الحضارية «دراسات إسلامية»
الخميس: 21/08/2007

الاستنساخ وآراء الفقهاء

انتصار جواد الرماحي(*)

من منا لم تصبه الدهشة عندما سمع أو شاهد الأخبار التي ذكرت تمكن علماء الطب والوراثة من استنساخ حيوان حي بنسخة طبق الأصل من الحيوان الذي تم أخذ الخلية الجسمية منه، دون الحاجة إلى وجود الخلية الجنسية من الأب؟! كان هذا الحيوان المشهور هو (النعجة دولي)، ثم توالت الاكتشافات العظيمة لهذه التقنية من خلال إنتاج خلايا جذعية وإنتاج أجنة بشرية، لكن كانت هناك عدة عقبات تقنية وآراء دينية وأخلاقية وسياسية وقفت أمام هذا الاكتشاف العظيم، وهذه الآراء كانت متضاربة بين الرفض الكامل السلبي لهذه التقنية وبين التحفظ على بعض الأنواع مثل الاستنساخ البشري، أو استنساخ الأجنة البشرية، وبين الرد الايجابي عليها. وقبل عرض هذه الآراء لابد من التعرف على أهمية هذه التقنية، أي(الاستنساخ)، للبشر.
يمكن تعريف الاستنساخ (Cloning) على أنه:«إنتـاج نُسَخ (Copies) من المخلوقات الحية انطلاقاً من خلايا غير جنسيَّة تم أخذها من المخلوق الأصل».
ويأمل العلماء من هذه التقنية أن تحلَّ الكثير من المشكلات الطبية،وتتجلى الأهمية الطبية للاستنساخ من خلال إنتاج أعضاء بديلة (Substitute Organs) لاستخدامها في زراعة الأعضـاء (Organ Transplantation) بدلاً من الأعضاء التالفة أو المريضة، وهي طريقة أفضل من الطريقة المتبعة اليوم التي يُؤخذ فيها العضوُ من أحد الأشخاص المتبرعين ويُزرع في آخر، لأنَّ هذه الطريقة الأخيرة تسبب ظاهرة الرفض (Rejection) للعضو المزروع وتنتهي بفشل عملية الزراعة في كثير من الحالات.
يأمل العلماء مستقبلاً أنْ يسخِّروا هذه التقنيات في الوقاية من الأمراض الوراثية ومعالجة الكثير من التشوهات الخَلْقيَّة التي تشكل عبئاً اجتماعياً ونفسياً ومالياً ثقيلاً على المجتمع.
وكذلك إنتاج الحيوانات المنوية معمليا من الخلايا الجذعية مما قد يساعد في علاج مشاكل العقم لدى الرجال، وفي إنتاج سلالات أفضل من الماشية، فقد تمكن فريق بحث من كلية علوم الحياة بالجامعة الوطنية في سنغافورة بقيادة الدكتور هونغ يونهان، من إنماء حيوانات منوية -معمليا- لنوع من الأسماك يسمى «يداكا»، وهي أسماك صغيرة لا يزيد طول الواحدة منها عن 4 سم، تعيش في المياه الجارية. وقد وقع الاختيار عليها لأن عملية إنتاج الحيوانات المنوية في ذكورها تشبه مثيلتها في الثدييات. وقد نشرت دراسة عن ذلك في العدد الأخير من مجلة «فعاليات الأكاديمية الوطنية الأميركية للعلوم». حيث إن الحيوانات المنوية لا تتضاعف عدديا من حيوانات منوية أخرى، وإنما تتطور فقط من خلايا أمهات المني.
وكانت محاولات بحثية سابقة قد حاولت حفظ خلايا أمهات المني للفئران حية لفترات طويلة، ولكنها لم تنجح، واستطاع فريق البحث التوصل إلى الظروف الملائمة، إذ نجح في إنماء «مستعمرة» (colony) من الخلايا الجذعية، تحولت إلى حيوانات منوية متحركة ونشطة.
وقد ذكر الدكتور يونهان أن بالإمكان استخدام نفس الأسلوب لإنتاج الحيوانات المنوية البشرية، مما سيساعد على علاج العقم في الرجال في الحالات التي تخفق فيها خلايا أمهات المني -لأحد الأسباب المرضية أو الخـَلقية- في التحول إلى حيوانات منوية. وسيتم ذلك باستخلاص خلايا أمهات المني من الشخص، ثم توفر لها الظروف الملائمة معمليا لتنمو كحيوانات منوية. هذا المشروع البحثي يتوقف على تمويل مبلغ ثلاثة ملايين دولار في صورة منح من مؤسسة لي هيوك كوي السنغافورية ومجلس الأبحاث البيوطبية، والجامعة الوطنية السنغافورية.
وأما تقنية الاستنساخ العلاجي Therapeutic cloning، فيقصد به: «استنساخ كائنات حية لأخذ خلايا جذعية(Stem Cells) ولا يسمح لها للوصول إلى تخليق كائن حي كامل» و أهمية هذه الخلايا تنبع في قدرة هذه الخلايا في إنتاج أي خلايا أو أعضاء، كالكلية و الكبد و الخلايا الدموية، و التي يرجى في استخدامها علاج الكثير من الأمراض التي لا يوجد لها علاج شاف.
ولقد قامت إحدى الشركات العلمية في ولاية ماسيشيوستز بالولايات المتحدة الأمريكيةAdvanced Cell Technologies في شهر نوفمبر من عام 2001م بالإعلان عن محاولة ناجحة لاستخلاص خلايا جذعية من أجنة مستنسخة، وذلك بعد أن قامت باستخدام 8 بويضات بشرية تم تفريغها من نواها ثم زرع بداخلها نوى خلايا من الجلد.و لقد نجحوا في إنتاج خلايا جذعية من بويضة واحدة بينما فشلت البويضات السبع الأخرى، وكانت شركة ACT نفسها قد أعلنت في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه أنها تمكنت من إدماج المادة الوراثية للخلية البشرية مع بويضة مأخوذة من البقر لتصنيع جنين.
ومن أجل الأهمية العلمية والطبية والدينية لهذا الاكتشاف لابد من التعرف على المواقف الدينية والسياسية والأخلاقية لغير المسلمين من أطباء ومتدينين، وآراء علماء المسلمين الفقهية حول تقنية الاستنساخ، وهل يجوزها الشارع المقدس أم لا؟
في البدء يجب أن نعرف أن أول معارضة لهذه التقنية كانت نابعة من الدول التي بدءت فيها تجارب الاستنساخ الأولى، وأن إعلان شركة أمريكية عن استنساخها جنينا بشريا قد لاقى انقساما بين مؤيد ومعارض، فهناك من اعتبر الإعلان إنجازا علميا يفوق التصور، وهناك من أدانه قائلا إنه يشكل خطوة خطيرة.
وبالرغم من أن إعلان الاستنساخ لم يحدث للمرة الأولى، لكن ما يميز الإعلان الأخير صدوره من مؤسسة علمية ذات سجل معروف على النطاق العالمي في أبحاث الاستنساخ واستخدام تقنياته، وقد أكدت شركة ACT الأمريكية، صاحبة الإعلان، على أنها تهدف من استنساخ الجنين البشري إلى استخدامه مصدرا للخلايا الجذعية، وهي كما قلنا سابقا خلايا الكائن الحي الأساسية التي تنشأ منها الأنسجة والأعضاء المتخصصة، نافية أن يكون الهدف تخليق كائن بشري.
وإثر الإعلان مباشرة سارع زعماء دينيون وسياسيون أمريكيون بينهم زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأمريكي السناتور توم داشلي إلى الاحتجاج عليه باعتباره عملا مقلقا ومربكا، وتقول الشركة التي يوجد مقرها في ورسيستر في ماسشوسيتس: إن تكنولوجيا الاستنساخ ستستخدم لتنمية كتلة متناهية الصغر من الخلايا لاستخدامها بإنتاج الخلايا الأساسية. وقال المدير التنفيذي للشركة، مايكل ويست: إن ما تنتجه شركته «ليست حياة بشرية، بل مجرد حياة خلوية».
يذكر أن القانون الفيدرالي الأمريكي يحرم استخدام الأموال المحصلة من دافعي الضرائب لأغراض الاستنساخ البشري، لكن شركة ACT لا تتأثر بهذا الحظر، لأنها مؤسسة خاصة ومستقلة في تمويلها.
أما رد الفعل السياسي فقد جاء في تصريح لـ ماري آن ليبيرت، مسؤولة المجلة الإلكترونية e-biomed التي نشرت التقرير، أن الإعلان «يشكل حجر الزاوية في مجال الاستنساخ العلاجي». لقد أعرب السناتور الجمهوري ريتشارد شلبي عن اعتقاده بإثارة «نقاش واسع، ولكن في نهاية الأمر لا أعتقد أننا سنسمح بأن يسير استنساخ الجنين البشري قدما». يذكر أن باحثين في جامعة كيونجي في كوريا الجنوبية زعموا في ديسمبر/ كانون الأول1998م أنهم أنتجوا أول جنين بشري مستنسخ. وقالوا إنهم دمروه ما أن رأوه ينقسم لعدة مرات. لكن الكثير من العلماء في أنحاء العالم أعربوا عن شكوكهم بأن تكون تلك التجربة قد أجريت أساسا.
إن بعض الشركات العالمية خاصة في أمريكا وانجلترا وفرنسا أعلنت أخيرا سباقا محموما لإنتاج أول جنين بشري، مما أثار نوبة من الاحتجاجات العالمية والإدانات‏،‏ وتقدمت الحكومات بمشروعات قوانين لتحريم هذه الأعمال التي ستدخل بالإنسان مرحلة التجارة بالبشر‏،‏ وإنشاء مزارع بشرية، مهما تكن حجة أصحابها بأن الأبحاث تهدف لمواجهة الأمراض المستعصية‏.
لقد‏ أصدر البرلمان النرويجي قرارا يمنع منعا باتا إجراء التجارب أو القيام باستنساخ الإنسان. ودعا رئيس الجمهورية الفرنسية في نفس اليوم المجلس الاستشاري القومي للأخلاق إلى دراسة القانون الفرنسي ليطمئن على سلامته من وجود ثغرات يمكن من خلالها للباحثين الفرنسيين أن يقوموا في يوم من الأيام بالاستنساخ البشري.
وتباينت الآراء حول الاستنساخ البشري إلى ثلاثة مواقف:
الأول؛ يشجعه، وهو موقف المتخصصين في علاج العقم.
والثاني؛ يعارضه، وهو الموقف الذي اتخذته حكومات إنجلترا وألمانيا وفرنسا.
والثالث؛ يرى عدم التسرع في الرفض أو القبول، بل تحديد فترة مؤقتة توقف فيها الأبحاث حتى تستكمل دراسة النواحي الاجتماعية والأخلاقية للاستنساخ، وبعدها يقرر استئنافه أو توقيفه. وهو موقف الولايات المتحدة الأمريكية التي دعت إلى إيقاف تمويل الأبحاث المستخدمة في الاستنساخ البشري لمدة خمس سنوات. وستحدد هذه المواقف الثلاثة الفترة الزمنية التي ستمر قبل أن يصبح الاستنساخ البشري حقيقة.
ولنعد الى آراء علماء وفقهاء المسلمين بخصوص هذه التقنية، هل تم رفضها، أو حرمت تماما؟ أم لم يتم تحريمها؟ تعتبر أجهزة الفتوى والتشريع الإسلامي في مصر أن الدخول لمجال الاستنساخ سيفتح على البشرية أخطارا لا حصر لها من كل نوع فيه تدمير للقيم الإنسانية والعلمية‏،‏ لأن ذلك تطاول على العلم وتسخيره لتدمير الطبيعة البشرية، كما يتيح استنباط نوع من البشر يحمل كل السلبيات والشيخوخة المبكرة، وحتى لا نصل بالإنسان إلى مجرد قطع غيار ويصبح الإنسان حقل.
في ندوة «أخلاقيات المهنة» بطب الأزهر: أكد د. أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر، أن الأخلاقيات جزء لا يتجزأ من هذه المهنة «الطب» وأن مؤتمراتنا دائما في جامعة الأزهر ترتبط بالجانب الديني والأخلاقي، ويثير قضية الاستنساخ وهي تمثل خطورة على المجتمعات الإنسانية فتبحث بعض المجتمعات المتمردة إخراج إنسان حسب الطلب. وهذا يمثل خطراً على المجتمعات الإنسانية التي يجب أن يحكمها العلم والأخلاق. وأكد، د. عمر هاشم: القتل الرحيم والاستنساخ.. مرفوضان.
اما آراء حكم الاستنساخ البشري بالنسبة لفقهاء العراق، فقد أجاب المرجع الديني السيد محمد سعيد الحكيم في رده على بعض الأسئلة المتعلقة بهذه التقنية، قائلاً:
«أولاً: عن جواز أصل العملية أو عدمه شرعاً لو تم تخليق إنسان بهذه الطريقة؟ وبأية شروط لو كانت؟».
ج1 / «الظاهر إباحة إنتاج الكائن الحي بهذه الطريقة أو غيرها مما يرجع إلى استخدام نواميس الكون التي أودعها الله تعالى فيه والتي يكون في استكشافها المزيد من معرفة آيات الله تعالى وعظيم قدرته ودقة صنعته، استزادة في تثبيت الحجة وتنبيهاً عل صدق الدعوة، كما قال عزّ من قائل: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل آية شيء شهيد.
ولا يحرم من ذلك إلا ما كان عن طريق الزنى، ويلحق به على الأحوط وجوباً تلقيح بويضة المرأة بحيمن الرجل الأجنبي تلقيحاً صناعياً خارج الرحم، بحيث ينتسب الكائن الحي لأبوين أجنبيين ليس بينهما سبب محلل للنكاح.
أمّا ما عدا ذلك فلا يحرم في نفسه، إلا أن يقارن أمراً محرماً، كالنظر لما يحرم النظر إليه، ولمس ما يحرم لمسه، فيحرم ذلك الأمر.
وقد سبق أن وَرَدنا استفتاء حول هذا الموضوع من بعض الاخوة الذين يعيشون في بريطانيا، عند قيام الضجة الإعلامية العالمية حوله بين مؤيد ومعارض، وقد أُشير فيه لبعض الأمور التي سبقت كمحاذير يتوهم منها التحريم وهي:
1 ـ إنتاج الكائن الحي خارج نطاق الأسرة:
ولم يتضح الوجه في التحريم من أجل ذلك، حيث لا دليل في الشريعة على حصر مسار الإنسان في إنتاجه بسلوكه الطرق الطبيعية المألوفة، بل رقي الإنسان إنما هو باستحداث الطرق الأُخرى واستخدام نواميس الكون المودعة فيه التي يطلعه الله عليها بالبحث والاجتهاد، والاستزادة في طرق المعرفة، كما لا دليل على حصر إنتاج الإنسان في ضمن نطاق الأسرة، ولا سيما بعد خلق الإنسان الأول من طين، ثم خلق نبي الله عيسى (عليه لسلام) من غير أب، وخلق ناقة صالح وفصيلها على نحو ذلك كما تضمنته الروايات.
2 ـ إن هذه العملية تسبب مشاكل أخلاقية كبيرة، إذ من الممكن أن يستخدمها المجرمون للهروب من العدالة.
وهذا كسابقه لا يقتضي التحريم، فإن الإجرام وإن كان محرماً إلا أن فعل ما قد يستغله المجرم ليس محرماً، وما أكثر ما يقوم العالم اليوم بإنتاج وسائل يستخدمها المجرمون وتنفعهم هذه العملية، ولم يخطر ببال أحد تحريمها.
وربما كان انتفاع المجرمين بمثل عملية التجميل أكثر من انتفاعهم بهذه العملية، فهل تحرم عملية التجميل لذلك؟!
وفي الحقيقة أن ترتب النتائج الحسنة أو السيئة على مستجدات الحضارة المعاصرة تابع للمجتمع الذي نعيش فيه ويستغلها، فإذا كان مجتمعاً مادياً حيوانياً كانت النتائج إجرامية مريعة، كما نلمسه اليوم في نتائج كثير من هذه المستجدات في المجتمعات المتحضرة المعاصرة.
3 ـ إن نجاح هذه العملية قد تسبقه تجارب فاشلة تفسد فيها البويضة قبل أن تنتج الكائن الحي المطلوب.
فإن كان المراد بذلك أن إنتاج الكائن الحي لما كان معرضاً للفشل كان محرماً لأنه يستتبع قتل البويضة المهيأة لها، وهو محرم كإسقاط الجنين.
فالجواب: إن المحرم عملية قتل الكائن الحي المحترم الدم، أو قتل البويضة الملقحة التي هي في الطريق إلى لحياة، وذلك بمثل تعمد الإسقاط، وليس المحرم على المكلف عملية إنتاج كائن حي يموت قبل أن يستكمل شروط الحياة من دون أن يكون له يد في موته.
فيجوز للإنسان أن يتصل بزوجته جنسياً إذا كانت مهيأة للحمل، وإن كان الحمل معرضاً للسقوط نتيجة عدم استكمال شروط الحياة له، بسبب قصور الحيمن أو البويضة، أو عدم تهيؤ الظرف المناسب لاستكمال الجنين نموه وكسبه للحياة.
وعلى كل حال لا نرى مانعاً من العملية المذكورة، إلا أن تتوقف على محرم كالنظر لما يحرم النظر إليه ولمس ما يحرم لمسه وغير ذلك«.
صاحب الخلية والمستنسخ:
«ثانياً: إذا كان من خلق بهذه الطريقة ـ إنساناً ـ فما هو نسبته للشخص الذي انتزعت منه الخلية، امرأة كان أو رجلاً..».
ج2/ «إذا كان إنتاجه بالوجه السابق فليس له أب قطعاً، لأن النسبة للأب تابعة عرفاً لتكون الكائن الحي من حيمنه بعد اتحاده مع البويضة، كما يشير إليه قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ). ولا دخل للحيمن هنا بل للخلية المأخوذة من الجسد. وخصوصاً إذا كانت الخلية مأخوذة من جسد المرأة، حيث لا معنى لكونها أباً للإنسان المذكور، وقد ورد في نصوص كثيرة أن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم، وبغض النظر عن صحة النصوص المذكورة والبناء على مضمونها فإنه لم يتوهم أحد أن مقتضى هذه النصوص كون حواء بنتاً لآدم، وذلك يكشف عن أن معيار بنوة شخص لآخر ليس هو خلقته من جزء منه، بل خلقته من منيه كما ذكرنا، وأما النسبة للأُم فهي تابعة لتكون الكائن الحي من بويضتها، وهو هنا لا يتكون من تمام بويضتها بل من بعضها بعد تفريغها من نواتها، ومن ثم يشكل نسبته لها.
نعم، يصعب الجزم بعدمه. كما لا مجال للبناء على أنه أخ لصاحب الخلية أو البويضة بعد أن كان الأخ هو الذي يشارك أخاه في أحد الأبوين، وليس المعيار حمل الخصائص الحياتية والوراثية لعدم دخله في الانتساب عرفاً.
والمرجع في ضابط الانتساب هو العرف لا غير، وعليه عوّل الشارع الأقدس في ترتيب الأحكام حسبما نستفيده من الأدلة الشرعية. ولنفترض أن توصل العلم الحديث إلى اكتشاف ناموس يتيسر به تحويل خلية حيوانية أو نباتية ببعض التعديلات إلى إنسان مشابه لإنسان مخلوق بالطريق الاعتيادي في الخصائص الحياتية والوراثية، فهل يمكن أن نحكم بحصول علاقة نسبية بينهما بمجرد ذلك من دون تحقق الضوابط النسبية العرفية المعهودة؟! لا ريب في عدم جواز ذلك، بل نحن ملزمون بتخطي التشابه المذكور وتجاهله، والحكم بأنهما أجنبيان، وهكذا الحال في المقام حيث يتعين كون الإنسان المذكور أجنبياً عن صاحب الخلية، وليس بينهما أي ارتباط أو عنوان نسبي».
التبعية الدينية:
«ثالثاً: ما هو حكمه من حيث تبعيته الدينية أثناء الطفولة، هل يعتبر مسلماً أو كافراً؟ أم تكون نسبته طبقاً لدين صاحب الخلية»؟.
ج3/ «ما دام طفلاً لا تمييز له يجري عليه حكم من هو تابع له في حياته بحيث يصير في حوزته، كما يتبع الطفل الأسير آسره، فإذا صار مميزاً فهو محكوم بحكم الدين الذي يعتنقه، ولو فرض كفره لم يكن مرتداً حتى لو كان صاحب الخلية مسلماً، لعدم كونه أباً له كما سبق».
النسب:
«رابعاً:ما حكمه من حيث النسب:
أ ـ فيما يتصل بالعاقلة أو لولاء ضامن الجريرة؟
ب ـ هل يعتبر هاشمياً لو أخذت الخلية من هاشمي حتى مع الحكم بعدم بنوته أو اخوته لصاحب الخلية»؟.
ج4/ «لما كان الانتساب للعشيرة يتفرع على الانتساب للأب، فعدم انتساب الإنسان المذكور لصاحب الخلية بالبنوة وعدم أبوة صاحب الخلية له ـ كما سبق ـ يستلزم عدم انتسابه لعشيرة صاحب الخلية وعدم كونه هاشمياً لو كان صاحب الخلية هاشمياً مثلاً، كما يتضح بملاحظة ما تقدم في الجواب السؤال الثاني، وعلى ذلك ليس له عاقلة بل ينحصر عقله بضامن الجريرة والإمام (عليه السلام). نعم حيث تقدم الشك في انتسابه لصاحبة البويضة يتعين الشك في انتسابه لمن ينتسب إليها مثل كونه سبطاً لأبويها وكون اخوتها أخوالاً له، ولا طريق للجزم بثبوت الانتساب المذكور ولا نفيه، ولا بثبوت آثاره ولا نفيها، بل يتعين الاحتياط في ترتيب الأحكام الشرعية المتعلقة بذلك.«
الحقوق الشرعية:
«خامساً:هل هناك حقوق تترتب شرعاً بينه وبين صاحب الخلية»؟
ج5/ «لا حقوق بينهما لعدم النسبة بينهما، على ما تقدم في جواب السؤال الثاني».
الزواج والعلاقات الاجتماعية:
«سادساً: لو اعتبر بمنزلة الأجنبي، فما هو حكمه من حيث جواز زواجه ممن لو كان ابناً أو أخاً لصاحب الخلية لكان من المحرمات بالنسبة له»؟
ج6 / «مقتضى ما تقدم عدم المحرمية بين الإنسان المذكور وصاحب الخلية، فضلاً عمن يتصل به كأبيه وأخيه وابنه. نعم، قد يظهر من بعض النصوص الواردة في بدء التكوين استنكار نكاح الإنسان لما يتكون من بعضه، والنص المذكور وإن كان ضعيفاً سنداً إلا أن المرتكزات الشرعية قد تؤيده من دون أن تنهض حجة قاطعة تسوغ الفتوى بالتحريم، ومن ثم قد يلزم الاحتياط بتجنب النكاح بينه وبين المرتبطين بصاحب الخلية مثل أبيه وابنه وأخيه، كما أن احتمال بنوته لصاحبة البويضة الذي ذكرناه آنفاً ملزم بالاحتياط بعدم التناكح بينه وبينها، بل بينه وبين من يحرم بسببها على بنيها كأخيها وأُختها وابنها وبنتها ونحوهم».
ملكية الحيوان المستنسخ:
«سابعاً: ما هو حكم الحيوان المخلوق بهذه الطريقة من حيث عائديته أو ملكيته، هل يعود لمالك الحيوان الذي انتزعت منه البويضة أو الخلية؟ أو هو للقائم بعملية التخليق»؟
ج7 / «يعود الحيوان طبعاً لمالك الحيوان الذي انتزعت منه الخلية، لأن نمو الجسم المملوك تابع له، وإذا نما الجسم لم يخرج عن ملك مالكه سواء كان مع حفظ الصورة النوعية كنمو فرخ الحيوان حتى يكبر، أم مع تبديلها، كنمو الحب حتى يصير شجرة، ونمو البرعم حتى يكون في نهاية الأمر ثمرة. وذلك من الأحكام العرفية الارتكازية التي تحمل عليها الإطلاقات المقامية، وعلى ذلك جرى الفقهاء فحكموا بأنه لو غصب شخص حباً فزرعه صار الزرع لمالك الحب لا للغاصب. هذا كله إذا أخذت الخلية من غير إذن مالك الحيوان، أما إذا أخذت بإذنه فالمتبع هو نحو الاتفاق حين الإذن بين صاحب الحيوان والآخذ».
دم الحيوان المشابه لدم الإنسان:
«ثامناً: ما هو حكم لحم ولبن الحيوان الذي تصرفوا في هندسته الوراثية حتى أصبح دمه مشابهاً لدم الإنسان؟ وما هو حكم الدم المتخلف من هذا الحيوان لو ذكي»؟.
ج8«أما لحم الحيوان ولبنه فهو بحكم لحم ولبن مماثله، مما يندرج في نوعه عرفاً، كالغنم والبقر والقطة والكلب والإنسان، لدخوله في أدلة أحكام لبن ولحم ذلك الحيوان، فما دل على حلية لحم ولبن الغنم مثلاً يدل على حلية لحم ولبن الغنم الذي تصرفوا في هندسته الوراثية، لأنه من أفراده عرفاً. ومجرد مشابهة دمه لدم الإنسان لا يخرجه عن موضوع تلك الأدلة.
وأما الدم المتخلف من هذا الحيوان لو ذكي فهو طاهر لما دل على طهارة الدم المتخلف في الذبيحة، لعدم النظر في ذلك الدليل لتركيبة الدم وعناصره.
على أنه لو فرض قصور ذلك الدليل كفى أصل الطهارة في البناء على طهارة الدم المذكور، وأما ما دل على نجاسة دم الإنسان فهو مختص بالدم المتكون في جسد الإنسان، ولا يعم كل دم مشابه لدم الإنسان في عناصره.
وبعبارة أُخرى: إن نسبة الدم لصاحبه عرفاً على أساس تكونه فيه، لا على أساس حمله لعناصر دمه».
ومن كل ذلك تعرفنا ملياً ما أوجده الشارع المقدس من شروحات دقيقة قل نظيرها في تحديد هوية الحيوان أو الإنسان المستنسخ ودمه ونسبه وملكيته.

(*) طالبة دكتوراه، معهد الهندسة الوراثية، بغداد.