الحضارية «دراسات إسلامية»
الأربعاء: 16/07/2007

لماذا إسلامية المعرفة؟(*)

الأستاذ الدكتور طه جابر العلواني

إن أهم منطلقات التغيير المنطلق الذي يقوم على رؤية كلية سليمة للكون والإنسان والحياة، وعلاقتها بخالقها في إطار ثلاثية التوحيد والاستخلاف والتسخير. وهذه الرؤية لا يمكن أن تنبثق إلا من عقيدة راسخة كاملة وصحيحة؛ إذ عن عقيدة كهذه، و رؤية سليمة منبثقة عنها ينبثق التصور الإسلامي بكل خصائصه المعروفة. وعليها تقوم دعائمه ومقوماته، والتغيير باتجاه الأسوأ يبدأ بتغير المعتقد وإنحراف الرؤية الكلية فتختل قاعدة التفكير السليمة، وتضطرب التصورات، وتختلط المفاهيم، وينهار سلم فقه الأولويات، وتمتلئ الأنفس بعوامل التغيير، فيتغير ما بالقوم من دواع ودوافع ويتغير ما حولهم وتضطرب أمورهم. وهذا هو ما حدث فعلاً للأمة المسلمة، والمتتبع لأدوار رقيها أو هبوطها يجد ارتباط كل من الرقي والهبوط بتغير ما في الأنفس والعقول والقلوب وثيقاً جداً.
لماذا إسلامية المعرفة؟
منذ أن برز التحدي الأوروبي وأدركت الأمة عجزها عن استيعابه، ومحاولات المسلمين لم تتوقف للرد على ذلك التحدي وإعادة البناء الإسلامي. وقد فشلت محاولات اللحاق بأوربا والتحديث والتصنيع على غرارها مثل محاولة السلطان محمود الثاني (1784م – 1839م) على مستوى السلطنة وقد حكم اعتباراً من عام (1808م – 1839م)، ثم المحاولات الاقليمية مثل محاولة محمد علي (1769م – 1849م) في مصر.
كما لم تحقق محاولات التغيير والاصلاح العقيدي الذي لم يربط بين العقيدة والرؤية والبناء الفكري، وكذلك الإصلاح السياسي التي نهضت بها حركات عديدة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ومن أبرزها حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة، وحركات أخرى في أفريقيا وفارس وأفغانستان والهند، وقد آل رصيد تلك الحركات – كلها – إلى حركة الاصلاحيين في أواخر القرن الماضي وتصدى السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ عبد الرحمن الكواكبي والشيخ محمد عبده وعلماء إيران والعراق والهند لاحداث التغيير في هذه الأمة فنجحت وتراجعت، لكن الحصيلة النهائية لم تكن في صالح التغيير إلى الأحسن أو الاصلاح والتجديد
– كما سيتضح فيما بعد – وتسلمت الراية الحركات الإسلامية المعاصرة، وبدأت تصوغ خطابها ليكون خطاباً شاملاً مستفيداً من تراث حركات الاصلاح وموظفاً لرصيدها، ولا تزال الأمة بعيدة عن التغيير الحقيقي، وفشلت أفكار المقاربات والمقارنات، وانتهت محاولات التحديث، لا بالفشل في نقل التحديث والتصنيع وبناء الدولة الحديثة القوية، بل بهدم البنى التحتية التي كانت قائمة في مجتمعاتنا وتدميرها دون بدائل، مما زاد في مآسي الأمة ومعاناتها.
وصف الأفغاني في العديد من رسائله مظاهر الضعف والتخلف المتفشية في بلدان العالم الإسلامي (1)، ترى هي يستطيع الناظر فيها من أبناء عصرنا هذا أن يلحظ تغيراً مهماً في حال الأمة اللهم إلا إلى الأسوأ!
إننا حين نرفع أسماء الحكام الذين نعى السيد الأفغاني عليهم أخطاءهم ونستبدلها بأسماء الحكام والدول المعاصرة وكذلك البلدان فسوف لا نجد أي شيء يمكن أن يلفت النظر ويحمل على الظن بأن هذا الحديث قد مرت عليه كل تلك العقود من السنين، بل إنه كاد يكون وصفاً دقيقاً لحال الأمة اليوم.
ان استمرار حالة التردي والتفكك والتفسخ في أمتنا ليدهش العقل ويحير الحكماء!! لقد بلغت الأمة الحضيض السحيق الذي تتمرغ فيه الآن ولكننا لا ندري ما إذا كان ستتدحرج إلى ما هو دونه أو أسوأ منه، أو ستقف في تفككها وتفسخها عند هذا الحد.
إن الاحتمال الأول هو الأرجح ان لم يتداركها الله برحمته. والذي يهمنا هو أن ندرك بعض الأسباب ونسلط الضوء عليها.
إن السبب الأهم – في نظرنا – أن محاولات الإصلاح والتجديد والتغيير التي سلكتها الأمة خلال الفترة المشار إليها فقد عالجت أموراً وفاتتها أمور، وأن التجديد والاصلاح لم يأخذا مداهما الشامل ليحيطا بأسباب الأزمة المختلفة، ويهيئا الأمة للخروج التام منها. فانشغلت معظم حركات الإصلاح بمعالجة مظاهر الأزمة وما تنعكس عليه من آثار يومية ومباشرة. أما جذورها ومنابعها فلم تأخذ الأزمة وما تنعكس عليه من آثار يومية ومباشرة. أما جذورها ومنابعها فلم تأخذ حظها من البحث والدراسة ثم المعالجة، وذلك لا يعيب تلك المحاولات ولا يقلل من شأن ما قدمته للأمة من خدمات ومكاسب، في مقدمتها المحافظة على هوية الأمة وانتمائها. ومن هذا تبرز الحاجة واضحة إلى محاولة اصلاحية معرفية منهجية تستطيع رصد سائر أسباب الأزمة ومنابعها إضافة إلى آثارها وانعكاساتها وتحاول أن تقدم للأمة منهاجاً سليماً لاعادة البناء قائماً على ذات الدعائم الأولى التي عليها قام بناء حضارة الإسلام في دورته الحضارية الأولى، ألا وهي: بعث إنسانية الإنسان بوصفه إنساناً مجرداً عن كل وصف لاحق لإنسانيته مدعوا للاشتراك مع كل إنسان في تأليف مجتمع تترابط عناصره برباط العقد الإجتماعي المفتوح لتعاقد الناس كلهم تعاقداً بريئاً من العنصريات والطبقات والاقليميات ليجعوا السبيل إلى الاتفاق بينهم، فيما افتقرت فيه الأمم الشعور أولاً بأن الإنسان كفء للإنسان، ثم الشعور ثانياً بأن الحقائق كلها المتصلة بالمادة والمتصلة بما وراءها في متناول الإنسان يستطيع أن يتوصل إليها بمداركه العديدة المتدرجة، المستند بعضها إلى بعض في غير تنافر ولا تدابر ولا تناشز.
فليس المسلمون بحاجة من أجل استعادة فاعليتهم إلى تكوين الدين من جديد، لكنهم في حاجة إلى الوعي المعرفي والمنهجي الذي يمكنهم من توليد الإرادة والقدرة والعزيمة والفاعلية من الدين، وإلى قدرة على تقويم مسيرة حياتهم العملية والسلوكية بأفكار قائمة على الدين.
فالإنطلاقة الحقيقة والاستجابة لدعاوي الإصلاح والتجديد لابد أن تبدأ بتحقيق إنسانية الإنسان وبناء الأمن الداخلي في ضمير الفرد المسلم لتأتلف فيها مداركه الإنسانية كلها، ويتجاوز الإنسان بذلك ويلات الحيرة والاضطراب، وتنازع الأفكار والمعتقدات والعواطف، ويسود السلام بين المعقولات والعقائد المنقولات، ويتحقق الانسجام الواعي بين الروحانيات والماديات، وتنطلق قوة النظر أو داعيته لتسير في الأرض، وتقرأ في الكون بانطلاق تام، فاذا أوشك أن تحتار وتضطرب في حقيقة المقصد، أو طبيعة الطريق جاء الوحي يسدد ويرشد ويدعو الإنسان إلى قراءة الكون. ويكون الوحي المعين والمثبت للإنسان والهادي الأمين له في قراءة الكون، وهكذا يستعيد الإنسان قدرته وفاعليته ويحقق انطلاقه، ويجد الإنسان نفسه قادراً على الانجاز الحضاري دون أن يستبد به الشعور بمطلقه الذاتي.
إن محاولات التجديد التي حدثت خلال الفترة المشار إليها انطلقت معظمها من مسلمات كان عليها أن تراجعها بدقة، فقد ظنت بعض حركات التجديد والاصلاح أن تراثنا على مستوى الفكر والمنهج والعقيدة والشرعة والمعرفة كامل وأنها لا تحتاج إلى مراجعة شيء منه، ويكفيها أن تضع أيدي الأمة على تراثها، وتنبهها إلى كنوزه وجواهره فتجد فيه كل ما تريد باعتبار أن الأمة كانت بخير في فترات انتاج ذلك التراث وتداوله، ولم تكن حالتها بالشكل الذي هي عليه الآن.
وإذن فكل ما يلزمها هو أن تنقل الصناعات والتقنيات المادية التي تحتاجها من الغرب، وتتشبث بتراثها كما هو لتحقق النقلة الحضارية المطلوبة، وبعض تلك الحركات ظنت أن المطلوب هو القيام ببعض المراجعات التراثية، وتجديد بعض أنواع ذلك التراث، وإعادة انتاجه، وتعليمه وإيجاد الوعي به ليتحقق المطلوب.
وبعضها قد اعتبر مهمة التجديد والإصلاح ميسَّرة إذا ما تم التمكن من القيام بتفسير أو تأويل كثير من أطروحات التراث بحيث يقارب بها الفكر المعاصر أو يقارنه فإذا تم هذا فإن عجلة التغيير ستدور.
غير أن الرجوع إلى منهجية القراءة وإعادة بناء المدارك الإنسانية بقراءة الوحي والكون لم يأخذ حظه اللائق به من حركات الاصلاح والتجديد، والذين تنبهوا إلى وجوب إنطلاق حركات التجديد من إعادة قراءة القرآن الكريم واجهتهم جملة من المشكلات: مثل علاقة القرآن المجيد ببيئة الخطاب الأول والتنزيل، وعلاقته بالعلوم التي صيغت حول النص، وعرفت بعلوم القرآن مثل علم الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه وأسباب النزول والتفسير وغيرها: فإن هناك فهماً وفكراً تاريخياً ومركباً ثقافياً قد أسقط نفسه على نصوص القرآن الكريم، وكوّن فهماً له يستمد حجيته من مقومات عديدة، مكنته من ربط نصوص الكتاب الكريم بذلك الفهم التاريخي، وجعلت أي فهم مغاير لذلك الفهم موضوع شبهة واتهام بأنه فهم تأويلي أو فردي أو لا يحتج به.
وبذلك لم يعد بمقدور حركات التجديد أن تدرك بأن عليها منذ البدء أن تصل إلى معرفة منهج لقراءة القرآن المجيد كما لو أنه لم ينزل إلا عليها وفي عصرها بحيث تتمكن من التعامل مع المتغيرات النوعية والجذرية في الفكر والمنهج والمعرفة والحياة تعاملاً ينطلق من القرآن ذاته، وإلى مرجعيته يعود. إذ أن هذه الأسئلة والتحديات التي تطرحها الحضارة العالمية الراهنة لا يمكن الاجابة عن جلها باجتهاد بشري لا مستند له إلا القياس على أقوال الماضين والتخريج على مذاهبهم، بل لابد للإجابة عليها من الرجوع إلى القرآن المجيد فهو- وحده – الكفيل بتقديم ذلك النوع من الأجوبة والحلول الشافية المعجزة.
وليس من المطلوب قراءة جديدة للقرآن الكريم تعتمد على المقاربة أو المقارنة أو التأويل، بل لابد من تلاوة تستنطق القرآن ذاته إجابته الشافية وحلوله لتحديات وأسئلة كل عصر وجيل بإعتباره الكتاب المنزل تبياناً لكل شيء إلى يوم القيامة، وحفظه وعصمته من التبديل والتغيير وكماله وتمامه واطلاقه أهم مسوغات ختم النبوة، وتوقف النبوات.
انه لا يعتبر تجديداً للدين أن نجدد تراث أسلافنا الذي يمثل خلاصة فهمهم وفكرهم في الدين، كما لا يعتبر تحديثاً تقليد الغرب ومتابعته في خطواته. بل يستمد التجديد حقيقته من إعادة تشكيل العقل المسلم ووصل ما انقطع بينه وبين كتاب الله بإعتباره المصدر المنشئ الوحيد مع الكون للفكر والمعرفة والعقيدة والشريعة والمنهاج. وكذلك بينه وبين سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع سائر معطيات عصر التنزيل والنبوة باعتباره السنة والسيرة هي المصدر الوحيد المبين والمفسر – على سبيل الالزام – للكتاب الكريم. ومن هذا كانت الإسلامية المعرفة قاعدة من أهم قواعد تجديد الدين، وإعادة بناء الأمة القطب، وإنتاج المشروع الحضاري الإسلامي المعاصر.
إن إسلامية المعرفة تمثل البعد الغائب عن مشاريع التجديد، أو البعد الذي لم ينل من عناية مشاريع التجديد والإصلاح ما يستحقه. لقد فشل مشروع الحداثة أو التحديث في إطار التبعية للغرب، وكاد يسلم الراية بنفسه لفصائل الصحوة الإسلامية كما أطلقت عليها الدوائر الغربية في مستهل الثمانينات ولكن الصحوة ظلت في معظم الأنحاء مشغولة بالامتداد والانتشار الافقي. وفي بعض الأماكن اعتمدت على تراث الاصلاحيين التجديدي حتى استهلكته ثم تلفتت يمنة ويسرة فاذا بعوائق التراث لا تقل خطورة عن عقبات المعاصرة، وها هي الصحوة قد بدأت مسيرة الفتور في معظم الأماكن، بل قد بدأت مرحلة تراجع في أماكن أخرى، وذلك على خلاف سنة الله في رسالات الرسل التي لا تتراجع بعد فترة اندفاعها الأول حتى تبلغ أهدافها. وفي ظل هذا التراجع بدأت عمليات تلميح ونفض غبار عن مشاريع الحداثة خاصة اللادينية منها، وفجأة وجد الغرب نفسه حليفاً من جديد لأيتام الماركسية واللينينية وأمثالهم، فصار ينفخ فيهم، ويمنحهم قبل الحياة ليواجه بهم الصحوة أو المد الإسلامي، وبدأت الدراسات تتوالى حول مشروع الحداثة وأسباب فشله تمهيداً لقذف الأمة به من جديد ولو على سبيل اشغالها، وتدمير ما قد يكون لها من فاعلية وواقعية.
لذلك، نجد اليوم فريقاً من هؤلاء قد انصرف إلى الدراسات المتعمقة والمتخصصة في التاريخ والتراث الاسلاميين، وبدأت عمليات ربط كثير من الطروحات الفكرية التي قد لا يجاوز عمر بعضها قرناً واحداً من الزمان بقضايا إسلامية، وبدأت تغزو الساحة الإسلامية مصطلحات ملفقة مثل: يسار إسلامي، ويمين إسلامي، وبدأ فرز الصحابة والتابعين إلى ليبراليين، وديموقراطيين، واشتراكيين.. وهكذا.
وبدأت عملية إسقاط مفاهيم تراثية على بعض الأطروحات والأفكار الغربية الحديثة للحصول لها على المشروعية الي يحملها المصطلح، فتقدم مثل هذه الآراء على أنها اجتهاد!
وقضية المفهومات والأفكار تعتبر القضية ذات الخطورة الأهم وتستحق البحث وحدها!
فماذا فعل المشروع الإسلامي؟
إن المشروع الإسلامي لم يعط البعد الفكري من الاهتمام ما يستحقه، وذلك من أسباب عجزه عن بلوغ الهدف واستمرار الأمراض الفكرية الفاتكة مثل تحكم عقلية التقليد الجماعي والغفلة عن السنن، والتغافل عن عالمية الإسلام أو اساءة فهمها، كما أن المواجهة مع الخارج الإسلامي التي فرضت عليهم لم تدع لهم مجالاً لاعطاء القضية الفكرية المساحة المطلوبة من الاهتمام، وبعد أن تركت تلك المواجهة رصيداً هاماً من الفقه الميداني، وكشفت عن خطورة القضية الفكرية وأهميتها، ومن خلال النظر أيضاً في أسباب فشل أطروحات المشروع التغريبي، تظهر الضرورة الإسلامية الملحة إلى هذه الفروض، والضروريات الحضارية التي تستوجب طرح قضية: اصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة في محاولة لاستدراك المشروع الإسلامي المطروح واستكماله.
ان المشروع الفكر الثقافي يحاول معالجة الأسباب الذاتية التي أدت إلى إصابة المشروعات السابقة وافقادها قدرتها على بلوغ الأبعاد المطلوبة، حيث أنه يأخذ بعين الاعتبار المنطلقات الإسلامية الأساسية والنظرة الشمولية وتحقيق التوازن والوسطية، وضبط النسب.. وهذه القضايا بقدر ما هي ميزة للمشروع الفكري الثقافي المطروح، فإنها مسؤولية ضخمة لأننا نزعم أنّ، هذا المشروع الوسط يتوقف عليه مصير نهضة أمتنا وتقدمها في محاولتها لردم فجوة التخلف، واستئنافها دورة حضارية جديدة لا تقف عند انقاذ الأمة الإسلامية نفسها، وإعادة بنائها واستئناف حياتها الإسلامية، بل تتجاوز ذلك إلى انقاذ الإنسانية المعذبة المهددة بالفناء، واتخاذ الأمة موقع الشهود الحضاري الذي هو جوهر رسالتها، وهذا لا يعني بحال من الأحوال الاستغناء أو العدول أوالقفز فوق رصيد المشروعات الفكرية والإصلاحية السابقة، بل لابد من تقويمها للافادة من الجوانب الإيجابية فيها، والإفادة أيضاً من التجارب الميدانية للمشروعات الإسلامية النهضوية المتنوعة.
ولنتبين صدق هذه الدعوى نستطيع أن ننظر في تاريخ العلوم المعاصرة طبيعية أو إنسانية أو إجتماعية، وفلسفتها، خاصة فلسفة العلوم الطبيعية، لنتبين كيف كانت عمليات إعادة التشكيل العقلي والمعرفي تسير مع التشكيل الحضاري، وكيف كان التأثير المتبادل يجري بينهما حتى المأزق الأخير الذي دخلته الحضارة المعاصرة، حتى ليكاد المراقب أن يشعر أنهما، أي الحضارة المعاصرة وسقفها الفكري والمعرفي، دخلا المأزق معاً.
ولذلك تتعالى أصوات الاستغاثة التي تعلن فشل فكر الحداثة وما أدى إليه من تفكيك، وعجز فكر ما بعد الحداثة عن أحداث التركيب، بل انضمامه إلى فكر التفكيك كذلك، فإذا كان فكر الحداثة قد فكك الدين والكون والطبيعة فإن فكر ما بعد الحداثة قد فكك الإنسان ذاته، ولا تزال عملية التفكيك مستمرة،وهنا يبدو واضحاً عمق الأزمة وعمق الإحساس بها، والبحث عن بديل منهجي كوني ليساعد الإنسان على تركيب ما فكك. ونحن في مدرسة إسلامية المعرفة ندرك أن الأزمة عالمية، وندرك أنه لا مخرج منها إلا كتاب الله الخالد المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو – وحده – الذي يحمل في ثنايا سوره وآياته المنهجية الكونية القادرة على إعادة الصياغة الفلسفية لحضارة الإنسان المعاصرة. لكننا في الوقت ذاته ندرك أن القرآن الكريم بين أيدي الأمة التي لم تواكب العالم وهو يصنع الحضارة المعاصرة للأسف.
ولذلك فإنها لا تعاني من أزمة المأزق الحضاري إلا بمقدار ما ينعكس عليها من معاناة الآخرين، لكنها تعاني من أزمة التخلف المزدوج الفكري المعرفي والحضاري كذلك، فلا تستطيع أن تدرك عظمة القرآن المجيد على مستوى عصرها، كما لا تستطيع أن تكتشف الإمكانات فيه، ولا تستطيع القيام بحسن تقديمه إلى عالم اليوم وفي مستوى سقفه المعرفي والحضاري.
والذين يدركون الأزمة ـ من الغربيين- ويبحثون لها عن حل لا يستطيعون أن يكتشفوا ما في القرآن من منهجية كونية، وحين يقاربون القرآن الكريم فإنهم بقاربونه باعتباره كتاب دينياً، وهم قد فككوا الدين منذ وقت طويل ومنعوا أي اتصال بينه وبين العلم والمعرفة والمنهج ولذلك فانهم يبحثون عن المنهجية المعرفية الكونية البديلة سالكين كل السبل الفلسفية المعروفة لديهم منقبين في تراث الإنسانية ـ كلها ـ إلا الإسلام، فانهم لا يقاربونه إلا كما يقاربون أي خصم أو عدو أو غريم قديم.
إن الأمر يكاد يشبه ما انطوت عليه أرضينا من كنوز طبيعية، فان المعادن التي طوت أراضينا عليها رمالها لم نكتشفها بأنفسنا لتخلفنا وبقيت كامنة حتى اكتشفها الآخرون بعد أن تقدموا وأدركوا ضرورتها لحضارتهم، ولا تزال مقدراتنا بأيديهم لم نستطع أن نتجاوز أزمتنا الحضارية، أو نتحول بما اكتشف في أرضينا إلى شريك حضاري مع الغير، بل لقد زادت تبعيتنا، وتراكم تراجعنا وتخلفنا. ومنهجية القرآن المعرفية الكونية كامنة فيه لا يسمح سقفنا المعرفي والحضاري لنا باكتشافها، وما نكتشفه منها سرعان ما يصادره تراث هائل متراكم عبر القرون من التفسير وعلوم القرآن التراثية ليعيد انتاجه تراثاً يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً فاعلاً أو متألقاً بحيث يوجد دافعية حضارية.
والأخرون يحول بينهم وبين القرآن المجيد ارث تاريخي متنوع مشتمل على اسرائيليات الماضي والحاضر، ومخزون الذاكرة التاريخية المعادي لكل ما يمت إلى الإسلام بصلة، كما ان فترات الإستعمار والاستكبار والتعالي بالمركزية الأوربية أو الغربية أو البيضاء تركت كما هائلاً من المشكلات جددت كل عوامل التدابر والتعادي والصراع بينهم وبين أهل القرآن، لتضع مزيداً من الحجب بين الغرب المأزوم والقرآن الشافي، بل ها هو الغرب ممثلاً بقاعدته في قلب الوطن العربي: إسرائيل، وأجهزة ووسائل النظام الدولي الجديد تنظر إلى الإسلام والمسلمين في كل مكان – والقرآن ليس ببعيد عن هذه النظرة – بأنهم المهددون للحضارة الإنسانية المعاصرة، وصار القرآن يقرن بالارهاب والتطرف والتهديد في الوقت الذي يسحقون حملته في كل مكان، وتطأ الدبابات رقابهم، ويحرض العالم - كله - على استئصالهم، بل أن تطبيع العلاقات في إطار الشرق أوسطية لا يمكن أن يتم إلا بعد استبعاد آيات معينة من القرآن الكريم عن التداول، يتقن الذين ألفوا تحريف الكلم عن مواضعه اختيارها ورصدها، لتفريغ ما في القرآن من قدرة وفاعلية ودفع المسلمين إلى قراءته عضين أعضاء مفرقة وأجزاء بحيث لا تكتشف منهجيته، ولا سنن نظمه ولا قواعد أسلوبه، ليبقى المسلمون في تخلفهم ويبقى القرآن المجيد كتاباً لأمواتهم لا لأحيائهم ولآخرتهم ولا لدنياهم.

الهوامش
ــــــــــــ
(*) مختصر خاص لمعهد الأبحاث والتنمية الحضارية، من بحث للدكتور العلواني في كتابه «نحو منهجية معرفية قرآنية»، مركز الدراسات فلسفة الدين ـ بغداد، دار الهادي ـ بيروت.
(1) جمال الدين الأفغاني: سلسلة الأعمال المجهولة: 99-91، تحقيق وتقديم الدكتور على شلش، طبع دار رياض الريس للكتب والنشر، لندن، 1987م.