الحضارية «دراسات اسلامية»

الثلاثاء: 19/02/2008

 

انقاذ النزعة الانسانية في الدين(2/2)(*)

 

د. عبد الجبار الرفاعي(**)

احياء التجارب الايمانية الشفافة:

تعرضت النزعة الانسانية في الغرب الحديث لمراجعات نقدية جادة ومتواصلة، من قبل الكثير من المفكرين المدافعين عن انسانية الانسان، باعتبار مواقفها حيال الآخر المختلف غالبا ماتتسم بالاهمال والتجاهل، فما تضج به بلادنا من بؤس وشقاء، وانتهاكات شنيعة لكرامة الكائن البشري، واهدار لحقوقه، وبطش بإنسانيته. يرتكبها حكامنا وأجهزتهم القمعية، لايدعو معظم المؤسسات والمنتديات والاحزاب الغربية للتضامن مع جراحاتنا وشقائنا الدائم، بالرغم من تبني هذه المؤسسات لمبادىء حقوق الانسان، ودفاعها الباسل عما يلحق أي مواطن في بلدانهم من أذى.
واثر ذلك وصف بعض المفكرين الغربيين هذا الشكل من الانسانية (بالأنسنة الشكلية الأدبية Humanisme formel et litteraire، وهي الأنسنة التي تكتفي بالتلاعب اللفظي في الصالونات الأدبية المنفصلة عن الحياة اليومية للطبقات الكادحة والمهمشة والمستعبدة، الى الدرجة التي نعرفها في عهد الثورات البروليتارية. ووصل هذا النقد والرفض للأنسنة الشكلانية الى حد الاعلان عن «موت الانسان». لماذا؟ لانهم اعتبروا ان الأنسنة الشكلانية ليست إلاّ مفهوما مجردا أو تجريديا منفصلا عن واقع الوجود)(1). وكان الفيلسوف ميشيل فوكو قد اعلن في الستينيات شعاره الشهير«موت الانسان» بعد تفشي الممارسات الوحشية الشنيعة للاستعمار في البلاد المستعمرة، من استباحة ونهب لثرواتها، وقتل وإبادة لسكانها، وتدمير ثقافاتها، وتمزيقها وتفتيتها جغرافيا، وأثار شعار فوكو عددا غير قليل من الباحثين والدارسين، الذين كتبوا حوله موضوعات متنوعة.
ان البشرية اليوم بأمس الحاجة الى تعزيز النزعة الانسانية، عبر استيعاب الحياة الروحية الخصبة في الدين، وإحياء التجارب الايمانية المتنوعة، تلك التجارب التي تمنح اصحابها رؤيا، يصبح فيها العالم ساطعا، شفيفا، ممتلأً بالمعنى. يتخلق فيه الانسان بأخلاق الله، وتغدو صفات الله مؤشرات وغايات عظمى لمخلوقاته، يجب ان يكدح الجميع للتماهي معها، والانخراط في مدياتها الرحبة. بل يسعى العرفاء والمتصوفة، الذين تطغى في وجدانهم أشواق الروح، للاتحاد بها، ويرى تور آندريه(2)، بأن هذا الاتحاد ليست له علاقة بتحول ميتافيزيقي، انما بتحول ديني أخلاقي، فالاتحاد بالله يعني ان مشيئة الله تصير مشيئة الانسان، وان الانسان يحل في صورة الله، بالمعنى الاخلاقي، أي انه يتقمص، كما يقال، سجايا الله، فمثلا «المحبة» تعني كما يقول الجنيد: (دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب)(3). ويخبرنا الداراني عن ماهية هذه الصفات التي يمنحها الله الى أصفيائه ويمن بها عليهم، فيقول: (جلساء الرحمن يوم القيامة من جعل فيهم خصالا باقية: الكرم، والحلم، والعلم، والحكمة، والرحمة، والرأفة، والفصل، والصفح، والاحسان، والعطف، والبر، واللطف)(4). ومن هنا فإن (معاشرة العارف كمعاشرة الله يحتملك ويحلم عنك تخلقا بأخلاق الله الجميلة)(5). ومعنى هذا ان من تجسد به هذا المثل الأعلى هو الذي نال الاتحاد بالله. وهذا هو في الواقع المحتوى الحقيقي للفناء الذي قارنه البعض من دون حرج وإمعان نظر بالنرفانا البوذية... ان اختفاء الذات لايعني، من حيث المبدأ، بالنسبة للصوفي، شيئا آخر غير الذي يعنيه بالنسبة لبولص حينما قال: (مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ)(6). ويطلق التصوف الاسلامي على الحياة الجديدة مع الله التي ستحل مكان الوجود الذاتي الأناني مصطلح البقاء، وبهذا المعنى يكون (الفناء هو التلاشي بالحق، والبقاء هوالحضور مع الحق)(7).
اما الاسماء الالهية فهي منبع الالهام والتأمل بالنسبة لأصحاب التجارب الروحية المتسامية، وهي تفهم لديهم بمعنى أخلاقي، فمثلا الحق سبحانه وتعالى سمى نفسه «البصير» ليمنع الانسان من الذنب، أو «السميع» لكي لايفتح الانسان فاه بكلام معيب ومنفر، وهكذا بقية الاسماء، فهي تعمل في الانسان بمثابة نماذج للتحذير والتنبيه، فمثلا عندما يريد الانسان ان يجتنب غضب الله، عليه أن يتخلص أولا من غضبه هو، لأن الانسان مدعو الى ان (يُخلّق نفسه بأخلاق الله)(8). ويوضح الحديث المعروف بحديث النوافل، كيف يطوي المخلوق في مدارج السالكين المنازل الى الرحمن، فانه بمجرد ان يتوجه ويسعى للاقتراب منه تعالى، يقبل عليه الرحمن فيجتذبه الى عالم الملكوت. (عندما يقترب عبدي مني بالنوافل أقترب منه، فإذا تقدّم شبرا تقدمت ذراعا، واذا أتى ماشيا أتيت جاريا، ثم أُصبح اليدَ التي بها يُمسك، والعين التي بها يرى، والاذن التي بها يسمع...)(9). وبالتخلص من الخطايا والاخلاق الذميمة (يستطيع الانسان ان يصل الى الفناء في الارادة الالهية، والفناء أساسا مفهوم أخلاقي)(10).
ونجد عدة نصوص تصرح، بأن الله هو «رب العالمين» ولم يسمح ربنا لأي شخص أو جماعة باحتكاره أو تمثيله دون سواها، وهو ليس الها خاصا ببني اسرائيل أو العرب أو العجم، وانما هو إله كل الناس، رحيم بهم جميعا، و(الناس كلهم عيال الله، وأقربكم الى الله أنفعكم لعياله)، كما ورد في حديث من أرسله الرحمن «رحمة للعالمين»(11). وما أرق تعبير النبي الكريم حين يوضح المرامي والاهداف الانسانية لبعثته، فقد قيل له:(يارسول الله، ادع الله تعالى على المشركين. فقال: انما بعثت رحمة، ولم أبعث عذابا)(12). ويحلو للمتألهين ان يرسموا صورة للنبي، يكون فيها (الكيمياء من أجل الانسان)، فيما يصير الناس كالنحاس الردىء، لكن نوره يحوّلهم الى ذهب. ومن طريف كنايات جلال الدين الرومي توصيفه للنبي، بأنه (مطر الرحمة). باعتباره المعشوق الذي يعيد الحياة الى الأرض العطشى للأرواح بحلوله(13).
ويقرن ابن عربي في كتابه«فصوص الحكم» اسم سليمان النبي بالحكمة الرحمانية في عنوان الفص الخاص به، حينما يضع هذا العنوان «فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية»، ويشير الى ان سليمان(أتى بالرحمتين، رحمة الامتنان، ورحمة الوجوب، اللتان هما الرحمن الرحيم، فامتحن بالرحمن وأوجب بالرحيم. وهذا الوجوب من الامتنان، فدخل الرحيم في الرحمن دخول تضمن. فإنه كتب على نفسه الرحمة سبحانه، ليكون ذلك للعبد بما ذكره الحق من الاعمال التي يأتي بها العبد، حقا على الله تعالى أوجبه له على نفسه، يستحق بها هذه الرحمة، أعني رحمة الوجوب)(14).
ويكتب الدكتور أبوالعلا عفيفي تعليقا عند ذكر ابن عربي للاسمين الالهيين «الرحمن الرحيم»في الفص السليماني: على هذين الاسمين الالهيين، الرحمن والرحيم، الوارد ذكرهما في كتاب سليمان الى بلقيس، والوارد أيضا في فاتحة كل سورة من سور القرآن الكريم، بنى ابن عربي فكرة فلسفية من أخصب الأفكار في مذهبه. وليس بين الاسمين من الناحية اللغوية كبير فرق، ولكنهما يستعملان في اصطلاحه الخاص للدلالة على «الحق» باعتبارين مختلفين تمام الاختلاف، فالرحمن هو واهب رحمة الامتنان، والرحيم هو واهب رحمة الوجوب. ورحمة الامتنان هي الرحمة العامة الشاملة لجميع الخلق، وليست إلا منح كل موجود وجوده على النحو الذي هو عليه في غير مقابلة أو عوض. فهي الرحمة التي أشار اليها في قوله: «ورحمتي وسعت كل شيء». هي مرادفة للوجود، أو لمنح الوجود على سبيل المنة، وليس لها أي صلة بمعاني الشفقة أو العطف أو العفو... اما رحمة الوجوب فهي التي أوجبها الحق على نفسه في قوله«كتب ربكم على نفسه الرحمة»...دخل الاسم الرحيم في الاسم الرحمن دخول تضمن كما يقول، وكان الاسم الرحمن هو الواهب الرحمة، أي واهب الوجود اطلاقا، سواء أكان الوجود محض امتنان من الحق للخلق، أو حقا عليه لهم.
ويبدو التخلق بأخلاق الرحمن بنحو أجلى لدى ابن عربي، في موضع آخر عندما يذكر سمة مميزة للربانيين من أهل الكشف، ممن (يسألون رحمة الله ان تقوم بهم حسب تعبيره)، بمعنى ان يتحققوا بصفة الرحمة التي هي من صفات الله، فيصبحوا راحمين لامرحومين، أو يندمجان في الشخص ذاته، ولايكون هناك فرق بين الراحم والمرحوم، فالحق سبحانه اذا رحم شخصا، يعني انه أوجد فيه الرحمة، أو جعل الرحمة تقوم به، بحيث يصبح قادرا على ان يرحم غيره من المخلوقات، وبذلك يصبح المرحوم راحما. أي ان الحق لايوجد الرحمة في المرحوم ليرحمه بها، بل ليكسبه الصفة الالهية التي بها يرحم غيره. وهو في نظر ابن عربي لايتحقق الا للكاملين من العارفين(15).
و ينفرد القرآن الكريم من بين الكتب المقدسة، في ان سوره تبدأ بــ «البسملة». والتي تحتسب آية من كل سورة، حسبما ذهب جماعة من المفسرين والفقهاء، وتشتمل البسملة على صياغة بليغة لبيان مفهوم الرحمة، أوهي تكثيف دلالي لمنطق الرحمة الذي يسود الكتاب.
ويرى بعض المفسرين ان كل بسملة هي آية، لها معنى معين،يخص كل سورة تتصدرها، أي انها آية تختص بتلك السورة، ومعناها يتنوع بتنوع السور، وغرضها لا يخرج عن غرض السورة، وما يتحصل من غاياتها. وبعبارة اخرى ان افتتاح كل سورة بالبسملة يعني ان الرحمة المشبعة بالبسملة حاكمة ومهيمنة على مضمون السورة واغراضها، فان كان المضمون اخلاقيا ينبغي ان يكون متقوما بالرحمة، وهكذا لو كان المضمون عقائديا أو غيره. فتقديم نص كل سورة بما تشتمل عليه البسملة من رحمة، يشي بأن كافة المضامين المسوقة في آيات القرآن تتأطر بمضمون البسملة، وهي بمثابة البوصلة التي تحدد وجهتها، وتصوغ الفضاء الروحي القيمي للسورة وللقرآن بمجموعه.
لقد لاحظت ان كلمة«الرحمة» ومشتقاتها تكررت في القرآن اكثر من 330 مرة، ما خلا ما ورد من تكرار البسملة في السور114مرة، وبناء على القول بأن البسملة آية من كل سورة، وورود «الرحمن الرحيم» في كل بسملة، يفوق عدد مرات ذكر الرحمة ومشتقاتها في القرآن 550 مرة. وهي ظاهرة دلالية تستحق العناية والتدبر. حتى وصف القرآن الكريم النبي محمد بأنه رحمة، وذكر بصراحة ان هذه الرحمة عامة، لاتختص بفرقة أوجماعة، وانما هي شاملة لكل العالمين «وماأرسلناك الا رحمة للعالمين»(16).
ومن أجلى مصاديق التخلق بأخلاق الله هو تدريب النفس على حب الآخرين، وتمني الخير لهم. ويعتبر الحب منبع الهام الحياة الروحية، ومصدر الانجذاب الى الحق تعالى، فان المتألهين في وجد لاينقضي لشهود نور جمال الحق، وشوقهم لاينضب، وظمأهم حارق لا ينطفئ، ولعل فيما ينسب الى أبي يزيد البسطامي اشارة الى ذلك(17):

شربت الحب كأسا بعد كأس   فما  نفد  الشراب وما رويت

وعبر ابو يزيد عن اشواقه وعواطفه حيال الناس بما تمناه لهم في اليوم الآخر، اذ يقول: (وددت ان قامت القيامة حتى انصب خيمتي على باب جهنم، فسأله رجل: ولم ذاك يا ابا يزيد؟ فقال اني اعلم ان جهنم اذا رأتني تخمد، فأكون رحمة للخلق)(18).
وقد فسرت رابعة العدوية عدم كراهيتها لأي شيء باعتبار حبها لله شغلها وملأ وجدانها، حتى أضحى صبغة لها، فنزهها من كراهية احط مخلوق، وهو الشيطان، فقالت:(ان حبي لله قد منعني من الاشتغال بكراهية الشيطان)(19).
والحب كالرحمة عند ابن عربي، فكما يصير المرحوم راحما، كذلك لابد ان يتعالى ويتسامى المحب الى محبوبه لا ان يهبط ويتسافل، اذ يقول: (فالمحب الصادق من انتقل الى صفة المحبوب، لا من انزل المحبوب الى صفته)(20).
وبذلك يمكن ان يطهر حب الله الذين يسكرون به من أية روح عدوانية، ويجعلهم يفيضون رأفة وعطفا على جميع الكائنات، لانهم يتشبهون بصفات من يحبونه تعالى، وهو «أرحم الراحمين»، وربما غامروا براحتهم وتحملوا الكثير من المشاق والمتاعب من أجل سعادة الآخرين، وكأنهم يجسدون ماقاله القديس اوغسطين في بيانه لحقيقة السعادة: (السعادة هي ان نسعد الآخرين).
ويتعاظم احساس جلال الدين الرومي بالحب والعشق، فيصبح لديه القوة المحركة للحياة الروحية، وهو الكيمياء السحرية التي تتحول بواسطتها مادة العناصر الخسيسة الى مادة نفيسة ثمينة، ينشد الرومي في المثنوي:
بالمحبة تصير الأشياء المرة حلوة.
وبالمحبة تصير الأشياء النحاسية ذهبية الصفات.
وبالمحبة تصير الأشياء العكرة صافية.
وبالمحبة تصير الآلام شفاء.
بالمحبة يحيا الميت.
ويستعيد مولانا الرومي الروح الانسانية الشفافة لرابعة العدوية، ولكن بأحاسيس أبعد مدى، عندما ينظر الى الشيطان بمشاعر عاشق، فيقول:
لو صار الشيطان عاشقا لاختطف كُرة السبق،
ولصار مثل جبريل وماتت فيه تلك الصفات الشيطانية(21).
ويرى المتألهون ان الله والانسان يتبادلان الحب (يحبهم ويحبونه) المائدة، 54. وان كان حب الله يسبق حب الانسان.
ولو راجعنا النصوص التأسيسية للأديان نراها تتفق جميعا بتوجيه اتباعها نحو حب الخير للغير، مثلما يحبه المرء لنفسه، وفيما يلي نماذج لتعاليم أبرز الأديان في العالم حيال الآخر:
ـ «هذا مجمل الواجبات: لا تعامل الغير بما إذا عوملت به آلمك» (البراهمانية، مهبهراتا، 5: 1517).
ـ «لا تؤذ الغير بسلوك تجده أنت بنفسك مؤذياً لو سلك معك». (البوذية، أوداناـ فارقا، 5: 18).
ـ «هذا حقاً مثل المحبة اللطيفة: لا تعامل الغير بما لا تريد ان يعاملوك به». (الكونفوشوسية، ديوان، 15: 23).
ـ «الشيء الذي تبغضه، لا تعامل به صحبك، هذا مجمل الناموس، وكل ما تبقى شروح» (اليهودية، التلمود، شباط: 31أ).
ـ «سمعتُم أنّه قيل تُحبُ قريبك وتبغض عدوَّك. وأمّا أنا فأقول لكم أَحبّوا أعداءكَم باركوا لاعنيكم. أحسنوا الى مُبغضيكم. وصلّوا لأجل الذين يُسيئون اليكم ويطردونكم. (انجيل متي، 5: 43).
ـ«فكل ما تريدون ان يفعل الناس بكم، افعلوا هكذا انتم أيضاً بهم، لأن هذا هو الناموس والأنبياء» (المسيحية، إنجيل متى، 7: 12).
[وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] (الاسلام، القرآن، فصلت:34 ـ 35).
ـ «لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». (الإسلام، حديث نبوي شهير)(22).
ان السبيل للتخلق بأخلاق الرحمن انما يتحقق عبرانقاذ النزعة الانسانية في الدين، و اضاءة ابعاده الاخلاقية والمعنوية والرمزية والجمالية، وتطهير التدين من كافة اشكال الكراهية والاكراهات.
ولا ريب في ان ذلك لا يعني اختزال الانسان في مجموعة مفاهيم وقيم مثالية، تتعالى على بشريته، وتصيره كائنا سماويا مجردا، منسلخا عن عالمه الارضي، مثلما تريد بعض الاتجاهات الصوفية والدعوات الرهبانية، بل يعني انقاذ النزعة الانسانية ايجاد حالة من التوازن والانسجام بين متطلبات جسده من حيث هو كائن بشري، وامكانية غرس وتنمية روح التصالح مع العالم، والتناغم مع ايقاع الكون، وتكريس حالة الانتماء للوجود، والتعاطف مع كافة الكائنات الحية والشفقة عليها، وتعزيز اخلاقية المحبة، وتدريب المشاعر والاحاسيس والعواطف على القيم النبيلة، والسعي لاكتشاف روافد ومنابع الهام الطاقة الحيوية الايجابية في هذا العالم، والتواصل العضوي معها. وهذا يعني استيحاء صفات الرحمة والمحبة والسلام ونحوها من الرحمن، وليس صفات الموت والانتقام ونحوها من الله تعالى.

الهوامش
ــــــ

(*) مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 36، 2008.

(**) رئيس تحرير مجلة قضايا إسلامية معاصرة، رئيس مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.
(1) ابو نعيم الاصفهاني. حلية الأولياء. القاهرة: 1351هـ، ج9: ص266.
المصدر السابق. ج9: ص376.
(2) الانجيل، رسالة بولس الى أهل غلاطية، الاصحاح الثاني: 20.
(3) شهاب الدين السهروردي. مصدر سابق. ج4: ص381.
(4) ابو نعيم الاصفهاني. حلية الأولياء. القاهرة: 1351هـ، ج9: ص266.
(5) المصدر السابق. ج9: ص376.
(6) الانجيل، رسالة بولس الى أهل غلاطية، الاصحاح الثاني: 20.
(7) شهاب الدين السهروردي. مصدر سابق. ج4: ص381.
(8) أنّيماري شيمل. الشمس المنتصرة: دراسة آثار الشاعر الاسلامي الكبير جلال الدين الرومي. ترجمة: د. عيسى علي العاكوب. طهران: وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي، 1421هـ، ص397 ـ 398.
(9) المصدر نفسه. ص436.
(10) المصدر نفسه. ص436
(11) د.محمد الطالبي. مصدر سابق. ص59 ـ 60، 154.
(12) ابوالقاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري. الرسالة القشيرية. تحقيق: د. عبدالحليم محمود، ود. محمود بن الشريف. القاهرة: دار الشعب، ص359 (هذا الحديث أخرجه البخاري في التاريخ عن ابي هريرة، ورمز له السيوطي بالحسن).
(13) انّيماري شيمل. مصدر سابق. ص152، 472.
(14) الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي. فصوص الحكم. تعليق: أبو العلا عفيفي. طهران: الزهراء، 1987، ج1: ص151.
(15) المصدر نفسه. ج2: ص205 ـ 206، 250 ـ 254.
(16) د. عبدالجبار الرفاعي. مصدر سابق. ص103 ـ 104.
(17) أبوالقاسم عبدالكريم بن هوازن القشيري. مصدر سابق، ص146.
(18) هادي العلوي.مدارات صوفية. دمشق: دار المدى، 1997، ص 239.
(19) تور أندريه. مصدر سابق، ص179.
(20) ابن عربي. الفتوحات المكية. نشر: عثمان يحيى. القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، ج4: ص104.
(21) انّيماري شيمل. مصدر سابق. ص 545ـ546.
(22) د. محمد الطالبي. مصدر سابق. ص187.