الحضارية «دراسات إسلامية»

الخميس: 25/10/2007

النزعة الإنسانية والعقلانية في الإسلام(3/3)
النزعة الإنسانية في الثقافة الدنيوية

هشام جعيط

انطلاقا من التحليل الذي قدّمناه للقرآن، نرى مدى الضلال والخطأ في القول، مثلماً فعل «فون غرونباوم»، «إن الإسلام أظهر، منذ بدايته، قليلاً من الاعتبار للإنسان». لكن إلى جانب الثقافة الدينية، أفرز الإسلامُ في عصوره الكلاسيكية ثقافة دنيوية رفيعة،متعددة الأوجه. إن «آدم ميتز»، وهو مستشرق شهير، وصف القرنين التاسع والعاشر الإسلاميين بأنهما «نهضة الإسلام»، وأجرى مقارنة لذلك مع النهضة الأوروبية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.كما أن قراءة المؤلف الجليل الذي خصّصه «جاكوب بوركهاردت» لـحضارة النهضة في أيطاليا، تسمح بمقارنات شديدة الإيحاء والدلالة.
فمنذ القرن التاسع، صار المجتمع الإسلامي بوتقة إثنية وثقافية، كان يسودها الطابع العربي، الذي اندمج فيه الإسهام الإيراني والهلـّيني. وكان العصر يتـّسم بحيوية فكرية، بحس جمالي، بـ«ذكاء» بالمعنى الفرنسي للكلمة، بعطش للمعرفة والعلم والعقلانية. لقد كان عالماً يغلي، ولم تخمد شعلته إلا في القرن الرابع عشر بعد ابن خلدون. وكان يتوافد شعراء، نـُحاة، مؤرخون، علماء متبحّرون، فلاسفة، أخلاقيون، علماء، جغرافيون، لملء هذه الفسحة بالتأمل والذوق الحسي. والحال، فإن الإنسانية الإيطالية تميّزت بهذا النهم الشديد للعلم، مثلما تميّزت بعبادة مفرطة للأزمنة القديمة، قوامها الأدب والفن، وتبدو لي كأنها عبادة شبه ساذجة. لقد كانت لوحة الثقافة الإسلامية أوسع منها وأكثر ديمومة في الزمان. وكانت أكثر من موضة عابرة شبقة.
جوهرياً، تمثـّلت الإنسانية الإسلامية في الفلسفة والعلم والأدب، وما يهمّنا في الفلسفة الإسلامية ليس مضمونها ـ وهو أهم مما يُظن ـ بل رهانها على قدرة العقل البشري على اكتناه الحقيقة بذاته ومن دون استعانة بالوحي. كما أنها حاولت إلى أقصى حد التقاط الإرث اليوناني («حكمة القدامي») بوعي حادٍ جداً للتواصل في الزمان وللعالمية في المكان، اللذين اتسم بهما الجهد العقلاني الإنساني. ليس صحيحاً أن الفلسفة الإسلامية نهلت فقط من المرحلة الهلنستية، المعروضة كأنها مرحلة منحطـّة. فقط قصدت المعلـّمين الكبار، وربما تعدّتهم، إلى الفلاسفة ما قبل السقراطيين أو حكماء اليونان القديمة، الذين ينبغي الاعتقاد بأن فكرهم قد وُجدَ محفوضاً أو أنه قد انبعث. لم تقف الفلسفة الإسلامية عند «أرسطو» وشارحه الأكبر. فقد كانت أغنى من ذلك، وكانت تأثيراتها في الفلسفة الغربية أكثر ديمومة: نجد عناصرها عند «سبينوزا» و«لايبنتز» وحتى عند «عمانوئيل كانط».
أما العلم الإسلامي فقط كان إسهاماً عملاقاً في تقدم الفكر البشري. فمن المعلوم أن الإغريق كانوا أكثر انكباباً على النظري من العملي. وهذا ما تـُرجم على الصعيد العلمي بعبادة الهندسة، المعقلنة بشكل رائع انطلاقاً من تجارب إمبريقية ومقترضات بابلية؛ ولكن علم الهندسة ـ (كما لاحظ جان بيار فرنان ـ Les Origines de la pensee grecque P.U.F.,1962) ـ لم ینتشر إلا في مجال مثالي ومجرّد. وكانت مساهمة المسلمين الكبرى في الرياضيات، هي الحساب (علم الحساب) والجبر. إلا أن إسهامهم في مجال علوم الطبيعية كان بنحوٍ خاصٍ مبدأ التجريب أو الاختبار. وبشكل خاص تركـّزت العقلانية عند العرب على محور الاستقراء في علم النحو مثلاً، ولكن بنحوٍ أبرز في الفقه و«أصول الفقه». من المحتمل أن مناهج النظر والاستقراء ولدت من هناك، مثل انبجاس ذاتي من داخل الثقافة العربية الإسلامية. من النـّافل هنا تعداد الاكتشافات الناجمة عن هذا العقل الوضعي، إذ أن الأبحاث ما زالت متواصلة حول تأثيرها في تفتح العلم الأوروبي الحديث (وليس الوسيط، الذي لا يشك أحدٌ فيه).
أما العنصر التكويني الأساسي الثالث للنزعة الإنسانية في الإسلام، فكان الأدب وشخص الأديب. كان الأدباء يشكلون جهاز كتبة الدولة المحيطين بالوزير، الذي كان في الأغلب مدنياً ينتمي إلى هذا الجهاز. لقد كانت الدولة والحضارة الإسلاميتان دولة وحضارة مدنيتين وليس عسكريّتين، فلنتذكر ذلك. وفي آنٍ كان الأدب ثقافة عامة، معرفة، ولكنه غير مفرط في التخصّص، وكان استعداداً فكرياً ومثالاً إنسانياً. وكانت الثقافة الأدبية تسود على المعارف الموسوعية، فكان هناك فن تعبير وفن كتابة. وبمقتضى قواعد راسخة، كان يجري تثقيف الأسلوب المتقن، المتـّجه أكثر فأكثر نحو البيان. لكن الأديب كان يتعين عليه أن يكون متبحّراً في معنىً نهضوي جداً (پيك دي لاميراندول مثلاً)، أي أن يكون شخصاً يملك إلماعات في كل شيء: الفقه، الحديث، التاريخ العربي، الحكمة الفارسية، العلم وبخاصةٍ الرياضيات. كل هذا يصبّ في نمط إنساني مطبوع بالارستقراطية، بالانتقائية وأناقة الفكر. هنا لا يلتهب وجدُ البحث عن الحقيقة والعمق، بل السطحية التي يصعب تجنبها، والتي يستعاضُ عنها أو يجري تقنيعها بالبلاغة والحماسة. وعلى الرغم من ذلك كله أو بسببه، جسّد الأدب بلا شك، حسب عبارة «فون غرونباوم» ذاته، «طموحاً إنسانياً». صحيح أنه تهاوى تدريجياً، لكنـّه ظل، حتى ابن الخطيب، يستخلص شذا الإنحلالات الفاتن، و«ظل الوسيلة التعبيرية الكاملة بالنسبة إلى مجتمع مُتعب ويائس إلى حدٍ ما، لكنـّه ما برح متحضراً إلى حدٍ كبير».

المصدر: أزمة الثقافة الإسلامية، دار الطليعة، بيروت