|
|
 |
الحضارية «دراسات
إسلامية» |
|
السبت: 09/08/2007
الكتابة عند العرب في العصر
الإسلامي الأول
محمد حمزة
وقف المفكرون العرب من هذه المسألة مواقف متباينة
تراوحت بين التأكيد على معرفة العرب الكتابة في فترة مبكرة ونفيها عنهم وعموماً
يمكن رصد ثلاثة اتجاهات:
أـ الاتجاه الأول: ذهب أصحابه إلى أن العرب لم يكن لهم علم ولا فلسفة ولم يكن بينهم
من يصحّ تسميته بأنه عالم إلاّ القليل وكان الجهل فاشياً فيهم الأمية شائعة بينهم
وخاصة في الحجاز(1)، ولما كان الخط مظهراً من مظاهر التحضر والتمدن كان أبعد الناس
منه الأمم البادية التي اختصّ بالكتابة فيها الخاصة منهم فحسب فلم تكن بالتالي
بالشيء الذائع المتداول(2)، فيما يجعل الحكم على الأمة العربية بأنها أمة أمية لا
تقرأ ولا تكتب من السهولة بمكان حتى لقد سماها القرآن عند مجيء الإسلام بذلك فقال:
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ)(3).
ولقد كان عدم انتشار الكتابة وذيوعها بين العرب من أهمّ العوامل في تنمية ملكة
الحفظ فيهم فقد اعتمدوا على قوة الذاكرة في جميع ما يهمهم من الأشعار والأنساب
والمفاخر والأيام فكانت العرب بذلك من أحفظ الأمم التي عرفها التاريخ إلى يومنا
هذا(4). فلمـّا جاء الإسلام لم يكن بمكة ممن يعرف الكتابة سوى سبعة عشر رجلاً من
بينهم عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة وطلحة ويزيد بن
أبي سفيان... وقد كانت مكة أوفر حظا في الكتابة من المدينة التي لا يتجاوز عدد
المتعلمين بها أحد عشر رجلاً(5). ثم أخذ الدين الجديد بيد العرب لترقية الكتابة
والعمل على نشرها فأصبحت لها منزلة عظيمة في حفظ الوحي وتبليغ رسائل النبي إلى
الملوك(6).
ب ـ أما الاتجاه الثاني: فيذهب إلى أن العرب عرفوا الكتابة قبل الإسلام بزمن طويل وأن افتخارهم بقوة الحفظ لديهم ما كان ليخفي معرفتهم هذه(7) وأنّ القول أنّ العرب
أمة أمية لا يقصد به إلاّ عرب البادية أما سكان اليمن ومدن نجد والحجاز والعراق
والجزيرة العربية فإن تاريخهم يدّل على وفرة اعتمادهم على الكتابة بدليل ما قاله
ابن الكلبي في كتابه الأنساب من أنه استخرج أخبار العرب وأنسابهم من كتب بالحيرة ثم
انتشرت الكتابة في عهد النبي لمّا تقتضيه طبيعة الرسالة من توفـّر متعلمين يهتمون
بتقييد ما ينزل من الوحي ويضطلعون بمهمة السفارات(8).
ت ـ ويتميز الموقف الثالث: في أنه لا يغلو في وصف العرب قبيل الإسلام بجهل الكتابة
وعدم التمرّس بها لندرة أدواتها وتعويلهم على الذاكرة فممّا لا ريب فيه أن شمال
الجزيرة العربية عرف الكتابة والقراءة وأن مكة بمركزها التجاري عرفت قارئين وكاتبين
وكذلك الأمر في المدينة، ويستبعد هذا الاتجاه ما جاء في بعض الأخبار وخاصة ما نقله
البلاذري من أن مكة في ذلك الحين لم تكن تشتمل إلاّ على بضعة عشر رجلا يقرؤون
ويكتبون «لأن هذه الأخبار إن صحت أسانيدها لا تبلغ أن تكون إحصاء دقيقاً أو استقراء
شاملاً فما فيها إلاّ دلالة ظنية غامضة لا يحسن مع مثلها القطع في هذا الموضوع
الخطير»(9) فلا شيء يدعو إلى الغلو في امر الكتابة واعتقاد كثرتها في شبه الجزيرة
العربية وفي المقابل يجب عدم إهمال الأخبار التي تتحدث عن وجود فئة من المتعلمين
بدأت تتزايد مع انتشار الإسلام(10).
وما يلاحظ هنا أن الاختلاف في مدى معرفة العرب للقراءة والكتابة وثيق الصلة بأمرين
اثنين أحدهما ما يستتبع التأكيد على انتشار الكتابة على نطاق واسع من الذهاب إلى
القول إن الحديث لم يعدم من عمل على تدوينه من الصحابة في فترة مبكرة من تاريخ
الإسلام. أما الأمر الثاني فإنه يتصل بما نتج عن فهم المسلمين للآية: (هُوَ الَّذِي
بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً)(11) من معان اصطبغت بها مواقفهم من مدى معرفة
العرب للكتابة عموماً ومعرفة الرسول بها بصفة أخصّ. وإذا كنـّا نرجئ بحث الأمر
الأول إلى حين استعراض مختلف المواقف من تدوين الحديث النبوي فإن الأمر الثاني
المتعلق بفهم لفظة الأمية جدير بالوقوف عنده.
يرى مصطفى السباعي أن العرب لأميّتهم كانوا يعتمدون على ذاكرتهم وحدها فيما يودّون
حفظه واستظهاره(12)، ويتابعه في هذا الموقف نور الدين عتر فيربط بين أميّة العرب
وصفاء أذهانهم وقوة قرائحهم لأن الأمي يعتمد على الذاكرة فتنمو وتقوى لتسعفه عند
الحاجة(13)، ويضيف أبو زهو إن العرب بطبيعتهم أميون؛ لذلك كانت الكتابة منحصرة في
أفراد قليلين(14). أما الخطيب فإنه يعترض على هذا المنحى في فهم الآية ويرى أن
الأمية لا تعني الأمية الكتابية والعلمية بل تعني الأمية الدينية فالعرب أميون لأنه
لم ينزل عليهم كتاب(15).
ولكن لماذا الجزم عند معظم الباحثين أن الأمية تعنى بالضرورة عدم معرفة القراءة
والكتابة؟
لاشك أن هذه القضية تتنزل في نطاق التفاعل الجدلي بين ما ينصّ عليه القرآن وما
ينتظره منه قراؤه ومتدبروه(16)، وقد ذهبت معظم التفاسير مثل تفسير القرطبي والبغوي
إلى أن الرسول النبيّ الأمّي نصّ عليه القرآن (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ )(سورة الأعراف: 157) هو الذي لا يعرف القراءة والكتابة وقد
نقل عن ابن العباس قوله: «كان نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم أمياً لا يكتب ولا
يقرأ»(17) وقال: «الأميّون الذين لا يكتبون وكذلك كانت قريش»(18). إنّ ما يفسّر
شيوع هذا المعنى لمفهوم الأميّ منذ عصر التدوين إلى اليوم أنّ جهل القراءة والكتابة
عدّ في نظر المسلمين حجة قويّة على أن القرآن منزل على محمد وأن دور الرسول اقتصر
على التبليغ فحسب(19) واعتبر العرب تبعاً لذلك أميين مثل الرسول الذي بعث فيهم.
وإذا كان هذا المفهوم للأمية مرتبطا بالتصور الإسلامي للوحي والتنزيل الذي ينزه
الرسول عن كل تدخّل في صياغة الكتاب فإننا لا نعدم في المقابل وجود آراء معاصرة
خرجت عن نطاق هذا الفهم الشائع لمعنى الأمية وارتكزت على ما أورده الطبري في تفسيره
من أن نعت العرب بالأمية يعود إلى أنهم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله ولا كتاباً
أنزله فكانوا بالتالي أميين دينياً ولم يكونوا مثل أهل الكتاب من اليهود والنصارى
الذين لهم التوراة والإنجيل(20).
لكن هذا المنحى في الفهم يجابه بمعارضة ورفض شديدين عبّر عنهما صبحي الصالح بقوله:
«ولفظ الأمّي.. سواء أكان وصفاً للعرب أم النبي(ص) لا يعني إلاّ الذي يجهل القراءة
والكتابة وهو ما فهمه جمهور المفسرين وما عليه علماء الأمة إلى يومنا هذا، وحينئذ
لا يكون في وصف العرب» بالأميين «غلو في جهلهم الكتابة إذا الأمية بهذا المعنى كانت
غالبة على كثرتهم وإنما يكون الغلو يقينا في إدعاء كثرة الكتابة وأدواتها بين العرب
وفي الزعم القائل إنهم لم يجهلوا الكتابة وأدواتها بين العرب وفي الزعم القائل إنهم
لم يجهلوا الكتابة بل جهلوا شريعة الله لأن أحدا من الباحثين لم يأت ببرهان على هذا
الرأي العقيم»(21).
وأيّا ما كانت مواقف الباحثين من مدى سيطرة الثقافة الشفوية على العصر الإسلامي
الأول فإننا نجد تأكيداً لدى هؤلاء الباحثين على اعتبار ظهور الدين الجديد قد مثل
نقلة كبيرة تجسّدت أبعاده في المستوى الديني والثقافي بالخصوص لاسيما وأن النبي جعل
لكلّ أسير إمكانية فداء نفسه لقاء تعليم عشرة من صبيان المدينة الكتابة والقراءة
وقد بلغ عدد كتبة الوحي بين يدي الرسول أربعين رجلاً(22) وهم الذين كتبوا القسم
المكي من القرآن قبل الهجرة إلى المدينة، ثمّ ما كاد المسلمون يستقرون في المدينة
حتى كثر فيهم الكاتبون وأصبحت المساجد بالمدينة مدارس لنشر العلم، وما يزيد اعتقادا
في انتشار الكتابة ما رواه البخاري من أن الرسول أمر في السنة الأولى للهجرة بإحصاء
المسلمين في المدينة فكتب له ذلك(23) بل إننا نعثر على أخبار تؤكد أن العربي لم
يكتف بمعرفة الكتابة وحدها بل تجاوز هذه المرحلة لأولى من تعلم الكتابة واضطرته
أحواله المعيشية والتجارية إلى تعلم لغات أخرى فتعلم عدي بن زيد الخط الفارسي
وأعتنى عبدالله بن عمر بكتب أهل الكتاب وتعلم زيد بن ثابت كتابة العبرانية
والسريانية والفارسية والرومية.. واهتم العرب أيضاً بكتابة العهود والمواثيق
والأحلاف التي يرتبطون بها فيما بينهم فاتـّسع بذلك ميدان الكتابة وتشعبت
مواضيعها(24).
الهوامش
ــــــــــــ
(1) أحمد أمين، فجر الإسلام: 140.
(2) أبو زهو، الحديث والمحدثون: 119.
(3) الجمعة: 68/2.
(4) أبو زهو، الحديث والمحدثون: 120، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: 59.
(5) أحمد أمين، فجر الإسلام: 141.
(6) أبو زهو، الحديث والمتحدثون، 119.
(7) الخطيب: السنة قبل التدوين: 295 وما بعدها. ويذكر أن بعض الشعراء، كانوا يخفون
معرفتهم الكتابة ليتباهوا بقوة حفظهم. المصدر نفسه: 301. وأنظر ناصر الدين الأسد
الذي يدافع بشدة عن انتشار الكتابة في الجاهلية ويرى أن العرب كانوا يكتبون في
جاهليتهم ثلاثة قرون على أقل تقدير بالخط الذي عرفه بعد ذلك المسلمون ويجزم هذا
الباحث أن معرفة الجاهلية بالكتابة «أمر يقيني يقرّره البحث العلمي القائم على
الدليل المادي المحسوس»،وللبرهنة على هذا الموقف أكد ناصر الدين الأسد على أن
الذهاب في الرأي الخاطئ حول عدم معرفة الجاهلية للكتابة سببه عدم عناية القدماء
ببحث تاريخ الجاهلية لذاته وإنما كان يقصد البحث لغيره من موضوعات العصور الإسلامية
حيث وقع التأكيد على الرغم القائل إن الصفة البالغة على الجاهلية هي أنها كانت
قليلة الحظ من كل عمران ورقي وبعيدة عن مظاهر الحضارة والمدنية، ويرى الكاتب أن من
أثر هذه المحاولة الرامية إلى «تجهيل الجاهلية» أن امتد أثرها إلى تجهيل الصحابة
ونعتهم بالأمية وما ذلك إلا مبالغة في وسم الجاهلية بسمة لجهل لأن الصحابة أو
معظمهم نشأوا وتكونوا ثقافياً وفكرياً في الجاهلية، ويعيب الأسد على ابن قتيبة وصمه
الصحابة بالأميين «لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان وإذا كتب لم يتقن ولم يصب
التهجي»، ويؤكد الأسد في مقابل ذلك على وجود معلمين في الجاهلية يعلمون القراءة
والكتابة وضروبا من العلم منها أخبار الأولين وقصص التاريخ. انظر ناصر الدين الأسد:
مصادر الشعر الجاهلي، ط 8، بيروت، 1988م: 33-52. وقارن حسين نصار، نشأة التدوين
التاريخي عند العرب، مصر، د.ت: 5 ـ 6، الذي ينفي الكتابة التاريخية في العصر
الجاهلي ويقصرها على التاريخ الشفهي ويقول: «إذ أجهدنا أنفسنا باحثين عن أي نوع من
الكتابة التاريخية في العصر الجاهلي لم نكد نظفر بشيء». والواضح هنا أن موقف ناصر
الدين الأسد يجب تنزيله ضمن المؤلفات التي ألفها أصحابها للردّ على كتاب طه حسين:
في الشعر الجاهلي (صدر سنة 1926م)، وهو الكتاب الذي أثار معركة كبيرة في ذلك الوقت
لوسمه الشعر الجاهلي بسمة الانتحال نظرا إلى أن مروياته نقلت مشافهة.
(8) انظر الخطيب، السنة قبل التدوين: 298 ومحمود شيت خطاب، السفارات والرسائل
النبوية، مجلة المورد، م.16، ع.1، 1987م: 29 – 50.
(9) صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه:14 – 15.
(10) أكرم ضياء العمري، بحوث في تاريخ السنة المشرقية: 224، وراجع بلاشير (Blachere)
الذي يرى أن الكتابة العربية ونموها يتفقان من الوجهة الزمنية وإدخال المذاهب
التوحيدية إلى المجال العربي إلى حد يصعب معه نكران الصلة بين هاتين
الظاهرتين.وريجيس بلاشير، تاريخ الأدب العربي، ترجمة إبراهيم الكيلاني، تونس ـ
الجزائر، 1986م ، ج 1: 71.
(11) الجمعة: 62/2.
(12) السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: 59.
(13) عتر، منهج النقد في علوم الحديث: 37.
(14) أبو زهو، الحديث والمحدثون: 119، وانظر مواقف متشابهة عند رفيق العظم، مقال: «تدوين
في الإسلام»، مجلة المنار، م 10: 743.
(15) الخطيب، السنة قبل التدوين: 395.
(16) عبد المجيد الشرفي، الفكر الإسلامي في الرّد علي النصاري إلى نهاية القرن
الرابع، تونس ـ الجزائر، 1986م: 470-471.
(17) خطاب، السفارات والرسائل النبوية: 29.
(18) خطاب، المرجع نفسه: 30.
(19) عبد المجيد الشرقي، المرجع نفسه: 473، وانظر: مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ،
نصيف نصار، ط 2، بيروت، 1980م: 13-23.
(20) يتبنى هذا الموقف ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي: 45. وكذلك عبد
المجيد الشرفي الذي يربط مفهوم الأمية بالتصنيف الذي كانت اليهود تصنف به البشر إلى
قسمين: شعب الله المختار وباقي الشعوب أو الأميين، والفكر الإسلامي: 471. وانظر
موقفا آخر لنصيف نصار في كتابه مفهوم الأمة، المرجع المذكور: 25 – 27، مال فيه إلى
تفسير أورده عبد الله العلايلي ومفاده أنّ لفطة الأمّي مشتقة من الأمة وهي تعني «الإمام
المعلم صاحب الشرعة للناس كافة الداعية إلى توحيد المختلفين». وانظر كذلك
R.Blachere: Introduction au Coran, 2ed.,Paris, 1977, p.7-8.
(21)صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه: 16.
(22) يجزم صبحي الصالح بهذا العدد في حين نجد روايات أخرى تذكر أن عدد كتاب الوحي
ستة وعشرون كاتباً. انظر علوم الحديث ومصطلحه: 17، وقارن محمود شيت خطاب، السفارات
والرسائل النبوية: 31.
(23) صبحي صالح، علوم الحديث، المصدر المذكور: 18 و أحمد أمين، فجر الإسلام: 141.
(24) الخطيب، السنة قبل التدوين: 291-301، وانظر ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر
الجاهلي: 55-58 وحول ظهور الكتابة العربية، بلاشير، تاريخ الأدب العربي، ج1: 58.
المصدر: الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث، المركز الثقافي العربي ـ
المؤسسة العربية للتحديث الفكري ـ بيروت.
|
|
|