيا تمجد الأمة الإسلامية التي تتجاوز الحدود القومية. إن تصفية العقبات الإبستمولوجية المنقولة بواسطة النموذج الأصولي الذي يشكل الرابطة الجماعية على أساس «الإيمان» أصعب من الناحية النفسية من تصفية تلك العقبات الناتجة عن القولبة الإيديولوجية التي تمارسها القومية العلمانية أو المعلمنة. كان المؤرخون التونسيون واعين بالشروط الاحترافية والاختصاصية لمهمة المؤرخ. ولهذا السبب فإنهم قبلوا دمج المرحلة الرومانية من تاريخ المغرب الكبير. أقصد قبلوا بأن يعتبروها جزءاً منه. ولكن هذا الشيء لم يحصل في الجزائر ولا في المغرب الأقصى لأسباب متشابهة ومختلفة. إن المشكلة هنا تخص كيفية إدارة الوعي التاريخي في مرحلة البناء الوطني أو القومي بعد جلاء الاستعمار. فالواقع أن أدوات دمج الأمة أو توحيدها (من لغة، وأماكن ذاكرة، ونقاط ارتكاز ثقافية، وأبطال مؤسسين) هي إما أنها غير متوافرة وإما أنها موضع اختلاف ونزاع. إن اللجوء إلى الإسلام واللغة العربية والثقافة العربية كدعائم توحيد مفترض أنها مشتركة لدى كافة الذاكرات الجماعية ـ التي هي متمايزة في الواقع ـ يبدو محتوماً وإشكالياً في ذات الوقت. وهكذا نجد أنهم استعادوا المرحلة التركية ودمجوها في التاريخ الوطني، ولكنهم استبعدوا المرحلة الرومانية واعتبروها أجنبية على روح المغرب لأنها وثنية ولاتينية ومسيحية في آن معاً. في الواقع إن استعادة المرحلة التركية يبدو تعسفياً لنفس السبب. لنهمل هنا الكتابة التبجيلية أو التقديسية للتاريخ. أقصد الكتابة التي تخلق أبطالاً بدون أي تماسك أسطوري أو تاريخي كجوغورتا والكاهنة (وهي شخصية موضع نزاع وخلاف بسبب مقاومتها للفتح العربي). ولنهمل تلك الكتابات الإيديولوجية التي ما انفكت تشتم وتلعن تلك القوة الشيطانية بشكل مطلق: أي الاستعمار. ولكن هذين النوعين من الكتابة واللذين نجدهما في مقالات توفيق المدني في الجزائر ساهما في إيقاظ الوعي الأسطوري ـ التاريخي. وعلى الرغم من هشاشة هذا الوعي إلا أنه استخدم كدعامة فعالة لإيديولوجيا الكفاح الوطني ضد الاستعمار. ولكن هناك بالطبع كتابات أكثر جدية كتلك التي نوقشت كأطروحات للدكتوراه. وقد قدمت كفالة أكثر «علمية» لهذا الوعي الأسطوري ـ التاريخي المنفوخ والمتضخم بشكل هائل على يد الخطاب الأصولي الذي شهد توسعاً أو انتشاراً كبيراً في الآونة الأخيرة. في الواقع إن هذا الخطاب يستخدم الشخصيات الرمزية الكبرى والنصوص التأسيسية أو المؤسِّسة التي تمتلك سلطة تقديسية تعود إلى الزمن التدشيني الأول للحقيقة المطلقة الموحى بها في القرآن. وهذا الزمن يسجل التاريخ الأرضي أو يدمجه داخل منظور تاريخ النجاة، ثم يشطره إلى شطرين أنطولوجيين: ما قبل الوحي/ وما بعده. إن التقويم الهجري، كما التقويم المسيحي والتقويم اليهودي، يقسم بنفس الطريقة الخط الكرونولوجي (أو الزمني المتسلسل) لتاريخ الأرضي. وأما الزمن الحديث المُعَلمَن فله أيضاً لحظاته التدشينية الكبرى التي تدل على الوظيفة الأسطورية المشتركة لدى جميع التصورات البشرية الخاصة بالأحداث المؤسِّسة أو التأسيسية. فبالنسبة لإسبانيا مثلاً نلاحظ أن اللحظة المدشّنة للتاريخ هي عام 1492، وبالنسبة لإنجلترا عام 1648، وبالنسبة لفرنسا عام 1789 أو 18 يونيو/حزيران من عام 1940، وبالنسبة للاتحاد السوفييتي سابقاً عام 1917، الخ... ولكن هناك فرقاً بين الفكر الحديث/والفكر الديني فيما يخص تقسيم الزمن أو التاريخ. فالفكر الحديث يعترف بالثقل العملي والمادي للتاريخية مما يجعل المرجعية الأسطورية أكثر عرضية أو ظرفية أو احتمالية وبالتالي أقل إطلاقية. وأما الفكر الديني فيدمج ظرفية التاريخ البشري أو عرضيته داخل الديمومة الأنطولوجية للحضور الإلهي والسببية الإلهية.
إن لدى علم الإسلاميات التطبيقي أشياء كثيرة لكي يقولها ويشرع بها من أجل دراسة العلاقات الكائنة بين الذاكرات الجماعية، والوعي الأسطوري، والوعي التاريخي والبناء الوطني أو الفئوي (إن لم نقل الديني أو الطائفي). أضرب هنا مثلاً آخر لكي أبيِّن أنه عبر مثال الإسلام فإن علم الإسلاميات التطبيقي يوسع مجال تحرياته ودراساته لكي يشمل الظاهرة الدينية بمجملها وليس فقط الإسلام، ثم لكي يشمل جميع وظائفها في المجتمعات البشرية عن طريق استهدافه لمعقوليات ذات بعد أنثروبولوجي. وهكذا نجد أنفسنا مدعوين للتساؤل عن الصلاحية السياسية لتلك الجهود المبذولة من أجل تشكيل الدولة القومية بواسطة الترقيعات الإيديولوجية التي تؤدي إلى تشكيل وحدة قومية هشة في مرحلة تاريخية حيث نجد أن نموذج الدولة القومية هو في طوره لأن يصبح متجاوزاً من قبل توسيع فضاءات السيادة السياسية كما يدل على ذلك تشكيل الوحدة الأوروبية. إن هذا التساؤل غير مقبول أو غير مفهوم ضمن الحدود الحالية للفكر السياسي كما هو سائد في منطقة المغرب الكبير، ناهيك عن العالم العربي ككل حيث نجد أن المسارات القومية تصطدم بكل الصعوبات المرتبطة بالقطيعة الواضحة بين الدول ومجتمعاتها المدنية التي هي الآن في طور التشكل والانبثاق. إن هذه الحالة كانت قد غذّت، ولفترة طويلة، التعلق بالماضي الخيالي واجترار ذكريات الآباء والأمجاد... كما وغذَّت تلك الخطابات الإيديولوجية التي تصور الذات الإسلامية أو العربية وكأنها ضحية باستمرار، أي ضحية القوى الخارجية الشريرة. لا يمكننا أن نضع حداً لاجترار الماضي الخيالي إلا إذا تحررنا من الضغط الاستلابي لما سأدعوه بالتواريخ الفئوية. فهذه التواريخ تسجل داخل الإطار الكرونولوجي الخطي المستقيم سلوك فئة قُلِّصت بواسطة سلسلة من الحذف والتبسيط إلى مجرد البحث «الروحي» عن الخلاص أو النجاة في الدار الآخرة. وهنا نلاحظ أن كتابة التاريخ انتقائية أو اصطفائية تماماً كما يحصل بالنسبة لكتابة التاريخ القومي. ولكنها تتميز في نقطة واحدة: وهي أنها تمارس نوعاً من التقديس والتحوير والمبالغة الأسطورية الأكثر قوة وتأثيراً على الوعي الجماعي. وبالتالي فهي أكثر قدرة على إنتاج ما يدعوه علماء الأنتربولوجيا بمديونيَّة المعنى. على هذا النحو تشكلت ذاكرات جماعية للفرق الإسلامية المختلفة عند المسلمين، وذاكرة جماعية لليهود الشرقيين (سفرداييم)، وذاكرة جماعية لليهود الغربيين (اشكينازيين)، وذاكرة جماعية كاثوليكية، أو أورثوذكسية، أو بروتستانتية لوثرية، أو بروتستانتية كالفينية، بالنسبة للمسيحين، ثم ذاكرة جماعية بوذية على طريقة الزين (Zen) أو التيبيت بالنسبة للديانة البوذية، الخ... لقد تطورت الكتابة التاريخية الفئوية على كلا المستويين: الشفهي والكتابي. وقبل أن تحصل الثورة التاريخية الفيلولوجية كان التمييز بين الاستملاك الأسطوري للماضي والمعرفة التاريخية النقدية به أمراً متعذراً أو مستحيلاً: أي يستحيل التفكير فيه. ولا يزال يشكل نوعاً من المستحيل التفكير فيه بالنسبة للأغلبية العظمى من علماء المسلمين. بل إني أعرف مؤرخين حديثين مشهورين لا يستطيعون التوصل إلى فهم هذا التمييز واستيعابه في خطاباتهم أو في كتاباتهم عن الأسس العقائدية أو الدوغمائية لما يدعونه بالإيمان. وضمن هذه الشروط أو الظروف فإنه لا يمكننا أن نؤشكل الإيمان أو أن نتخذه كمادة للدراسة: أي لتطبيق منهجية علم النفس التاريخي عليه من أجل إظهار المحدوديات الحصرية التي يفرضها موقف الإيمان الساذج على الممارسة المثلى للعقل التساؤلي النقدي.
إن التواريخ الفئوية هي التي بلورت ما سأدعوه بعلم القيم الأسطوري ـ اللاهوتي ـ السياسي وذلك عن طريق العمل البطيء للذاكرات الجماعية: أقصد عمل الذات على ذاتها. وعلى علم القيم هذا ترتكز كل الحكايات والقصص التحويرية للتراث. أقصد تحوير لحظة تاريخية عادية إلى لحظة أسطورية تدشينية تفتح تاريخاً جديداً مطهِّراً ومطهَّراً. وهي تحورها أو تحولها إلى ذلك بعد أن يحصل الانتصار السياسي، أو بعد أن يكون قد تمَّ كأمر واقع. وفيما يخص الإسلام نلاحظ أن بلورة هذه قد ابتدأت منذ أن كانت السلالة الأموية قد حكمت واستقرت في دمشق عام 661م. ومعلوم أن الإسلام قد تلقّى تعبيراته أو تجلياته الكلاسيكية بين عامي 870-1050 وذلك من خلال أعمال ومؤلفات محددة تماماً. وهي مؤلفات مارست فعلها أو دورها حتى يومنا هذا بالنسبة لكل ذاكرة جماعية حصلت على موقع الاستقلالية السياسية أو الأقلية السياسية بصفتها مدونات رسمية مغلقة أو ناجزة (أو مجموعات نصية منتهية أو مغلقة نهائياً). وفي هذه المجموعات النصية راحت تتبلور شكلاً ومضموناً القيم النموذجية العليا للوجود المؤمن أو الإيماني. وهو وجود متوافق مع العهد الأمثل الذي يتمثل بتقديم الطاعة لله مقابل الاعتراف بجميله أو نعمه على الإنسان (وهذا ما يدعى في اللغة القرآنية بالعهد أو بالميثاق). إن هذا العهد أو الميثاق لا يزال يمارس دوره أو فعله لدى جميع الطوائف الإسلامية وذلك من خلال فوضى معنوية ومفهومية شاملة. وفي هذه الفوضى نلاحظ أن العنف ذا الجوهر السياسي يعيد إحياء وتنشيط ذلك المثلث الأنثروبولوجي المتمثل بالأشياء التالية: عنف-تقديس-حقيقة. أريد أن ألح هنا مرة أخرى على مسؤولية العلوم السياسية التي لا تتحمل أبداً مسؤولية التحليل النقدي لهذه الفوضى المعنوية والمفهومية. بل إنها تساهم في زيادتها وانتشارها عن طريق نقل الخطابات الأصولية التي تجسدها إلى اللغات الأجنبية، وعن طريق نقل أخبار أعمال العنف التي تلهمها بصفتها تجليات شائعة لبعض الأديان السائدة في مجتمعات بعيدة جداً عن «قيم» الحضارة الغربية كما يحددها بطريقة نموذجية أو معيارية صموئيل هانتنغتون. بل ونلاحظ أنه حتى العلوم الاجتماعية المطبَّقة على الأديان لا تستطيع التوصل إلى تصحيح الاعتباط الإيديولوجي والاستقالات الإبستمولوجية التي يرتكبها «العلم» السياسي الذي يشتغل على أرضية مُهَيْمَن عليها من قبل الظاهرة الدينية. إنها لن تستطيع التوصل إلى ذلك إلا إذا تسلَّحت بالأدوات المعرفية الضرورية من أجل بلوغ المطابقة الوصفية والمطابقة التفسيرية للظاهرة.
لنوضح هنا بشكل أدق وأكثر تفصيلاً هذه المهمة المطروحة على علم الإسلاميات التطبيقي. كنا قد رأينا سابقاً بأن علم الإسلاميات التطبيقي يختلف عن غيره من حيث مراعاته للنقطة التالية. إنه ينطلق دائماً من الحدث المعاش من أجل فرز القوى الموجودة في الساحة وتحديدها. وهو يقوم بذلك أيضاً من أجل تعيين رهانات الصراعات والتقاط الخطابات المستخدمة لكي يعيد تشكيل سلسلة الأحداث المتلاحقة، والآليات السوسيولوجية، والاستراتيجيات السلطوية التي تؤدي بنا إلى تحليل البنى الأنثروبولوجية المشتركة لدى كل الذاكرات الجماعية المتنافسة. إن الأمر يتعلق هنا بتحرٍّ أركيولوجي يهدف إلى الكشف عن النوابض أو الدوافع العميقة، وكذلك عن المرجعيات الضمنية التي تثير أتوماتيكياً خيارات الناس، أو «تحرك» فوراً تصرفاتهم وسلوكهم بدون أن تتوصل هذه المرجعيات والبواعث أبداً إلى مرحلة الصريح المعروف بالنسبة للوعي. وهذا المنظور ينطبق على مختلف الحركات والتنظيمات... كما أنه ينطبق على الكاثوليكيين والبروتستانتيين منذ القرن السادس عشر، وعلى السنة والشيعة على مدار العصور الإسلامية كلها منذ مقتل علي والحسين... وينبغي أن نعلم أن كل المنخرطين في هذه الصراعات يجهلون بأنهم قد استبطنوا عبر أنظمة العقائد/ واللاعقائد الإيمانية، وعبر الطقوس الفردية والجماعية، وعبر القصص المثالية أو الأسطورية المحفوظة عن ظهر قلب منذ الطفولة، وعبر أماكن الذاكرة الخاصة بكل طائفة أو جماعة، أقول استبطنوا ما كنت قد دعوته بالقيم الأسطورية-اللاهوتية-السياسية. ينبغي أن نتحدث هنا عن الذاكرات الجماعية الحية التي تشكلت في السياقات الإسلامية منذ عام 661م. فهذه هي المرة الأولى التي تتوصل فيها طيلة كل تاريخها الثقافي إلى الوعي النقدي بما لم تعرف أبداً أن تسميّه. وأقصد بذلك الأشياء الضمنية المعاشة، هذه الأشياء التي تشكل المخيالات الأنتروبولوجية. وهذه الأشياء الضمنية المعاشة هي ما يدعونها تفاخراً وتعظيماً بالتراث الحي، أو بالميراث القومي، أو بإرث الماضي، الخ...، من أجل التغطية على وظائفها الحقيقية في التاريخ أو تمويهها. وكذلك من أجل منع الكشف عن منشأها الإجتماعي، والسياسي، واللغوي، وبالتالي الدنيوي، والاحتمالي، العابر. هذا في حين أنها تقدم نفسها، وتعاش وتُفسَّر بصفتها الذروة العليا المتعالية، والمقدسة، والمعصومة، والتي لا يمكن تجاوزها. وهي إما متجسدة في إله حي، وإما في تعاليم حكيم مؤسِّس، وإما في العقل الأعلى الذي نادت به الأنوار الأوروبية. ومن يقوم بهذا العمل كله، أقصد عمل التعرية الأركيولوجية العميقة؟ إنه علم الإسلاميات التطبيقي. وهنا تتجلى الاستراتيجيات المعرفية الأكثر انقلابية وجذرية لعلم الإسلاميات التطبيقي. وعندما أتحدث عن الذاكرات الجماعية الحية المتولدة في السياقات الإسلامية منذ عام 661م فإني أشير في الواقع إلى الصدامات الحاصلة حالياً بين الأكراد، والأتراك، والأرمن، والإيرانيين، والعرب، والبربر، مع كل الخلفيات الدينية أو المذهبية لهذه الصراعات. بل ويمكن القول بأن الطبقات الاركيولوجية لهذه الصراعات تنـزل إلى منطقة أقدم وأعمق بكثير من ظهور الإسلام. إنها تعود إلى المرحلة الوثنية، والعتيقة جداً، والبدائية، والوحشية، والجاهلية...
كان رولان بارت يقول بأن كل كتابة هي عمل من أعمال التضامن التاريخي. وأعتقد أن فرادة جوابي المتمثل في علم الإسلاميات التطبيقي والتطورات اللاحقة التي أعطيتها له تكمن فيما يلي: بدلاً من أن أنغلق في تضامن أعمى مع الوطن، فإني فضلت أن أبلور مشروعاً معرفياً وفلسفياً. وأقصد به المشروع الذي يخرجنا من كل السياجات المغلقة. وهي سياجات تشكلها الذات الجماعية عن نفسها بشكل متكرر عن طريق «العقل» من أجل فبركة عقلانيات خادعة ولكنها ضرورية من أجل تحريك المخيالات الاجتماعية وتشغيلها. إن هذه العلاقة البنيوية والوظائفية التي تربط بين العقل، والخيال، والمخيال لا يمكن أن تُدْرَس أو تُفْهَم على حقيقتها إلا من قبل باحثين قادرين على استيعاب ثلاثة علوم أساسية. وإذا لم يستطيعوا استيعابها تماماً، فينبغي على الأقل أن يلمحوا الضرورة الإبستمولوجية لعدم الفصل بينها. واقصد بها ما يلي: علم الأنتربولوجيا التاريخي، وعلم النفس التاريخي، وفلسفة العلوم التاريخية (أو الإبستمولوجيا التاريخية). أتردد في إضافة التحليل النفسي لها، لأنه عرضة لجدالات وخلافات كثيرة حتى لدى ممثليه الأكثر كفاءة ومقدرة. ولكن من المؤكد أن المنهجية التحليلية النفسانية ينبغي أن ترافق هذه العلوم الثلاثة التي تبدو لي ضرورية جداً من أجل تجديد فهمنا للظاهرة الدينية بشكل حقيقي. أقول ذلك وأنا أنظر إلى الظاهرة الدينية وهي في حالة تفاعل أو تداخل مع الظاهرة السياسية، والظاهرة السيميائية (أو الدلالية ـ اللغوية وغير اللغوية).
الوهم الإصلاحي
كل ما سبق يتيح لنا أن نفهم لماذا يرفض علم الإسلاميات التطبيقي الذي أتبنَّاه وكذلك نقد العقل الإسلامي أن يكررا في برامجهما الوهم الإصلاحي. لم أنصع في حياتي أبداً لذلك الإغراء المتمثل في «إعادة تركيب الفكر الديني للإسلام» من أجل إعادة تحيينه أو تجسيده مثال محمد إقبال الذي يكرر هو الآخر تلك الحركة الفكرية والروحية التي قام بها أبو حامد الغزالي قبل تسعة قرون. نقول ذلك ونحن نعلم أن الغزالي أراد «إحياء علوم الدين» بعد مرور خمسة قرون على المناقشات الغنية والتعددية العقائدية. بل إن مفهوم الإصلاح ذاته يعني العودة إلى الصيغة الأولية، أو الأصلية، أو الصحيحة الموثوقة التي دشَّنت الحقيقة المطلقة المحفوظة في الكتاب الموحين. ويعتقدون أنه تمَّ الحفاظ على هذه الحقيقة فيما وراء الانحرافات، والتشويهات، والخيانات الناتجة عن البدع. فهذه البدع المستجدة تجهل في رأيهم الأحاديث الصحيحة، والمعايير النقية أو الخالصة والمستقيمة التي كان الفقهاء المأذونون قد استخرجوها ووضحوها. بعد أن صورنا الأمور على هذا النحو لا بد وأن القارئ يرى كيف أن المسار الإصلاحي يقودنا إلى الانغلاق داخل السياج العقائدي المغلق. فهذا السياج حوَّلته الرؤيا الإيمانية أو المؤمنة إلى قصر شامخ منيف لا يمكن للمرء أن يعيش خارجه. فالوجود خارجه ليس إلا ضلالاً، وتيهاً، وانعدام أمان، وعذاب. كنت قد اكتشفت هذه الوظيفة الأسطورية للموقف الإصلاحي عندما كنت أحضر دبلوم الدراسات العليا في جامعة الجزائر. وكان موضوع بحثي هو التالي: الجانب الإصلاحي في أعمال طه حسين. وقد اخترت ذلك المدافع العربي الكبير عن الأنوار الأوروبية لكي أبيِّن مدى التنازلات التي قدمها في الثلاثينات من القرن العشرين الذي كان آنذاك في بداية انبثاقه وصعوده. وفي نفس الفترة كان العقاد ينشر عبقرياته المتركزة على الشخصيات الكبرى للإسلام الأولي. ففي مواجهة التطرف الديني أو السياسي كنت أعتقد بالفائدة المؤقتة أو المرحلية للنـزعة الإصلاحية على طريقة محمد عبده المستنيرة. فهذا العقل الإصلاحي الذي يقدم بعض التنازلات المحسوبة للنقد الحديث يقوّي في الواقع الأولوية الأنطولوجية والمعرفية للفضاء الخصوصي الذي ينتشر فيه «الإيمان» أو يتجسد ويأخذ كامل أبعاده. وهنا نجد أمامنا مثالاً واضحاً وساطعاً على ما كان ميلتون روكيش قد دعاه باستراتيجية الرفض المسبق، وهي استراتيجية خاصة بالعقلية الدوغمائية أو ملازمة لها. سوف أضيف مثالاً آخر على هذه العقلية، وهو يتمثل بالحاخام الليبرالي الذي يشتغل في كلية ليوبيك في لندن. فبعد أن ألقيت محاضرة في الأكاديمية الإنجليزية في برلين عن المكانة المعرفية للوحي في الأديان التوحيدية الثلاثة اقترب مني هذا الحاخام وأخذني على حدة وقال لي: لقد بهرت بمحاضرتك، ولكني لم أقتنع! ويا لها من عبارة ناجحة ومقتضبة وتعبر عن محدودية التواصل الحواري بين الأديان...
إن الجمهور الإسلامي المتعدد والمتنوع، والملحاح الذي استمع إلى محاضراتي في العديد من البلدان العربية والإسلامية كان يطالبني دائماً بما يلي: التراجع عن استخدام المنهجيات والعلوم «الغربية» من أجل التفرغ لتجديد الفقه الإسلامي «من الداخل». لا شك في أني واع للضرورة الملحة التي تقضي بتجديد هذا الفقه في الإسلام. أقول هذا الكلام وأنا أفكر بشكل خاص بتلك المؤلفات والأبحاث التي يصدرها بعض أصدقائي من أمثال كلود جيفري، وبيير جيزيل. فقد نشرا مؤخراً كتابين يمشيان في نفس الخط الذي أمشي فيه، أو قل وجدت في كتابيهما توجيهات واهتمامات قريبة جداً من نوعية المهام التي أحددها لعلم الإسلاميات التطبيقي. ولكن ينبغي أن نعلم أن الإسلام كدين أو الفكر الإسلامي كفكر لا يجدان نفسيهما في نفس السياقات الفكرية والعلمية، ولا في نفس مراحل التطور التاريخي التي وجدت المسيحية نفسها فيهما. وأقصد بذلك مسيحية أوروبا الغربية بالطبع. فالمسيحية الأوروبية على الرغم من جحودها أو إنكاراتها الدوغمائية استفادت من مكتسبات الحداثة العلمية، والتشريعية، والمؤسساتية. وأما الإسلام فيعاني من التفاوت التاريخي المتزايد، وذلك بالقياس إلى التقدم الحاصل في أوروبا من جراء الفصل القانوني بين الذروة الدينية والذروة السياسية. فهذا الفصل حصل في الجهة الأوروبية بفضل تشكل الدولة القومية الحديثة وصعود طبقة بورجوازية من المقاولين العلمانيين بدءاً من القرنين السابع عشرـ الثامن عشر (بل وحتى منذ عهد الملك فيليب الجميل فيما يخص الحالة الفرنسية). وبالتالي فينبغي على الباحث أن ينطلق، كما قلت سابقاً، من العقبات المحسوسة التي تصطدم بها في الحياة اليومية الفئات، والأقليات، والشبيبة الصاعدة. ينبغي الانطلاق من هذه العقبات والمشاكل من أجل تشكيل قواعد اجتماعية واسعة لاستقبال الحداثة. وهذه الحداثة بحاجة هي الأخرى أيضاً إلى إعادة التفكير فيها وتجديدها وغربلتها وإعادة استملاكها أيضاً من قبل فكر طالما عُرقِل وسُدّ من قبل ما كان غاستون باشلار قد دعاه بالمعارف المساء بلورتها أو حتى الخاطئة بشكل كامل. ينبغي أن نعلم أن الأمية ليست هي وحدها التي تقيم العراقيل والعقبات أمام استقبال الفكر الحديث. وإنما هناك عراقيل أخرى أيضاً لا تقل هولاً وخطورة. وأقصد بها أساساً ذلك الانغلاق الإيديولوجي الذي تولَّد بعد أربعين أو خمسين سنة من الاستقلال، ثم ذلك التعليم الكمّي أو الجماهيري الضخم من حيث العدد، ولكن الضعيف من حيث النوعية والجودة. وهو تعليم مبلور أو مبرمج من قبل إيديولوجيين مغامرين غريبين على الحداثة الفكرية. كما أنه مطبَّق من قبل معلمين لم يُحضَّروا بما فيه الكفاية لمهمتهم، إضافة إلى أنهم خاضعون أكثر مما يجب للتعليمات الرسمية. ففي هذه المجتمعات نلاحظ أن علم الإسلاميات التطبيقي يطمح إلى تقديم الإمكانية التالية. وهي إعادة التفكير جذرياً بالبرامج التعليمية السائدة لكي نخلق في جيل واحد هذه القواعد الاجتماعية الخاصة بتشكيل معرفة مُسيطَر عليها أفضل. وأقصد بها المعرفة المجهزة بالأطر والأدوات الفكرية التي تتطلبها التحديات الجديدة للعولمة، بعد أن عشنا بشكل سيء أو فاشل تلك الأطر والأدوات الفكرية السائدة في حقبة الحداثة الكلاسيكية. قلّت فيما سبق «الاستخدامات المتوحشة» وأنا أقصد بها ذلك المعنى الأنثروبولوجي الوارد في كتاب كلود ليفي شتروس الذي يحمل نفس الاسم. وبالتالي فقد اخترت بدون أي تردد استراتيجية التدخل العلمي التي يمكن للقراء أن يطلعوا عليها أو يكتشفوها في المجلدات الخمسة التي سأنشرها قريباً وبشكل متلاحق. إني أقدمها لهم راجياً أن تحظى باهتمامهم وتأملهم ومشاركتهم الفاعلة. وسوف يرى القارئ من خلال هذه الكتب الخمسة أن هناك أطروحة أساسية تتبلور وتتراءى. تقول هذه الأطروحة ما معناه: لا يمكن أن يوجد عمل لاهوتي حي أو قابل للحياة والاستمرارية، ولا يمكن أن يوجد إصلاح موثوق ذو مصداقية فكرياً وتاريخياً لأي دين عرفته البشرية حتى الآن، وليس للإسلام فقط، إن لم يتوافر الشرط التالي. وأقصد به المراجعة النقدية الراديكالية، وعلى أسس جديدة تماماً، لكل المسارات المعرفية للعقل في جميع التراثات الفكرية المعروفة أو القابلة لأن تعرف حتى الآن. صحيح أن دراساتي تبقى ناقصة لأنها لا تشمل الفكر الصيني أو فكر الأديان الآسيوية والإفريقية. ولكن سيرى القارئ أني أبلور هنا مصطلحات، وإشكاليات، أو تساؤلات يمكنها أن تمارس فعلها كبنيات أو هياكل استقبالية قادرة على أن تحتضن كل أنواع الفكر البشري. إنها قادرة على أن تحتضن أبحاث عالم متخصص بالفكر الصيني من أمثال فرانسوا جوليان أو سواه. فهم يقدمون الآن معطيات جديدة للأضابير الأساسية التي ينبغي على العقل الاستطلاعي الجديد أن يستند إليها أو يرتكز عليها. وهذا المنظور الواسع أو الموسَّع هو الذي دفعني لأن أفضل مصطلح العقل الاستطلاعي المستقبلي المنبثق حالياً على مصطلح عقل ما بعد الحداثة، أو الشديد الحداثة، أو ما فوق الحداثة. فهذه التسميات الأخيرة تركز الأنظار فقط على التجربة الغربية لتاريخ الفكر، وتهمل التجارب الأخرى أو المسارات الأخرى. ونحن نريد أن نكسر هذا الاحتكار، أو هذا التقوقع المركزي، أو هذه الهيمنة المتكررة للفكر الأوروبي على سواه.

عن: مجلة التسامح