الحضارية «دراسات اسلامية»

 الثلاثاء: 03/06/2008

 

 


السيد محمد حسين فضل الله وملامح منهجه التفسيري(2/1)

د. جابر محيسن عليوي(*)

(خاص للمعهد)

أولا- سيرة المفسر:
السيد محمد حسين فضل الله شخصية ذات أبعاد متنوعة، وليس في وسع الباحث الإحاطة بهذه الشخصية في بضع صفحات، بل الإشارة إلى الخطوط العريضة من سيرته انسجاما مع المنهج الذي دأب عليه الباحثون من الإشارة إلى سيرة المؤلف، واكتفاء بالإحالة إلى المصادر الرئيسة التي يمكن الرجوع إليها لمعرفة شخصية السيد فضل الله والتعرف عليها(1).
1- اسمه ونسبه وولادته:
هو محمد حسين بن عبد الرؤوف بن نجيب بن محيي الدين بن نصر الله بن محمد بن علي بن يوسف بن فضل الله الحسني العاملي العيناثي من السادة آل فضل الله(2) ،وهو من أسرة دينية تنتسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب(ع)، وترتبط بأشراف مكة الحسنيين(3).
ولد في مدينة النجف الأشرف في التاسع عشر من شعبان عام 1354هـ الموافق لعام 1935م(4).
2- دراسته:
بدأ السيد فضل الله الدراسة في الكتاتيب(5). وانتقل بعد ذلك إلى مدرسة(جمعية منتدى النشر) التي تجاوز فيها الصفين الأول والثاني إلى الثالث، بناءً على تقدير أصحاب هذه المدرسة(6).
ثم التحق بالحوزة الدينية في النجف الأشرف في عام 1363هـ(7), واستغرقت دراسته الحوزوية اثنتين وعشرين سنة(8).
3- أساتيذه:
أكمل دراسته الأولى فيما عرف بالمقدمات والسطوح عند والده السيد عبد الرؤوف فضل الله,ثم أكمل دراسته العليا في الفقه والأصول (البحث الخارج) متتلمذاً على كبار علماء النجف ومراجعها(9):
- السيد محسن الحكيم.
- السيد أبو القاسم الخوئي.
- السيد محمود الشاهرودي.
وزار السيد فضل الله لبنان لأول مرة عام 1952م، إذ شارك في أربعينية السيد محسن الأمين، والتقى مختلف أعلام الأدب والسياسة، وعاش الواقع اللبناني عن قرب، وألمّ بأوضاعه الداخلية، وصار يتنقل بين النجف ولبنان إلى أن غادر النجف للمرة الأخيرة بصحبة والده سنة 1385هـ - 1966م، ليقيم في بيروت بدعوة من جمعية أسرة التآخي في النبعة، ثم استقر نهائياً في ضاحية بيروت الجنوبية في حارة حريك(10).
ويعد السيد فضل الله الآن من مراجع الدين الكبار، وله مقلدون في مختلف بلاد العالم الإسلامي، بعد أن التزم لنفسه منهجا خاصا في دراسته، وفهم الشريعة وعلومها، ما جعل تجربته الفقهية والفكرية تتسم بالتفرد(11).
وعلى الرغم من اتساع مسؤولياته بعد تصديه للمرجعية الدينية، لم ينقطع عن التدريس، وما زال يلقي دروس البحث الخارج، سواء في بيته في الضاحية الجنوبية من بيروت، أم في حوزة المرتضى في منطقة السيدة زينب في دمشق(12).
4- مؤلفاته:
عرف السيد فضل الله بغزارة نتاجه العلمي، ويمكن رصد عدد من مؤلفاته على النحو الآتي:
1- تفسير من وحي القرآن، ويقع في خمسة وعشرين جزءا مع الفهارس.
2- الحوار في القرآن
3- الحركة الإسلامية هموم وقضايا
4- مفاهيم إسلامية عامة
5- خطوات على طريق الإسلام
6- الدين بين الأخلاق والقانون
7- الإسلام ومنطق القوة
8- رسالة التآخي
9- من أجل الإسلام
10- قضايانا على ضوء الإسلام
11- أسلوب الدعوة في الإسلام
12- دور المرأة الرسالي
13- الفتاوى الواضحة
14- تأملات إسلامية حول المرأة
15- مع الحكمة في خط الإسلام
16- حوارات في الفكر والسياسة والاجتماع
17- في رحاب أهل البيت
18- قصائد للإسلام والحياة ـ شعر
19- ياظلال الإسلام-شعر.
20- في رحاب الدعاء.
21- الندوة: وهي سلسلة ندوات الحوار الأسبوعية التي تعقد في دمشق، صدر منها لحد الآن خمسة عشر مجلدا.
ويلحق بهذه المؤلفات مجموعة من الحوارات مع السيد فضل الله، وهي:
1- أسئلة وردود من القلب، حاوره فيها وضاح يوسف الحلو، وإسماعيل الفقيه.
2- دنيا الشباب، حوار أجراه أحمد أحمد وعادل القاضي.
3- دنيا الطفل، حوار نبيهة محمد.
4- دنيا المرأة، حوار سهام حمية، إعداد منى بليبل.
5- خطاب الإسلاميين والمستقبل، حوار غسان بن جدو.
6- الإسلام وفلسطين، حوار شامل أجراه معه محمود سويد.
7- المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية، حوار سليم الحسيني.
8- فقه الحياة، حوارات أجراها معه احمد احمد، وعادل القاضي
ثانيا- ملامح تفسير من وحي القرآن:
يقع التفسير في أربعة وعشرين جزءا، فضلا عن الفهارس، وأبحاثه عبارة عن دروس قرآنية كانت تلقى على مجموعة من الطلبة المؤمنين المثقفين، قبل أن يقوم المفسر بجمعها وإعادة كتابتها في تفسير كامل للقرآن الكريم(13).
أمّا سبب التسمية فيعلله المفسر بقوله: ((سميت تفسيري من وحي القرآن، لأنّه يحاول أن يستوحي القرآن حركيا، ويستوحيه للحاضر والمستقبل))(14).
وبصدد تقويم التفسير كتب أحد الباحثين: ((من وحي القرآن تفسير تربوي اجتماعي شامل، يعدُّ من أروع التفاسير الجامعة، من روح حركية نابضة بالحيوية الإسلامية العريقة، انطلق فيه المؤلف... يعمل في إحياء الجو القرآني في كل مجالات الحياة المادية والمعنوية، نظير ما فعله سيد قطب في تفسير (في ظلال القرآن)... وهكذا يمتاز هذا التفسير بأسلوبه الأدبي الرائع، مع المزج بينه وبين الأسلوب العلمي المتأدِّب النزيه، مما يجعل الكتاب رائعا، يجذب القارئ إليه جذبا ويجعله يتفاعل معه مغرما به))(15).
وبصدد بيان منهجه في التفسير يؤكد السيد فضل الل ه- في اكثر من مناسبة - منهجه القائم على فهم القرآن من خلال الأجواء التي يعيش فيها القرآن، كونه كتاب الحركة الإسلامية، أي الدعوة الإسلامية التي يرشدها الله من خلال القرآن الكريم(16).
ويمكن إجمال منهج السيد فضل الله في تفسيره بما يأتي:(17).
1- يفتتح السورة القرآنية بوصف مجمل يحدّد فيه المعالم الأساسية والأفكار والرؤى الرئيسة التي تشير إليها الآيات التي تتألف منها السورة.
2- يشير إلى معاني المفردات التي تحتاج إلى توضيح مع بيان الدلالة المجازية التي تخرج إليها بعض الألفاظ.
3- توزيع آيات السور على مقاطع قرآنية سماها فصولا، إمّا لأنّها ينتظمها سياق واحد، أو لأنّها تعالج غرضا من أغراض السورة، وقد يكون الفصل آية واحدة أو بضع آيات، ولربما يربو على ثمانين آية.
4- في بداية كل سورة دأب السيد فضل الله على أن يضع بين يديها غرضها الاساس الذي عالجته.
5- حرص المفسر على تتبع آراء المفسرين، وخصّ المشهورين منهم، ومن له رأي خاص جدير بالدراسة، ولم يفته تسجيل ملاحظاته بالموافقة أو بالمخالفة عليهم.
6- وقف عند أسباب النزول في الآيات التي ورد بخصوصها شيء من الأخبار ممّا تناقله الرواة مع تسجيل ملاحظاته عليها.
7- اعتمد المفسر على ظواهر القرآن، لإيمانه بحجية الظاهر، إلّا أن يقوم دليل على خلاف ذلك من عقل أو نقل.
8- دأب المفسر على ربط الحاضر بالماضي عن طريق تفعيل القرآن في حياة الإنسان المسلم وتلمس الحلول عن طريق القراءة الواعية لأزمات المجتمع الإنساني ممّا أشار إليه القرآن الكريم، ولذلك حرص على وضع عنوان بارز نهاية كل آية مثل قوله (ماذا تستوحي من ذلك ؟)، أو ما أشبه ذلك.
9- كرس السيد فضل الله الطابع التربوي الحركي في تفسيره لاستيحاء القرآن الكريم واستنطاقه.
أمّا مصادره التي اعتمدها في التفسير وأشار إليها فيمكن تصنيفها إلى(18):
- المصادر التفسيرية وعلوم القرآن وتشمل:
1- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ)
2- تفسير العياشي المسمى كتاب التفسير، محمد بن مسعود العياشي (ت320هـ)
3- أسباب النزول، أبو الحسن علي بن أحمد النيسابوري (ت 468هـ)
4- مفردات ألفاظ القرآن، الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني (ت 502 هـ)
5- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري (ت 538 هـ)
6- مجمع البيان في تفسير القرآن، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ)
7- التفسير الكبير (تفسير مفاتيح الغيب)، محمد بن عمر المشهور بفخر الدين الرازي (ت 606 هـ)
8- الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله بن أبي بكر القرطبي (ت 671 هـ)
9- الدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت 911 هـ)
10- البرهان في تفسير القرآن، هاشم بن سليمان البحراني (ت 1107هـ أو 1109هـ)
11- تفسير القرآن الحكيم المشهور بتفسير المنار، محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ)
12- في ظلال القرآن، سيد قطب (ت 1384 هـ)
13- الكاشف في تفسير القرآن، محمد جواد مغنيه (ت 1400هـ)
14- الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي (ت 1401هـ)
15- البيان في تفسير القرآن، أبو القاسم الخوئي (ت1413هـ)
16- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ناصر مكارم الشيرازي.
- المصادر الحديثية: وهي المصادر التي تعنى بالرواية والخبر وهي:
1- صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (ت 256هـ)
2- المحاسن، أبو جعفر أحمد بن محمد البرقي (ت 274هـ أو 280هـ)
3- الكافي (الأصول والفروع)، محمد بن يعقوب الكليني (ت 328هـ)
4- أمالي الصدوق، علي بن الحسين، الصدوق (ت318هـ)
5- علل الشرائع، للصدوق.
6- عيون أخبار الرضا، للصدوق.
7- معاني الأخبار، للصدوق.
8- تهذيب الأحكام، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460هـ)
9- مناقب آل أبي طالب، محمد بن علي بن شهر أشوب (ت 588هـ)
10- وسائل الشيعة إلى تحصيل الشريعة، محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104هـ)
11- بحار الأنوار، محمد باقر تقي المجلسي (ت 1111هـ)
فضلا عن كتب أخرى اعتمدها المفسر في التفسير.
ثالثا- ميول المفسر وتصوراته عن النص:
شغلت الممارسة القرائية، أو كيف تتم عملية القراءة؟ عددا من الباحثين، إذ يرى (رولان بارت) أنَّ القارئ لحظة إقباله على النص لا يأتي من فراغ، بل يأتي محملا بروافد ثقافية، وأعراف لغوية،ووعي بالتاريخ الأدبي، وبمخزون من النصوص السابقة، فيتم التفسير أو التأويل في إطار يضعه المتلقي بما يملك من فهم سابق أو معرفة، تشكل البناء القبلي للفهم(19).
وذهب بعض الباحثين إلى أن الذهن البشري يستجمع المعارف القبلية مع ما يضاف من القرائن الحالية ليصبها جميعا في إطار فهم دلالة النص، فهذه هي ملكة الذهن التي تستجمع ما أمكنها من الآليات المعرفية المناسبة في فهم ما يراد من نص على وفق ألفاظه وسياقه(20).
وفي ضوء ذلك تكون العملية التفسيرية عبارة عن محصلة التفاعل بين النص ومعطياته من جهة، والمنظومة المعرفية والاتجاه الفكري للمفسر من جهة أخرى، فالدلالة تبقى في كثير من الأحيان رهينة في النص، لولا عملية التفاعل هذه(21).
ولم تكن المعرفة القبلية غائبة عن ذهن السيد فضل الله، إذ عبر عنها بالقول: «إنّ مسألة التفسير تبقى تخضع لثقافة المفسر في وعيه للقضايا التي تحدث بها القرآن والتشريعات التي عالجها، والإشكالات التي أثارها الآخرون في حركة الصراع بين الكفر والإيمان»(22).
ويقول في موضع آخر: «إنّ فهم النص لا بد من أن يخضع لقواعد تتحرك في داخل النص وخارجه على أساس أنَّ لكل لغة قواعدها في وعي المعنى»(23).
والباحث في تفسير (من وحي القرآن) يجد جملة من الميول والتصورات التي كانت حاضرة عند المفسر، وهو يقوم بعمله التفسيري.
ويشكل الأسلوب الاستيحائي الذي طبع به السيد فضل الله تفسيره أهم الميول التي انعكست على طبيعة تعامله مع النص ومن ثم توجيه دلالته.
وقد عرف السيد فضل الله هذا الأسلوب بقوله: «الأسلوب الذي يجعل الإنسان ينطلق من الآية إلى عوالم أخرى من خلال طبيعة الغايات التي تتحرك إليها مما تلتقي به في أكثر من أفق، في نطاق القواعد الإسلامية والعربية العامة، وهذا هو الذي يجعلنا ننتقل من الصورة المادية إلى الصورة المعنوية، ومن التجربة التاريخية للمجتمع الذي نزل القرآن فيه وعالج مشاكله وتحدياته وقضاياه إلى التجربة الجديدة التي نواجه فيها تحديات الواقع ومشاكله، الأمر الذي يجعل للقرآن صفته (الحركية) إلى جانب الصفة التشريعية والتوجيهية والوعظية ونحو ذلك»(24).
وقد ارتبط هذا الميل التفسيري عند السيد فضل الله بنظرية جري القرآن، والجري في اصطلاح المفسرين هو «تطبيق الآيات القرآنية على مصاديق لم تنزل بشأنها تلك الآيات، لانّ الآيات لا تختص بموارد نزولها الأولى بل تجري في كل مورد يتحد مع مورد النزول ملاكا»(25).
وهذه النظرية التفسيرية مستمدة من بعض الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (ع)، كما جاء عن الإمام محمد بن علي الباقر(ع) أنّه قال: «... إنَّ القرآن حي لا يموت، والآية حية لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في أقوام ماتوا ماتت الآية لمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين»(26). وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) أنّه قال: «إنّ القرآن حي لم يمت وإنّه يجري كما يجري الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أولنا»(27).
وفي هذا المعنى روايات أخر، وهذه سليقة علماء التفسير عامة، يطبقون الآية من القرآن على ما يقبل أن ينطبق عليه من الموارد وإنْ كان خارجا عن مورد النزول، والاعتبار يساعده، لأنّ القرآن نزل هدىً للعالمين يهديهم إلى واجب الاعتقاد وواجب الخلق وواجب العمل، وما بينه من المعارف النظرية حقائق لا تختص بحاال دون حال ولا زمان دون زمان، وما ذكره من فضيلة أو رذيلة أو حكم عملي لا يتقيد بفرد دون فرد ولا عصر دون عصر لعموم التشريع(28).
وإلى هذا المعنى يشير السيد فضل الله بقوله: إنّ الآية لا تتجمد في النقطة التي انطلقت منها ونزلت فيها، لأنّ أسباب النزول لا تمثل إلّا المنطلق الذي تحركت الفكرة من خلاله بعيدا عن كل ما يحددها ويقيدها في دائرته، ولذلك عاشت الآيات الكريمة لتتسع وتمتد مع الزمان والمكان في كل مجال يتسع للفكرة وللمفهوم من خلال النموذج الأول، فكان من جراء ذلك أنْ أصبحت الآيات تعيش معنا صراعنا مع الكفر والشرك والظلم والطغيان تماما كما كانت تعيش مع نماذجها الأولى... وهذا هو ما وردت فيه الكلمات المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام: «إنّ القرآن يجري كما تجري الشمس والقمر»(29). ولعل من أهم مصاديق هذه النظرية على المستوى التطبيقي ما تعاهد عليه المفسرون وأصحاب علوم القرآن بقولهم: المورد لا يخصص، أو العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(30)، ذلك «أنّ المدح النازل في حق أفراد من المؤمنين أو الذم النازل في حق آخرين معلل بوجود صفات فيهم، ولا يمكن قصرها على شخص مورد النزول مع وجود عين تلك الصفات في قوم أخر بعدهم»(31).
ويتضح من منهج فضل الله في بيانه دلالات الآيات القرآنية وأسباب النزول أنّ المتبع هو مدى عموم النص القرآني وشمول اللفظ فيه، إذ إنّ سبب النزول – عنده – مجرد سبب مثير لنزول الحكم العام، وليس تحديدا له في نطاقه الخاص، وهذا ما ينسجم مع ميل السيد فضل الله إلى تحريك القرآن في واقعنا المعاصر، حتى لا يتجمد في الموارد التي نزل فيها، بل يمتد على مستوى القاعدة الكلية، إلى الموارد المماثلة كلها،في الحوادث المتجددة، في مستقبل الحياة والإنسان(32).
ومن أمثلة ذلك ما جاء في بيانه قوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)(الفاتحة: من الآية7)، إذ ورد في روايات أسباب النزول، أنّ المغضوب عليهم هم اليهود وان الضالين هم النصارى(33)، وقد ذيل السيد فضل الله سبب نزول هذه الآية بقوله: «ولكن ذلك لا يحصر مداليل السورة في هذين النموذجين من الناس، لأنّ ذلك قد يكون على نحو المثال، كما هي طريقة القرآن في مواقع النزول للآيات، في ما تتحدث عنه روايات أسباب النزول. وقد ورد أنّ القرآن يجري مجرى الشمس والقمر، فلا يتحدد في المنطقة التي ينزل فيها، ولا في الشخص الذي ترد فيه»(34).
وجاء في سبب نزول قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (النحل:41)، أنّها نزلت في أصحاب النبي (ص) بمكة، صهيب وخباب وعامر وجندل بن صهيب، أخذهم المشركون بمكة فعذبوهم وآذوهم، فبوأهم الله تعالى بعد ذلك المدينة(35)..
ونرى أنّ فضل الله يعمم دلالة هذه الآية لتشمل كل الذين يهاجرون في الله، ممن تضطهدهم القوى الكافرة أو الطاغية، لأنّهم قالوا ربنا الله ودعوا إليه وجاهدوا في سبيله، فيتحركون إلى مواقع أخرى تخلصا من ضغط الحصارعلى الكلمة والحركة والدعوة، لأنّ الآية في مضمونها الرسالي ليست مختصة بالمهاجرين الأولين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، فضلا عن كون الهجرة تمثل الخط الطويل المستمر الذي تتلاحق فيه حركة الأمة في أجيالها المتعاقبة(36).
وفي بيانه دلالة قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ)(البقرة: من الآية159)، عمم فضل الله دلالة هذه الآية من دون قصرها على أهل الكتاب أو اليهود خاصة، كما في سبب نزولها(37)، لأنّ الآية واردة لتقدير المبدأ العام الشامل الذي ينطبق على الناس كلهم ممن يملكون المعرفة بحقائق الأشياء، وآفاق البينات، وسبل الهدى، في ما يبينه الله للناس في كتابه، ثم يخفونها عن الناس أو يكتمونها، لأنّ في ذلك إخفاء للحقيقة، وكتمانا للرسالة، مما يوجب وقوع الناس في الضلال وانحرافهم عن الحق وضياعهم في متاهات الجهل والحيرة(38).
ومن التطبيقات الأخرى لنظرية الجري في القرآن عند السيد فضل الله الانتقال من الصورة المادية إلى الصورة المعنوية. ويقوم هذا الضرب من التطبيق على إدراك ما وراء المدلولات اللفظية من مغزى وهدف وعظة، كما ورد في الحديث عن الإمام الباقر(ع) في تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)(المائدة: من الآية32)، فقـد ورد في كتاب الكافي بإسناد عن فضيل بن يسار قال: «قلت لأبي جعفر: قول الله عز وجل في كتابه: ((ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا))، قال: من حرق أو غرق، قلت له: فمن أخرجها من ضلال إلى هدى ؟ قال: ذاك تأويلها الأعظم»(39).
وفي بيان هذا النوع من التطبيق يرى السيد فضل الله: أن الآيات قد تتحرك في نطاق مضمون فكري معين، ولكنها توحي لنا بمعنى آخر من حيث طبيعة النتائج العملية ومن حيث وحدة المسار، وهذا ما عبرت عنه بعض الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت(ع) بالتأويل، الذي لا يقصد به إعطاء اللفظ مدلولا ثانيا غير المدلول الذي يظهر فيه بحسب وضعه اللغوي، بل يقصد استيحاء المعنى الحقيقي من اجل الإيحاء بمعنى آخر(40).
ويتضح هذا المعنى عند فضل الله في بيانه ما روي عن الإمام الباقر(ع) في تفسير قوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) (عبس:24)، إذ قال الإمام في تفسير لفظة (الطعام) في هذه الآية: «علمه الذي يأخذه ممن يأخذه»(41) قال السيد فضل الله مذيلا قول الإمام: «فانّ من الواضح أنّ العلم لا يمكن أن يكون مدلولا لكلمة الطعام في هذه الآية، حتى مع تصورنا أن هناك طعاما للعقل بالإضافة إلى طعام الجسد، لأنّ الآيات الأخرى تؤكد أنّ المراد به الغذاء المادي الذي ينطلق من النبات... لكن الإمام عليه السلام أراد أن يستوحي من هذه الكلمة (الطعام) معنى العلم، باعتبار أن معنى الكلمة في إيحاءاتها، تجتذب الجانب المعنوي للطعام الذي هو نعمة إلهية تزيد أهميتها على النعم الإلهية المادية المغذية للجسد»(42).
ومن أمثلة ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ)(آل عمران: من الآية180)، إذ روي عن ابن عباس (رض) أن هذه الآية نزلت في كتمان العلم الذي قام به أحبار اليهود في عصر الدعوة، عندما كتموا صفة النبي محمد(ص) ونبوته التي جاءت بها التوراة(43).
وقد رأى السيد فضل الله أنّ الظاهر من سياق الآية يدل على أنّها واردة في البخل بالمال لا بالعلم، مما يجعل شمولها للبخل بالعلم عملية استيحائية عن طريق الانتقال من المادي إلى المعنوي على الطريقة التي جرى بها أئمـة أهل البيت(ع) في تفسير بعض الآيات في استيـحاء المعنوي من الحديـث عن المادي(44).
ويأتي ضرب الأمثال في القرآن الكريم مؤيدا لميل المفسر في الانتقال من المحسوس إلى المجرد، فكما أنّ المثل له مصاديقه في عصر النزول،فهو له مصاديقه التي يؤول إليها في العصور الأخرى، مصداقا لقوله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) (الاسراء:89).
وقد ساق القرآن بياناته مساق الأمثال مستندا إلى ما يعرفه الإنسان ويعهده في ذهنه من المعاني والصور المادية المحسوسة، وليس الهدف والمقصود من ذلك مرتبطا باللفظ المأخوذ منه الحس و المحسوسات، بل له في ما وراء ذلك حقائق ممثلة(45).
ويرى أنّ ضرب المثل في القرآن الكريم من الأساليب البلاغية الرائعة التي استعملها القرآن، في أكثر من مجال، لإعطاء فكرة حية عن القضايا المعنوية بمقارنتها بالأشياء الحسية، التي تتجسد فيها الصورة في هزة حركية مثيرة للنظر والوجدان والشعور، تماما كوسائل الإيضاح التي تعمق الفكرة في النفس وتقربها إلى الوجدان عبر إبراز عناصرها بالوسائل الحسية، لأنّ تأثير الحس في النفس أشد عمقا وأكثر تأثيرا من الجوانب المعنوية(46).
ومن أمثلة ذلك ما جاء في قوله تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّور)(الرعد: من الآية16).
قال في بيان هذه الآية: «للمثل في القرآن قيمة كبرى في تجسيد المفاهيم العامة السلبية منها والإيجابية، لأنّه يعطي المفهوم صورته الواقعية في حركة الحياة، حيث يمكن للإنسان أن يعيش معناه في الواقع، بدلا من أن يعيشه في الخيال المجرد، وقد صور الله الكافرأعمى، والمؤمن بصيرا، ليتجسد للإنسان إشراق الفكر في إشراق البصر، كما تتجسد ظلمة الكفر في ظلمة البصر، ولكي تمتد الصورة في المقارنة بين الكفر والإيمان، تماما كما هي المقارنة بين الظلمة والنور»(47).

الهوامش
ــــــ
(*)  باحث اكاديمي من العراق.
(1) ينظر على سبيل المثال: السيد محمد حسين فضل الله مفسرا، محمد الحسيني: 27 ـ 28، والعلامة فضل الله وتحدي الممنوع، علي حسن سرور، والسيد محمد حسين فضل الله أمة في رجل، محمد الجزائري، وتفسير من وحي القرآن ـ دراسة في ضوء علم اللغة النصي، مؤيد عبيد صوينت (رسالة ماجستير): 4 ـ 10.
(2) ينظر: شعراء الغري، علي الخاقاني: 8/ 306، والسيد محمد حسين فضل الله أمة في رجل: 70
(3) ينظر: العلامة فضل الله وتحدي الممنوع: 19
(4) ينظر: المصدر نفسه، وشعراء الغري: 8/ 306،
(5) ينظر: اسئلة وردود من القلب - مع العلامة السيد محمد حسين فضل الله، وضاح يوسف الحلو: 11-12.
(6) ينظر المرأة في الفكر الفلسفي الاجتماعي الاسلامي ـ دراسة في فكر محمد حسين فضل الله، سهام حمية: 16.
(7) ينظر: محمد حسين فضل الله امة في رجل:7.
(8) ينظر: المصدر نفسه.
(9) ينظر: تفسير من وحي القرآن ـ دراسة في ضوء علم اللغة النصي:6-7.
(10) ينظر: محمد حسين فضل الله شاعرا، اسماعيل خليل ابو صالح:29.
(11) ينظر: المصدر نفسه: 30.
(12) ينظر: المصدر نفسه.
(13) ينظر: تفسير من وحي القرآن: 1/23
(14) من وحي القرآن وثلاثية الظهور والرواية والعقل، مقابلة مع المفسر، مجلة قضايا اسلامية:19.
(15) التفسير والمفسرون، محمد هادي معرفة: 2/474.
(16) ينظر: تفسير من وحي القرآن: 1/16 و1/19 و1/24 -25 والندوة,سلسلة ندوات الحوار الاسبوعية بدمشق,السيد محمد حسين فضل الله:1/153.
(17) ينظر: السيد محمد حسين فضل الله مفسرا: 31-36 و تفسير من وحي القرآن ـ دراسة في ضوء علم اللغة النصي:11.
(18) ينظر: محمد حسين فضل الله مفسرا: 34-36 و تفسير من وحي القرآن ـ دراسة في ضوء علم اللغة النصي:13-15.
(19) ينظر: نظريات قراءة النص، لمياء ياعشن (بحث): 119 و تفسير من وحي القرآن ـ دراسة في ضوء علم اللغة النصي:93-94.
(20) ينظر: آليات قراءة النص الديني، د. يحيى محمد (بحث): 101.
(21) ينظر: البحث الدلالي عند الرازي، حيدر مصطفى هجر (اطروحة دكتوراه): 14.
(22) تاملات في المنهج البياني للقران، السيد محمد حسين فضل الله (بحث):22,وينظر: تفسير من وحي القرآن ـ دراسة في ضوء علم اللغة النصي:94-101.
(23) من وحي القرآن وثلاثية الظهور والرواية والعقل: 81.
(24) تفسير من وحي القران: 1/ 16.
(25) الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي: 3/67.
(26) بحار الانوار، للمجلسي: 35/403.
(27) المصدر نفسه: 35/404.
(28) ينظر: الميزان في تفسير القرآن:1/21.
(29) تفسير من وحي القرآن: 1/26.
(30) ينظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي: 1/57، وعلوم القرآن، السيد محمد باقر الحكيم: 42.
(31) الميزان في تفسير القرآن: 10/42.
(32) ينظر: تفسير من وحي القرآن: 1/12-13.
(33) ينظر: تفسير ابن كثير: 1/ 21
(34) تفسير من وحي القرآن: 1/88.
(35) ينظر: اسباب النزول، الواحدي: 188.
(36) ينظر: تفسير من وحي القرآن: 13/227.
(37) ينظر: اسباب النزول: 29-30.
(38) ينظر: تفسير من وحي القرآن: 3/ 134.
(39) بحا ر الانوار: 2/347.
(40) ينظر: تفسير من وحي القرآن: 1/ 26.
(41) المحاسن، للبرقي: 1/ 220.
(42) تفسير من وحي القرآن: 1/15-16.
(43) ينظر: اسباب النزول: 88.
(44) ينظر تفسير من وحي القرآن: 6/415.
(45) ينظر: علوم القرآن، الحكيم: 188.
(46) ينظر: تفسير من وحي القرآن: 1/158-159.
(47) المصدر نفسه: 13/39.