|
خصائص وتقويم
القسم الثاني: تقويم المنهج الأثري المنهج
الأثري في تفسير القرآن الكريم
هدى
جاسم محمد أبو طبرة(*)
1 ـ دراسة السند
يطلق لفظ السند ويراد به الطريق الموصل إلى متن الرواية وهو جملة من رواه
مأخوذاً من قولهم: فلان سند، أي: معتمد، فسّمي الطريق سنداً لاعتماد العلماء في
صحة الحديث وضعفه عليه(1).
ولمّا كان السند هو عمدة التفسير المأثور والحديث النبوي عموماً لذا اهتم
العلماء به اهتماماً كبيراً حتى وصفوه انّه من الدين فقالوا: «الاسناد من الدين،
لولا الاسناد لقال من شاء ما شاء»(2)، وعليه فان الخطوة الأولى في تقويم هذا
المنهج هي ضرورة دراسة السند، وقد تكون معرفة السند من أصعب علوم الحديث، وربما
لا تتوافر بسهولة إلاّ لنخبة من خيرة العلماء الماهرين بهذا الفن، فربّ راوٍ
ضعيف قد وثق عند آخرين، وربّ مجروح عند قوم ممدوح عند غيرهم، وهذا لا يعني أنّ
العلماء لم يهتموا بدراسة طرق الرواية بل على العكس حيث بيّنوا الكثير من أحوال
الرواة، وفيما يلي نضرب أمثلة لبعض الرواة وما قيل في حقهم:
1- الضحاك بن مزاحم الهلالي (ت 102 أو 105 هـ) روى التفسير عن ابن عباس وهو لم
يلقه، وقالوا في جميع ما روى نظر إنما اشتهر بالتفسير(3)، وهذا القول يستدعي من
المفسّر التأني في روايات الضحاك لأنها غير مقيدة بسماع أو تحديث، لأن طريقه
إلى ابن عباس منقطعة.
2- إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، قالوا عنه: انه ضعيف وكذاب وشتّام(4).
3- محمد بن السائب الكلبي (ت 146 هـ) الذي يروي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهو
ممن اشتهر بالتفسير وقد رضي بعضهم بتفسيره، وطعن عليه آخرون ورموه بالوضع.
4- مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) روى عن مجاهد وهو لم يسمع منه، وروى عن الضحاك
ولم يسمع منه شيئاًَ، فقد مات الضحاك قبل أن يولد مقاتل بأربع سنين، وكذبوه
وضعفوه، ومن يستحسن تفسيره يقول: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة، وقيل انه كان يأخذ
عن اليهود علم الكتاب.
5- محمد بن مروان السدي الصغير الذي يروي عن ابن الكلبي، قالوا: انه يضع الحديث
وذاهب الحديث متروك. وإذا كانت رواية السدي عن الكلبي عن ابن صالح عن ابن عباس
فهي سلسلة الكذب(5)! ضعّف الطوسي في تفسيره أبا صالح والسدي ومقاتلا ً(6).
2 ـ الوضع في التفسير
اتجه الوضّاعون نحو التفسير بالمأثور دون غيره لعلمهم أن الرواية الموضوعة
والملفق لها سندٌ ما، ولا سيما إذا كان الموضوع عليه هو النبي(صلى الله عليه
وآله)، أو أحد الأئمة من أهل بيته(عليهم السلام)، أو كبار الصحابة؛ فإنّ تلك
الرواية تكسب ثقة الناس بها وتلقى من الرواج ما لم يلقه غير المأثور؛ لأنّ مثل
هذا التمويه لا يمكن تعلقه بغير الأثر كاللغة أو العقل، أما في عالم الرواية
فلا يعدو الأمر سوى انتحال أسانيد صحيحة يدس الواضع من خلالها ما يريد إثباته
من أراجيف.
وقد وجد في تاريخ الحديث والتفسير فرق روجت لآرائها، وتعصبت لأهوائها فدست في
كتب الحديث والتفسير ما يعبر عن خبثها وإغراضها وأهدافها.
ولما كان الوضع بمعناه: هو الكذب الصريح والاختلاق على الله ورسوله بأنه أراد
كذا، فلا يخفى على المفسر مدى ضرر هذه الموضوعات في تفسير القرآن الكريم، لهذا
نبّه العلماء على كثير من الروايات الموضوعة، وشخّصوا الكثير من الوضاعين،
سمّوهم بحسب الأمر الحامل لهم على الوضع، وقد ذكر السيوطي ان أكثر الوضاعين
ضرراً هم قوم ينسبون إلى الزهد والورع وضعوا الأحاديث احتساباً للأجر والثواب
من عند الله تعالى بزعمهم الفاسد، فقبلت موضوعاتهم لثقة الناس بهم وركونهم
إليهم نظراً لما نسبوا إليه من الزهد والصلاح(7)، وقد كان من حجّة هؤلاء إنهم
استدلوا بما روي في بعض طرق الحديث: «من كذب عليّ متعمداً ليضل به الناس» وحمل
بعضهم حديث: «من كذب عليّ» أي قال: إنه شاعر أو مجنون، وقال بعضهم: «إنما نكذب
له لا عليه»(8) ويروى أن بعضهم قد جوّز وضع الحديث في باب الترغيب والترهيب(9).
وأمثله الوضع الكثير في التفسير، منها ما جاء عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم الذي
كان يقال له: نوح الجامع، قال ابن حبان: «جمع كل شئء إلا الصدق»(10) وروى ابن
الصلاح انه قيل لنوح هذا:«من أين لك عن عكرمة، عن ابن عباس في فضائل القرآن
سورة سورة؟ فقال اني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة
ومغازي محمد ابن اسحاق فوضعت هذه الأحاديث حسبة» ونظراً لكثرة الوضع على ابن
عباس في التفسير، قال الشافعي: «لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة
حديث»، كما نقد العلماء بعض الطرق الموصلة اليه ووصفوها بانها أوهى الطرق،
كطريق الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس، وقالوا: «فإذا انضم إلى ذلك محمد بن
مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب»(11).
ومنه أيضاً الحديث المروي عن اُبيّ بن كعب عن النبي(صلى الله عليه وآله)، في
فضل القرآن سورة بعد أخرى، وقد أخطأ من ذكره من المفسرين: كالثعلبي، والواحدي،
والزمخشري والبيضاوي(12). قال ابن الصلاح عن حديث اُبيّ المذكور: «بحث باحث عن
مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وان أثر الوضع لبيّن عليه،
ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم»(13)، وقال
عنه ابن تيمية بعد أن أشار إلى كثرة هذه الموضوعات في التفسير:«فانه موضوع
باتفاق أهل العلم»(14)، وذكر الخطيب البغدادي إنّ أشهر كتب التفسير كتابان:
احدهما تفسير الكلبي، والآخر تفسير مقاتل بن سليمان، ثم قال:«وقد قال أحمد في
تفسير الكلبي: من أوله إلى آخره كذب لا يحل النظر فيه»(15)، أما مقاتل فقد
ضعفوه في نفسه وقيل انه يروي اخبارا عن أهل الكتاب(16)، وقد تجنب الطوسي
الرواية عنه وضعفه في مقدمة تفسيره(17).
ومن أمثلته ايضاً ما رواه ابن جرير في حديث طويل، عن حذيفة بن اليمان، عن رسول
الله(18)(صلى الله عليه وآله)، فقد علّق عليه ابن كثير بقوله: «وقد روى ابن
جرير في هذا المكان حديثاً أسنده عن حذيفة مرفوعاً مطوّلاً، وهو حديث موضوع لا
محالة لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب كيف راج
عليه مع جلالة قدره وإمامته»(19)؟
وكما ابتلي الصحابة بوضع الحديث ابتلي الأئمة من أهل البيت(عليهم السلام)
بجماعة الكذابين والغلاة الذين بذلوا أقصى جهدهم في وضع الأحاديث ونسبتها
إليهم(عليه السلام)، فقد جاء عن الامام الصادق(عليه السلام)، انه قال:«لا
تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهداً من
أحاديثنا المتقدمة، فان المغيرة بن سعيد - لعنه الله - قد دسّ في كتب أصحاب أبي
أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله، ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى،
وسنّة نبينا(صلى الله عليه وآله)»(20).
وقد أنكر الإمام الرضا(عليه السلام) أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد
الله الصادق(عليه السلام)، وقال:«إن ابا الخطاب كذب على أبي عبدالله(عليه
السلام)، لعن الله أبا الخطاب وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الأحاديث إلى
يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله(عليه السلام)»(21).
ونتيجة لما تقدم فقد تعرّض التفسير بالمأثور إلى جملة من الانتقادات، فقد جاء
عن أحمد بن حنبل (ت 241 هـ):«ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم
والتفسير، قال الخطيب هذا محمول على كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير
معتمد عليها لعدم عدالة ناقلها وزيادة القصاص فيها»(22) وأوله قوله على أن هذه
الكتب ليس لها اسناد،لأن الغالب عليها المراسيل(23).
3 ـ الإسرائيليات
اختلفت الروايات بشأن الأخذ عن أهل الكتاب، فهي مجوزة تارة، وناهية تارة اُخرى،
وآمرة بالسكوت ثالثة، فأما من حيث الروايات المجوّزة لرواية الإسرائيليات منها
ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت73هـ) انه قال: «قال رسول الله(صلى الله
عليه وآله): بلغّوا عنّي ولو آية، وحدثّوا عن بني إسرائيل ولا حرج»(24)، ومن
الروايات الدالة على النهي ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله)، انه قال: «والذي
نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسي فاتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي في
الأمم وأنا حظكم من النبيين»(25)، ومنه أيضاً ما روي عن النبي(صلى الله عليه
وآله)، بأنه أتي إليه بكتاب في كتف فقال: «كفى بقوم حمقا، أو ضلالة إن يرغبوا
عمّا جاءهم به نبيهم إلى نبي غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم - فأنزل الله عزوجل-:
(أوَلَمْ يَكفِهِمْ أنَّا أنزَلْنَا عَلَيكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِم..)(26).
ومنه أيضاً ما جاء عن ابن عباس: «كيف تسألونهم عن شيء وكتاب الله بين أظهركم؟»
وعن ابن مسعود:«لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، ان
تكذبوا الحق أو تصدقوا الباطل».
أما الروايات الدالة على عدم تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم، منها ما روي عن
الرسول(صلى الله عليه وآله) قوله:«ما حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا
تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فان كان حقاً لم تكذبوهم، وان كان
باطلاً لم تصدقوهم»(27)، كما روي عنه (صلى الله عليه وآله)، انه قال: «لا
تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي اُنزل إلينا واُنزل إليكم، وإلهنا واحدٌ
ونحن له مسلمون»(28).
وبعض النظر عن سند هذه الروايات وصحتها، فقد قسّمت الاسرائيليات - كما يبدو-
على ضوئها وذلك على ثلاثة أقسام هي:
القسم الأول: تجوز روايته وشرطه أن نعلم بصحته ممّا بأيدينا كأن يكون موافقاً
للقرآن، وغير معارض للسنة.
القسم الثاني: لا تجوز رواية لكذبه؛ كأن يكون مخالفاً للقرآن الكريم والسنة
النبوية، وقال أبو زهرة:« وإن المستقرئ لكتب التفسير المشتملة على الإسرائيليات
يرى أن أكثر ما دسّ فيها من هذا القبيل»(29).
القسم الثالث: وهو ما كان غير مخالف لنصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية،
ولكنه في جملته اخبار تحتمل الصدق والكذب ولا نعلم صدقها من كذبها، مثل أسماء
أهل الكهف، أو لون كلبهم، ووصف عصا موسى(عليه السلام)، فهذا القسم مسكوت
عنه(30).
مناقشة وتقويم
قد لا يكون وراء هذا التقييم فائدة كبيرة تخدم القرآن الكريم في تفسيره وقد
يكون العكس هو الصحيح، فما دامت الأقسام الثلاثة مصدرها واحد وهم أهل الكتاب،
فإذا احتمل في بعضهم الصدق وهو قليل، فإنه من المؤكد أنّ أكثرهم من الكاذبين
الحاقدين على الإسلام والمسلمين، والذين لا يفقهون مما أمرهم الله عزوجل شيئاً،
قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التّوراةَ ثُمَّ لَمْ يَحمِلُوها
كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفـَاراً..)(31)، يزاد على ذلك إنّ أقطاب
الإسرائيليات مثل كعب الاحبار، ووهب بن منبه، وعبدالله بن سلام، وأضرابهم، وإن
اطمأن إليهم بعض المفسرين وروى عنهم، إلا أن الصفة الغالبة لتلك المرويات هي
ابتعادها عن العقل ومحاكاتها الخيال القصصي، مما يقضي بعدها عن أجواء القرآن
العظيم، فقد روي الطبري (ت 310 هـ) عن تكذيب كعب أنه: «جاء رجل إلى عبدالله،
فقال: من أين جئت؟ قال من الشام، قال: من لقيت؟ قال: لقيت كعباً، فقال: ما حدثك
كعب؟ قال: حدّثني إنّ السماوات تدور على منكب ملك، قال: فصدقته أم كذبته؟ قال:
ما صدقته ولا كذبته، قال: لوددت انك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، وكذب
كعب أن الله يقول: (إنّ اللهَ يُمْسِكُ السّـمَاوَاتِ والأَرْضَ أن تزُولاَ
وَلَئِن زالَتَا إنْ أمْسَكَهُما مِنْ أحَدٍ مّن بَعْدِهِ)(32).
ثم قال: «ما تنقّلت اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه، ثم قال: (إنّ اللهَ
يُمْسِكُ السّـمَاوَاتِ والأَرْضَ أن تزُولاَ)(33) كفى بها زولاً أن تدور»(34).
كما نقد ابن كثير كعب الاحبار بقوله: «إنه يقع منه الكذب لغواً من غير قصد،
لأنه يحدث عن صحف وهو يحسن بها الظن وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة، لأنهم لم يكن
في ملتهم حفـّاظ متقنون كهذه الأمة العظيمة، ومع ذلك وقرب العهد وضعت أحاديث في
هذه الأمة لا يعلمها إلا الله عزوجل، ومن منحه الله تعالى علماً بذلك، كل بحسبه
ولله الحمد والمنة»(35). وجاء في تفسير المنار عن كعب الأحبار أنه: «أدخل على
المسلمين شيئاَ كثيراً من الإسرائيليات الباطلة المخترعة، وخفي على كثير من
المحدثين كذبه ودجله لتعبده»(36). ومثل ذلك قال عن وهب ابن منبه أيضاً(37).
ولعل توثيق هؤلاء والدفاع عنهم كما هو عند الذهبي(38) منشؤه البناء على اطمئنان
بعض الصحابة للنقل عنهم وتأثرهم بمثل تلك الروايات الإسرائيلية كعبد الله بن
عباس وأبي هريرة فرووها عن علماء اليهود ممن يثقون به، وتلجئهم الحاجة إلى
الاستعانة به، فيسألونه عمّا لم يرد له تفسير من القرآن أو السنة فيجيب، وربما
تكون الإسرائيليات في تفسير التي أكد وجودها أكثر الباحثين(39) هي أقل منها في
تفسير غيره من الصحابة؛ وبهذا لا يمكن نفيها عن تفسيره كما ادّعاه بعضهم(40)،
وإذا صح هذا الافتراض فيمكن دفعه على أساس أن هذه الإسرائيليات غير متعلقة
بالأحكام الفرعية الشرعية التي يمكن تركها بحال إذ هي غالباً ما تدور على تعيين
أسماء وأمكنة وبقاع لم يفصح عنها القرآن الكريم ولم تبينها السنة حتى عادت
كالأسرار التي لا تعرف إلاّ من الكتب السماوية الاُخرى كالتوراة والإنجيل، وقد
كان بعض الصحابة يتشوقون إلى معرفة تلك الأسرار وان كان مصدرها أهل الكتاب، قال
ابن خلدون: «إن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة
والاُمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوّق إليه النفوس البشرية في أسباب
المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم
ويستفيدون منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى»(41)، وقد
جعل ذلك من الأسباب التي أدّت إلى كون الآثار المنقولة عن السلف تشتمل على الغث
والسمين والمقبول والمردود كما هو واقع الحال في كثرة الروايات الإسرائيليات في
أشهر كتب التفسير بالمأثور.
والحق أن هذه الروايات الإسرائيلية في التفسير بالمأثور قد شوّهت بعض معالمه
ولا يتحمل مسؤوليتها أهل الكتاب وحدهم ككعب الاحبار،ووهب بن منبه، وعبد الله بن
سلام وغيرهم، بل يشاركهم في هذه المسؤولية المدونون لها من المفسرين وان خرجوا
عن عهدتها بذكر سندها، لأنه يفترض فيهم تمييز الصحيح من المكذوب منها، التي
أوجد أبو زهو لبعضها تسويغاً، فقال: «وليس كل ما ينسب إلى كعب ووهب وأخبرا بهما
صحيحاً، فقد اختلق عليهم الوضاعون كثيراً ليروّجوا باطلهم بنسبته إليهم» وهذا
قد يجانب الصواب، لأنّ الوضـّاع بداهة لا يختار إلاّ الشخصيات الرفيعة من ذوي
الشهرة الواسعة لكي تلقى اكذوبته صداها في نفوس الناس بنسبتها إليهم، أمّا
اختياره شخصيات مثل كعب ووهب واضرابهما كي يروّج باطله بنسبته إليهم فهو ليس له
صدى في النفوس، ولو كان صحيحاً لهان الخطب، ووفر الكثير من عناء البحث والتنقيب
في أسانيد المرويات، ولأزاح عن كاهل العلماء هذا العناء ولاسيما الذين يرون
منهم - لو كان أمر الوضع محصوراً بهؤلاء- إن الواضع والموضوع عليه سواء بسواء.
وكان من حق العلم على الاستاذ أبي زهو والذهبي - كما سبق عنه توثيقهم - أن
يصدعا بالحق ولا يلتفتا إلى توثيق مثل هؤلاء والدفاع عنهم من زاوية ورود
مروياتهم في أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى عندهما.
وعلى أيّة حال فان حيطة المفسّر بالأثر من الروايات الإسرائيلية وحذره منها
ضرورة كبيرة تقتضيها سلامة المنهج الأثري في تفسير القرآن العزيز بغض النظر عن
تقسيمها الثلاثي المذكور لاختلاط الحابل بالنابل والسقيم بالصحيح، وهي فوق هذا
وذاك لا تغني عن السنة شيئاً، ولا يترك تجنبها خللاً في التفسير.
4 ـ رواية الثقة غير المتصلة بالرسول(صلى الله عليه
وآله)
المقصود من الروايات غير المتصلة هي تلك الروايات التي انقطع سندها ولم يتصل
بالرسول(صلى الله عليه وآله)، ولها صورتان في مصطلح المحدثين هما: الروايات
الموقوفة والمرسلة، أما الموقوفة فهي ما كان السند منتهياً إلى أحد الصحابة،
والمرسلة إلى أحد التابعين.
أما أحاديث الأئمة من أهل البيت: فإنها من الأحاديث المتصلة بالرسول(صلى الله
عليه وآله)، وان كان ظاهر سندها منتهياً إلى الإمام(عليه السلام)، ولا ينظر إلى
قول من عدّها موقوفة أو مرسلة أو منقطعة فان الحديث الإمام، عن أبيه، عن جدّه،
عن أجداده، الآخرين: عن الرسول(صلى الله عليه وآله).
أما أحاديث الصحابة الصادرة عنهم وغير مصرّح برفعها إلى النبي(صلى الله عليه
وآله) فقد اختلف العلماء في هذا النوع من التفسير هل هو بمنزلة المرفوع إلى
الرسول(صلى الله عليه وآله) فيؤخذ به، أو من الموقوف فينظر فيه؟ فعدّه قسم منهم
بمنزلة المرفوع لابتناء تفسيره على مشاهدته الوحي والتنزيل، فيكون رواية عن
النبي(صلى الله عليه وآله) ، وعدّه آخرون من الموقوف لأصالة كونه رواية عن
النبي(صلى الله عليه وآله)(42)، ففي مستدرك الصحيحين إنّ تفسير الصحابي الذي
شاهد التنزيل له حكم المرفوع إلى النبي(43)(صلى الله عليه وآله). وفي تدريب
الراوي إنّه «حديث مسند عند الشيخين البخاري ومسلم»(44) وقد قيّد ذلك بما كان
بسبب نزول آية أو نحوه أما غيره فموقوف(45).
والحقيقة أن تفسير الصحابي من هذه الناحية لا يعدّ مرفوعاً مطلقاً، فما كان
متعلقاً بسبب نزول آية فيؤخذ به «لأن الصحابي شاهد قرائن الأحوال ومقتضيات
المقام ومناسبة الحال نظراً لقرب عهد الصحابة الرسول(صلى الله عليه وآله)
ودراية الثقات منهم بأسباب النزول مضافاً إلى الفهم العربي المحض الذي تميّزوا
به هذا إذا كان الصحابي ثقة ثبتاً ذا فهم عربي أصيل»(46)، ومن هذا الوجه يكون
لتفسيرهم - ما لم يعارضه دليل معتبر- حكم المرفوع. أما «إطلاق بعضهم أن تفسير
الصحابة له حكم المرفوع فإطلاق غير جيد، لأن الصحابة اجتهدوا في تفسير القرآن
واختلفوا في بعض المسائل والفروع وكان بعضهم يروي الإسرائيليات عن أهل الكتاب»(47).
وأما إذا كان التفسير الوارد عن الصحابي غير متعلق بأسباب النزول ولا من حيث
اللغة كأن يكون فيه مجال للرأي والاجتهاد فهو من الموقوف الذي اتجه بعض العلماء
إلى تضعيفه(48) «لأن للحديث المروي عن رسول الله المنتهي إليه قداسة ليست لحديث
سواه ولو كان صحابياً جليلاً»(49).
ولكن لو اُثر عن الصحابة تفسير للقرآن الكريم موقوف عليهم، واتفقوا عليه جميعاً
مع عدم وجود المعارض من كتاب أو سنة أو صحابي آخر، فلا يمكن القول بعدم الأخذ
به لأنه ليس من المعقول أن يجتمع الجميع - بلا استثناء- على غير الصواب، أما لو
اختلفوا في تفسيرهم ووجد المعارض له فان أمكن الجمع بينها فذاك، وإلاّ ينظر إلى
دليل كل تفسير، ويؤخذ بأقوى الأدلة بعد خضوعها إلى ضوابط الترجيح المعروفة عند
العلماء(50)، وله توجيهات اُخرى موسّعة لدى الأصوليين ليس هنا محل تفصيلها(51).
فغاية الأمر، إن مثل تلك الروايات يجب ملاحظتها والتأكد من سلامة متنها من حيث
موافقتها للكتاب العزيز والسنة المشرفة، فربّ رواية موقوفة أو مرسلة معارضة
بالأثر الصحيح عن الرسول(صلى الله عليه وآله) هي مما ينبغي العدول عنها في
استخدام المنهج الأثري في تفسير القرآن الكريم.
وخلاصة القول إنه يجب الالتفات في هذا المنهج إلى الجوانب التالية التي يمكن
جعلها من الركائز الأساسية لتقويمه وهي:
1 ـ سند الروايات التفسيرية ما اتصل منها أو حذف، والتأكد من سلامته.
2 ـ ما وضعه جهلة الزهّاد من المسلمين، وما دسّه أعداء الإسلام ليشوّهوا به
معالم هذا الدين، يجب ازاحته عن التفسير بالمأثور.
3 ـ الاحتراز من روايات أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
4 ـ مراعاة أحكام رواية الثقة غير المتصلة بالرسول، والتأكد من سلامتها ومطابقة
مضمونها للكتاب والسنة، لاحتمال كونها من الرأي والاجتهاد في مقابلة الأثر.
5 ـ تجنب الرواية من غير الثقات مطلقاً سواء كان ذلك من أهل الكتاب أم من
المسلمين المطعون فيهم أو الذين لم تثبت وثاقتهم.
6 ـ عدم الاعتماد - في هذا المنهج- على طائفة معينة من كتب التفسير بالمأثور
لمذهب معين، بل تعميمه على جميعها، لأن الحق أحق بأن يُتبع بغض النظر عن جهته
ومصدره.
7 ـ إخضاع المأثور الواصل إلينا للدراسة والنقد، وبلا استثناء، بما فيه
الروايات المرفوعة والموقوفة والمرسلة.
الهوامش:
ـــــــ
(*) باحثة من العراق، ماجستير علوم قرآن.
(1) مقياس الهداية، المامقاني: 5،وتوجيه النظر، الجزائري: 25.
(2) نسب هذا القول لابن المبارك في معرفة علوم الحديث للحاكم: 6،الالماع إلى
معرفة أصول الرواية وتقييد السماع للقاضي غياض: 194. الاتقان، السيوطي 239:4،
دائرة المعارف الإسلامية 350:5.
(3) الاتقان، السيوطي 238:4، ودائرة المعارف الإسلامية 350:5.
(4) الاتقان، السيوطي 239:4، ودائرة المعارف الإسلامية 350:5.
(5) الاتقان، السيوطي239:4.
(6) التبيان، الطوسي 1: 6.
(7) تدريب الراوي، السيوطي 281:1-282.
(8) تدريب الراوي، السيوطي 283:1.
(9) علوم الحديث، ابن الصلاح: 90.
(10) تدريب الرواي، السيوطي 282:1.
(11) الاتقان، السيوطي 239:4.
(12) تدريب الراوي، السيوطي 289:1.
(13) علوم الحديث، ابن الصلاح:90.
(14) مقدمة في اصول التفسير/ ابن تيمية:76.
(15) تذكرة الموضوعات، محمد بن طاهر الهندي:82.
(16) الاتقان، السيوطي 238:4-239, ودائرة المعارف الإسلامية 351:5.
(17) التبيان، الطوسي 6:1.
(18) جامع البيان، الطبري 17:15.
(19) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير: 225:3.
(20) الرجال، الكشي: 146-147.
(21) الرجال، الكشي: 146-147 وينظر، اصول الكافي، للكليني 62:1 (باب اختلاف
الحديث) حيث بيّن فيه الوضع في تفسير القرآن الكريم والحديث الشريف.
(22) تذكرة الموضوعات، محمد بن طاهر الهندي: 82.
(23) مقدمة في اصول التفسير، ابن تيمية: 59.
(24) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر5:2.
(25) م. ن 52:2.
(26) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، والآية العنكبوت: 51.
(27) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر 51:2.
(28) م. ن 52:2.
(29) المعجزة الكبرى: أبو زهرة:505.
(30) تراجع هذه الاقسام الثلاثة في: مقدمة في أصول التفسير، ابن تيمية: 100
وامثلتها في كتاب الاسرائيليات، رمزي نعناعة: 84 وما بعدها.
(31) الجمعة: 5.
(32) فاطر: 41.
(33) فاطر: 41.
(34) جامع البيان، الطبري 145:22.
(35) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير 330:5.
(36) تفسير المنار، رشيد رضا 449:8.
(37) م. ن 9:1.
(38) التفسير والمفسرون، الذهبي: 184 وما بعدها.
(39) مناهج في التفسير، الصاوي الجويني: 37 وقصة التفسير، الشرباصي: 28 ومذاهب
التفسير الإسلامي، جولد زيهر: 85 وتاريخ الأدب العربي، كارل بروكلمان 7:4
والتفسير والمفسرون، الذهبي 73:1.
(40) مثل الدكتور عبدالكريم عبدالجليل في كتابه لغة القرآن الكريم: 441.
(41) المقدمة، ابن خلدون: 279.
(42) مقياس الهداية، المامقاني: 59.
(43) البرهان، الزركشي 157:2 وأعلام الموقعين،ابن القيم 198:4 والاتقان السيوطي
208:4 والتبيان في علوم القرآن، الصابوني: 78.
(44) تدريب الراوي في شرح تقرب النواوين السيوطي - الشرح: 292.
(45) علوم الحديث، ابن الصلاح: 45، تدريب الراوي، السيوطي - المتن: 193.
(46) المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم، الصغير: 75.
(47) علوم الحديث ومصطلحه، صبحي الصالح: 209.
(48) ينظر تضعيف الاحاديث الموقوفة في قواعد التحديث للقاسمي: 111.
(49) علوم الحديث ومصطلحه، صبحي الصالح: 208.
(50) البرهان الزركشي 127:2 والمعجزة الكبرى، أبو زهرة: 501 ودراسات في اصول
التفسير، محسن عبد الحميد: 118.
(51) الأحكام،الآمدي 243:1 – 245 و اصول الفقه، الخضري: 393.
|