|
الاربعاء:
04/06/2008
السيد محمد حسين فضل الله وملامح منهجه التفسيري(2/2)
د. جابر محيسن عليوي(*)
(خاص للمعهد)
البعد العقائدي في
التفسير
يعد البعد العقائدي من أهم العناصر المكونة لثقافة السيد فضل الله، ولابد
لنا قبل الخوض في المجال التطبيقي لهذا الميل من الإشارة إلى أن المكون
العقائدي العام بما يحتويه من تفاصيل فرعية كان له اثر واضح في تصور فضل
الله عن النص بشكل مباشر أو غير مباشر، يمكن لنا قياسه أو تحديد أبعاده عن
طريق القراءة النقدية للتفسير.
وقد يتصور متصور أن هذا الأمر يمكن أن يشكل عقبة موضوعية أمام المفسر في
تفسيره آيات القرآن وكشفه عن دلالاتها، غير أن التدقيق في الأمر يدفع هذا
الإشكال، ذلك أن الموضوعية لا تعني بالضرورة خلو الذهنية من تصور سابق، حتى
إنْ كان بنحو عام، فاستضاءة المفسر بما له من تراث عقائدي يعد عاملا مساعدا
على فهم النص لا خروجا عن الموضوعية بأي وجه، وإلّا فلا يمكن لأي مفسر أن
يكون خالي الذهن قبل القيام بعمله التفسيري.
وإذا حاولنا البحث في الجانب التطبيقي للبعد العقائدي عند فضل الله وجدناه
واضحا جليا في تفسيره الآيات ذات البعد العقائدي.
ومن ذلك مسألة صفات الله سبحانه وتعالى المتعلقة بأصل التوحيد. يقول الإمام
الرضا(ع): «للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي، وتشبيه، وإثبات بغير تشبيه،
فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز، لأنّ الله تعالى لا يشبهه شيء،
والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه»(1).
والمراد بمذهب النفي نفي معاني الصفات عنه تعالى كما ذهب إليه المعتزلة،
ومذهب التشبيه أن يشبه الله تعالى بغيره، أي أن يثبت له من الصفة معناها
المحدود، وأما المراد بمذهب الإثبات من غير تشبيه هو أن يثبت له تعالى من
الصفات أصل معناها مع نفي خصوصيتها التي قارنتها في الممكنات المخلوقة(2).
صفات الذات
وقد سار فضل الله على المذهب الأخير الذي يعبر عن مذهبه الإمامي في الصفات
الإلهية(3)، إذ نراه يقول في تفسيره قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيْءٌ)(الشورى: من الآية11): «فهو المتفرد في ألوهيته بكل صفاته، لا
يشاركه أحد في أي شيء، لأنّه المطلق في كل شيء، وغير محدود في وجوده،
بالحدود التي وضعها الله لذاك الوجود.. وهذا ما يفرض أن تكون الولاية له لا
لغيره»(4).
فما نسب من كلمة (اليد) إليه سبحانه، حملها فضل الله في الآيات التي ذكرت
هذه النسبة على أنحاء متعددة من المجاز، لنفي ما يلحق من تشبيه وتجسيم
بالله تعالى، ليثبت له أصل معاني هذه الصفات على نحو لا يقبل التشبيه، كما
في قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ
أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ
كَيْفَ يَشَاءُ)(المائدة: من الآية64)، إذ جعل لفظة (اليد) في قوله تعالى:
(يد الله مغلولة) كناية عن البخل، لأنّ البخيل يمسك يده عن العطاء، وجعلها
في قوله تعالى: (بل يداه مبسوطتان)، كناية عن الكرم والعطاء في بذل النعمة
للناس(5).
وكذلك فسر (اليمين) في قوله تعالى: (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
بِيَمِينِهِ)(الزمر: من الآية67) بالكناية عن القدرة والتصرف(6). وعما ذكر
من الآيات التي تنسب السمع إليه سبحانه، يقول المفسر في تفسير قوله تعالى:
(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا
وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ
سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة:1): «المراد بالسمع هنا استجابة الدعوة وقضاء
الحاجة، من باب الكناية، وهو شائع»(7).
وفي إمكان رؤية الله تعالى لم يجوز فضل الله القول بتلك الرؤية، وهو رأي
مذهبه الإمامي الإثني عشري(8) ويظهر ذلك واضحا بتفسيره الآيات التي نفت
الرؤية، كما في قوله تعالى: (قَالَ لَنْ تَرَانِي)(الأعراف: من الآية143)،
إذ نراه يقول: «لأنّ الرؤية لا تكون إلا للمحدود الذي يحمل خصائص مادية،
وذلك يستحيل بالنسبة إلى الله الذي (لا تدركه الأبصار) (الانعام: من
الآية103) و (ليس كمثله شيء) (الشورى: من الآية11)»(9).
وقد ذهب السيد فضل الله إلى إثبات الرؤية القلبية لا البصرية في الآيات
التي ظاهرها إثبات الرؤية البصرية، تنزيها لله عن الجسمية ولوازمها، كما في
تفسيره قوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة:23)، إذ يرى أنّ
النظر إليه تعالى ليس نظرا ماديا، بل هو نظر روحي بعين القلب والبصيرة،
لاستحالة النظر إليه كما ثبت ذلك بالدليل(10).
عصمة الانبياء
ويعتقد السيد فضل الله بعصمة الأنبياء حتى قبل بعثتهم، وهو رأي مذهبه
الإمامي. وإلى هذا المعنى يشير السيد المرتضى مبينا وجه الخلاف بين
الإمامية وغيرهم من المذاهب الإسلامية في هذا المجال، فيقول: «اختلف الناس
في الأنبياء(ع) فقالت الشيعة الإمامية: لا يجوز عليهم شيء من المعاصي
والذنوب كبيرا وصغيرا، لا قبل النبوة ولا بعدها، بينما جوز أصحاب الحديث...
على الأنبياء الكبائر قبل النبوة، ومنهم من جوزها في حال النبوة سوى الكذب
فيما يتعلق بأداء الشريعة، ومنعت المعتزلة من وقوع الكبائر والصغائر
المستخفة من الأنبياء(ع) قبل النبوة وفي حالها، وجوزت في الحالين وقوع ما
لا يستخف من الصغائر»(11).
وقد دافع فضل الله في تفسيره عن عصمة الأنبياء، وهذا ما تكشف عنه طرق
المعالجة النصية التي اعتمدها مفسرنا في تفسيره، زيادة على طبيعة الأسئلة
التي كان يوجهها إلى النص، تلك الأسئلة التي تنسجم مع ميوله، ويكون لها دور
واضح في تحديد مسار النص الدلالي، وهو ما أولاه علماء الهورمنيوطيقا عناية
خاصة، لأنّهم يرون أنّ الفهم الذي هو أساس في معرفة دلالة النص ينبع من
طبيعة الأسئلة الموجهة(12).
ففي تفسيره قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)(الفتح: من الآية2)، يطرح فضل الله سؤالا مفاده:
ما معنى غفران ذنب النبي، وهو المعصوم في أفعاله وأقواله؟(13).
وقبل أن يعطي إجابته في ذلك يذكر الاتجاهات التفسيرية المتعددة التي تحاول
تأويل مغفرة الذنب تأويلا يتناسب مع عصمة الرسول (ص)، ومنها: أنّ ذنبه مع
أهل مكة في ما يعتقدون من أن دعوته أدت إلى قتل رجالهم والذهاب بهيبتهم، أو
أنّه ذنب أمته لا ذنبه، وقد خوطب به، لأنّه يمثل قيادة الأمة التي تتحمل
معنويا مسؤولية أعمال أتباعها، أو ذنب أبويه آدم وحواء، أو الذنب الفرضي
التقديري لا الفعلي، وغير ذلك(14).
وقد لاحظ السيد فضل الله على هذه الآراء أنّها تبتعد عن المعنى الظاهر الذي
يعني أنّ للنبي ذنبا متقدما ومتأخرا، وأنّ الله جعل الفتح سببا في مغفرته،
لأنّ هذا المعنى لا يتناسب مع عصمة النبي(ص) أو كماله، ولذلك ارتضى تجاوز
المعنى الذي يصطدم مع العصمة قبل النبوة وبعدها إلى ما يختزنه التعبير من
إيحاءات تتناسب مع العمق الروحي الصافي للشخصية النبوية. ومن هنا فسر
المغفرة بمعنى الرضوان والمحبة، والرحمة بعدها تمثل النتائج للمغفرة(15).
وهذا التفسير نابع من إيمان عميق بعصمة الرسول(ص) قبل النبوة وبعدها، إذ لا
يمكن أن نتصور صدور ذنب منه مهما كان صغيرا، ذلك أن «مسألة الذنب تتنافى مع
هذا الماضي الطاهر المشرق الذي زاده حاضر الرسالة حركية وقوة وإشراقا وصفاء»(16).
وفي ضوء هذا الميل العقائدي رد فضل الله بعض الروايات التي لا تنسجم مع
عصمة الأنبياء، كالرواية التي ذكرت في سبب نزول قوله تعالى: (وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا
تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا
يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ) (الحج:52)، إذ روي في سبب نزولها عن سعيد بن جبير أنّ الرسول (ص)
قرأ بمكة سورة النجم فلما بلغ هذا الموضع (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ
وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)(النجم:19- 20)، القى
الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن لترجى) فقالوا: ما
ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا(17).
فقد رد فضل الله هذه الرواية، لأنها لا تنسجم مع عصمة النبي في التبليغ
التي أعلنها القرآن في قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ
هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:3-4)،الذي يعني امتناع صدور أي كلمة منه
إلا من خلال الوحي الإلهي، وفي قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا
بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ) (الحاقة:44) الذي يدل على امتناع صدور أي زيادة من
النبي عما أوحى الله به إليه(18).
وفي هذا المقام نرى السيد فضل الله يرجّح إحدى القراءات القرآنية على
غيرها، لأنها تتفق وعصمة الأنبياء التي آمن بها، على الرغم من احتمال صحة
القراءة الأخرى، كما في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى
كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (آل عمران:161)، إذ قرأ
بعضهم (يغل) بضم الياء وفتح الغين(19) فيكون المعنى أنّه ليس لأصحابه أن
يخونوه أو يكتموه شيئا من الغنائم. وقد رجح السيد فضل الله القراءة الأولى
الثابتة في المصحف، بفتح الياء وضم الغين، لأنّها دليل على عصمة الأنبياء
عن الخيانة في تقرير الخط النبوي في كل ما يتعلق بمسؤوليته في إبلاغ الوحي
وتوزيع الحقوق على الناس بعيدا عن أي حالة ذاتية تفرض عليه ذلك(20).
وانسجاما مع هذا الميل رفض بعض الاتجاهات التفسيرية التي تذهب إلى أنّ
الاستثناء في قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى. إِلَّا مَا شَاءَ
اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى) (الأعلى:6 -7)، إنما هو
استثناء على الحقيقة، لأنّ الرسول اسقط آية قرآنية في الصلاة حتى حسب بعض
المأمومين أنّها نسخت(21)، وهو يرى أن الاستثناء في هذه الآية إطلاق للقدرة
الإلهية لا الوقوع الفعلي لنسيان النبي (ص)، لأنّ النسيان لا يدنو إلى فكر
الرسول ولا تقترب الغفلة من قلبه(22).
ولعل من البدهي القول: إنّ لكل لغة قواعدها وأساليبها في وعي المعنى، و قد
وصف القرآن نفسه في مواضع عدة بأنه نزل بلسان عربي، كما في قوله تعالى:
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
(يوسف:2)، وقوله تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (فصلت:3)، وقوله تعالى: (قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ
ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الزمر:28)، وقوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ
الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ.
بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء:193 - 195).
الحروف المقطعة
كان لتصور عربية القرآن عند مفسرنا أثر في توجيه دلالات الألفاظ والجمل
والنصوص وتحديدها، سواء على المستوى النظري أم المستوى التطبيقي. وهذا ما
يظهر عن طريق تفسيره الآيات الدالة على ذلك، كما في قوله تعالى: (كِتَابٌ
فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (فصلت:3).
قال في بيان هذه الآية: «فهو قرآن عربي في لغته وأسلوبه وطريقته في عرض
المفاهيم العقيدية والشرعية والكونية... فإن الرسالة لابد من أن تكون
باللغة التي تفهمها الأمة لتستطيع استيعابها وقبولها»(23).
وفي ضوء هذا التصور رد فضل الله ما ذهب إليه بعض المفسرين(24) من أنّ
الحروف المقطعة التي ابتدأت بها أكثر من سورة في القرآن الكريم تمثل رموزا
بين الله ورسوله خفية عنا، ولا سبيل إلى فهمها إلا بمقدار أن نستشعر أنّ
بينها وبين المضامين المودعة في السور ارتباطا خاصا.
ويرى أن هذا الوجه –مع طرافته- لم يستطع أن يعطي معنى لهذه الحروف، وأنّ
الحديث عن رمزية هذه الحروف لا يمكن التسليم به، لأنّ القرآن ليس رسالة
خاصة من الله إلى رسوله، ليشتمل على الرموز الخفية التي يفهمها المرسل إليه
من دون الناس، بل هو كتاب هدى للناس كافة(25).
وقد مال السيد فضل الله إلى الرأي القائل: إنّ الله تعالى تحدى الناس
بالقرآن، وبالغ في التحدي بطرق متنوعة، فأراد أن يبين لهم أن هذا القرآن
الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله لم يكن مؤلفا من حروف يجهلونها(26).
ولا شك في أن هذا التفسير يتفق مع تصور المفسر عن النص القرآني ؛ لكونه نصا
عربيا.
الفهم الحرفي
والحديث عن كون القرآن عربيا لا يعني الجمود على المعنى الحرفي للمفردة
اللغوية، لأنّ ذلك قد يطيح بالمعنى القرآني المقصود، وهذا ما أشار إليه فضل
الله بقوله: «إن الحديث عن كون القرآن عربيا، لا ينحصر في المسالة اللغوية،
بل يمتد ليكون عنوانا للمنهج العام للقواعد التفصيلية، في أساليب اللغة في
البيان والفهم والأجواء من حيث الخصائص الفنية التي قد تحمل في داخلها
الإيحاء والإيماء واللفتة والإشارة، مما يتجاوز المدلول الحرفي
للكلمات»(27).
ولعل من أهم مصاديق ذلك عنده رفضه ما عرف بتجسيم الأعمال يوم القيامة
وحضورها في صورة حسية معينة، مما استفيد من بعض الآيات، كما في قوله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (النساء:10).
فقد ذهب بعض المفسرين إلى أنّ الآية مما يدل على تجسم الأعمال، ولعل هذا
مراد من قال من المفسرين: إنّ قوله تعالى: (إنما يأكلون في بطونهم نارا)
كلام على الحقيقة من دون المجاز(28).
ويرى السيد فضل الله أن هذا الرأي خاضع للاستغراق في حرفية الكلام القرآني
بعيدا عن جانب الاستعارة والكناية ونحوهما مما يفهمه العرب بالطريقة التي
يفهمون بها التعابير الفنية على أساس القواعد البلاغية بنحو التبادر الذي
يسبق إليه الذهن لأول وهلة(29).
وفي بيان قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا
آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ
لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ
مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
(آل عمران:180) يرى فضل الله على وفق تصوره أنّ نظرية تجسم الأعمال انطلقت
في أغلب أدلتها- من الفهم الحرفي للنص القرآني، وهو أمر لا يتناسب مع
القيمة البلاغية للأسلوب القرآني، التي تنفتح على الاستعارة والكناية
والمجاز عن طريق القرائن المحيطة بالنص، كما في هذه الآية، فان التطويق
بالمال الذي بخلوا به كناية عن حملهم مسؤوليته السلبية بإيقاع العذاب بهم،
لعدم دفعهم حقوق الله، وذلك بأن يلزموا وبال ما بخلوا به إلزام الطوق(30).
ويبدو أنّّ ما ذهب إليه مفسرنا من عدم تجسم الأعمال في الموارد التي يظهر
منها ذلك، بجعل اللفظ على المجاز إنما ينبع من تصور سابق أملاه عليه مكونه
الفكري، لأن حمل الألفاظ على خلاف ظاهرها يحتاج إلى قرينة، ولا قرينة في
النص إلا أن يقدر المفسر قرينة عقلية منه.
اعجاز القرآن
وكان لتصور إعجاز القرآن عند المفسرين حضور واضح وتأثير مباشر على طبيعة
تعاملهم مع الآيات واستنباط دلالاتها بما ينسجم مع هذه الرؤية الإعجازية.
ويلحظ اختلاف مذاهب السلف من علماء الإسلام في بيان الإعجاز القرآني، وتعدد
أقوالهم في وجوهه. لكن إعجازه البلاغي لم يكن قط موضع خلاف، وإنّما كان
الجدل بين الفرق الإسلامية، في عده الوجه في الإعجاز، أو القول بوجوه أخرى
معه(31).
والى الإعجاز البلاغي في القرآن ذهب السيد فضل الله، وهذا ما يظهر من خلال
تفسيره آيات التحدي في القرآن الكريم، نحو قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ
افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ
وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ) (هود:13)، إذ تساءل عن سر التحدي أهو في إطار الفصاحة والبلاغة
أم في غير ذلك؟
وفي معرض جوابه عن ذلك رد ما ذهب إليه بعض المفسرين الذي يرى أنّ التحدي
عام بكل ما يتضمنه القرآن من معارف حقيقية، وحجج وبراهين ساطعة، ومواعظ
حسنة، وأخلاق كريمة، وشرائع إلهية، وأخبار غيبية، فضلا عن الفصاحة
والبلاغة(32).
ويرى أنّ القول بهذه الوجوه من الإعجاز يمكن الموافقة عليه في مجموع القرآن
بضم بعضه إلى بعض، لا بالتحدي بالسورة الواحدة، أو بالسور العشر، التي يمكن
أن تكون مشتملة على معنى محدد لا يمثل شيئا من الأسرار الخفية، أو المطالب
العالية، أو الأمور الغيبية، التي لا يملك الناس وسائلها، لأنّ التحدي
إنّما يكون بالمعجز الذي لا يستطيعه أحد، بالوسائل التي يملكها الناس(33).
وفي ضوء ذلك يذهب إلى أن التحدي بالسورة أو بأكثر منها يوحي بان الإعجاز لا
بد من أن يكون مشتركا بين السورة في حدودها، وبين القرآن كله، وهذا لا يكون
إلا بالفصاحة والبلاغة، أما الأمور الأخرى فإنها قد تكون دليلا على الصدق،
لا مظهرا للإعجاز(34).
وايمانا من السيد فضل الله بهذا البعد الإعجازي نجده في مقام المدافع عنه
أمام أي تصور خاطئ أو فهم غير صحيح للنص القرآني بإيجاد تصور قائم على
التأمل والتدبر وحسن الظن بالمنشئ، وصولا إلى نتيجة قد تكون مقاربة للمعنى
الظاهر للنص.
ففي بيان قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا
وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:93)،تساءل عن سبب
البدء بالتقوى والتعقيب بالإيمان والعمل الصالح، أو الإيمان وحده، أو
الإحسان بعده، في الوقت الذي قد يكون الأمر معكوسا في عملية التسلسل في
الإيمان والتقوى، على أساس أنّ التقوى نتيجة للإيمان(35).
وفي معرض جوابه عن ذلك يرى أنّ للتقوى معنى سياقيا ينسجم مع موقعها المتقدم
على الإيمان، لأنّ المراد بالتقوى: «هي هذه الحالة الوجدانية الروحية التي
تثير في عمق الشعور الإنساني، الإحساس بالمسؤولية في قضية الإيمان
والإحسان، انطلاقا من القلق الروحي المتطلع إلى المعرفة، في شوق غامض يسير
به في طريق الله»(36).
وبهذا يتضح أنّ المفسر يحاول المقارنة بين ما هو واقعي (نص) وما هو افتراضي
(سؤال)، ليتوصل عن طريق ذلك إلى المعنى القرآني، وهذا لا يخلو من تأثر
بإيمان مسبق بالبعد الإعجازي للنص وانسجامه وحسن الظن بمنشئه.
وفي الوقت الذي قد يكون فيه التكرير صفه مذمومة تمثل حالة الخلو عند منشئ
النص يأخذ هذا الأسلوب في السياق القرآني طابعا آخر قائما على تعميق المعنى
الذي يقتضيه النص، لأنّ القرآن يحمل طابعا رساليا إبلاغيا، فضلا عن الطابع
الأدبي الجمالي، مما اقتضى أن يقوم التكرير بهذه الوظائف.وفي ضوء ذلك نرى
المفسر يعلل ما جاء في القرآن الكريم من تكرير وفقا لهذا التصور.
فعلى سبيل المثال نجده في مقام تفسير قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم)
يحاول أن يوجد تصورا رساليا وجماليا في الوقت نفسه للتكرير الحاصل في معنى
الرحمة، فيقول:«وإذا كان التأكيد يمثل لونا من التكرار للفكرة، فان الحاجة
إليه لا تقتصر على دفع احتمال الاشتباه، كما يقرر النحويون، بل قد تكون
المسألة فيه هي الحاجة إلى تعميق المعنى الذي تتضمنه الكلمة بشكل عميق
واسع، مما لا يحصل الإنسان عليه بالكلمة الواحدة، فلا ينافي ذلك بلاغة
القرآن، لأنّ التأكيد في مدلوله التصويري التعميقي لا يكرر المعنى بشكل
جامد، بل يعمقه بشكل حي متحرك»(37). فالتكرير في هذه الألفاظ ليس تكريرا
لفظيا فارغا، بل هو تكرير يأخذ طابعا حركيا عن طريق تعميق المعنى في النفس،
أو (نمو المعنى) - إن صحت العبارة - وهذا التوجيه بالجمع بين البعدين
الرسالي والجمالي في النص القرآني إنما يأتي عن تصور المفسر عن النص
وإعجازه.
وفي موضع آخر نجد السيد فضل الله يوظف إعجاز القرآن في مجال الاستثمار
الدلالي للنص، إذ تراه يعمد إلى استعمال المنهج المقارن بين التعابير،
ليتوصل بذلك إلى كون الألفاظ القرآنية لا تحل محلها ألفاظ أخرى، فما من لفظ
في القرآن الكريم يمكن أن يقوم غيره مقامه. فعلى سبيل المثال يرى أنّ لفظة
(حذر) في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا
حِذْرَكُمْ)(النساء: من الآية71)، لا يمكن أن تحل محلها لفظة أخرى، لما
تحمله هذه اللفظة في محلها من دلالات وإيحاءات، فيعمد المفسر إلى مقارنتها
بلفظة (خوف) مستثمرا هذا المثال للتدليل على إعجاز القرآن، إذ يقول: «ولا
بد من التنبيه على أنّ كلمة (الحذر) تختلف عن كلمة (الخوف) فان الخوف يشل
القدرة ويدفع إلى الهزيمة، أما الحذر، فإنّه يوحي بالدراسة الدقيقة
الموضوعية للواقع للتعرف على أفضل الوسائل للمواجهة بطريقة حكيمة واعية
مدروسة»(38).
وفي مقام آخر ينحو السيد فضل الله منحى مختلفا عن المناحي السابقة، وذلك
بعدّه النص القرآني مرجعا أساسا في تصحيح اللغة واعتماد الأساليب فيها، لا
كتب اللغة، كون القرآن نصا معجزا.
ففي بيان قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
الرِّبا)(البقرة: من الآية275)، تساءل: هل الواو هنا للاستئناف لبيان هذا
الحكم الذي شرعه الله من قبل، أو هي للحال؟(39).
وفي معرض جوابه عن ذلك رفض أن تكون الواو استئنافية، وهو ما ذهب إليه بعض
المفسرين محتجين بان الفعل الماضي الواقع في نطاق الجملة الحالية ينبغي أن
يكون مصدرا ب(قد)(40).
ويرى المفسر أن الواو ـ هنا ـ جاءت للحال، لأن سياق الجملة لا يناسب
الاستئناف، ولأَن الآية واردة في مقام الرد على ما ذهبوا إليه من المساواة
بين البيع والربا، فضلا عن كون التصدير بـ(قد) غير لازم في هذه الآية، لأن
القرآن الكريم هو المرجع الأساس في اللغة الصحيحة لا كتب اللغة(41).
وبناء على هذا فإنّ محاولة بعض المفسرين توجيه أو تصحيح التركيب القرآني
على أساس قواعدي معين أمر غير مبرر، فضلا عن كون هذا الأساس القواعدي الذي
اعتمد لتوجيه النص قد لا يعطي المعنى التام للتركيب، إذ إنّ الهيكل أو
الشكل التركيبي ليس أساسا بقدر المضمون الذي قد لا يتحقق إلا بتصور آخر وان
بدا هذا التصور غير منسجم مع ما افترضوه وقرروه. ولهذا لا بد لنا من تأسيس
قواعد أسلوبية مستقاة من النص القرآني نفسه.
ولم يقف تصور إعجاز القرآن عند السيد فضل الله عند الحدود السابقة، بل
انعكس على طبيعة تعامله مع انسجام النص القرآني وتماسكه، إذ نراه يرجح أو
يختار من الآراء ما يكون دليلا على تحقق هذا الانسجام والتماسك.
فعلى سبيل المثال يذكر لنا المفسرون في بيان قوله تعالى: (الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي
يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)(البقرة: من الآية275) آراء عدة
منها:(42)
1- أنّ هذا التشبيه حديث عن حالة المرابي في يوم القيامة، إذ يقوم من قبره
كما يقوم المصروع، دليلا على أنّه من أكلة الربا.
2- أنّه تشبيه بحالة المصروع في السير على غير هدىً لاختلاف الأمور في ذهنه
مما يؤدي به إلى أن يرى الحسن قبيحا والقبيح حسنا.
وقد استقرب السيد فضل الله الرأي الثاني لمناسبته الفقرة التالية (ذلك
بانهم قالوا إنما البيع مثل الربا) فقد جرت هذه الفقرة مجرى التعليل
لحالتهم في التشبيه، إذ اختلط الأمر عليهم، فاستنكروا الموقف السلبي ضد
الربا في الوقت الذي يكون الموقف فيه إيجابيا تجاه البيع، وخيل لهم أن
البيع مثل الربا، لاشتمال كل منهما على الربح والزيادة(43).
وفي ضوء هذا التصور أيضا دفع فضل الله ما يبدو خارجا عن انسجام النص
القرآني،ففي بيان قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ
وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ
عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران:185)، طرح سؤالا مفاده:
كيف أقحم الله هذه الآية في أجواء الحديث عن أهل الكتاب، وما هي
مناسبته؟(44).
وفي معرض الجواب يرى أنّ الوجه في ذلك، أنّ الله يريد تفريغ النفس
الإنسانية من المشاعر الضاغطة التي تقوده إلى الانخداع بأساليب اليهود
وغيرهم، طمعا في ربح عاجل، أو متعة طارئة فيوحي إليه بان الموت نهاية ذلك
كله، فينبغي له أن يفكر في هذا الاتجاه، ليعرف أنّ الفوز فوز الآخرة عن
طريق الخير في الدنيا، وليس فوز الدنيا عن طريق الشهوات العاجلة فيها(45).
وفي ضوء ما تقدم نرى أنّ السيد فضل الله لم يكن بصدد اكتشاف كون القرآن
معجزا أو غير معجز، بل كان بصدد البحث عن وجه الإعجاز الذي آمن به وثبت
لديه في رتبة سابقة لقراءة النص.
الهوامش
ــــــــــ
(*) باحث اكاديمي من العراق.
(1) تفسير البرهان, للسيد هاشم البحراني:2/169.
(2) ينظر: الملل والنحل, للشهرستاني:1/44و103.
(3) ينظر: عقائد الامامية,للشيخ المظفر:62-63.
(4) تفسير من وحي القرآن:20/153.
(5) ينظر:تفسير من وحي القرآن:8/247- 248, و مجمع البيان في تفسير القرآن,
للطبرسي:3/434-435.
(6) ينظر: تفسير من وحي القرآن 19/359.
(7) المصدر نفسه: 22/59.
(8) ينظر: التبيان في تفسير القرآن, للطوسي: 1/193.
(9) تفسير من وحي القرآن: 10/239.
(10) ينظر: المصدر نفسه: 23/249.
(11) تنزيه الانبياء, المرتضى:3.
(12) ينظر:هورمونطيقا الكتاب والسنة ، محمد مجتهد (بحث) :99.
(13) ينظر تفسير من وحي القرآن: 21/97.
(14) ينظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: 9/198 – 202., وتفسير من وحي
القرآن 21/97-98.
(15) ينظر: تفسير من وحي القرآن:21/99.
(16) المصدر نفسه: 21/98.
(17) ينظر: الدر المنثور في التفسير بالماثور, السيوطي: 6/65- 66, و تفسير
من وحي القرآن: 16/96.
(18) ينظر: تفسير من وحي القرآن: 16/97.
(19) ينظر املاء ما من به الرحمن: 1/156.
(20) ينظر: تفسير من وحي القرآن:6/354-355.
(21) ينظر: التفسير الكبير, للرازي: 31/129, نسبه الى الزجاج.
(22) ينظر: تفسير من وحي القرآن: 24 /208-209.
(23) المصدر نفسه: 20/88.
(24) ينظر: الميزان في تفسير القرآن: 18/177-178.
(25) ينظر: تفسير من وحي القرآن:1/101-102.
(26) ينظر: المصدر نفسه:1/102.
(27) المصدر نفسه: 1/7.
(28) ينظر: الميزان في تفسير القرآن: 4/257.
(29) ينظر: تفسير من وحي القرآن:7/107.
(30) ينظر: المصدر نفسه:6/416, و الكشاف، الومخشري: 1/392, و مجمع البيان:
2/547.
(31) ينظر: الاعجاز البياني للقرآن, بنت الشاطئ: 82.
(32) ينظر: الميزان في تفسير القرآن:10/246.
(33) ينظر: تفسير من وحي القرآن:12/34.
(34) ينظر: المصدر نفسه 12/34- 35.
(35) ينظر: المصدر نفسه: 8/340.
(36) تفسير من وحي القرآن:8/340.
(37) المصدر نفسه: 1/42.
(38) تفسير من وحي القرآن 7/349.
(39) ينظر: المصدر نفسه: 5/142.
(40) ينظر: المصدر نفسه، والحال في الجملة العربية،فاخر هاشم سعد الياسري
(رسالة ماجستير):172وما بعدها.ِ
(41) ينظر: تفسير من وحي القرآن: 5/142 – 143.
(42) ينظر: الميزان:2/367, و تفسير من وحي القرآن: 5/136 -137.
(43) ينظر: تفسير من وحي القرآن:5/137.
(44) ينظر: المصدر نفسه: 6/433.
(45) ينظر: المصدر نفسه.
|