الحضارية «دراسات إسلامية»

الثلاثاء: 23/10/2007

النزعة الإنسانية والعقلانية في الإسلام(1/3)
الإنسانية القرآنية

هشام جعيط

لطالما عرف العرب مثالاً إنسانياً ومنظومة قيم وأنماطاً سلوكية ـ فكان الكلّ يسمى المروءة ـ ويمكن وصفها بلا شك، بالنزعة الإنسانية. ولا يمثل الشرف عند العرب سوى وجه من وجوهها. وفوق ذلك، نجد عصبيّة العشيرة وتضامنها الأخوي، والقيمة المـُناطة بالحياة الفردية، والكـَرَم والضيافة والحِـلم أو ضبط النفس، والحكم الصارم والمستقيم، والاحترام المخصّص للسن وللأجداد. وليس من الصحيح تماماً الاعتقاد، كما فعل «إيسوتزو» Isutzu، بأن القرآن قد عارض مجمل قيم الجاهلية، بل عارَض فقط القيم المتناقضة مع أخلاقية الدين الجديد. ولئن كان القرآن قد ذهب بعيداً، وأكثر من أي نص مقدّس آخر من التراث التوحيدي، في معرفة الله وفي شمول شخصيته، فمن الصحيح أيضاً أن القرآن، حين خاطب العرب أولاً وبلسان عربي، إنما كان يصف الله ببعض الصفات المستمدة من أرقى قيم الثقافة العربية. إن الله كريم وحليم بالمقدار نفسه؛ وهذا لا يعني أن الإنسان لم يعد بمقدوره أن يكون كريماً وحليماً، وأن الله ينفرد وحده بهذه الصفات، بل يعني أنه يمتلكها بامتياز.
وعلى أي حال، فقد ظلت ثقافة المروءة حية لأمد طويل جداً، بل وحتى أيامنا هذه في بعض مناطق العالم العربي ـ الإسلامي. وبعض هذه القيم يندغم بوعي أو بلا وعي في الشخصية العمومية المشتركة للإنسان العربي.
أما النزعة الإنسانية الخاصة بالقرآن، فهي شيء آخر. يـُمكن التساؤل كيف استطاع نصّ مـُنزّل مركـّز على الله إلى مثل هذا الحد أن يؤسّس نزعة إنسانية كائنة ما كانت؟ فهو بطبيعته مركـّز على الله لا على الإنسان. نقول ذلك ونحن نعلم أن هذا المفهوم الشائع في الثقافة الدنيوية والحديثة يعتبر الإنسان كقيمة عليا ويحرّره من كل رجوع إلى كل ما هو إلهي، أو مقدس، أي يتجاوزه ويتعالى عليه. ولكن على الرغم من ذلك لا يمكننا أن نستبعد من الأشكال المختلفة التي اتخذتها النزعة الإنسانية على مدار التاريخ ذلك الشكل المُتضمّن في الأديان الكبرى.
ولئن كان صحيحاً أن كل شيء يرجع إلى الله في الخطاب القرآني، فإن الإنسان يحتلّ فيه أيضاً مكانة مركزية. فهو المُختار من الله، وشغلـُه الشاغل. ومما له دلالة خاصة أن يخاطـَب الوحيُ الأول، الإنسانَ: (اقرأ باسم ربك الذي خلق.. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم) (القرآن : 96 / 1-5).
وإذا كان الله هو خالق الكون ومنظـّمه ومسيّره، فمن الطبيعي أن تكون غاية الخلق هي خيرَ الإنسان، في حياته الدنيا على الأقل: (الذي جعل لكم الأرض مهداً وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون.. والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفـُلك والأنعام ما تركبون. لتستووا على ظـُهُوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذه وما كنا له مقرنين)(القرآن: 43/10-13).
صحيح أن كل شيء يرجع إلى الله، وأن الله موصوف وكأنه الهدف السلبي للعناية الإلهية، وأن هذا على طرفي نقيض. ولكن القرآن يقيم صلة بين الله والطبيعة والإنسان، بحيث تبدوا الطبيعة وكأنها منقادة الإنسان، وقد يبدو مثل هذا الموقف وكأنه سبب من أسباب عدم بزوغ العلم أو نمو النشاط الخلاق. ولكنه يوازن ويعارض بدعوات أخرى إلى البحث عن العلم والتأمل في نظام العالم، بالرجوع الدائم إلى العقل البشري، على أن المقصود بالعلم في القرآن هو معرفة الله والدين.
توجد في القرآن مركزية إنسانية، لكنها خاضعة للمقاصد والمخططات الإلهية. وهذا بحد ذاته يمثـّل شكلاً من أشكال النزعة الإنسانية. ففي القرآن درجة إنسانية أرفع؛ إنها مكانة الإنسان في مغامرة الوجود، في غائية الخالق، وفي التاريخ.
في مسار الخلق نجد أن أجرام الكون الأخرى، والكائنات الأخرى الروحية أو الحيوانية، والأشياء، قد سبقت الإنسان إلى الوجود، ويظهر الله أعلى من العالمين، من كليّة العوالم أو الوجود المحايث؛ وهو لا يحتاج إلى اعترافها، فهو غني بذاته، بحياته الخاصة كروح، وهي أمر لا يمكن سبره ولا معرفته (إن كلمة «غني» تتضمن كل هذه المضامين). وتـُعْرَض الملائكة في القرآن وكأنها محيطة بالله ومكرّسة لعبادته. إنها ترمز إلى الطهارة المطلقة والإيمان المطلق، لكنها تابعة وبلا إرادة حقيقية. وعندما خلق الله آدم من مادة اعتـُبرت أدنى (الصلصال)، نفخ فيه من روحه وعلـّمه «الأسماء كلها» وجعله بذلك كائناً قادراً، بالكلمات، على فك رموز العالم، وتالياً قادراً على العقل والمعرفة. عندئذٍ تمرد إبليس وعصا أمر السجود، وتمرّدت الملائكة واعترضت. فقد ندّدت بالإنسان المُقبل بوصفه مبدأ فتنة وفوضى على الأرض، وبوصفه تحدياً محتملاً لكمال الله، فيما كان الروح حتى ذلك الحين يتأمل في ذاته، وكان موضع تأمل في أزل مقدّس. ولكن في المحاجّة الإلهية، المعروضة في القرآن، كان يملك الإنسان شرارة العلم والتمييز العقلي، وبذلك أعلنه الله أعلى من الملائكة، ومشاركاً له في عمله.
إن القرآن لا يلـّح كثيراً على خطيئة آدم: فهو لا يجعلها خطيئة لا تقبل التصويب والمغفرة. فيغفر الله له، لكنه يطرده من الجنة. إن في هذه الأسطورة عمقاً رمزياً كبيراً: إنها ترمز لولادة الحرية البشرية ولمخاطر هذه الحرية. مولد عظمتها وشرورها. وهي ولادة جدلية الخير والشر في القرآن.
تتمحور نظرية العدل الإلهي القرآنية حول علاقة الله بالإنسان، وليس حول علاقة الله بالطبيعة. لأن الطبيعة خاضعة سلبياً للأمر الإلهي وللتدخلات الإلهية. أما الإنسان، فهو يملك استقلالية، وقوّة نفي ونسيان وجحود. والحال، إذا كان الله بحاجة إلى اعتراف الإنسان فلأنه حرّ، ولأن كل إنكار لله يبدو كأنه إعدام الله، أو فناء رمزي، حيث لا يعترف بالفكر إلا الفكر. من هنا الإرسال المنتظم للأنبياء الذين ينذرون ويذكـّرون ويحاجّون أن يهددون، وهذا في الأمم كافة. فكل التاريخ موسومٌ بهذا الحوار أو بهذا الصراع والتهديد. إن الاستمرار في الضلال يؤدي إلى الخراب، إلى عقاب الشعوب والمدن الكافرة، في هذه الحياة، على هذه الأرض، في الزمنية التاريخية.
إن الإنسان كفرد وشخص، وبالضرورة كجنس، مدعو للخلود. فالولادة ليست حادثاً عارضاً، فما يسبقها كان الموت الأول، ثم تكون فترة قصيرة من الحياة الأرضية، يليها الموتُ الثاني. وأخيراً يأتي النشور، القيامة، الحساب والحياة الأبدية في النعيم والجحيم. وذلك يتقرّر بحسب إيمان الإنسان وعمله في الحياة الأرضية، التي تكون امتحاناً بالتالي. هنا تثار مسائل كبرى لا سيما بخصوص الدعوة إلى الآخرة. لئن كان طبيعياً في تصوّر ديني لمجرى الوجود، أن تهيمن المشيئة الإلهية في آخر المطاف، فإنها مع ذلك تضع في مستوى الخلود ثنائية مأسوية بين السعادة والشقاء. منطقياً لا يمكنها أن تبرّر نفسها إلا عن طريق نظرية العدل الإلهي التي تقدمها، منذ تكوينها حتى لحظتها الأخيرة، وإنسانياً لأن الوعد والوعيد يرميان إلى استتباب الأخلاق في هذه الدنيا لا أكثر. أي من وجهة عقلانية ومعقولة، هدف الآخرة هي هذه الدنيا، بل إن الجنـّة والنار يرمزان إلى ما يجري في هذه الحياة وإنما يقصـُدُ القرآن تربية الإنسان وإعطاءه الأمل وحلّ مشكلة ما بعد الموت. على كلٍ، انحلال العالم والحساب وفتح الجنـّة العريضة وكذلك جهنم، هذا الحديث الكبير مجعول للإنسان. ولكن، بعد ألفي سنة من المسيحية، وبعد ألف وخمسمئة سنة من الحياة الإسلامية، هل صار الإنسان أفضل مما كان، كما كان يتساءل «شوبنهور»؟
الملاحظة الثانية التي أودّ تسجيلها بخصوص الخطاب القرآني هي أن الله يبدو، هنا، وسيطاً بين الناس: ففيه وبه يعترف الإنسانُ بالإنسان. ومن الصحيح تاريخياً أن فكرة الله الواحد أظهرت لجماهير واسعة، فكرة الإنسان التي كان يصعب التفكير بها قبل ذلك: الإنسان بوصفه كياناً، متجرّداً من خصوصياته وافتتانه بنفسه بيولوجياً واجتماعياً. ومن المهم جداً أن نؤكد هنا على أن القرآن، في تطور تنزيلاته، في بداياته وقبل أن يصل إلى موضوعة الوحدانية الإلهية، وتالياً في مرحلة التبشير الأخلاقي والأخروي، كان يرجع باستمرار إلى الإنسان في عموميته من فوق الخصوصيات، وكان يخاطبه بقصد تحويله إلى الخير، فهناك وعي وتوعية بوحدة الإنسانية لا يمكن بروزهما في هذه الفترة إلا عن طريق الخالق المتعالي. إن وساطة الله هذه لم تترجم فقط بإقرار مفهوم الإنسان الشامل، بل تجسدت أيضاً عن طريق تثمين قيمة الشخص وكل «نفس بشرية». هناك تحريم مطلق لكل فعل قتل مُتعمّد، وهو لن يعاقب فقط بالمثل في هذه الدنيا ـ مفهوم موجود من قبل لكن القرآن يحصره بالقاتل وحده ومستثنياً بالتالي الانتقامات الجماعية التي كانت سائدة في الجاهلية ـ بل سيعاقب أيضاً بعذاب جهنم ونارها الأبدية.
في العصر الأول للخلفاء الراشدين (632م ـ 661م)، تـُرجم ذلك على الصعيد السياسي بهذه الواقعة المرموقة وهي أن السلطة السياسية لم تلجأ أبداً إلى إعدام معارضين وحتى منشقين. حتى عثمان، المرفوض جداًن لم يلجأ أبداً إلا لنفي معارضيه نفياً قصير الأمد، أو إلى بعض العقوبات الجسدية. فلم يقتل أحداً، وكان هو المقتول في نهاية الأمر. وكان عليّ شديد الصبر على الخوارج حتى قاموا بأعمال قتل فردية، وتجمّعوا معلنين أنهم في حالة انشقاق وحرب. عندما ردّ بالحرب، باعتبارها عملاً جماعياً يرمي إلى حفظ حقوق الأمة.
والأمور ستتغيّر لاحقاً؛ في عهد الأمويين، وبالأخص في عهد العباسيين، من جراء تطور داخلي وتحت تأثير ممارسات الحضارات السابقة في آن.

المصدر: أزمة الثقافة الإسلامية، دار الطليعة، بيروت.