الحضارية «دراسات إسلامية»

الثلاثاء: 24/06/2008


المثال أو النموذج بين الإنساني والإلهي في الفكر الحضاري القديم
(حضارة بلاد الرافدين ومصر القديمة)

د. محمود كحيل(*)

تمهيد
دأب الإنسان منذ القديم على ربط جوانب حياته وسلوكه المختلفة بكائنات عليا سامية، في إطار سعيه إلى المطلق، أو الكائن الأعلى، بدوافع شتى، من أبرزها: الخوف والحب، مؤكداً بذلك نزوعه إلى «المثال ـ Ideal» الذي ينشد فيه الكمال.
ويشكل النزوع إلى المطلق ـ متجليا في «المثال» الكامل ـ ظاهرة إنسانية قديمة، لها أبعادها الأسطورية والدينية والفلسفية والاجتماعية.
وليس ثمة ما يحفز الإنسانية على تأويل العلم المثالي المتعالي تأويلا إنسانيا كالذي تحاوله في اتخاذ مواقف تتوافق أو تتعارض بين الطبيعي والخارق، والعادي والمقدس، والواقعي والمثالي، على نحو تنتظم فيه علاقات البشر، بعضهم مع بعض، وعلاقاتهم جميعا بقوى عليا.
ومما لا ريب فيه أن النزوع إلى المطلق ـ متمثلا في تشوّف القيم العليا، أو في تمجيد النماذج الإنسانية الحية ـ لم يزل ماثلا في الوجود أو التصور الإنساني، في صور وأشكال مختلفة، على الرغم من تطور المعارف والعلوم الإنسانية، وقد شكل هذا النزوع الأساس في التفكير الأسطوري أو الديني.
لقد انصبّت جهود كثير من الباحثين على دراسة الأساطير ـ كان من بينهم علماء الإناسة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس والفلاسفة ـ إذ وجدوا فيها مادة غنية، ترسم ملامح التفكير الإنساني القديم الذي أفرزها، وتقديم جوانب مختلفة من التصورات الميثولوجية، التي تعود إلى ثقافات شعوب الحضارات القديمة، ومن بين هذه التصورات ما يتصل بالإنسان «النموذج» أو «المثال» أو «الخارق».
وقد تضمنت الأساطير«قصص الأبطال والأرباب: مولدهم وموتهم وحبّهم وبغضهم وأحقادهم ومؤامراتهم، وانتصاراتهم وهزائمهم، وأعمال الخلق والتدمير»(1)، ويشير «مرسيا إلياد ـ M. Eliade» إلى أن ما فعله الإله أو الأسلاف يعد مقدسا، وكذلك ما يفعله البشر محاكاة لهم(2).
بيد أن هذا التعريف للأسطورة لا ينطبق على حكايات أو خطابات أسطورية، ربما خلت من سمة القداسة، أو الارتباط بالدين. في حين أن بعضا من هذه الحكايات والخطابات يجنح إلى «تصوير الواقعات التاريخية ـ مثلا ـ تصويرا مبالغا فيه، أو تصوير الشخصيات تصويراً يخرجها عمّا هو متعارف عليه في مجرى العادة والمألوف، ويخلع عليها صفات أسطورية»(3).
ومن هنا، فإن البحث في ملامح الإنسان، بوصفه نموذجاً أو مثالاً، يقتضي الدخول في عالم الأساطير، التي كوّنت معظم مجالات الفكر الإنساني عند شعوب الحضارات القديمة، والبحث في مبلغ التأثر والتأثير بين هذه الحضارات، ليكون بمنزلة مهاد صالح للتعرف إلى ظاهرة النزوع إلى «النمذجة ـ Patternism» وإبداع «المثل الأعلى» الإنساني، عند العرب قبل الإسلام.
وإذا كانت المعطيات التاريخية والحضارية المختلفة تجعل من المسلم به من الأساطير تشكل نسيج كل ثقافة من الثقافات، لأي شعب من الشعوب، وتتجاوز النطاق الفردي إلى نظيره الجماعي، فهذا يعني أن ثمة علاقة وثيقة بين التصور الأسطوري الفكر الديني والفلسفي والغيبي عند تلك الشعوب، وعند العرب.
إن ما جاء به القرآن الكريم من حقائق ثابتة عن الإله والكون والإنسان لثني العرب عن ضلالاتهم واعتقاداتهم ـ التي اختلط فيها التاريخي والأسطوري بالديني ـ وإنارة سبيل التوحيد من جديد لدليل قاطع على ما كان للعرب من اتجاهات في التفكير الديني، تتسم بالغلو والمبالغات، مختزنة كمّا من المعتقدات والأفكار والتصورات التي تسربت إليهم من الشعوب والحضارات المتاخمة، البائدة منها والباقية. فضلا عما كان من تأثرهم بأتباع الديانتين اليهودية والنصرانية، الذين كانوا يعيشون بين ظهرانيهم، وهم يمتلكون تراثا دينيا ضخما، لم يبرأ من التأثر والتفاعل مع تراث الحضارات القديمة، الذي يبرز منه اتجاهان رئيسيان فاعلان، هما: الاتجاه الديني، والاتجاه الأسطوري، وهما متداخلان بحيث يبدو من العسير دراسة أحدهما بمعزل عن الآخر.
وهذا البحث ينطلق من هذه المعطيات جميعاً، محاولا إيضاح الاتجاه الفكري، الذي كان ينزع نزوعا مثاليا، لاسيما فيما يتصل بالنظرة إلى الإنسان، بوصفه «نموذجا» أو «مثالا أعلى» تداخلت في صورته الملامح الإنسانية بالملامح الأسطورية أو الإلهية ـ عند العرب ـ قبل الإسلام، متوسلا إلى ذلك بتتبع أصول هذا الاتجاه وتناميه، عبر مسيرة الإنسان، منذ نشوء الحضارات العربية القديمة في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، وتأثر الحضارة اليونانية بها ـ تراثا أسطوريا وفلسفة عقلية ـ ثم من خلال أبرز جسور الانتقال إلى العرب في شبه الجزيرة العربية.
مفهوم «المثال» و«المثالي».. لغوياً وفلسفياً
إن مفهوم «النزوع المثالي ـ The Ideal Tendency» مفهوم متعدد الجانب، واسع الأبعاد، لاسيما فيما يتصل بكلمة «المثالي»، فهو ينطوي على جملة من التفسيرات والتأويلات التي تستقي عناصرها الجوهرية من أكثر من مصدر ثقافي أو معرفي. فثمة شروح لغوية، وتفسيرات أدبية، ومذاهب فلسفية، تأتلف جميعها لتكوّن منطلقا لفهم المقصود من تعبير «النزوع المثالي».
ولنبدأ بالناحية اللغوية، فقد جاء في معظم المعاجم العربية القديمة(4) أن كلمة «المثال» تعني: المقدار، وهو من الشبه. و«المثل» ما جعل مثالا، أي مقدارا لغيره يُحذى عليه، والجمع أمثلة ومثل، والمثل والمثال في معنى واحد. و«المثال» هو شبيه الشيء، وصفته.
وثمة اشتقاقات أخرى لمادة «مَثـُلَ» تفيد في معظمها معاني: الفضل والسبق والتميز، فيقال: مثل الرجل مثالة، أي صار فاضلا. والأمثل: هو الأفضل، ومؤنثها: المثلى، أي الفضلى. والطريقة المثلى أي: الأشبه بالحق. و«المثيل»: الفاضل. والقوم المثل، والأماثل: هم خيرة القوم، وساداتهم، وليس فوقهم أحد. وفي معجم الكليات «المِثـْلُ»المطلق للشيء هو ما يساويه في جميع أوصافه(5).
وإذا انتقلنا من المعنى اللغوي وجدنا أن كلمة «المثال ـ Ideal» تعني مجازا: اجتماع صفات معينة وتمثلها في أقصى حدودها في شخص ما، فيقال: فلان مثال الكرم، أو البخل، أو الإنسان مثال العالم الذي يعيش فيه. وقد تكتسب كلمة «المثال» تحديداً عند جماعة أو مجتمع ما، فيكون «المثال» عندئذ هو ما يفترض أناس هذه الجماعة، أو هذا المجتمع أنه «النموذج الكامل» لنظام من أنظمة أفكارهم، أو «المثل الأعلى» لنظام من أنظمة سلوكهم(6).
أما كلمة «المثالي ـ Idealist» فيقصد بها المنسوب إلى المثال، ولهذه الكلمة معنيان: الأول غير فلسفي ويقصد به: الشيء النموذجي الكامل. والموصوف بكلمة «المثالي» يعني أنه أفضل من يمكن أو ما يمكن تصوره في جماعته او نوعه. وفي الغالب يدل هذا الوصف على أن الموصوف به غير متحقق فعلا، ولكنه المأمول تحقيقه بالفعل، وهذا هو المعنى الأول للكلمة، أي النموذجي الكامل التام في صفاته أو نوعه، ويعبر عنه أيضاً بـ«المثل الأعلى». والمعنى الثاني: هو معنى فلسفي، ويقصد به الشيء الذي يؤلف فكرة، أو أحد مقوماتها بالمعنى الأفلاطوني، أي الفكرة باعتبارها «نموذجا كاملا لشيء ما»(7).
وقد نشأت تقسيمات فلسفية عديدة تتعلق بمفهوم «المثالية»، من أهمها: أن المثالية التي ارتبطت بالنظرية الأفلاطونية هي مثالية موضوعية، وتقابلها مثالية ذاتية. وهذه المثالية ترى أن العقل لا يدرك الأشياء في ذاتها، بل يدرك الامتثالات التي لدينا عن هذه الأشياء، وقد قال بهذه المثالية «كانط ـ Kant»(1724م ـ 1804م)، و«هيجل ـ Hegal»(1770 ـ 1831م)(8)، وغيرهما. وقد تأتي كلمة «المثالي» مقابلا لكلمة «الواقعي» وتعني هنا: الشخص الذي يتطلب أمورا سامية يعسر أو يستحيل تحقيقها.
ولكلمة «المثالي» صلات بفلسفة الأخلاق، وعلم الجمال، ونظريات الأدب والفن. فالمثال الأخلاقي يقوم على تصور نموذج معين ـ إنساناً كان أو سلوكا أو شيئاً ـ على أنه «المثل الأعلى»، ومحاولة محاكاته قدر المستطاع. ويفترض في هذا النموذج أو المثل الأعلى أن يكون مثالاً مطلقا، إذ لا مسوغ لتفضيله على غيره، إلا إذا كان كذلك. وفي الفلسفة الرواقية ـ مثلا ـ كان «سقراط ـ Socrate»(470 ـ 399 ق.م) يمثل النموذج الإنساني الكامل في أخلاقه وحكمته(9).
وقد ربط «أفلاطون ـ Platon»(428 ـ 348 ق.م)(10) الأخلاق بالمثل العليا التي تشكل مجموعة الفضائل الممتازة، ويأتي«الخير المطلق» في مقدمة هذه الفضائل. ولذلك فقد كان مفهوم «المثالي» كثيرا ما يلتقي بمفهوم «المثل الأعلى»، لاسيما إذا كان المراد هو الجانب الأخلاقي، أو المثال الأخلاقي الذي يعني الكامل النموذجي في بابه(11).
وأما «المثالي» في مفهوم علم الجمال فيعني أن الغرض من الفن ليس هو تقليد الطبيعة كما هي، بل تمثيلها على أنها طبيعة أسطورية، ترضي العقل والضمير إرضاء أكمل مما ترضيه الطبيعة(12). والفن ـ في رأي «هويسمان ـ Huisman» ـ هو الذي يتعدى الحقيقة المألوفة والواقع المرئي والمعيش إلى حقيقة أكثر نقاء وتهذيبا، وعالم آخر هو فوق الواقع والحقيقة، وذلك عبر تسامٍ مثالي متدرج(13).
ونستطيع بعد هذا كله أن نتبين ملامح معنى محدد تنطوي عليه معظم شروح كلمة «المثالي»، فإذا كان «المثال» هو النموذج الذي يقدر على مثله، وهو الشخص أو الشيء الذي يتضمن مجموع الصفات الكاملة في جنسه أو نوعه، فيعد بذلك مثلا أو نموذجاً كاملا، فإن «المثالي» المنسوب إلى «المثال» هو أيضاً من أو ما يفترض أن يتحقق فيه الكمال بجوانبه وصفاته المتعددة، وأهمها الكمال الجمالي أو الأخلاقي، أوهما معا فيما يتعلق بالإنسان، والكمال الفكري والنظري فيما يتعلق بالفكرة أو المفهوم، والكمال النوعي فيما يتعلق بالشيء. أما نعت الفكر أو التصور بأنه «مثالي» فهو ما يمكن أن نجده عند الإنسان، رغبة منه في خلق نموذجه أو مثاله الأعلى، والنظر إليه نظرة يشوبها الكثير من الإعجاب والتقديس، وربما العبادة.
حضارة بلاد الرافدين مصر القديمة
في بواكير حضارة بلاد الرافدين القديمة نجد إنسان تلك الحضارة قد وصلت به حاجته إلى الدين ورغبته في جعل حياته آمنة في ظل كائن أعلى إلى أن يتخذ من بعض مظاهر الطبيعة آلهة يتطلع إلى خيرها، ويخاف شرها. ومن أبرز تلك المظاهر التي ألهها: رب السماء وهو الإله الأعلى والأكبر واسمه «آن ـ An»، ورب الفضاء أو الجبل الأكبر واسمه «إنليل ـ Enlil»، ورب الأرض واسمه «إنكي ـ Enki»، وهذه الآلهة كونت ثالوثا قديما قدسه أبناء الحضارة الرافدية وعبدوه. ثم يأتي بعد ذلك في المكانة ثالوث آخر من الآلهة الكبرى في تلك الحضارة، وهو مؤلف من «الشمس والقمر وكوكب الزهرة»، وقد أطلق على كل منها أسماء: «إنانا سوين ـ Enanna»، أي القمر، و«أوتو ـ Utu» أي الشمس، و«عينانا» وهي كوكب الزهرة، الذي أصبح فيما بعد يدعى «عشتار ـ Ishtar»، ثم «عشتارت»، والذي تبوأ مكانة كبرى في حضارة الشرق الأدنى القديم(14).
ولم يكن تصور الإنسان للآلهة خالصا في تلك الحضارات، وإنما كان مشوبا بمعتقدات أخرى تحقق ارتباطه بها على وجه من الوجوه، وكما يرى «مرسيا إلياد ـ M.Eliade» فقد تصور هذا الإنسان نفسه يشاطر الوجود الإلهي، وأن قدرا من دم الآلهة يخالط دمه، واسقط هذا التصور على أشخاص بعينهم، تمثلت فيهم صفات القوة والعظمة والفرادة، من مثل الملوك والأبطال، وربما كان للإله «ديموزي أو تموز ـ Tammuz» وهو ممثل من قبل الملوك السومريين والأكاديين ـ أثر كبير في تحقيق التقارب بين ما هو إلهي وما هو بشري(15).
وقد نجم عن ذلك بالتدريج فكرة تقديس الملك، لأنه يمثل الإله على نحو ما، فإذا كان الملك يشخص الإله في المعركة، وفي الزواج المقدس مع كاهنة المعبد(16)، فهو أيضاً ملك البلاد، وله من النور ما يفوق المعهود، وهو في نظر رعيته ابن للإله، أو مبعوثه إلى الشعب ليحقق العدل والسلام على الأرض. وبذلك أصبح الملك في حضارة بلاد الرافدين النموذج الإلهي، ممثلا للإله، وابنا، وخادما، ولكنه لم يصبح إلها، وهذا ما جعله ينطوي على طبيعة مزدوجة إلهية ـ بشرية(17).
وفي مصر القديمة كان للفرعون (الملك) الحق في تمثيل الإله ضمن مفهوم اجتماعي اتضحت شعائره وملامحه عبر آلاف السنين، فالفرعون كان يجسد شخص الإله، وكان قدماء المصريين يعتقدون بخلوده، وما موته إلا صعوده في السماء. وهكذا بقي الإله متمثلا بأشخاص الفراعنة على التوالي(18).
ولكن «صمويل هوك ـ S.H.Hooke» يرى أن الفرعون في مصر القديمة كان هو الإله وليس ممثلاً له، في حين أن السومريين والبابليين كانوا يعتقدون أن الملكية هبطت من السماء، وأعلن ملوكهم أنهم مختارون من قبل الآلهة، وأنهم يمثلونهم في الطقوس والعبادات(19). وإذا كان هذا الحرص من الملوك في الحضارات القديمة على مشاركة الآلهة في سلطانها، وقيامها على شؤون البلاد والعباد يعود في أصوله إلى نزعة الإنسان القديم إلى تصور كائن أعلى، تبدى في شكل إله، أو عدد من الآلهة، فإن من الباحثين(20) من يعزوه إلى سبب سياسي يتلخص في أن ألوهية الملك أو تمثيله له في كلتا الحضارتين ـ الرافدية والمصرية ـ القديمتين أمر كان يمليه الملوك على شعوبهم، بغية تعزيز سلطتهم، وإخضاع الناس لأمورهم ومشيئتهم المطلقة.
وإذا اقتصرنا من هذه التصورات على الإنسان موضوعا لها ـ وهو مناط البحث ـ وجدنا أن تصور تلك الشعوب قد اختلطت فيه أشكال الآلهة بما تمتلكه من قدرات وقوى خارقة بأشكال إنسانية معينة، ومن هذا القبيل ظهور بعض النماذج الإنسانية التي تتحلى بصفات فائقة، وتمتلك قدرات خارقة، من أمثال الملوك والأبطال، وبعض السحرة، أو الكهان، وكثيرا ما كان الملك يجمع بين كونه ملكا يمثل الإله، وكونه بطلا لا حدود لقوته وسلطانه.
ولعل شخصية أسطورية مثل شخصية «جلجامش»(21) تصلح أن تكون مثالاً واضحاً يجزئ عن كثير من الأمثلة في هذا المجال؛ فقد تمثلت في هذه الشخصية صفات البطولة والقوة، كما وردت في الملحمة التي سميت باسمه. وهذه الملحمة التي تعد وسطا بين الأسطورة والمأثرة الشعبية البطولية تضم روايات لمغامرات «جلجامش»، الذي قيل إنه كان ملكا نصف أسطوري من ملوك السومريين، وقد حكم مدينة «أريخ» مائة وعشرين عاما(22).
تبدأ الملحمة بوصف قوة «جلجامش وسجاياه البطولية الخارقة، فقد خلقته الآلهة فوق مستوى البشر، فضلا عن أنه يتكون من ثلثي إله وثلث بشر(23).
ثم تتلاحق الأحداث والمغامرات في الملحمة لتوضح مقولة رئيسية هي تأكيد الهم الإنساني القديم في البحث عن الخلود، والخلاص من الموت، ثم الانتهاء على أن ذلك المطلب يستحيل تحقيقه(24).
ولعل المقاطع التالي من الملحمة يلخص معظم ما ورد فيها من وصف غير عادي للبطل «جلجامش»، إذ تبدأ الملحمة بهذا القول:
1 ـ هو الذي رأى كل شيء إلى تخوم الدنيا.
2 ـ هو الذي عرف كل شيء وتضلع بكل شيء.

3 ـ بعد أن خُلق «جلجامش».
4 ـ كمِّل الإله القدير هيئته.
5 ـ وهبه «شمش» السماوي ملاحة(25).
6 ـ ومنحه «حدد» البطولة(...)(26).


1ـ ثلثاه إله وثلثاه بشر.
2ـ ما لهيئة جسمه من نظير(27).
ومن الجلي أن في هذا المقطع إشارة واضحة إلى الكمال الخلقي الذي يتمتع به «جلجامش»، هذا الكمال الذي يقوم على عنصرين أساسيين، هما: القوة والوسامة، فهما إذن قطبا الكمال الإنساني في نظر إنسان تلك الحضارة. ولكن «جلجامش» لم يحصل على هذا الكمال الإنساني المتفوق إلا بمعونة الآلهة، فكل إله أفاض عليه بما يختص به من صفات، فغدا «جلجامش» البطل القوي الجميل.
وإذا انتقلنا إلى بعض الحضارات المعاصرة أو اللاحقة لحضارتي بلاد الرافدين ومصر القديمة من مثل حضارة «أوغاريت» فلن نجد جديداً فيما يتصل بمظاهر العبادة والتقديس للآلهة والبشر، إذ كانت حضارة «أوغاريت» وغيرها من الحضارات ـ الأقل أهمية ـ تمتح من معين أسطوري ومعرفي أكادي المنشأ أو بابلي أو مصري، وذلك من حيث الجوهر، وبغض النظر عن بعض العناصر الجزئية في المعتقدات والأساطير(28). وفي صورة الإله «إيل ـ El»، وهو رئيس مجمع الآلهة كما في الوثائق الأوغاريتية، دليل واضح على نزعة شعب «أوغاريت» إلى إسباغ الصفات الإنسانية البشرية على الآلهة، فهو يبدو جالسا على العرش ملتحيا، متوجا معظما، ومن ألقابه: «أقوى الأبطال»، و«راكب الغمام»(29).
وهكذا نجد أن المنحى الأسطوري الذي ساد عند شعوب الحضارات القديمة ـ لاسيما في بلاد الرافدين ـ كان يضم عناصره كثيرة، من أبرزها نزوع إنساني ملح نحو إضفاء الصفات المتميزة والفائقة على الآلهة المتعددة، وعلى بعض الأشخاص الذين يمتون إلى هذه الآلهة بصلات ما، كالملوك والأبطال، أو المزج بين البشري والإلهي؛ سعيا وراء خلق نموذج أعلى، في القوة والعظمة والجمال، والنظر إليه بعد ذلك نظرة تقديس، يتنازعها الخوف والرهبة من جهة، والحب والإعجاب من جهة ثانية.

الهوامش
ـــــــ
(*) قسم اللغة العربية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة حلب، سوريا.
(1) كرامر، صمويل، نوح، 1974م، أساطير العالم القديم، ترجمة: أحمد عبد الحميد يوسف، مراجعة عبد المنعم أبو البركات، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة: 17.
(2) نقلاً عن: عجينة، محمد، 1994م، موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها، الطبعة الأولى، دار الفارابي، بيروت، 1/63.
(3) المصدر نفسه، 1/64.
(4) انظر مادة «مثل» في المعاجم التالية: ابن منظور، محمد بن مكرم، 1300هـ، لسان العرب، طبعة بولاق. والزبيدي، محمد مرتضى، 1306هـ، تاج العروس، مصورة عن طبعة المطبعة الخيرية، دار مكتبة الحياة، بيروت. وابن فارس، أحمد، 1369هـ، مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، الطبعة الثالثة، دار إحياء الكتب العربية.
(5) انظر: الكفوي، أبو البقاء، أيوب بن موسى، 1993م، الكليات، معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، إعداد: عدنان درويش ومحمد مصري، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت: 851-852.
(6) انظر مادة «المثال»: وهبة مجدي، والمهندس، كامل، 1979م، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان ـ بيروت: 183.
(7) انظر مادة «المثال» (Edeal): بدوي، عبد الرحمن، 1984م، موسوعة الفلسفة ـ الطبعة الأولى ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2/438-439، وانظر: صليبا، جميل، المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية، دار الكتاب اللبناني، بيروت.
(8) تأثر كل من «كانط» و«هيجل» بفلسفة أفلاطون المثالية، ولكن مثالية «كانط» ليست كالمثالية الأفلاطونية، فليس المثالي في مذهبه شيئا معارضا للتجربة، متعاليا عليها، بل هو أقرب إلى أن يكون مرحلة وعاملا في عملية التجربة ذاتها، ومبدأ منظما ضروريا لها، وليس له وجود (أنطولوجي) مستقل. وجاء «هيجل» بعده فأقام تعارضا بين الفكر والمعطيات الحسية والتصورات، وقال: إن المنطق يندمج بالميتافيزيقيا، التي هي علم إدراك الأشياء، في شكل أفكار تعبر عن ماهيات الأشياء.
ـ انظر حول مثالية «كانط»: أمين، عثمان، 1967م، رواد المثالية في الفلسفة الغربية ـ دار المعارف بمصر: 58 وما بعدها.
ـ وانظر فيما يتعلق بمثالية «هيجل»: أندريه كريسون، وإيميل برييه، 1955م، هيجل، ترجمة: أحمد كوى، لبنان: 85-86.
(9) سقراط، (470 ـ 399 ق.م): فيلسوف يوناني كبير،كان أستاذا لأفلاطون، لم يترك مؤلفات، وكل ما عرفه عنه كان من خلال مأثورات تضمنتها المحاورات السقراطية التي نقلها أفلاطون في كتبه. انظر: طرابيشي، 1987م، معجم الفلاسفة، الطبعة الأولى، دار الطليعة، بيروت: 336 وما بعدها.
(10) أفلاطون (427 ـ 347 ق.م): أكبر فيلسوف يوناني في العصور القديمة،كان تلميذا لسقراط وأستاذا لأرسطو، وهو صاحب نظرية المثل، ومن أهم آثاره: الجمهورية، والمأدبة، وفيدون. انظر طرابيشي، معجم الفلاسفة، مرجع سابق: 64 ومابعدها.
(11) انظر: بدوي، الموسوعة الفلسفية، مرجع سابق، 2/439.
(12) انظر: وهبة والمهندس، معجم المصطلحات العربية، مرجع سابق: 183.
(13) انظر: هويسمان، دنين 1983م، علم الجمال، ترجمة: ظافر الحسن، الطبعة الرابعة، «سلسلة زدني علما»، منشورات عويدات، بيروت، باريس: 111 وما بعدها.
(14)انظر: إلياد، مرسيا، 1986م ـ 1987م، تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، ترجمة: عبد الهادي عباس، الطبعة الأولى ـ دار دمشق: 81 وما بعدها. وفيما يتصل بأسماء هذه الآلهة فإن «موسكاتي S.Moscati» يرى أن الإله «أن» أو «أنم Anum» هو الاسم السامي (الآكادي) لإله السماء وأصله في السومرية (أن An) وهو يتصدر دائماً قوائهم الآلهة، ونظيره Zeus لدى اليونان، انظر تفصيلا لأسماء الآلهة في حضارات بلاد الرافدين ومعانيها: موسكاتي، سبتينو، 1986م، الحضارات السامية القديمة، ترجمة وتعليقات: د. سيد يعقوب بكر، مراجعة: د. محمد القصاص، دار الرقي، بيروت: 252 وما بعدها.
(15) إلياد، تاريخ المعتقدات، مرجع سابق: 83-84 و91.
(16) انظر حول موضوع الزواج المقدس، باقر، طه، 1976م، مقدمة في أدب العراق القديم، دار الحرية للطباعة، جامعة بغداد: 191 وما بعدها. وانظر إدزارد ورولينج، 1987م، قاموس الآلهة والأساطير في بلاد الرافدين وفي الحضارة السومرية، تعريب: محمد وحيد خياطة، الطبعة الأولى، مكتبة سومر، حلب: 76 وما بعدها.
(17) إلياد، تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، مرجع سابق: 100-101.
(18) المصدر نفسه: 114و120.
(19)انظر: هوك، صمويل هنري، 1983م، منعطف المخيلة البشرية، بحث في الأساطير، ترجمة: صبحي حديدي، الطبعة الأولى، دار الحوار، اللاذقية، سوريا: 54 وما بعدها.
(20) انظر مثلاً: فرانكفورت، هنري، 1950، فجر الحضارة في الشرق الأدنى، ترجمة: ميخائيل خوري، الطبعة الثانية، دار مكتبة الحياة، بيروت: 86. وقد هاجم «فرانكفورت» نظرية «النمذجة Patternism»، التي فسر من خلالها «صمويل هوك ارتباط الملوك والفراعنة بالآلهة في كتابه: Myth and Ritual,1937. ولفت «فرانكفورت»الانتباه إلى أن الفرعون كان يعد إلها، أو تحول إلى إله، في حين أن الملك في بلاد ما بين النهرين لم يكن إلا ممثلا للإله. انظر كتابه:
Frankfort. (H): The Problem of Similarity in Ancient Near Eastern Religions (Frazer Lecture, Oxford, 1951).
(21) ملك سومري حكم في مدينة أوروك، وهو بطل القصائد السومرية وبطل الملحمة المسماة باسمه، ومن المفترض أن يكون قد عاش كشخصية تاريخية حقيقية بين القرنين الثامن والعشرين والسابع والعشرين قبل الميلاد. انظر: إدزارد ورولينج، قاموس الآلهة والأساطير في بلاد الرافدين وفي الحضارة السومرية، مرجع سابق: 86 وما بعدها.
(22) هوك، منعطف المخيلة البشرية مرجع سابق: 40.
(23) نفسه: 41.
(24) انظر حول موضوع هذه الملحمة، ودراستها: باقر: مقدمة في أدب العراق القديم، مرجع سابق: 100، وما بعدها.
(25) «شمش» هو إله الشمس.
(26) «حدد»: إله الصاعقة والأمطار.
(27) جلجامش: 1983م، ملحمة جلجامش، ترجمة وتقديم: فراس السواح، الطبعة الثانية، دار الكلمة، بيروت، الصفحات:35، 36، 37.
(28) انظر: هوك، منعطف المخيلة البشرية، مرجع سابق: 65-66. وانظر تفصيلا لأساطير الميثولوجيا الأوجاريتية، من مثل أساطير: بعل ـ حدد ـ أقحات.. وغيرها: 66 وما بعدها في المصدر نفسه. وانظر: إدزارد ورولينج، قاموس الآلهة والأساطير في بلاد الرافدين والحضارة السومرية، مرجع سابق: 170 وما بعدها.
(29) انظر إدزارد ورولينج، قاموس الآلهة والأساطير، مرجع سابق: 182 وما بعدها. وانظر: إلياد، تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، مرجع سابق: 190.
المصدر: عالم الفكر، المجلد 31، العدد 1: 123.