|
|
 |
الحضارية
«دراسات إسلامية » |
|
الخميس:
27/09/2007
العقل
في القرآن الكريم (1/3)
د.
سعد حسن كموني
القرآن الكريم (كِتَابٌ
أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ)(هود:1) يضعنا أمام مفردات أخذت مواقعها في التركيب
لما تمتاز به من إمكانات علاميّة اقتضى وجودها على النحو الذي وجدت فيه
كونُها لا يؤدّي وظيفتها سواها، بوصفها المشهد الأخير للمعنى في مصطلحات
النمذجة الكتابية.
وإذاك، نتحمل مسؤولية كبيرة في الوقوف على الدلالة بوسائلنا النقدية
المتواضعة، فهي ثقة عندنا، ولكننا لا نغالي بذلك، إذ لا نزعم في هذا
المجال أننا بلغنا المستوى الذي فيه نأمن الزلل، ولا ندّعي أنّ قراءتنا
في القراءة النهائية.
تأخذ الإمكانية الدلاليّة للعنصر البنيويّ في النصّ القرآنيّ أمداءها
القصيّة من المكوّّنات البنيويّة لمسبار القارئ، وعليه، نحسب أنّ
الدلالات التي نقف عليها من معايناتنا إنما هي المعنى كما بدا لنا.
ونحن ننطلق إلى البحث في الاستخدام القرآنيّ لمفردة «عقل» بتصريفاتها
المختلفة بهدف تأمين مادة كافية لتعريف العقل بحسب رؤيتنا الاستخدام
العربيّ لهذه المفردة، يستوقفنا التكرار بوصفه ظاهرة أسلوبية يمكننا من
خلالها النفاذ إلى مرادنا. عمدنا إلى تصنيف الآيات التي تنطوي على مفردة
«عقل» بمختلف تصريفاتها فاعتمدنا التكرار معياراً للتصنيف لنقع على الزمر
الآتية:
الزمرة أ (أَفَلا تَعْقِلُونَ) تكررت ثلاث عشرة مرّة.
الزمرة ب (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) تكررت ثماني مرّات.
الزمرة ج (لا يَعْقِلُونَ) تكررت إحدى عشرة مرة.
الزمرة د (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) تكررت ثماني مرّات.
الزمرة هـ (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) تكررت مرّتين.
الزمرة و (مَا عَقَلُوهُ) مرة واحدة.
الزمرة ز (نَعْقِلُ) مرة واحدة.
الزمرة حـ (يَعْقِلُونَ) مرتين.
الزمرة ط (تَعْقِلُونَ) مرتين.
المجموع: تسع وأربعون مرة.
أَفَلا تَعْقِلُونَ
ورد هذا التعبير في النص القرآني ثلاث عشرة مرّة، وبالنّظر إلى البيئات
اللفظية التي احتضنته نلحظ ما ينطوي عليه فعل «العقل» بوصفه إجراءً
إنسانيّاً من شأنه الإحاطة بأمر ما سواء كان الأمر يحتاج إلى عقل سلوكيّ
حركيّ، أو يحتاج إلى عقل ذهنيّ معرفيّ.
1ـ يقول الله تعالى في سورة «البقرة»: )أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ
وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا
تَعْقِلُونَ) (البقرة:44). أسند في هذه الآية إلى جماعة واحدة أربعة
أفعال بصيغة تفيد التجدد والاستمرار (المضارع) وقد تعانقت هذه الأفعال
بواسطة أدوات نحويّة كان لوجودها أثرٌ أساسيّ في إنتاج الدلالة.
الأفعال هي: «تأمرون» وقد سبقت بهمزة الاستفهام «أ» و «تنسَون» سبقت بـ
«و» العطف والفعل «تتلون» سبق بـ «و» الحال والفعل «تعقلون» وقد سبق
بالاستفهام الإنكاريّ، و«ف» التعقيب.
الاستفهام الذي سبق الفعل الأول يفيد التوبيخ(1)، أتأمرون «وتوبيخ
المخاطبين هنا ليس لكونهم يأمرون الناس بالبر، بل لما يقومون به من
يتناقض مع الأمر وهو الفعل «تنسون أنفسكم» وقد ربُط بالفعل «تأمرون»
بواسطة لـ «و» التي تفيد النسق وتجعل نسيان النفس مساوياً لأمر الناس
بالبر. والنسيان: ضد الذكر، وهو السهو الحادث بعد حصول العلم، ويطلق أيضاً
على الترك. وهذا السلوك مستنكر لما ينطوي عليه من تناقض لا يمكن تسويغه.
إذن، اقتضى سلوك المخاطبين في الواقع استهلال الآية بالتوبيخ.
كان من الممكن أن يُلتمَس العذرُ لهؤلاء الذين سلكوا هذا السلوك الغريب،
لو أنهم قاموا بذلك جهالةً أو لسوء تقدير منهم، ولكنّ النصّ القرآني لا
يدعنا نلتمس الأعذار لهم فهم يقومون بهذين الفعلين مجتمعين في حال معيّنة
يبيّنها الفعل الثالثُ في الآية مسبوقاً بـ «و» الحال «وأنتم تتلون
الكتاب». تفيد صيغة المضارع هنا «تتلون» المداومة على التعامل مع الكتاب،
وهذا الأمر يشكـّل إدانةً لهم إذ نفهم أنّ الحال هذه «وأنتم تتلون الكتاب»
يفترض أن تكون ضابطاً مانعاً أو رداعاً لهم عن مواصلة السلوك المتناقض «تأمرون
الناس / تنسون أنفسكم». ولا ينتظر نصّ الآية كثيراً حتى يعقب على سلوكهم
بواسطة «فـ» التعقيب التي أخذت موقعها قبل الفعل المنفيّ بـ «لا تعقلون»
مسبوقاً بهمزة الاستفهام التي تفيد الإنكار والتوبيخ. وإذ تنكر الآية
الكريمة عليهم عدم عقلهم نستنتج أنه لو كانوا يعقلون لكانوا لا يقومون
بالأفعال السابقة وهم يتلون الكتاب.
إذن استخدم النص القرآني مفردة «يعقلون» هنا بوصفها تشير إلى إجراء سلوكيّ
يضبط حضورهم في المجتمع بما يتناسب مع مضمون الكتاب الذي يتلون.
2ـ وفي آية أخرى من السورة نفسها يقول جلّ وعلا: (وَإِذَا لَقُوا
الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:76)
يشكل فعل القول في هذه الآية الكريمة علامةً تضيء العناصر التي سوّغت
التوبيخ «أفلا تعقلون»؛ فقد أسند فعل القول المتكرر مرتين في هذه الآية
إلى جماعة واحدة في ظرفين مختلفين:
الظرف الأول يتحدّد في إضافة (إذا) إلى «لقوا الذين آمنوا». و(إذا) ظرف
لما يستقبل من الزمان يتضمّن معنى الشرط تعلـّق بجوابه «قالوا: آمنـّا»
ويعني هذا أنّ قولهم: «آمنـّا» مرهونٌ بظرف معيّن.
والظرف الثاني يتحدّد «إذا» إلى «خلا بعضهم إلى بعض». والجواب الذي
تعلـّقَ به الظرف المضاف «إذا خلا بعضهم..» هو «قالوا: أتحدثونهم بما فتح
الله عليكم»، ويعني هذا أن قولهم السابق في الظرف السابق «آمنـّا» يمثـّل
تلاوماً موضوعه التحديث، والتحديث هذا ما كان ليكون موضوع لوم أو تلاوم
إلا لعاقبته غير المنتظرة من قبَلهم «ليحاجّوكم به عند ربكم».
إذن، القولُ في حضرة الذين آمنوا، جاء من غير تحسّب لأيّ مآل، فكان على
رسله بلا ضوابط، أما عندما خلا بعضهم إلى بعض واسترجعوا ما كانوا قالوه،
تبيّن لهم أنه سيكون حجة عليهم عند ربهم، وهذا الذي اقتضى التوبيخ الذي
يتضمن ضرورة العقل في هذه المواضع، إذ لا بد من القيام بإجراءات ذهنية من
شأنها أن تحسب لكل كلمة حسابها ومآلها.
3ـ وتستخدم سورة «آل عمران» فعل «العقل» في سياق موقف من محاجّة أهل
الكتاب في إبراهيم: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي
إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ
بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (آل عمران:65). فقد «نزلت هذه الآية بسبب
دعوى كلّ فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان على دينهم فكذبهم الله
تعالى بأن اليهودية والنصرانية إنما كانت من بعده»(2) فالآية قدّمت
الفريقين جماعةً واحدة، ثم أسندت إليها فعلاً مستهجناً «لمَ تحاجّون» ثمّ
تبين الآية علـّة استهجانها المحاجّة في أنّ ما جعلهما يهوداً ونصارى هو
التوراة والإنجيل، وكون إبراهيم لم يدرك هذين الكتابين لكونهما في زمن
محصور من بعده، فهذا يلغي زعمهما بأنه يهوديّ أو نصرانيّ، وهذه المسألة
لا تقتضي إجراءً ذهنياً معقداً حتى يتمكـّنا من ضبطها والإحاطة بها، وهذا
ما استدعى توبيخهما لعدم القيام بهذا الإجراء «أفلا تعقلون».
العقل إذن باستخدام هذه الآية هو الإجراء الذهنيّ الذي يربط العلـّة
بالمعلول من خلال النظر في عامل الزّمن.
4ـ وفي سورة «الأنعام» يقول الله تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ
يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الأنعام:32). تقدّم هذه الآية سبيلاً
إلى الآخرة قوامه التقوى في الحياة الدنيا وذلك أن الحياة الدنيا ليست
سوى لعب ولهو ومن شأنهما أن يهلكا الإنسان لكونهما يتمظهران بما يرضي
شهواته و رغائبه فإذا لم يقم بأي إجراء ذهنيّ يتمكـّن فيه من السيطرة على
نفسه الضّعيفة بإزاء اللعب واللهو فإنه لن يجد الخير في الدار الآخرة.
إذن العقل في هذه الآية، يعني تمكـّن الإنسان من نفسه فيمنعها سلبيّات
اللعب واللهو.
5ـ وفي آية أخرى تشكـّل بيئةً لفظيّة لاستخدام العقل، يقول جلّ وعلا في
سورة «الأعراف»: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ
عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا
الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ
يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الأعراف:169).
«قرأ أبو عمرو وأهل مكة (يعقلون) بالياء جرياً على الغيبة في الضمائر
السابقة، وقرأ الجمهور بالخطاب على طريقة الالتفات إليهم أو على طريق
خطاب هذه الأمة كأنه قيل (أفلا تعقلون) حال هؤلاء وما هم عليه من سوء
العمل»(3). وفي كلّ الأحوال تقدّم لنا الآية الكريمة خبر أولئك الذين
ورثوا الكتاب، وفي ذلك الميراث ما يضبط سلوكهم، ومواقفهم، غير أنّهم
افتروا على ذلك الميراث إذ سلكوا بما يتنافى مع ما انطوى عليه من ميثاق.
وعندما يقع النصّ عليهم بالتقريع والتوبيخ فذلك لكونهم عزفوا عن مضمونه،
وادعوا أنّ ما يقومون به من خروج على الحقّ هو الحقّ، وهم يعلمون، وهذا
إثمٌ كبير.
إذن العقل في هذا السياق يأخذ معنى الإجراء الذي يوفـّر الالتزام
بالميثاق، ويبتعد عن الافتراء.
6ـ واستخدم القرآن الكريم العقل في سورة «يونس» علامةً على إجراء يحدّد
منهجاً سليماً للنظر في الأمور: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا
بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ
غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ
تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ لَوْ شَاءَ
اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ
فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (يونس:15،16).
تخبر هاتان الآيتان الكريمتان عن جماعة موصوفة بالجحود «لا يرجون لقاءنا»
تطلب قرآناً بديلاً، فيكون الرفض لهذا المطلب بواسطة فعل الأمر «قل»
الواقع من الله سبحانه وتعالى على النبي محمد (صلي الله عليه وآله وسلم).
ومقول القول المطلوب هو:
ـ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي (عدم توفـّر
القدرة الذاتية).
ـ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ (وظيفة الرسول هي البلاغ
حصراً).
ـ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (تقوى
الله من خلال الحرص على الطـّاعة).
ثم يواصل النصّ رفض مطلبهم بتكرار الفعل «قل» ويأتي مقول القول بياناً
يؤكد أنّ هذا القرآن من عند الله، فلو كان من عند محمد فهو قد لبث فيهم
عمراً ولم يتل عليهم شيئاً، هذا من جهة ومن جهة إنّ محمداً يقول لهم إن
هذا القرآن من عند الله ولا يفتري بذلك، فقد لبث فيهم عمراً وقد اشتهر
بصدقه وأمانته ولم يكذب على البشر فكيف يكذب الآن ويفتري على الله «أفلا
تعقلون» أفليس لكم عقول تعرفون بها الحقّ من الباطل؟(4).
إذن، العقل هنا، إجراء ذهنيّ يتمكـّن بواسطته الفرد من امتلاك منهج أو
مسبار يميّز به الحق من الباطل.
7ـ وجاء في سورة هود: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ
اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا
مُفْتَرُونَ * يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ
إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ) (هود:50،51).
إنّ هوداً يدعو قومه إلى عبادة الله الواحد، ويعدّ عبادتهم الأوثان، أو
الآلهة المتعدّدة افتراءً على الله، ومعلومة عاقبة المفترين، ويبيّن لهم
أنه يدعوهم إلى ذلك ولا يريد منهم أجراً، ولهم من ذلك أن يستدلـّوا إلى
غياب المصلحة الشخصيّة من تلك الدعوة، والتي تكون مبرّراً ليرفض المرء
دعوةً وإن كان في ظاهرها الصواب، فإن الغرض الشخصي حافزٌ لتخمين النقيض
وراء ذلك. و«هودٌ» عليه السلام، إذ ينفي طلب الأجر على هذا البلاغ والنصح،
فإنه بذلك يقدّم لهم مثلاً في اعتماده على الله الذي فطره، وهو بذلك
يقدّم نموذجاً لهم أن يمضوا وراءه. ويلقي عليهم بعد ذلك تقريعاً بصيغة
الاستفهام لكونهم عازفين عن الاعتبار «أفلا تعقلون» وفي هذه الصيغة عرضٌ
لمنهج في التحليل.
إذن، العقل هنا هو الإجراء الذي بموجبه يتمكـّن المرء من قراءة الأحداث
والاعتبار منها.
8ـ وفي سورة «يوسف» يأتي استخدام العقل بمعنى دراسة التاريخ والاستفادة
من أحداثه فيقول جلّ وعلا: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا
رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي
الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ)
(يوسف:109).
تحدّد هذه الآية الكريمة التقوى بالالتفات إلى التاريخ والاستفادة من
أحداثه طالما أن الهدف هو الآخرة دارُ السعادة فإن سلوكاً معيّناً يلزم
في السبيل إلى ذلك الهدف.
9ـ وفي سورة «الأنبياء» يتوجّه القرآن الكريم إلى قريش، أو إلى العرب(5)،
بقوله جل من قائل: (قَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ
ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الانبياء:10). فيأتي استخدام العقل هنا
بمعنى إمكانية التقدير، فالقيمة التي يكون عليها هؤلاء القوم إذا ما ورد
ذكرهم في الكتاب المنزّل من عند الله تكون قيمة عاليةً جداً ولكنّهم
أساءوا التقدير فسقطت تلك الإمكانية من جملة إمكاناتهم، الأمر الذي اقتضى
الحث على امتلاكها بطريقة توبيخيّة تقريعيّة.
10ـ وفي السورة نفسها يقول عزّوجل، على لسان إبراهيم لقومه: (أُفٍّ لَكُمْ
وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)
(الانبياء:67)، فالتذمّر بواسطة «أفّ» يصل أثره إلى القوم، وآلهتهم
المزعومة، فالعلاقة بين القوم وهذه الأصنام استدعت تذمراً واستتبع بتوبيخ
في ختام الآية «أفلا تعقلون» ونفهم من هذا، أن التوبيخ جاء مستخدماً
العقل المفتقد في سياق استدعى التذمّر، الأمر الذي يعني أنّ زوال التذمّر
يكون بتوفـّر العقل.
إذن، العقل هو الإجراء الذي ينهي الموقف الفاسد المتمثـّل في ضلال السبيل
إلى معرفة الله، والإجراء هذا يسمّيه ابن كثير التدبّر إذ يقول: «أي أفلا
تتدبّرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ؟»(6).
والتدبر(7) هو النظر في عاقبة الأمر. ويكون النظر في عاقبة الأمر مصيباً
ودقيقاً إذا كان مستنداً إلى تحليل عميق للأمر نفسه وما يحيط به من ظروف
وأحداث.
11ـ وفي سورة «المؤمنون»، تشير الآية إلى بعض مظاهر الناموس الوجوديّ: (الحياة
والموت، الليل والنهار، الاختلاف «إذ يقول:» وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ
لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا
تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (المؤمنون: 78-80).
وأنّ هذا التوبيخ لعدم توفـّر العقل قد سُبق بـ «إخبار عن فاعل وجود
الناس في الأرض على النحو الذي هم فيه، وبإخبار عن مرجع انتهاء غاية
الموجودين في الأرض؛ كما سُبق التوبيخ أيضاً بـ «قليلاً ما تشكرون» في
ختام استعراض بعض ما أنعم على الإنسان من سمع وأبصار وأفئدة، فإن العقل
هنا يشير إلى الشكر بوصفه تقديراً لتلك النّعم، وذلك الشكر يكون بصوابيّة
استخدام السّمع، والأبصار، والأفئدة، لكونها أدوات ضروريّة للعقل إجراءً
اجتهادياً في معرفة الوجود ومآله، وخالقه.
إذن، العقل هو الإجراء المنهجيّ للتعامل مع الموجودات قوامه الملاحظة،
فيحدّد استناداً إلى ما يلاحظ من وظائف الموجودات ومصائرها معرفة يقينيّة
مرجوّة.
12ـ أما سورة «القصص» فقد استخدمت العقل بمعنى المعرفة، أي الإجراء
الذهني الواجب في المسمار الغامض أو المبهم كي يتمكـّن المرء فيه من ضبط
ذلك المسار وتحديد موقعه فيه: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ
وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ) (القصص:60)، إن هذا التقريع الذي جاء
بصيغة الاستفهام إذ يعرض العقل على جماعة، قد جاء بموجب استهجان لسلوك
ليس مبرّراً في هذا السياق إلا للذين لا يعقلون، وهو أنّ الذي يؤتاه
الإنسان في الحياة الدنيا خير وأبقى من الذي عند الله.
13ـ وإذ تقدّم سورة «الصّافـّات» إشارات بيّات إلى تجارب النبيّين مع
أقوامهم، وما آلت إليه مصائر الأقوام التي جحدت وأعرضت عن الصراط
المستقيم؛ تشير السّورة إلى قوم لوط وما آلوا إليه بكفرهم وفسقهم، وتُختم
الآية باستخدام لمفردة العقل بصيغة الاستفهام الملقى على جماعة المخاطبين:
(وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ
أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا
الْآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ *
وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (الصافات:133-138).
قال الشوكاني في فتح القدير: (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين) خاطب بهذا
العرب، أو أهل مكة على الخصوص أي: تمرون على منازلهم التي فيها آثار
العذاب، وقت الصباح (وبالليل)، والمعنى: تمرون على منازلهم في ذهابكم إلى
الشام، ورجوعكم منه نهاراً، وليلاً (أفلا تعقلون) ما تشاهدونه في ديارهم
من آثار عقوبة الله النازلة بهم، فإن في ذلك عبرة للمعتبرين، وموعظة
للمتدبرين»(8).
يقول الطبري في تفسيره: «وقوله : أفلا تعقلون يقول: أفليس لكم عقول
تتدبرون بها وتتفكرون، فتعلمون أن من سلك من عباد الله في الكفر به،
وتكذيب رسله، مسلك هؤلاء الذين وصف صفتهم من قوم لوط، نازل بهم من عقوبة
الله، مثل الذي نزل بهم على كفرهم بالله، وتكذيب رسوله، فيزجركم ذلك عما
أنتم عليه من الشرك بالله، وتكذيب محمدّ عليه الصلاة والسلام»(9).
إذن العقل هنا هو الزّجر من خلال ملاحظة الدوارس من الآثار، والقيام
إزاءها بإجراء يضبط التفكير والسلوك على نحو يؤمن النجاة مما يسبّبه
الشطط أو البلادة في هذه المواجهة مع الوجود وما وراءه.
الهوامش
ــــــــــــ
(1) الشوكاني، فتح القدير، جامع المعاجم، ق.م.، شركة العريس للكمبيوتر،
بيروت.
(2) القرطبي، تفسير القرطبي، مكتبة التفسير وعلوم القرآن، ق. م.، التراث،
عمان.
(3) أبو حيّان، البحر المحيط، جامع المعاجم، ق. م، العريس للكمبيوتر،
بيروت.
(4) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، القرآن الكريم، ق.م.، شركة صخر
لبرامج الحاسب، الإصدار السادس،31،6.
(5) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، القرآن الكريم، ق.م، شركة صخر للحاسب،
الإصدار السادس، 31،6.
(6) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، القرآن الكريم، ق.م، شركة صخر للحاسب،
الإصدار السادس، 31،6.
(7) ابن منظور، لسان العرب، مادة «دبر».
(8) الشوكاني، فتح القدير، جامع المعاجم، ق.م، شركة العريس للكمبيوتر.
(9) الطبري، تفسير الطبري، 10/525.
المصدر: العقل العربي في القرآن، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء،
المغرب،2005م
|
|
|