الحضارية «دراسات اسلامية»

السبت: 12/07/2008


علم الاسلاميات التطبيقية
(كيف نفهم الاسلام اليوم)(2\1)

محمد أركون
ترجمة هشام صالح

«إن مسألة الأرشيف ليست... مسألة ماض... ولا مسألة مفهوم... وإنما هي مسألة مستقبل، بل إنها مسألة المستقبل بالذات، مسالة جواب ما، مسألة وعد ومسؤولية من أجل الغد. فالانتظار الطيفي للخلاص أو للمخلِّص يبلور مفهوم الأرشيف ويربطه، كما الدين، كما التاريخ، كما العلم نفسه، بتجربة فريدة جداً للوعد» (جاك ديريدا، الحنين إلى الأرشيف، منشورات غاليليو، باريس، 1995).
«وما كان قد بقي غير مفهوم سوف يعود من جديد كروح معذبة. ولن يستريح قبل أن يجد له حلاً، وخلاصاً» (فرويد، خمسة دروس في التحليل النفسي. المنشورات الجامعية الفرنسية، 1954).
«ولكن أكثر الناس لا يعقلون». صدق الله العظيم، القرآن الكريم، في غير سورة من القرآن الكريم..
تحت هذا العنوان العريض «كيف نفهم الإسلام اليوم؟» أو كيف نفكر فيه عميقاً؟ أريد الآن أن أجمع عدداً كبيراً من النصوص غير المنشورة، أو المنشورة ولكن المبعثرة في مختلف المجلات والكتب الجماعية، أو حتى في كتبي السابقة التي نفدت منذ زمن طويل. وسوف يشكل هذا الجمع العام والشامل خمسة مجلدات بالكامل. إنّ عناوين هذه المجلدات وكذلك عناوينها الثانوية، تدل في كل مرة على تماسكٍ موضوعاتيٍّ ما، في الوقت الذي يندرج فيه داخل المنظور المعرفي نفسه والاستراتيجية نفسها التدخل الفكري والعلمي، هذه الاستراتيجية التي كنت قد حددتها منذ حوالي الثلاثين عاماً تحت عنوان عريض هو: علم الإسلاميات التطبيقية.
أعرف أن مصطلح علم الإسلاميات لم يعد مستخدماً منذ أن كانت العلوم السياسية قد حلّت محل الدراسات السابقة للإسلام. وأقصد بهذه الأخيرة الدراسة المرتكزة أساساً على تحليل النصوص الكلاسيكية الكبرى للفكر الإسلامي، والتي تدعى بالتالي: علم الإسلاميات الكلاسيكية. وقد استطاعت العلوم السياسية أن تزيح علم الإسلاميات الكلاسيكية عن عرشه وأن تحل محله بسهولة. لماذا؟ لأن العلم الكلاسيكي المطبَّق على دراسة الإسلام حصر نفسه لفترة طويلة جداً في اتبّاع المنهجية الموروثة عن الماضي. أقصد بذلك أن الدراسات الإسلاميات الكلاسيكية اكتفت بالنشر النقدي والقراءة الفيلولوجية للنصوص الممثّلة للإسلام السني أولاً، ثم بدءاً من عام 1950 للإسلام الشيعي الإمامي والإسماعيلي. وأما دراسة الإسلام الشعبي فقد هُجرت أو تركت لعلماء الإتنوغرافيا واللهجات الذين لم يستطيعوا ـ أو لم يعرفوا ـ أن يتطوروا باتجاه تشكيل علم أنتربولوجي بصفته نقداً للثقافات، على الرغم من التقدم الذي حققته الأنثربولوجيا منذ ثلاثين عاماً (أفتح قوساً هنا وأقول بأن الكتاب الطليعي الذي نشره العالم الأنثربولوجي كليفورد غيرتز بالإنجليزية لم يترجم إلى الفرنسية إلا عام 1992). هكذا نجد أنه ينبغي على علم الإسلاميات التطبيقية أن يقوم بشكل متوازن بعدة مهام جديدة. لن ألخص هنا ما كنت قد كتبته عن هذا الموضوع عام 1972، ولكن الذي لم ينشر إلا عام 1976 في كتاب الجيب «صعوبة النظر». وإنما أفضل إعادة نشر المقاطع الأكثر أهمية ودلالة مع تعديلها وتحيينها وربطها بما كنت قد كتبته بعدئذ طيلة ثلاثين عاماً. وسوف أفعل ذلك لكي أتيح للقارئ أن يقيِّم بشكل أفضل مدى المتانة العلمية والفكرية لعلم لا يزال يبحث عن مكانته والاعتراف به. فعلم الإسلاميات التطبيقية لا يزال يبحث عن المشروعية: أي عن اعتراف الباحثين الآخرين والعلماء بمتانة منهجيته ومصطلحاته أو عدم متانتها...
تهوية الأرشيف الإسلامي:
إن كلمة أرشيف بصيغة المفرد مشتقة من الكلمة الإغريقية (arkheion)، وينبِّهنا جاك ديريدا إلى أنها مسألة المستقبل ذاته: أقصد المستقبل الذي افتـتحه استخدام معين للعقل. وهو استخدام كان قد دشَّنه فرويد ونيتشه ثم واصله بصلاحيات أو متانات متنوعة مفكرون عديدون من أمثال حنَّة ارندت، أو جيل ديلوز، أو ميشيل فوكو، أو اميل ليفيناس، أو بول ريكور، أو جاك لاكان، أو بول لوجندر.. إن هذه الأسماء قد توهمنا بأن مسألة الأرشيف تخص الفلاسفة والمحلِّلين النفسانيين، الذين زحزحوا أوهام الميتافيزيقا الكلاسيكية عن طريق النقد النشوئي (أو الجنيالوجي) للموضوعات، و«القيم»، والقانون بصفته فناً لتأويل الشرع المقدس، والمرجعية العليا للنصوص التأسيسية بصفتها معطى الوحي.. باختصار، لقد قاموا بالنقد النشوئي لكل ما هو مكرَّر بدون كلل أو ملل في التراثات المدعوة حيَّة، وفي كتب التأريخ المبنية على الأرشيفات (بالجمع): أقصد الأرشيفات المسجَّلة كتابةً من قبل المؤرخين.
في الواقع إن مؤرخي الأديان، وعلماء الأنثربولوجيا، وعلماء اللاهوت، وعلماء القانون، وعلماء الاجتماع، وعلماء النفس... يشتغلون على الأرشيف أو ينبغي أن يشتغلوا. أقصد يشتغلون عليه بصفته مجالات فكرية قديمة حيث ينعقد بدون توقف، دون علم الذات البشرية، ذلك التمفصل المزدوج الذي يتحدث عنه ميشيل فوكو عندما يلاحظ أن العلوم الاجتماعية، والسياسية، والإنسانية مُسْتعبَدة أكثر مما ينبغي للحاجيات الإدارية الملحة للمجتمعات البيروقراطية، الصناعية، الحضرية، العمرانية. وهي مجتمعات لا تولي إلا اهتماماً قليلاً «لإمكانية وجود خطاب يمكنه أن يذهب من الملاحظة السريرية العيادية إلى النقد دون توقف. وهو خطاب يقيم نوعاً من التمفصل المزدوج. بمعنى أنه يربط تاريخ الأفراد بلا وعي الثقافات، ثم تاريخية هذه الثقافات بلا وعي الأفراد».
ومع هذين السلاحين، سلاحي الملاحظة السريرية أو العيانية ونقد الخطابات، نجد أن العقل التحليلي قد فتح ورشات كانت مغلقة على كل الاستخدامات السابقة للعقل. ولكننا نعرف أن هذه الأسلحة ذاتها يمكن أن تُحْرَف عن مقصدها وتُسْتخدَم لتكرار العتيق البالي، وحب القانون الأعظم المُتَلاعَب به من قبل عمليات التقديس والإخراج المسرحي للعدالة، ومأسسة المعارف المصنوعة بشكل سيئ. بل أكثر من ذلك فإننا نعلم كيف أن ورثة فرويد، ويونغ، ولاكان، كانوا قد أعادوا خلق الوسط الطائفي المشابه لتلك الأوساط التي ازدهرت تحت الأديان الكبرى. والحقيقة هي أن المهام التي ينبغي على العقل التحليلي أن يهتم بها بالمعنى المزدوج المحدد آنفاً لا تزال تنتظر أن تُحدَّد وتُنْجَز ضمن منظور أنثروبولوجيا قادرة على إحداث انتهاك مزدوج.
وأقصد بذلك أولاً انتهاك الحدود التي دشّنتها واتبعتها الثقافات الطائفية والقومية. واقصد ثانياً انتهاك الأطر الإبستمولوجية حيث لا تزال تشتغل داخلها أنظمة الفكر المتضامنة مع اللغات، والذاكرات الجماعية، والأوساط الاجتماعية، والمسارات التاريخية، التي تشكل تعبيراً عنها والمرجعية المؤسِّسة لها. ولهذا السبب فإن أداة التحليل النفسي لا يزال يصعب نقلها إلى الثقافات غير الغربية. أما الفشل الأكثر وضوحاً والأكثر غنى بالدروس والعبر فهو يكمن في عجز أوروبا المسيحية ثم أوروبا التنويرية عن إعادة دمج الأرشيف الإسلامي داخل الأرشيفين الأكثر اتساعاً وشمولية: أقصد أرشيف الظاهرة الدينية التوحيدية، وأرشيف الميتافيزيقا العقلانية المركزية (أو المتمركزة والمنغلقة على ذاتها). فقد نُبِذ الإسلام واسْتُبعِدَ منذ بداية انبثاقه. أقصد نُبِذ من الأرشيف التوحيدي. ولكن ينبغي الاعتراف بأنه مسؤول هو أيضاً عن عملية النبذ هذه بسبب استراتيجية التمايز والاختلاف التي اتبعها. وهي استراتيجية متجلية في القصص التأسيسية الكبرى لعقائده الدوغمائية، ولطقوسه الشعائرية. وقد رسّخ هذا التمايز وقوّاه لكي يحقق استقلاليته الذاتية بالقياس إلى اليهودية والمسيحية.
نقول ذلك ونحن نعلم أن هذين الدينين كانا أيضاً قد تنافسا على احتكار الرأسمال الرمزي الأولي والاستئـثار به (ونقصد بالرأسمال الرمزي هنا: الوظيفة النبوية، والقوة الكاشفة للخطاب النبوي، ثم مفسّري الشرع الديني الذين يؤبِّدون الوظيفة الكاشفة للكلام الموحى، ثم تحويل هذا الأرشيف المنشِّط والديناميكي إلى تراث مكرور أنطولوجي ـ لاهوتي ـ منطقي يؤبّد الحب اللامشروط للقانون الأمثل، وللفقيه المتكلم، والمشرِّع، والفيلسوف الذي يستخرجه ويؤصله ويطبقه في صيغته «الدينية»، كما في صيغته العلمانية المستمرة حتى إدانته الحالية من قبل هيدغر وأتباعه).
الإسلام لم يعد يعرف بأنه ينتمي إلى هذا الأرشيف العتيق جداً والرازح جداً أيضاً. فقد ابتدأ الإسلام منذ عهده الأول بتشكيل نَسَبه الروحي والشرعي عن طريق تعديل وتنقيح الصور الأصلية لأنبياء التوراة وبخاصة صورتي إبراهيم ويسوع. وقد اعتمد الفرع المتسلسل من إسماعيل لأن فرع إسحاق كان قد استُملِك سابقاً من قبل اليهود. ثم قام بتنقية تراثه من التسرُّبات الواضحة جداً للإسرائيليات، ثم صلّب التّجذر القرآني والمدني للقانون الجديد: أي الشريعة. وكل هذه العمليات متعلقة بأرشيف لم يقرأ بصفته تلك لا من قبل الصيغ والأشكال التي اتخذها التراث الإسلامي، ولا من قبل التَّبحُّر الحديث للعلم الإستشراقي. إن هذا العلم الإستشراقي ابتدأ بالكاد في تفكيك الأدبيات التأريخية الإسلامية المتعلقة بفترتي انبثاق وتشكيل ما يدعوه عموماً إما بـ«الإسلام»، وإما بعلم الكلام، أو الفقه، أو الفلسفة، أو الحديث النبوي، الخ... هذا يعني أنه يهتم بعلوم متشظية أو متبعثرة يغيب عنها تماماً ذلك «التمفصل المزدوج الذي يركِّب تاريخ الأفراد على لا وعي الثقافات، ثم تاريخية الثقافات على لا وعي الأفراد» كما يقول ميشيل فوكو.
وهنا، في هذه النقطة بالذات، يتموضع الطموح الأولي لعلم الإسلاميات التطبيقية. فهذا العلم الجديد الذي أهدف شخصياً إلى بلورته وتشكيله يتمثل فيما يلي:
التفكير بعمل الأرشيف من أجل تمييزه عن عمل النصوص المدعوة بالتأسيسية والتي تقدم نفسها وتُفسَّر وتعاش بوصفها مقدسة. ولكن ضرورة تحويلها إلى مصدر للقانون والتشريع سوف تجعلها تنـزلق، على غير وعي البشر من مختلف المستويات، نحو وظيفة تقديس وأسطرة كل ما هو أساساً عبارة عن نتاج عادي للتاريخ الدنيوي. كل واحد من النصوص المجموعة في هذا المقال والمقالات والكتب التي ستليه يوضح بطريقته الخاصة وبواسطة الموضوع المعالج كل هذه المشاكل المتعلقة بإقامة التمايز بين الأرشيف، والنصوص التأسيسية، والتراث الأنطولوجي ـ اللاهوتي ـ المنطقي، واستراتيجيات الرفض التي تؤمّن تأبـيد الوظائف الخاصة بالسياج العقائدي المغلق على ذاته، والقانون المطلق المصمَّم والمطبَّق بصفته خزاناً يستوعب العنف بكل أشكاله الرمزية، والبنيوية، والجسدية.
زحزحات، تجاوزات
كان علم الإسلاميات الكلاسيكي في عصر المستعمرات قد خضع قليلاً أو كثيراً للنموذج الفكري الديكارتي الذي يقول ما معناه: «أن تعرف، فهذا يعني أن تتنبّأ أو تتوقع لكي تستطيع أو تقدر». ولكن «لكي تقدر أو تستطيع، ينبغي أن تبتدئ بالمعرفة، ولا يمكنك أن تعرف إلا بشرط أن تتحرر من هاجس السلطة أو القدرة في الوهلة الأولى». ولكن مع زوال الاستعمار وحصول البلدان على استقلالها، فإن الهدف العملي لعلم الإسلاميات الكلاسيكي قد تغير. فالباحثون أصبحوا في الغالب محرومين من التوصل الحر إلى أرضية بحوثهم، ولم يعودوا مطالبين بتقديم التقارير إلى الإدارة المحلية أو تلبية طلباتها. وعلى هذا النحو راحت العلوم السياسية تحل محل علم الإسلاميات ومحل علم الاجتماع ـ الإتنوغرافي السابق. وبما أن موضوع الدراسة أصبح أجنبياً أو خارجياً على السيادة الوطنية، فإنه لم يعد يولِّد مناقشات ذات أهمية عملية، ولم يعد يثير اهتماماً خاصاً بالمناقشات النظرية والمنهجية التي تجري عادة بين علماء الاختصاصات المختلفة في الغرب ومن أجل مجتمعات الغرب.
سوف أروي بهذا الصدد الحكاية التالية. كنت قد فتحت باباً في مجلة «آرابيكا» الفرنسية التي أشرف على تحريرها، وذلك تحت العنوان التالي: (مناهج ومناقشات). وعلى الرغم من أني فتحته منذ خمسة عشر عاماً، إلا أنه لم يتدخل فيه حتى الآن إلا خمسة باحثين بمن فيهم أولئك الذين علَّقوا أو أعطوا حق الرد والجواب. ووضع المجلات الأخرى المكرسة للدراسات الإسلامية ليس بأفضل من ذلك. فالباحثون المهتمون بالمناقشات النظرية، والمنهجية، والتعليمية الإرشادية يظل قليلاً جداً. إن علم الإسلاميات التطبيقية يريد تصحيح مثل هذا الوضع. ولذا فهو يستخلص كل الانعكاسات والنتائج من الملاحظات التالية:
1. إن الإسلام بصفته ديناً، وتراثاً فكرياً، وقوة استنهاض للآمال الجماعية، قد استعاد حيوية كبيرة متلائمة مع تسارع التاريخ في كل المجتمعات المعاصرة. إنه يلعب دوراً أساسياً في بلورة إيديولوجيات المقاومة، كما يساهم الإسلام بشكل حاسم في إعادة تركيب المخيالات الاجتماعية المستخدمة (أو المعبأة) في نضالات التحرر الوطني من الاستعمار أولاً، ثم في المعارضة الداخلية ثانياً. هذا بالإضافة إلى إعادة تركيب صيغ التعبير النفسانية ـ الاجتماعية ـ السياسية في المجتمع، وتحمل مسؤولية الفئات الفقيرة المنبوذة، أقصد تحمل مسؤولياتها من كلتا الناحيتين الاجتماعية والأخلاقية.
هناك حاجة ماسة لأن نعرف كيفية الاستخدام النقدي للنصوص المقدسة. وكما سنرى فإن هذه النصوص ناتجة عن صيرورة اجتماعية ـ تاريخية بطيئة وطويلة لخلع التقديس عليها. إن تقديس هذه النصوص يفرض نفسه كحاجة تربوية أو تثقيفية ذات أهمية قصوى. والأمر يتعلق هنا بمهمة عملية ينبغي أن تنجز ليس فقط في المدرسة، بل في جميع الأماكن العامة للتواصل الاجتماعي. ووحده علم الإسلاميات التطبيقية أو المطبَّقة على مختلف المجالات يمكنه أن يدرب الأشخاص الأكفاء القادرين على القيام بهذا العمل التثقيفي أو التربوي. وهو تثقيف ينبغي أن يقطع جذرياً مع التعليم التقليدي السائد للأديان.
2. نبغي أن نبلور برنامجاً دقيقاً ومحدداً للبحوث العلمية. وهو برنامج يهدف إلى تقديم صورة تعليمية أو إرشادية عن الظاهرة الدينية انطلاقاً من الأسئلة المحسوسة التي يطرحها المسلمون في الحياة اليومية، وكذلك انطلاقاً من «الأجوبة» التي تقدمها الكتب المدرسية على مستوى التعليم الابتدائي والثانوي. لقد أتيحت لي في السابق فرصة زيارة بعض البلدان والاستماع إلى خطب أو مواعظ بعض الأئمة وعلماء الدين. إن خطبهم ومواعظهم توحي بوجود تواصلية كاملة على مستوى السياقات التاريخية والقيم المستخدمة. في الواقع إن هذه المواعظ والخطب توسع اجتماعياً وتقوّي نفسانياً ذلك الإسلام الخيالي المقطوع في آن معاً عن أصوله القصصية المجازية الأولى، وعن جهود التنظير الكلامي الذي تمَّ في المرحلة الكلاسيكية من تاريخ الفكر الإسلامي، ثم، وهذا هو الأخطر، المقطوع عن كل تصور أو مفهوم للتاريخية كما كان قد فرض من قبل النقد التاريخي الحديث.
إن هذه الخطب والمواعظ تشكل مدونة نصية ضخمة لم يلتفت إليها الباحثون حتى الآن. وأقصد بذلك أنها لم تدرس بشكل صحيح من قبل المؤرخين، ولا من قبل علماء الاجتماع، ولا من قبل علماء النفس، ولا من قبل علماء الألسنيات أو اللغويات، ولا من قبل المعلمين التربويين، ولا حتى من قبل الإختصاصيين في العلوم السياسية، هؤلاء الإختصاصيون الذين يثيرون الكثير من الضجة والفرقعة من أجل التقاط خطابات الأصوليين وتسجيلها، ثم تسجيل آثارها السياسية بعدئذ. إن علم الإسلاميات التطبيقية يحاول الاستباق على هذه الآثار عن طريق منهجية تربوية وتعليمية مبنية على تفكيك المخيال الناتج عن هذه الخطابات الأصولية. وهي خطابات مؤلفة عن طريق الترقيع المعمَّم والشامل: أقصد ترقيع النصوص المقدَّمة لكي تُدرَك وتُعاشْ وكأنها مقدسة، موحى بها، هذا في حين أنها خاضعة اليوم مثل الأمس وأكثر لجميع أشكال الاستخدام الإيديولوجي.
إن علم الإسلاميات التطبيقي ينطلق في البداية من مجموعة النصوص المعاصرة ثم يفتح تحرّياً واسعاً في أعماق التاريخ عن طريق العودة إلى الوراء. وهكذا يشمل فترة تاريخية طويلة عن طريق الصعود في التحري الاستكشافي العابر لكل حلقات الماضي. وأقصد بذلك سلسلة الآليات، السردية-القصصية، والبلاغية، والسياسية التي تمارس على النصوص. بمنأى عن أي نقد تفكيكي للبنى الميتافيزيقية ـ اللاهوتية والتشريعية التي تتحكم بآليتها وطريقة اشتغالها أو ممارستها لعملها.
ينتج عن ذلك أن علم الإسلاميات لا يمكن تصوره، بدون الشروع بنقد جذري للعقل الإسلامي. ومن يرفض الأول لا يستطيع أن يفكر بالضرورة المنهجية والإبستمولوجية للثاني. ولكن هناك من لا يستطيع فتح ورشة بحث جديدة لتفكيك الثاني لأنه يظل سجين الموروث القديم. وأقصد بذلك أنه سجين المفكَّر فيه الوحيد الذي ورثناه. وعلاوة على ذلك فإن القراءة الفيلولوجية والتاريخية لعلم الإسلاميات الكلاسيكي قد زادت من جمود وتصلُّب هذا المُفكَّر فيه الوحيد الموروث عن الماضي. إن من لا يستطيع فتح هذه الورشة الجديدة من البحث والتفكيك والنقد سوف يظل خارج الإطار الفكري الذي يتطلبه علم الإسلاميات التطبيقي.
أضيف إلى ذلك بأن العلم لا يهدف فقط إلى التفكيك الفكري والمعرفي للعقل الإسلامي. وإنما يهدف أيضاً إلى تحقيق طموح آخر أكبر من ذلك. إنه يطمح إلى أن يشمل بهذا العمل النقدي أو التفكيكي كل الاستخدامات السابقة التي حصلت للعقل في جميع التراثات الفكرية. ويريد من وراء ذلك أن يقوم بإسهام حاسم في نقد جميع الاستخدامات المعروفة للعقل السياسي والعقل القانوني أو التشريعي.
وفيما وراء الانتقادات العديدة المتركزة على الدولة، فإننا نحاول إغناء مفهوم الحكومة أو الحكم، وذلك عن طريق وضع جميع الأنظمة والمجريات على محك النقد. وبما أن تجذير هذا النقد آتٍ من المحل التاريخي للعقل الإسلامي، فإنه سيؤدي شيئاً فشيئاً، وتحت ضغط العنف الجسدي والعنف الرمزي المولَّدين والمُعَوْلمَين انطلاقاً من الغرب إلى الكشف عن اللامفكر فيه والمستحيل التفكير فيه لهذا العقل الغربي بالذات. نقول ذلك ونحن نعلم أن العقل الغربي يفرض نفسه كنموذج مثالي أعلى للعقل والعقلانية، نموذج لا يمكن اختزاله إلى أي استخدام آخر سبق وتجلّى في التاريخ. والواقع أن التاريخ نفسه مقسَّم إلى حقب زمنية، ومكتوب، ومفسَّر، ومقدَّم كي يحفظ عن طريق الذاكرة، من قبل هذا العقل الغربي الذي نصَّب نفسه بنفسه سيِّد العالم.
هكذا نجد أن علم الإسلاميات التطبيقي يقلِّص كل المناقشات التي دارت حول الاستشراق إلى ما كانت عليه دائماً: أي إلى مجرد ثرثرات إيديولوجية ناتجة عن كلتا الجهتين. لماذا أقول ذلك؟ لأن أياً من الطرفين المتصارعين لم يبتدئ مناقشته أولاً بالقيام بنقد عام ومعمَّم لكل الاستخدامات المعروفة للعقل وتفكيك كل الموضوعاتيات التاريخية ـ المتعالية. ومن المعلوم أن هذه الموضوعات مرتكزة على الأنظمة الميتافيزيقية اللاهوتية-الفلسفية المؤبَّدة من قبل استخدامات عديدة لا تزال مهيمنة للعقل.
3. هكذا نلاحظ أن علم الإسلاميات التطبيقي لا علاقة له بهذا التيار الجديد المدعو بالحداثي. فأمام فشل الإسلام السياسي نلاحظ أن هذا التيار يتبنّى البلاغيات العلمانية والديموقراطية لكي يحمي، مرة أخرى، السياج الدوغمائي من عملية التفكيك والنقد التي أصبحت الآن محتومة فكرياً ومعرفياً. لا ريب في أن هذه البلاغيات أفضل من العنف الدموي القاتل للحركات المتطرفة الهادفة للتوصل إلى سلطة محرومة مسبقاً من أي مشروعية. ولكننا نأمل أن تكون هذه البلاغيات هي آخر حاجز واق أو ستار تستخدمه المجتمعات المفجوعة إن لم نقل المدمَّرة من قبل تاريخ يحل بها كالنكبة أكثر مما تولّده أو تنتجه.
ولكن أشكال الأمل التي لا تزال ممكنة في المجتمعات الغنية و«الديمقراطية» المعاصرة تنحو باتجاه آفاق الأمل الإنساني الذي لا يقل هشاشة وإشكالية عن تلك التي أتاحتها لنا الأديان الكبرى حتى الآن. ينبغي ألا ننسى أبداً أنه في أوروبا المفعمة بكل الآمال الإنسانية وعقل التنوير راحت تترعرع وتزدهر طيلة عقود عديدة كلٌ من النـزعة الستالينية بالإضافة إلى النـزعة الهتلرية. إن العقل المدعو بالغربي لا يتحدث أبداً عن هذه الصفحة من التاريخ إلا بعبارات الاستنكار أو السخط الأخلاقي، دون أن يسهم فعلاً في فتح الورشات الفكرية الجديدة. ففي هذه الورشات يمكن لجميع الانحرافات اللاعقلانية للعقل في جميع السياقات التاريخية بالأمس واليوم، في أن تُعامَل بصفتها وقائع تاريخية حصلت بالفعل. وأقصد بذلك وقائع تدرس من قبل العقل الذي يبني اختلافه بالضبط على أساس الطريقة التي يكتب بها مثل ذلك التاريخ.
من الواضح أن العقل المتضامن سياسياً مع الدولة القومية أو مع الطائفة الدينية لا يمكنه أن يفتح أضابير مثل هذا التاريخ ويحقِّق فيها ضمن المنظور الوحيد الهادف إلى إعادة التأهيل المعرفي والإبستمولوجي للعقل النقدي. إن العقل المهيمن للغرب، هو الذي يحدد برامج البحث العلمي المسموح بها، وهو الذي يقسّم الموضوعات التي يدرسها علم التاريخ. وهو الذي يبلور قواعد الكتابة التاريخية طبقاً لجداول أعمال يحددها فقط أولئك الذين يقررون مصير الخريطة الجغرافية-السياسية (أو الجيوبوليتيكية) للعالم.
كل ما أُمكنت كتابته عن الإسلام منذ الخمسينات يتيح لنا توضيح الأبعاد المتعددة لهذه الملاحظة الخاصة «باختيار» الورشات الفكرية التي ينبغي استكشافها، والورشات التي ينبغي أن تبقى مغلقة. كما ويتيح لنا فهم طريقة تقسيم الموضوعات التاريخية والتنظير لها، وكذلك فهم الانحرافات الإيديولوجية للتفسيرات التي تؤدي إلى تراكم المستحيل التفكير فيه واللامفكَّر فيه. ومعلوم أن الوظيفة المركزية لهذين الشيئين تكمن في تعليق أو منع أي تفكيك نقدي للعقول المهيمنة المدموجة داخل بعضها البعض.
لماذا أقول ذلك؟ لأنه منذ اختفاء البديل التاريخي الماركسي لم يعد هناك إلا عقل مهيمن واحد يميل إلى السيطرة على آليات جميع العقول الأخرى. ولكن هذه العقول تتكاثر وتنتشر في أوساط شتى بدءاً من الفئات الاجتماعية والشركات الكبرى المتعددة الجنسيات التي تميل إلى الاستقلال الذاتي، مروراً بالطوائف الدينية التي تستخدم الاختلاف المذهبي أو الديني من أجل سجن أتباعها داخل سياجات دوغمائية متصلبة ومتشددة. والأنظمة الشمولية التي تفرض سلطتها التعسفية على شعوب بأسرها طيلة ثلاثين أو أربعين سنة، وانتهاء بالدول القومية الحديثة المقيدة بممارسات السيادة القومية.
4. كنت قد بيّنت أن مشروع علم الإسلاميات لا يمكن أن ينجز بشكل صحيح إلا إذا اتبعنا منهجية العلوم والاختصاصات المتعددة. وهي منهجية غير مرحَّب بها حتى الآن في مجال الدراسات الإسلامية. فالقيام بهذا العمل الجليل يتطلَّب تدريب فرق عديدة من الباحثين المتضامنين والمتعاونين فيما بينهم بشكل وثيق. وينبغي أن يشتغلوا في مؤسسات أو مراكز للبحث العلمي تشبه تلك التي نجدها في برلين بألمانيا، أو معهد الدراسات المتقدمة في برنستون بأمريكا. بطبيعة الحال كان ينبغي على هذه المراكز العلمية أن تؤسَّس وتنـتشر في البلدان التي تفتخر بأنها تحمي الإسلام وتشجع على نشره في شتى أنحاء العالم. والملاحظ أن المراكز البحثية التي أُسست حتى الآن لا تنشر في قارات العالم الخمس إلا ذلك الإسلام الشائع المشترك. وهو إسلام قريب من هوية الممولين. وبشكل أعم فهو إسلام قريب من الإسلام التقليدي: أي إسلام الخطب الدينية، والمواعظ، وفتاوى أئمة المساجد، والخطاب المدرسي، وخطابات الحركيّين المنتمين إلى الأحزاب السياسية ـ الدينية.

عن: مجلة التسامح