الحضارية «دراسات إسلامية»
 

 

الإسلاميون والحداثة اليوم

إحسان الأمين(*)

تختلف موجة الحداثة في نهاية القرن العشرين عن موجة الحداثة أوّله، فربّما كانت أوائل الحداثة تتمثل أكثر شيء بما جاءت به المكتشفات العلمية الحديثة التي غيرت وجه الحياة المدنية وأدخلت فيها ما كان لا يحلم به الناس في السابق. وبالتالي تأثرت حياة الناس الاجتماعية بهذه التطورات التي قرّبت البعيد، ويسّرت الصعب، وربّما ما كان يعدّ من المستحيل.
ولكن موجة الحداثة أواخر القرن العشرين ورغم ما اشتملت عليه من تجديد وتطوير هائل في وسائل الاتصال والنظريات العلمية وغيرها.. رغم كل هذا فإنّها حملت معها هذه المرة أفكاراً وآثاراً واسعة على صعيد الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية، إذ ان التغيير شمل النظم الاقتصادية وحركة الرأسمال ونمط العلاقات الاقتصادية، كما شمل التغيير بشكل واسع الأوضاع الاجتماعية على صعيد الأسرة والعلاقات العامة، وحملت هذه الموجة معها أيضاً الكثير من الأفكار السياسية التي غيّرت وتغيّر الواقع السياسي في معظم دول العالم.
وكانت هذه الأفكار والآثار على ضربين، منها ما هو نتيجة طبيعية لتغير الواقع المادي للإنسان والذي يستتبع بطبيعة الحال تغير نظم العيش ويبرز الحاجة إلى أفكار وبرامج جديدة، كما هو الحال في تغيّر المجتمعات من الحالة الزراعية إلى الحالة الصناعية، وتغير الحياة من الحالة الريفية إلى منظومات المدن الكبيرة المزدحمة ذات الحياة التجارية والصناعية، إذ حلـّت فيها قوانين التنافس التجاري والسباق العلمي وقوانين العرض والطلب العالمية الصارمة محل الاستقرار والركود الحاكم على الحياة الريفية المحكومة بالأعراف والقيم.
وبعض هذه التغيّرات كان نتيجة لارتقاء الحياة من حيث تأمين متطلـّباتها الرفاهية وتطوّر وسائل التعليم والثقافة وبالتالي نمو الفكر السياسي والثقافة العامة، فإن المجتمعات التي تفتقد إلى الأمن ـ وهو أول وأهم متطلـّبات الحياة ـ أو التي تستنزف أوقات ابنائها في طلب لقمة الحياة الأولية لا تجد المتسع من الوقت والاهتمام لمتابعة الحياة السياسية أو التفرغ للفكر والثقافة.
ولذا فانّ هذه التغييرات ستشمل العالم الثالث النامي ـ شئنا أم أبينا ـ وستصلنا الموجة بأسرع ما يمكن سواء بالمعايشة المباشرة بين المهاجرين إلى الغرب، أو بواسطة وسائل الاتصال، أو مع واردات التكنولوجيا والنظم العلمية والإدارية والتي تتضمّن ـ بصورة طبيعية ـ بعضاً من هذه الأفكار والبرامج الحياتية الجديدة.
ولن تنجح كل محاولات العزل أو الانغلاق أو سدّ النوافذ ـ مهما كانت حديدية أو شديدة ـ في إيقاف زحف هذه التغيّرات ورود الأفكار الجديدة، نعم قد تضيّع هذه الإجراءات بعض الوقت أو تبطئ الموجة، ولكن حال المجتمعات المغلقة سيكون شأن أصحاب الكهف، فهم على الرغم من إيمانهم العالي والكبير، إلاّ انهم قد يكونون فضلوا العودة إلى الكهف لأنهم وجدوا أنفسهم ينتمون إلى الماضي ولا يستطيعون العيش في مجتمع جديد، لم يعايشوا نمّوه وتطوّره.
ولذا فإنّ على الإسلاميين مواجهة هذه الحقيقة كما هي، وهي انّ الحداثة قادمة لكل المجتمعات لا محالة، بما تحمل من نظم وبرامج وأفكار، وعليهم طرح الحلول المناسبة والبدائل الصحيحة لا لمواجهة الحداثة والدخول في معركة مع العصر.. ولكن لاستيعاب الحداثة وهضمها والتعايش بالإسلام في هذا العصر بكل ما فيه من تطوير وتنمية وتحديث.
وينبغي هنا أن نشير إلى مسائل مهمة وأساسية في هذا الأمر:
أولاً: إنّ في موجة الحداثة الكثير من الأفكار والبرامج الجيدة ـ دون الإغماض عن بعض الإعراض والآثار الجانبية السلبية المرافقة لأي حل أو دواء ـ فان في الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان ـ ولو على مستوى الفكر والشعار والرأي العام ـ آثاراً ايجابية عظيمة في مواجهة الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان في مناطق شاسعة من العالم وخلق تيار عام رافض لمظاهر الظلم والعدوان على حقوق الشعوب، وبروز قوى ضغط داخلية أو خارجية على الكثير من الأنظمة باتجاه احترام الحقوق السياسية وإعطاء حرية الانتخاب وإبداء الرأي ـ ولو في الظاهر ـ وبالتالي فانّ الأوضاع ـ بعد هذا الاتجاه ـ سارت في العالم بشكل عام نحو تقليل الظلم والعدل النسبي ـ نسبة للماضي ـ وذلك يعدّ من الأصول الأساسية التي يعمل باتجاهها الإسلام، في دفع الظلم عن المستضعفين والانتصار للمظلومين.
وقد يردّ البعض بأنّ هذه المطالبات والشعارات باسم حقوق الإنسان ما هي إلا أدوات سياسية يستعملها الغرب حيثما يشاء وحيثما تتطلـّب مصالحه، فيغضّ الطرف على هذا النظام. لأنه يحقق أهدافه ويساير رغباته، ويثير المسألة ضدّ ذاك،لأنه يقف عثرة في طريقه ولا ينسجم مع برامجه الاستعمارية. والواقع ان استغلال الغرب لهذه الشعارات وعدم الصدق في تطبيقها والتعامل بأكثر من معيار مع القضايا المطروحة هنا وهناك، هو أمر مسلـّم لا شكل فيه، ولكننا لا يمكن أن ننكر أنّ هذه الشعارات وما تحمله من أفكار قد غيرت الواقع في مساحات واسعة من الدول لتبنّيها من قطاعات واسعة من الشعوب، كما انّها أجبرت الكثير من الأنظمة على إعطاء حريات نسبية وإلى مراعاة ـ ولو ظاهرية ـ لحقوق الإنسان، خصوصاً مع نشوء منظمات محايدة، وبعضها شعبية، وأخرى أنشأتها المعارضة، ومع بروز صحافة حرة في العديد من دول العالم.. كل ذلك أوجد جوّاً اعلامياً ضاغطاًً باتجاه الاحترام النسبي ـ نسبة إلى الماضي ـ لحقوق الإنسان، ولو ألقينا نظرة شاملة للواقع السياسي في العالم لوجدنا غياب إمبراطوريات وأنظمة مستبدة عديدة، وبروز أنظمة شابة جديدة أعطت بعض المتنفـّس لشعوبها وسمحت للتجربة الانتخابية ـ بشكل من الأشكال ـ إلى أن تأخذ طريقها إلى الواقع، وقد شملت هذه التغييرات دولاً كثيرة كالمجموعة الاشتراكية السابقة، ودولاً من آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.
ثانياً: ومن هنا نعرف خطأ الموقف السلبي المسبق الذي اتخذه الإسلاميون ـ في أكثر من
موقع ـ تجاه كل ما هو غربي، أو في مقابل أية فكرة أو نظرية أنتجها الفكر البشري.
فإنّ موقف المؤسسات الدينية كان ـ في الأعم الأغلب ـ ولا زال متحفظاً وسلبياً بشدّة ويدعو إلى مواجهة ومقاطعة الحداثة ـ فكرها ونظمها لا أدواتها ـ بما اُوتي من قوة، وعدم التعامل مع أفكاره وآرائه وبرامجه الاجتماعية، بل الدعوة إل التمسّك بالماضي بما فيه من فكر وتراث وعادات اجتماعية موروثة ـ والكثير منها لا تصلح لزماننا ـ وحتـّى بلغ الأمر إلى الدعوة إلى رفض المظاهر الحياتية المادية الصرفة كطريقة الأكل واللباس و... والإصرار على الأزياء القومية والعادات الحياتية، والتي تختلف في العالم الإسلامي من بلد لآخر، فهي تقاليد وعادات قومية أو محليّة، لا علاقة لها بالفكر الإسلامي.
ومن هنا وجدنا زحف الأفكار العلمانية الحديثة في القطاعات المتعلمة والمثقفة التي وجدت في هذه الأفكار انسجاماً ـ ولو ظاهرياً ـ مع حياتها اليومية المتطورة باستمرار، كما أنـّها اعتبرتها
ـ ولو خطأ ـ أنّها كانت وراء التقدّم العالمي والسبق الذي وصلت إليه الدول المتطوّرة.
وقد رفضت الكثير من المؤسسات الدينية ـ ولا زالت ترفض ـ البرامج التعليمية الحديثة وطرق الدراسات الأكاديمية المتطورة، وأصرّت حتـّى على أشكال التعليم القديمة ـ ومنها الإصرار على جلوس الطالب على الأرض ـ معتبرة أنّ هذه الأشكال ـ والتي لا أصالة فكرية لها وانّما هي متغيّرة من حال لحال ومن زمان لزمان ومن مجتمع لآخر ـ من الأصول التي حفظت الشريعة وحافظت على الدراسة الدينية مئات السنين، وان تغييرها يؤدي إلى إفراغ الدراسة الدينية من محتواها..!!.
ولا نعلم كيف يفسر هؤلاء التطور العلمي الهائل الذي نتج من تحويل الدراسة في الكتاتيب والمدارس القديمة إلى النظم الحديثة، وكيف تتطور هذه البرامج باستمرار لتنتج لنا قفزة رهيبة في البحوث العلمية التي بات يشارك فيها حتـّى الشباب الصغار بما لم يكن يفكر فيه حتـّى كبار العلماء بالأمس.
إلاّ اننا نجد في المقابل، ورغم كل محاولات الوقوف بوجه الحداثة، انّ الحداثة فرضت نفسها ودخلت من الأبواب والشبابيك ومع موجات الهواء وأشعة الضوء الكونية، وكيف أنّ هذه الموجة استقطبت الأبناء وأن وقف بوجهها الآباء، وكيف انها نقلت المعركة بين الجديد والقديم من حواجز الحدود إلى داخل البيوت، وبين أفراد العائلة الواحدة، وكيف تسلـّم العلمانيون مقاليد الحكم ومسؤوليات التعليم ومراكز التنمية، وبقي المؤمنون بعيداً عن القدرة والتأثير.
وبالعودة إلى التجربة الإسلامية في نشوئها وارتقائها في الماضي، لم نجد فيها هذا التعامل السلبي ـ الضعيف ـ ولم نجد فيها الانكماش على الذات والتعصّب لكل ما هو ماضي، والإصرار على تراث الآباء، ولو كانوا لا يعقلون، بل نجد انّ الإسلام بما حمل من عظمة وقوة وانفتاح على الحياة واستيعاب لأسباب العلم والحضارة قد استطاع النهوض بالمجتمعات الجاهلية المتخلفة التي دخلها وبلغ بها خلال مدة قصيرة ـ حينها ـ إلى أعلى مراتب التطور والتقدم، فكان من هذه الأمة علماء وحكماء وفلكيون ومبدعون دانَ لهم العالم كله ولا زال بالاحترام والتجليل والاعتراف بسبقهم العلمي، كما استطاع الإسلام النهوض بالواقع الاجتماعي في مجتمعات كان يسحق فيها الإنسان تحت وطأة الطبقية والعنصرية واحتقار النوع البشري إلى مجتمعات تعطي للإنسان أعلى قيمة فهو خليفة الله في أرضه، أكرمه الله تعالى بالعلم والمعرفة، وسخـّر له ما في السماوات والأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة.
وهكذا نجد الإسلام لم يلغ حضارات الشعوب ولا دمّر مدنيتها، ولم يغلق أبوابه أمام الفكر العالمي، ما مضى منه وما لحق، وانما تعامل مع كل هذا وذاك بقواعد معرفية منفتحة متقدمة لا منغلقة متخلفة، فكان منها:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق:1-5).
(فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )(الزمر: 17و18).
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)(آل عمران: 190).
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت:53).
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الأنعام:11).
(فامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)(الملك: 15).
«الحكمة ضالـّة المؤمن».
«طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة».
«أطلبوا العلم ولو بالصّين».
وغير ذلك من عشرات النصوص بل مئاتها، حتـّى تجد أنـّك القرآن كلـّه دعوة لاكتساب العلم واتباع الحكمة.
ولذا فاننا نحتاج إلى نظرة جديدة تأخذ بنظر الاعتبار واقعية الحداثة، وتدرس حقيقتها ـ خيرها وشرّهاـ وتتعاطى معها من موقع الانفتاح والقوة والثقة بالنفس والمبدأ، لا من موقع الضعف والانسحاق.
ثالثاً: قد يعتبر البعض ان الحديث عن الحداثة سابق لأوانه، فهو يختص بمرحلة ممارسة تجربة الحكم، وحيث أن معظم الحركات الدينية لم تصل إلى تلك المرحلة، وهي مستنزفة فعلاً بالصراع مع الأنظمة أو مستغرقة في عمليات التغيير الاجتماعي أو العمل السياسي في الأمة فانها بذلك في غنى عن خوض مواضيع لم يأت أوان بحثها ولم تبرز الحاجة الماسّة إليها بعد.
والواقع انّ بحث هذه الموضوعات ضروري بل حياتي الآن وليس غداً لأسباب عديدة، منها:
1- انّ بيان موقف الإسلاميين منها يوضّح للأمة معالم الحياة التي ينشدها هؤلاء لبلدانهم، وبالتالي فان الناس اليوم لم تعد تقتنع بمجرّد طرح الشعارات الجميلة أو تبني المشاريع الخيرية، فقد مرّت الأمة بتجارب فاشلة عديدة أبهضت تكاليفها الناس، فلا بدّ من طرح المشاريع المستقبلية بصورة واضحة وشفافة.
2- إنّ الموقف من الحداثة لا يختص بمرحلة الحكم، وانما يدخل في رسم الكثير من البرامج الحالية وتحديد الموقف من الاطروحات السياسية المختلفة، واختيار طريقة التعامل مع الغير: حركات وأنظمة وحكومات ومشاريع سياسية، وكذلك الموقف من الشأن الثقافي وحرية الفكر والتعدّدية،وأيضاً في يفهم التركيبة الاجتماعية للأمم والشعوب، واستيعاب التطوّر الحضاري العالمي.
3ـ ولذا فانّ هضم «الحداثة» واستيعاب آثارها والاستفادة من معطياتها قد تغير النموذج المطلوب للمجتمع المنشود وطريقة الوصول إليه، أو ما يُسمّى بخط السير ومراحل التغيير معاً.
ولا نستطيع هنا تفصيل هذا الأثر الخطير، وإنما نعتمد فيه على ادراك القارئ الكريم لآثار القبول بالديمقراطية ـ مثلاً ـ كحلّ للمشكل السياسي ـ دون الخوض في صحة هذا القبول أو رفضه هنا ـ في رسم معالم النموذج المطلوب وتغيير برامج العمل السياسية لهذه الحركة أو تلك.
ربعاً: استيعاب الحداثة: كما سبق فانّ «الحداثة» لم تعد عبارة عن آليات أو تقنيات حديثة ولا مكتشفات علمية فقط، بل هي ذي وذاك ومعها أفكار وآثار ثقافية واجتماعية وسياسية كبيرة، ولذا ولغرض التعامل مع الحداثة واستيعابها وهضم آثارها ويتطلب منا النفوذ إلى ما بعد الظواهر والأعراض لاكتشاف الجواهر وتحديد لوازم الحداثة ونتائجها، وإذا علمنا أيضاً أن الحداثة هي تغيّر وتجدّد مستمر، عرفنا أنّ دراسة «الحداثة» تتطلـّب منـّا معاصرتها والتعرف عليها باستمرار لكي نعيش لحظات التطوّر والتغيير أوّلاً بأوّل.
إذ ربّما كان التغيير في كل عقد أوائل القرن يعادل أو يفوق التغيير في قرن ممّا مضى، ولكن التغيير والتجديد الحاصل في سنة واحدة الآن قد يفوق ما حدث في قرن من الزمن المنصرم، ولذا قيل: انّ مَن يفكـّر في الحاضر فهو يفكر في الماضي، ومَن أراد العيش في المستقبل عليه أن يفكـّر في المستقبل دوماً.
إن «الحداثة» التي طرأت على عالم الاتصال قد جعلت من عالمنا اليوم قرية واحدة بالفعل، فما يحدث في أقصى الشرق يراه ويعايشه الناس في كل العالم حتـّّى أطراف الغرب، وهذا بدوره عمل على انسياب القيم والمفاهيم والأفكار بصورة سيالة ومضطردة دون حواجز أو حدود، ولذا كانت «العلمنة» في هذا الجانب واقعاً لا ينكر.
كما أن التقدّم الهائل في عالم المعلومات وسهولة تناولها وانتقالها كان له أيضاً الآثار الكبيرة في تقارب مستويات التفكير وتهيئة مقدّمات واحدة لدى مختلف القطاعات العلمية والثقافية والسياسية في العالم، وغيّرت التزامات كبيرة كانت سائدة في مجال حفظ المعلومات والتجارة بها واعتبارها رأسمالاً ومصدراً من مصادر القوة والتفوق، وها نحن نجد أسرار الجينات وحلول معادلاتها الصعبة تنزل على الانترنيت لتكون بين يدي العلماء والباحثين في كل العالم دون احتكار أو تحجير.
كذلك نجد المهتم السياسي يراجع الفكر العالمي والتحليلات السياسية لسائر الدول والشعوب بمراجعة سهلة إلى جهازه الكمبيوتري.
وسهّلت حركة المعلومات وحرية الاتصال هذه أن يتواجه أصحاب الآراء المختلفة والمذاهب السياسية المتعارضة وجهاً لوجه أمام الرأي العام العالمي، فكان نتاج ذلك فكراً سياسياً جديداً يقر بتعددية الرأي ويحترم الرأي الآخر، ويعطي مساحة أوسع لمشاركة الناس في الرأي واتخاذ القرار الذي كان في الأمس محجوراً في دوائر خاصة أو مختصة تتعامل مع الناس كعوام لا يفهمون ولا رأي لهم وتنصب نفسها قيّمة على الأمة بيدها الأمر والنهي، ولذا فإنّنا نجد اهتماماً حتـّى من قِبَل الأنظمة المستبدّة بهذا الأمر لتحاول كسب الرأي العام وطرح آرائها ومحاولة إيجاد المقبولية لها.
وما ذكرناه مثال على الأفكار والآثار المتولدة من الآليات والأدوات التي جاءت بها الحداثة، وبالتالي التغييرات الكبيرة التي ستوجدها في حركة المجتمعات ووعي الشعوب.
ومن هذه الآثار الملموسة والمحتملة هو انحسار فكر الإلغاء للآخر والذي ساد في أوضاعنا المتخلفة دهراً، وذلك باهتمام أي فكر معارض أو جديد بالتكفير والتفسيق، أو بالتأثر بالفكر الغربي، أو حتى بالعمالة والتآمر، وانما سيكون ملاك التفاضل في المستقبل، وربّما الآن في كثير من المجالات، هو الفكر الأصلح، والأكثر حقانية وعقلانية، ولذا فانّ المدارس الفكرية المتعصّبة والمتحجّرة لن تجد مكاناً في الرأي العام مستقبلاً ما لم تغيّر من أساليبها ومناهجها.
ومن أفكار «الحداثة» وآثارها بروز الدور المؤسساتي وضمور الدور الفردي على كافة المستويات، فانّ الاتجاه العالم لنظام الإدارة في العالم على مستوى المؤسسات الصغيرة أو الكبيرة، الشعبية أو إدارة الدولة، وحتـّى المؤسسات العالمية هو التأكيد على دور المؤسسة لا الفرد، والبرنامج المدروس لا الاجتهاد الآني، والنظام لا الرأي الشخصي، ولذا نشهد اليوم في عالمنا غياب شخصيات قيادية ورئاسية عالمية كبيرة دون أن تتزحزح أنظمتهم أو تتغير سياساتها أو يؤثر ذلك الغياب في قوة النظام أو ضعفه، ودون أن تقلب الوجوه الجديدة الأمور رأساً على عقب، وبالتالي تتجه الأنظمة والشعوب إلى تحديد دور الفرد ضمن المؤسسة، وبواسطة آليات مقننة.
وهذا اتجاه جديد بخلاف الاتجاه السائد في العالم سابقاً القائم على دور الملك أو شخصية الرئيس ومكانة الحاكم وقوة إرادته أو ضعفها.
وقد أولد هذا فكراً سياسياً يقوم على أساس التأكيد على شرعية المؤسسة أو النظام لا شرعية الرئيس أو الحاكم، ونقصد هنا الشرعية السياسية لا الدينية.
وقد اعتبر أحد الباحثين الكبار تأكيد المسيحية على شخصية المسيح عليه السلام، دون الدِّين المسيحي أحد العوامل الرئيسية في ضعف المسيحية واضمحلال وجودها الحديث فيما عدّ تأكيد الإسلام على رسالته ومبادئة أحد العوامل الأساسية التي تضمن استمرار وجوده وتأثيره في المستقبل، وهو ما أكدت عليه النصوص الشريفة كقوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاًَ) (آل عمران:144).
ومن معالم «الحداثة» الجديدة العمل على توفير حد أدنى لمتطلبات الحياة في مجتمعاتها، من توفير الضمان الصحي والتأمين الاجتماعي الذي يوفر للإنسان متطلبات المعيشة الضرورية عند البطالة أو عدم القدرة على العمل، وحق التعليم لجميع الأطفال.. وبالتالي يتجه المجتمع نحو الرفاه وتحسين الأوضاع الدنيوية للإنسان، وقد باتت هذه الحقوق مطالباً بها في معظم مجتمعات العالم معتبرين اياها حقوقاً أوّلية أسوة بغيرهم ممن نعموا بها، كما نجد الاتجاه نحو الرفاهية اتجاهاً عاماً في سائر المجتمعات، خصوصاً بعد تلاقي الحضارات واصطكاك المدنيات، وبالتالي باتت هذه الأوضاع تفرض أطروحات جديدة ونمطاً من التعامل يختلف عن السابق حيث كانت الأفكار المثالية والمبدئية والأيديولوجية تحتل الصدارة وتستهوي قلوب الناس.. أي أنّ الأطروحات الجديدة ـ حتى الدينية ـ لابدّ أن تهتم بالجانب الدنيوي وتأمين متطلبات الحياة السعيدة وتقديم الحلول المناسبة في هذا الصعيد.
هذه أمثلة سريعة، فالموضوع يتطلـّب اهتماماً تخصصياً ومفصلاً، والخلاصة التي يمكننا ان نصل إليها هي أنّ المجتمعات الحديثة ـ بما فيها غير المسلمة ـ تنتظر حلاً لمشاكلها التي تعيشها دون أن يلغي هذا الحل معاصرتها ومعايشتها للحداثة والزمن الذي تحياه، بما تحمل هذه الكلمات من سعة ومعنى، وان الإسلاميين إذا أرادوا أن يكونوا ممّن يقدّم هذا الحل لابدّ لهم من أن يعيشوا زمنهم ويهضموا حداثته تماماً كغيرهم ثمّ يلجأوا من خلال هذا المنظار الدقيق والواسع لاستلهام حول الإسلام لمشكلات الحياة: الحياة الجديدة، الحيّة، والمتحرّكة والمتطوّرة.
ولا يعني استيعاب «الحداثة» التخصّص العلمي، وإن كان يساعد في ذلك، بل لابدّ من فهمها عبر دراسات اجتماعية متخصصة تتناول أبعاد التغيير الفكرية والاجتماعية والسياسية.
وفي هذا الصّدد يمكن أن يقدّم المهاجرون إلى البلاد المتقدّمة خدمة كبيرة لا العيش فيها، ولكن بالغوص إلى أعماق تلك المجتمعات ودراسة نقاط القوة والضعف فيها، وتشخيص الثابت والمتغيّر من خصائصها، كما يمكن لغيرهم إدراك تلك الغاية بدراسة ما كتبه روّاد «الحداثة» أنفسهم من تعريف ونقد لتجربتهم ودراسة آراء الناظرين للتجربة من غيرهم.
وكل ذلك من أجل طرح بديل حضاري متقدّم للإنسان والمجتمع المسلم المؤهل للمسك بزمام الحضارة والتمدّن مستقبلاً ، بما يمتلك من تراث عظيم ورسالة حيّة تمتلك الكثير من مقوّمات النهوض: رسالة تجمع الدّين والدنيا بأحلى صورة وأفضل حياة.

(*) باحث من العراق، معهد الابحاث والتنمية الحضارية.
المصدر: الإسلاميون على أعتاب القرن الحادي والعشرين دار الهادي، 2002م.