|
الاثنين:
18/02/2008
انقاذ النزعة الانسانية في الدين(2/1)(*)
د. عبد الجبار الرفاعي(**)
ظل نصيب التأليف في الاخلاق هو الأقل
مقارنة بغيره من المعارف والفنون في تراثنا المدون بالعربية، فحين نراجع
«الفهرست» لابن النديم وماتلاه من فهرستات ومراجع ببليوغرافية، اهتمت
باستقراء وتصنيف الكتب، نجد التفسير وعلوم القرآن والحديث والشريعة
واللغة العربية وآدابها وعلم الكلام والفلسفة والمنطق وغيرها، احتلت حيزا
واسعا من عناوين المؤلفات المذكورة في تلك المراجع، بينما لانعثر على
مدونات مستقلة تعالج البحث النظري في الاخلاق او الفلسفة الاخلاقية في
الفترة المبكرة من عصر التدوين. وان انبثقت مفاهيم كلامية تتصل بالاخلاق
في فضاء التفكير الكلامي، وترتبط بالتأمل في نصوص الكتاب والسنة، وتنامي
الجدل بين الفرق والمذاهب المتنوعة. ثم بدأت تتسرب بالتدريج الآراء
الأخلاقية اليونانية والرواقية والاسكندرانية الى المسلمين، منذ ان
تعرفوا على تراث اثينا والاسكندرية من خلال الترجمة. وأفضت تأثيرات هذه
الآراء فيما بعد الى ان يؤلف المؤرخ والفيلسوف المعروف مسكويه في القرن
الخامس الهجري كتابه «تهذيب الاخلاق» الذي دشن أرضية تأسيس علم جديد
بموازاة العلوم والمعارف الاخرى في المجال الاسلامي. فقد رفع مسكويه
الاخلاق أو البحث فيها الى مرتبة العلم الكامل (وفرض بذلك في المجال
الاسلامي اختصاصا فكريا موازيا لذلك الاختصاص الذي فرضه أرسطو في اليونان
الكلاسيكية، عندما كتب «رسالة في الاخلاق الى نيكاماخوس». والواقع ان
كتاب «التهذيب» يستعيد جوهر نظرية أرسطو)(1).وجرى استدعاء المواضيع
الأساسية لكتاب مسكويه في آثار لاحقة، بعد ان تم (دمج الجانب الفلسفي
بالجانب الديني والصوفي)(2)، وخلعت عليها صبغة اسلامية في «ميزان العمل»
للغزالي، و«أدب الدنيا والدين» للماوردي، و«الاخلاق والسير» لابن حزم.
اما المحاولات الحديثة والمعاصرة في هذا الاتجاه، فلما تزل محدودة وضئيلة
مقارنة بالمتطلبات الاخلاقية الملحة لمجتمعاتنا، التي تجتاحها أعاصير
وموجات تقوض بناها التقليدية وتسوقها نحو فوضى شاملة ومصائر مجهولة.
ولعل أبرز هذه المحاولات هي رسالة قدمها محمد عبد الله دراز لجامعة
السوربون بباريس سنة 1947 بعنوان Lamorala du koran «اخلاق القرآن » لنيل
شهادة الدكتوراه، وترجمت الى العربية باسم«دستور الاخلاق في القرآن». وقد
تحكمت في رؤيته لـ «أخلاق القرآن» قضايا مرجعيتها الاخلاق الكانتية،
والتي محورها: فكرة«الواجب» أو «الالزام الاخلاقي» أو «القانون الاخلاقي».
وبذلك لاتغدو هذه الرسالة سوى مسعى لمعيار القضايا الاخلاقية/ الحقوقية
المعاصرة للمؤلف في ضوء القرآن، وليست مسعى لصياغة «اخلاق القرآن»(3).
وفي سنة 2000 أصدر الدكتور طه عبد الرحمن «سؤال الأخلاق». وهو كما يتحدث
عنوانه الشارح«مساهمة في النقد الاخلاقي للحداثة الغربية». وبالرغم من
استعانة المؤلف بمعطيات الفكر الغربي وتوظيفه لأدواته المنهاجية، مثلما
يفعل في جميع اعماله، غير انه يتسلح برؤية ايديولوجية سلفية متحيزة،
تستعير خطاب تيارات مابعد الحداثة المناهضة للعقلانية والتنوير، وتحرص
على اصطناع صورة ممسوخة مجتزأة زائفة للحداثة،وتحاول تنزيه الذات، وتبجيل
الماضي بتمامه، ورؤية التراث من منظور رومانسي حالم، واعتبار كل شئ فيه
جميلا منزها، ومضيئا ساطعا.
الانسان كائن متدين:
الدين ظاهرة واكبت تاريخ البشرية منذ وجودها على سطح الارض، والانسان
كائن متدين، وان تباينت تعبيراته عن تدينه، واختلفت تجليات ومظاهر الدين
في حياته. ومع ان طائفة من الفلاسفة والمفكرين تنبأوا بانحسار تأثير
الدين كعامل محرك للحياة، وربما زواله نهائيا بعد دخول الانسان عصر العلم،
واكتشافه للكثير من قوانين الطبيعة، وتفسيره لما كان يحسبه أسرارا
وألغازا تستعصي على العقل، الا اننا نشاهد عودة للمقدس، اوإنتقاما لله
لنفسه، وانبعاثا للعامل الديني، في المجتمعات الصناعية التي دخلت عصر
العلم منذ فترة طويلة . كذلك لم يتراجع تأثير الدين في مجتمعاتنا، بل
انطلق عاصفا ليجتاح كافة مجالات الحياة التي لبث شيء منها مدة طويلة
بمنأى عنه. وحتى اولئك الذين يعلنون رفضهم واقلاعهم من كل فكرة أوشعور
ديني، لايستطيعون الافلات التام من ترسبات الدين الغاطسة في لاوعيهم،
والموروثة من سلالاتهم العريقة والاجيال المنحدرين منها. يكتب مرسيا
الياد: (الانسان غير الديني ينحدر من سلالة الانسان الديني، وهو صنيعته
ايضا، اراد ذلك أم لم يرد، وقد تكوّن انطلاقا من أوضاع اتخذها اسلافه...
ان الانسان الدنيوي، أراد ذلك أم لم يرد، لم يزل يحتفظ بآثار من سلوك
الانسان الديني، لكنها خالية من المعاني الدينية. مهما فعل فهو وارث،
لايستطيع ان يلغي ماضيه نهائيا مادام هو نفسه نتاجا لهذا الماضي...
الغالبية العظمى من الذين لادين لهم ليسوا متحررين تماما من المسلك
الديني، من اللاهوت والميثولوجيا، فهم احيانا مثقلون بكل«لخبطة» سحرية ـ
دينية، لكنها منحطة الى درجة الكاريكاتور، ولهذا كان من الصعب التعرف
عليها)(4).
ان حياة مفرغة من أية مشاعر دينية، أو مستغنية بشكل تام عن المتطلبات
المعنوية للانسان، ولاتصبو للمتعالي، ولاتتوق للامتناهي، ولاتسعى لقول ما
لايمكن قوله، او التعبير عن ما لايمكن التعبير عنه، أو تصور ما لايمكن
تصوره، ان مثل هذه الحياة لاتتسع لها ارضنا، ذلك انه حتى في أحرص
المجتمعات على العلمنة، واشدها اصرارا على نبذ الرموز الدينية، يمكن لرجل
اعمال مثلا أو سياسي ان يقبل بإخلاص قواعد الحياة العائلية التي يشرعنها
الدين، بينما يسير اعماله في الوقت نفسه في الدائرة العمومية من دون
الرجوع لأية قيم دينية مهما كانت، بل ان انتشار العلمنة وشيوعها في
الحياة اليومية، لم يمنع من حضور رموز دينية مرتبطة بمؤسسات الدولة
والاسرة، فمثلا حيث يقبل جميع الناس ان لايتخطى الدين ابواب الكنيسة،
يمكن ان يقبلوا وبالطريقة نفسها ان لاتخاض حرب ولايُقدم على زواج دون
اللجوء الى الرموز الدينية التقليدية(5).
ان حاجة الانسان الى الدين تنبثق من اعماقه، وحتى لو اجتاحت بعض
المجتمعات جائحة تناهض الدين وما يتصل به، فانها سرعان ما تضمحل وتعاود
الظواهر الدينية حضورها الأبدي من جديد، وربما بفاعلية وضراوة. ففي القرن
التاسع عشر تحدث فويرباخ، وماركس، ونيتشه، ...وغيرهم، عن غياب الاله، أو
«موت الله» حسب تعبير نيتشه، غير ان الله انتقم لنفسه، فعاد الايمان به
يتسع بمرور الايام، وتحقق ماقاله اندريه مالرو:(ان القرن الحادي والعشرين
سوف يكون روحيا أودينيا، أو انه لن يكون)(6). صحيح انه قد مات نمط التصور
القروسطي للإله، وتشكلت صورة بديلة عنه. اما الله تعالى فإنه حي لايموت،
وهو ظاهر ماغاب قط، وان كانت أنحاء تصورات الانسان عنه تموت وتغيب، لتحل
بدلا عنها تصورات اخرى.
ومادامت حياة الانسان تفضي الى الموت، والانسان كائن يتوق للخلود وينشد
الى الابدية بطبيعته، فلا يمكن ان يصل الى اليوم الذي يستغني فيه عن
الدين، ذلك (ان كل مجتمع بشري يمثل في نهاية التحليل جمعية أُناس
يتحالفون معا تجاه الموت، وتكون قوة الدين رهينة لمصداقية الرايات التي
يضعها بين أيدي البشر عندما يواجهون الموت، أو على الأصح بينما يتسابقون
نحوه)(7).
الدين هو المشروع البشري الذي يخلق كونا مقدسا، وان يضع الانسان نفسه في
موضعها الصحيح بالنسبة الى العالم المقدس معناه حمايتها من تهديدات
الفوضى الكابوسية، وان الخروج من ذلك الموضع يعنى الانزلاق نحو حافة
الهاوية. ويذهب بيرجر الى (ان الدين أدى دورا فريدا في مشروع بناء عالم
بشري. الدين هو الذي يسمح بفرض دلالاته الخاصة على الواقع بأكثر نجاعة،
وعلى الوجه الاكمل. والدين يقتضي ان يسقط النظام البشري على مجموع الكون.
وبعبارة اخرى، فالدين هو أجرأ محاولة في تصور الكون كله ذات دلالة بشرية)(8).
ومعنى ان يعيش الفرد في كنف دين خاص هو افتراض ان يعيش في سياق اجتماعي
خاص، يمكن لهذا العالم الديني داخله ان يضمن مصداقيته، وحيث يكون ناموس
الحياة الفكرية متماشيا في كثير أو قليل مع هذا العالم الديني يمثل
الانفصال عن هذا العالم تهديدا باللاناموس(9).
ان مايجتاح الحياة البشرية من جراحات ورضوض، وما يستبد بها من قلق، وكل
ما ينتجه هذا القلق من كوابيس وتوترات واضطراب، ليس بوسع الانسان الخلاص
منه بالوفرة المادية والرفاه وارتفاع المستوى المعاشي، لان كل ذلك لاينتج
طمأنينة انطولوجية، وأملا مفعما بالغبطة، وسكينة، واحلاما متسامية،
وانسجاما مع الكون والعالم الذي يعيش فيه البشر. بيد ان الدين، وبما
يخلعه على العالم من نظام رمزي، يصيره شفافا جميلا، يتساكن معه الانسان.
اذ ان النظام الرمزي يمنح القيمة لمختلف المعاني التي تنطوي عليها
التجليات المقدسة. وعندئذ يتبدى العالم مشبعا بالمعنى. وتعزز رمزية
العالم من قيمته، عبر تراكم دلالات اضافية، من دون ان تنال من قيمته
الخاصة. وهكذا تكشف كل فعاليات الانسان ونشاطاته عن معنى، ولاتعود كثيفة
ومرهقة، فيما تبدو الاعمال الفيزيولوجية المجردة عن النظام الرمزي للعالم،
عارية عن المضمون الروحي، وتغدو كثيفة ومرهقة، وربما ليست ذات جدوى(10).
واذا كان (اصل الدين هو الشعور بالتبعية)(11) حسب شلاير ماخر، فان الدين
يحررنا من الاغتراب الكوني، باعتباره نافذة نحو المتعالي، ووصال دائمي
معه، وبالتالي إرتباط بوشيجة عضوية انطولوجية بالعالم.
تدين ضد الدين:
في اللحظات التي أكتب فيها هذه الأسطر هاتفني ولدي محمد حسين الذي يدرس
تكنولوجيا المعلومات في الجامعة المستنصرية ببغداد، فأخبرني بأن سيارتين
مفخختين انفجرتا عند بوابة جامعتهم ظهر هذا اليوم_ لحظة دخوله_ فغرق
وزملاؤه في حالة فزع وذهول مفجعة، بعد ان تناثرت اشلاء رفاقهم عند
البوابة، وفاضت ارواحهم الزكية، لترسم دماؤهم على احجار الممرات المؤدية
الى الفناء الداخلي لمباني الجامعة صورة أبدية، تكشف ما يتعمد التستر
عليه ذلك النموذج اللانساني للتدين. لقد حفرت أشلاء اولئك الفتية احتجاجا
مدويا، يخاطب الأجيال الآتية في بلدنا الذبيح، فهؤلاء الفتية يكتبون
التاريخ بدمائهم، ويصرخون بشهادة تجسد عويلا لايصمت، يفضح ذلك النمط من
التدين الفاشي الهمجي الذي خدع آلاف الناشئة وأغواهم بوعود خلاصية وفردوس
خلاب، ثمنه تفجير أنفسهم وقتل الآخرين بأساليب بشعة، وحرق كل شيء لايكون
نسخة مكررة عنهم.
وحسبما اوردته تقارير صحفية قبل أيام، فقد تجاوز عدد السيارات المفخخة
التي فجرها انتحاريون في العراق منذ سقوط صدام سبعة آلاف سيارة، مما يعني
ان آلاف الانتحاريين جرى اعدادهم وتصنيعهم من خلال غسيل أدمغتهم،
وتعبئتهم بمفاهيم دينية زائفة، مسخت الروح التطهرية التنزيهية الرقيقة
للدين، فاستحال التدين الى اعصار عاصف يجتاح الحياة، ويحطم كافة المكاسب
التمدينية والحضارية والمعرفية للبشرية. انه سادية وجدانية ومعرفية،
تتلذذ بقتل الضحية واستباحته.
ان تاريخنا ليس منزها وبريئا، وانما هو، كما يقول الدكتور محمد الطالبي
(كالتاريخ الانساني عموما، مليء بالانزلاقات والخروج عن الروح القرآني،
وهو خروج قد يصل أحيانا الى أبشع ما تكون عليه الانحرافات: حروب، وإراقة
دماء، وظلم بكل أنواعه، وتعذيب، ورد السيئة لا بالحسنة بل بأسوأ وأشنع
منها... ان العنف ونتائج العنف كلها غير مفيدة للانسان، لأنها مراهنات
غير رابحة، ولهذا عادة ما يخرج المؤرخ من دراساته التاريخية منكرا للعنف،
لأنه إجهاض للحضارة الانسانية. ان العنف هو الذي قتل الحضارة الاسلامية)(12).
ولاريب ان التعصب والعدوانية والاستغلال ظواهر متفشية في الاجتماع البشري
عبر التاريخ، كما ان عنف الانسان ضد أخيه الانسان ليس طارئا في الحياة،
بل هو سلوك بيولوجي، وسياسي، واجتماعي، وديني، وثقافي مترسخ في دنيا
الانسان. وان رسالة الأديان ومقاصدها الكلية تتلخص في إشاعة السلم
والتراحم والمحبة بين الناس، والسعي لتجفيف منابع العنف والعدوانية
والتعصب، كما سنشير الى ذلك لاحقا، ولكن طالما تم طمس تلك الرسالة ونقضها،
بنشوء جماعات وفرق لاتقتصر على إعلان انتمائها للدين، وانما تصر على
احتكار تمثيله، وتحرص على مخاصمة أية جماعة غيرها تقدم فهما مختلفا للدين.
وتهتم تلك الجماعات بتطوير أساليبها الدعوية باستمرار، وتسعى للهيمنة على
الدين والدنيا، وتكريس الانغلاق على الذات، ومطاردة أية محاولة تهدف الى
نقدها، وإهدار دم الاشخاص الذين يصوبون مفاهيمها، ويفضحون انتهاكاتها
لانسانية الانسان، وتزييفها لأهداف الدين، وإهدارها للقيم الروحية.
وعادة ماتصدر هذه الجماعات عن قراءة حرفية مغلقة للنصوص المقدسة، لاتكاد
تتجاوز المدلول اللغوي الساذج، وتشيع تفسيرا قمعيا للنصوص، تقبع خلفياته
وقبلياته النفسية والثقافية في الصحراء والمحيط البدوي المغلق على العالم،
كما وتحارب بلا هوادة كافة القراءات التي تتخطى المعنى السطحي، وتغور في
الأعماق، مستلهمة المضامين الروحية الغنية في النص، ومستوحية رؤيته
الرمزية، مثلما فعل المتصوفة والعرفاء والفلاسفة الاشراقيون، وغيرهم.
مضافا الى تنكر هذه الجماعات للاسلام الحضاري، وتعبيراته التمدينية،
والثقافية، والروحية، والجمالية، واعتبارها هرطقة، وبدعة، وزيغ وضلال.
اما الاسلام المستقيم الصحيح في نظرهم، فيختزل في اسلام العصر التدشيني،
أي اسلام جيل الصحابة خاصة، بينما تخضع المعطيات المتنوعة للاسلام في
المراحل اللاحقة، لاستراتيجية صناعة النسيان ومحو الذاكرة، وكأنها لم تعد
موجودة.
كما ان الفنون الجميلة، من رسم ونحت وموسيقى وغيرها، جميعها محرمة،
وتعاطيها محضور بأي شكل كان، ولابد من ان ينطفىء الحس الجمالي، ويتبلد
الذوق الفني، ويشمل ذلك ايضا الجسد وتعبيراته الجمالية، ولغته والفضاءات
الحافة به. ويشطب على الميراث الثقافي الهائل الخاص بالسماع والالحان
والترانيم والمواجيد.
والعلامة الفارقة لخطابات هذه الجماعات، هو تشديدها على ضرورة تبني آراء
السلف ومواقفهم بتمامها، وهروبها دائما الى الماضي، وارتيابها من كل ما
من شأنه ان يطل على المستقبل، أو يتعاطى مع الواقع بعقلانية نقدية
مستنيرة. وسعيها المتواصل لتبجيل الذات، وعدم الكف عن امتداحها، واصطناع
صورة رومانسية مثالية لها، تعلي من شأنها، وتدافع عن اخطائها، ونكساتها،
وتتجاهل مايحفل به تاريخها من ثغرات، واستبداد، ومظالم، ومايسود حاضرها
من تخلف وجهل وأمية وفقر ... فيما تصطنع صورة للآخر ليست بريئة، يصبح
فيها كل ما يمت اليه من معارف ورؤى ومفاهيم وقيم... رجسا مدنسا، تجب
مناهضته، واعداد التدابير الوقائية اللازمة لاغلاق مساربه وقنواته في
مجتمعاتنا. وتتفنن هذه الجماعات في تجييش المهمشين والمحرومين، وتتخذهم
مادة لبناء ثقافة خاصة بالانتحار وتمجيد الموت، يكون احد روافدها صورة
الآخر المشوهة التي تصير منبعا لكراهيته والغضب المتقد عليه.
لقد اتسع نفوذ هذه الجماعات في عصرنا، وحاولت الافادة من تكنولوجيا
المعلومات، وتوظيف التقنيات الراهنة في الاتصالات، لنشر افكارها، فتغلغلت
مقولاتها في مختلف المناطق، واستقطبت عددا ليس بالقليل من الشباب
والفتيان، وحرصت على صياغة وعيهم في ضوء توجهاتها. واخشى ان يلبث الدين
لسنوات عديدة مختطفا من قبل تلك الجماعات.
انقاذ النزعة الانسانية في الدين:
ماالسبيل الى تحرير الدين من الفهم المتوحش، الذي يمسخه فيحيله الى منبع
للعدوان والتعصب والكراهية؟
لعل السبيل الأمثل لبيان هشاشة هذا النوع من الفهم يكمن في السعي الحثيث
للكشف عن النزعة الانسانية العميقة في الدين، واضاءة الحقول المنسية في
النصوص المقدسة، والتنبيه الى الجهل، أو التجاهل، والاصرار على تغييب
مساحة واسعة من تلك النصوص، تغتني بالجوانب التنزيهية السامية، التي
تصطفي الانسان، وترفع مكانته، وتعتبره أكرم موجود خلقه الله في العالم،
بل خلق كل شيء مسخرا من أجله، وجعل حياته أغلى رأسمال في الوجود، فهي
مناط الخلافة، وموطن المسؤولية والأمانة الالهية.
وقد أنكر بعض المفكرين والباحثين والدارسين وجود نزعة انسانية في الدين،
بالاعتماد على ما ورد في النصوص، من الأمر بالقتال، والحث على العنف، أو
بالعودة الى التمثل السلبي للدين في الاجتماع البشري، واستثماره في
الصراعات الدموية والحروب المقدسة في التاريخ، والاستعانة به للتحريض على
الموت، وتعبئة اتباعه في معارك تنتهك كافة الحرمات، وتحيل كل شيء الى
رماد.
ويؤكد طائفة من المفكرين على ان النزعة الانسانية عادة ما تنبثق في
سياقات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية محددة، تشكل اطارا اجتماعيا
معرفيا مناسبا لتبلورها، ولم يتشكل هذا الاطار الا في القرن الثامن عشر
في اوروبا، بعد القطيعة الكاملة مع لاهوت القرون الوسطى، فهم يعتقدون
بعدم امكانية انبثاق نزعة انسانية تتمحور حول مركزية الهية، وانما لاتولد
هذه النزعة الا بعد التمحور حول الانسان، واحلاله في مركز الإله، وهو ما
لم يحدث في الماضي، وانما حصل في العصر الحديث.
لكن جماعة من المفكرين برهنوا على تجذر النزعة الانسانية في الدين
الاسلامي، امثال: جورج مقدسي(13)، ومحمد اركون(14)، وجويل كريمر(15)، كما
دلل جاك ماريتان على أولوية العامل الروحي، وشدد على رسوخ النزعة
الانسانية في المسيحية(16).
ومما لاشك فيه ان الاجتماع الانساني طالما تعرض للانتهاك بذرائع دينية
مختلفة، والكثير من الجنايات والمظالم والاغتصابات ارتكبت في التاريخ
باسم الذود عن الدين، والدفاع عن «شعب الله المختار». ومازالت القراءة
الفاشية للنصوص تنتج أعدادا لاحصر لها من الانتحاريين، الذين يفجرون
أنفسهم، لقتل المصلين في المساجد والكنائس وبيوت العبادة، بغية الفوز
برضوان الله ودخول الجنة!
غير ان مراجعة نقدية للتاريخ، وقراءة تحليلية للنصوص، وتقويم للموروث من
منظور مختلف، يمكن ان تفتح لنا نافذة على البؤر المضيئة والثراء والتنوع
في النصوص، ويمكننا في ضوء هذا النمط من التعاطي مع النص والتراث ادراك
ماهو تاريخي، يعبر عن حالة معينة، ولحظة زمانية محددة، وواقع مضى، وظرف
خاص، لايمكن تعميمه لكافة الوقائع والاحوال والازمان. والتعرف على
المنطلقات الأساسية، والأهداف العامة، والمقاصد الكلية، وهي ما تفصح عن
الروح الانسانية فيها، ومايشي بالوجه المطموس للدين، الذي غيبه ركام
الموروث، مضافا الى مادة وفيرة من تفسيرات متوحشة للنصوص، تحكي عن
اسقاطات لايديولوجيا اقصائية ومعتقدات قمعية. وفي كل مرة يستغل السلطان
المستبد هذا النمط من التفسيرات لتكريس نفوذه، وبسط هيمنته على حياة
الناس، ويوظفها بأساليب بشعة لمراقبة الضمائر وتفتيش العقائد. اذ ان
اولئك المستبدين يعلمون بأن احياء النزعة الانسانية في الدين يسارع في
تقويض عروشهم، ويفضح المشروعيات الزائفة التي يسوغون بها طغيانهم. وهذا
يعني انه متى تغيب الحرية تذبل النزعة الانسانية، ومتى تعم الديمقراطية
وتسود قيم التعددية وحق الاختلاف، تزدهر النزعة الانسانية، وتسود قيمها
واخلاقياتها ومفهوماتها التمدينية في المجتمع.
ولاريب في ان اللاهوت التقليدي لايسمح بانبعاث النزعة الانسانية في الدين،
ذلك ان مثل هذا اللاهوت يصدر عن رؤية احادية وذهنية مغلقة، لاتسمح
باستيعاب القيم الانسانية المنفتحة.
من هنا ينبغي تجاوز اللاهوت الكلاسيكي، وبناء لاهوت عقلاني مستنير، لو
أردنا ان نجني ثمرات النزعة الانسانية في الدين، وحاولنا الخلاص من
التفسيرات المتعسفة القمعية للنصوص. وتحديث اللاهوت يتطلب تساؤلات جديدة،
تفضي الى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات
الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب، والسعي لترسيخ صورة
للإله، تستلهم مايتحلى به من صفاته الجمالية، واسمائه الحسنى (الرحمن،
الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، العزيز، البارىء، المصور، الغفار،
الوهاب، الرزاق، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الحفيظ،
الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، الحق، المحيي، البر، التواب،
العفو، الغفور، الرؤوف، مالك الملك، الغني، النور، الهادي، الرشيد،
الصبور...الخ) وبالتالي انقاذ الحقول التطهرية والجمالية والرمزية
للدين(17).
ان مراجعة عاجلة لنموذج من الادبيات السلفية، سترينا بوضوح كيف ان هذه
الادبيات بقدر ما تتحدث عن مناهضة الآخر، وانحصار اسلوب التعاطي معه
بالقتل والابادة، فانها تتكتم على مساحة شاسعة في النص، تتحدث عن الرأفة
والرفق والعفو والعدالة والرحمة وغيرها، حتى يخيل لمن يستمع الى منابر
هذه الجماعات، او يقرأ بياناتها، انها تتحدث عن دين خاص تنحته، وتعيد
تشكيله في اطار وعيها، وخلفياتها ومسبقاتها وقبلياتها ومفروضاتها الذهنية،
ولا علاقة لـه بالنص المؤسس. انه دين مشبع بالاكراهات، ينفي الروح
التنزيهية للدين، ويمسخ ما يختزنه من معان سامية، ويفرغه من محتواه
الانساني، ويحيله الى مجموعة من المقولات والشعارات المغلقة،التي تستنزف
الطاقة الحيوية الابداعية لرسالة الدين، وتفقره، وتمسخه، وتستبدله
بمفهومات وافكار مقطوعة الجذور عن روح الدين وجوهره، وتصيره عبئا ينوء
الناس بحمله، ويعطل دينامية التطور في الاجتماع البشري، ويستدعي القيم
الرديئة للبداوة، فيبعثها من جديد، ويتبناها، ويدافع عنها، ويسقط عليها
قناعا اسلاميا، بوصفها تمثل الهوية والخصوصية والاصالة، فيما هي ليست الا
تمثلات وتعبيرات وتقاليد، لبيئة محلية صحراوية قاسية غليظة، رفضها القرآن،
ونعتها بتسميات قدحية، وجعلها النقيض لروح الدين ومقاصده الأخلاقية،
وأهدافه الانسانية(18).
الهوامش
ــــــ
(*) مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 36، 2008.
(**) رئيس تحرير مجلة قضايا إسلامية معاصرة، رئيس مركز دراسات فلسفة
الدين، بغداد.
(1) د. محمد اركون. من فيصل التفرقة الى فصل المقال... اين هو الفكر
الاسلامي المعاصر . ترجمة وتعليق:د. هاشم صالح. بيروت: دار الساقي، ط2،
1995، ص182.
(2)د.ماجد فخري. الفكر الاخلاقي العربي. نصوص اختارها وقدم لها. بيروت:
العلمية للنشر والتوزيع، 1978، ج1: ص12-13.
(3)د. محمد عابد الجابري. العقل الاخلاقي العربي. بيروت: مركزدراسات
الوحدة العربية، ط1، 2001، ص14-15.
(4) مرسيا إلياد. المقدس والدنيوي: رمزية الطقس والاسطورة. ترجمة: نهاد
خياطة. دمشق: دار العربي، 1987، ص189.
(5) بيترول. برجر. القرص المقدس: عناصر نظرية سوسيولوجية في الدين. تعريب:
مجموعة من الأساتذة. قدمه وأشرف عليه: د. عبد المجيد الشرفي. تونس: مركز
النشر الجامعي، 2003، ص227، 234.
(6)هاشم صالح. مدخل الى التنوير الاوروبي. بيروت: دار الطليعة، 2005،
ص246.
(7) بيترل. بيرجر. مصدر سابق. ص99.
(8) المصدر السابق. ص55 ــ 59.
(9) المصدر السابق. ص95 ـ 96.
(10) مرسيا إلياد. مصدر سابق. ص158، 162، 196.
(11) أجناس جولدتسيهر. العقيدة والشريعة في الاسلام. ترجمة: محمد يوسف
موسى وصاحباه. القاهرة: دار الكتاب المصري، 1946، ص4.
(12) د. محمد الطالبي. عيال الله: أفكار جديدة في علاقة المسلم بنفسه
وبالآخرين. انجاز: منصف وناس، شكري مبخوت، وحسن بن عثمان. تونس: دار سراس
للنشر، 1992، ص102، 178ـ 179.
(13) جورج مقدسي. سيطرة الفلسفة الانسانية في فترة الاسلام الكلاسيكي
والغرب المسيحي. مع ذكر خاص للسكولاستيكية أو المدرسانية التكرارية.
مطبوعات جامعة أدنبرة، 1990.The Rule of Humanism in Classical Islam and
the Christian West،with special reference to scholasticism. Edinburoh
University Press، 1990.
(14) عالج الدكتور محمد اركون النزعة الانسانية في الاسلام الكلاسيكي في
اطروحته للدكتوراه: نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي.
ترجمة: هاشم صالح. بيروت: دار الساقي، 1997. وكتابه الآخر: معارك من أجل
الأنسنة في السياقات الاسلامية. ترجمة: هاشم صالح. بيروت: دار الساقي،
2001.
(15) جويل كريمر. دور الفلسفة الانسانية في نهضة الاسلام، الانبعاث
الثقافي خلال العصر البويهي. ليدن: بريل، 1986.Joel Kramer : Humanism in
the Renaissance of Islam. The Cultural Revival during the Buyid Age،
Leiden، Brill، 1986
(16) جاك ماريتان (Jacques MARITAIN) ألف عدة كتب من بينها، في الفلسفة
المسيحية (1933)، أو النزعة الانسانية الكاملة (1936) L Humanisme
integral، أو مبادىء سياسة انسانية(1944).
(17) د عبد الجبار الرفاعي. مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد. بيروت:
مركز دراسات فلسفة الدين، ودار الهادي، 2005، ص11-54.
(18) المصدرنفسه. ص99.
|