الحضارية «دراسات إسلامية»
الاثنين: 30/06/2007

 

علم الفرق الإسلامية

غالب حسن(*)

يصنّف الإمام عبد القاهر بن طاهر البغدادي (ت 429) للهجرة كتابه الموسوم (الفرق بين الفِرق) ليستعرض فيه عدد الفرق الإسلامية وتوجهاتها العقدية في التوحيد والنبوة والإمامة وغيرها من قضايا علم الكلام الشائكة، ولكن بعد العنوان يطرح الغرض من مشروعه بصراحة، ذلك هو (... بيان الفرقة الناجية)، ولم يشّذ عن ذلك الأمام أبو المظفر الاسفرايني المتوفي (ت 471) للهجرة، فقد كان عنوان كتابه في نفس الموضوع وتحت عنوان رئيسي ومن ثم فرعي (التبصير في الدين، وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين) حيث يزيد على عنوان البغدادي بما يستثير الأخر بشكل اكثر صراحة واكثر تحديّاَ، وليس من شك ان علم الفرق الإسلامية علم جميل ورائع لأنه يُطعلنا على مراحل الفكر ا لعقائدي التي مرّت بها أمة الا سلام، كما انّه علم يتيح لنا فرصة ثمينة للاستفادة من الكيفية التي كان يفكر بها المسلمون، وقد يكشف لنا عن مدى اصالة العقل الاسلامي وصلته بالحضارات الاخرى والتصورات الوافدة عليه من اليونان والفرس والهنود، ولكن هذا العلم إتّجه في كثير من نتاجاته الى عملية التكفير، والتقييم في ضوء مقاييس سابقة وقيم مختمرة في وجدان ولاشعور المصنفين  إلا ّ ما ندر، ولعلّ هذا ما يميز لحد ما كتاب الشهرستاني (ت 479) الموسوم بـ (الملل والنحل)، فالرجل آل  على نفسه أن يكتب بعيداً عن تقييمات الاخرين، وجاهد ان يكون طرحه موضوعياً يستند إلى إحالات خاصة بكل فرقة وكل مدرسة فلسفية، وقد عللّ ذلك بما معناه بان العقول قادرة على تمييز الصحيح من السليم والمريض من السقيم، وقد أهتم الستشرقون أيّما إهتمام بهذه المصنفات، فقد قاموا بتحقيقها وتنقيحها وتصحيحها وطبعها، ولست ممّن يدعي ان ذلك بداع بثّ الفرقة وتعميق الخلاف  بين المسلمين، فإن بعض هؤلاء من العلماء الكبار، الذين يعتزّون بعلمهم وفكرهم، وقد بذلوا جهوداً ضخمة من  اجل ضبط أصولها ومتونها ومصادرها، ولعلّ مراجعة سريعة لما قام به المستشرق الالماني الفذ (هلموت ريتر) في تحقيقه لكتاب (مقالات الإسلاميين وأختلاف المصلين للأشعري السنّي المتوفي سنة 324) شاهد على ما نقول.
 وقد أختلفت طبيعة النص الفِرَقي لهذه الكتب، فهي تترواح بين العرض و السجال و التشهير، أي هو نصوص وصفية بالدرجة الاولى بالنسبة لبعض المصنفات (فرق الشيعة للنوبختي)، وبعضها يغلب عليها الإستقصاء، وبعضها سجالي حجاجي إستعراضي إستقصائي قبل ان يكون سجاليَّاً حجاجي ، وبعضها حجاجي يهدف الى تمييز (الفرقة النا جية)، وقد صرّح مصنفوها بهذا الهدف بعد العنوان مباشرة.
وفي الحقيقة ان قراءة جوانية لنصوص ومتون هذه المصنفات تكشف عن هدف يكاد ان يكون واحداً  أو لنقل هدف متقارب، ذلك هو الإنتصار لمذهب معيّن. ومن هنا يتوجّب الحذر في التعامل مع هذه المصادر، ومن الغريب ان يلجأ بعضهم الى هذه المصنفات ليجعل منها إحالات تاريخية، وربما مصادر موثوقة لتشييد تاريخ فرقي مذهبي خطير، وفي تصوري ان هذه مجازفة كبيرة، ذلك ان كتب الفرق وكتب تاريخ الفرق مصادر تحفُّ بها الكثير من إشكاليات الامانة التاريخية، فضلا عن أنَّ بعض المصنفين كانوا يستقون معلوماتهم من أفواه الناس ومن تصرفاتهم، وهي مجازفة خطيرة بطبيعة الحال.
لستُ من الذين يدعون إلى إهمال هذا العلم، او الى التشكيك به مطلقا، بل أدعو بجد إلى إيلاء الأهتمام الكبير لهذا العلم، ولكن ليس بهدف التكفير والتقييم المُشتق من تصورات سابقة، بل من أجل ا كتشاف ا لعقل الاسلامي عبر عصور نشأته وصيرورته، ولكن بعد مراجعة دقيقة لاصول  هذه الكتب ومصادرها، ودراسة دقيقة للمصنّفين وعلاقتهم بالسلطة، ومدى نزاهة نصوصهم من الدس والتحريف، ومدى التزامهم بالشروط الموضوعية للكتابة والتنصيص، وعلاقة النص المنقول بالصراعات السياسية السائدة في عصر المؤلف والعصر الذي سبقه ، وعندها سوف نُحدث ثورة فكرية هائلة في تضاعيف الفكر الأسلامي، سوف ننزّه الكثيرين، ونمحوا الكثير من خطايانا، سوف يكون ذلك سببأً في نشأة إتجاه فكري اسلامي نزيه في حدود كبيرة، يجنّب الامة ا لكثير من ويلاتها ومأسيها واحزانها وبلائها.
هذا العلم يدرّس في كثير من الجامعات الدينية والعلمانية بالرجوع الآلي إلى جملة من المصادر، في حين هناك حديث كثير عن هذه المصادر يشكك بتعددها ويشكك بنصوصها، فهذا هو مثلاً  كتاب (فرق الشيعة) تحوم الشكوك القوية حول إنتساب الكثير من نصوصه إلى مصنفه النوبختي، وهناك من يرى ان الكتاب اصلا هو ذاته كتاب (المقالات والفرق) للاشعري الشيعي! وهذا عبد القاهر البغدادي يتهمه الرازي بإمضاء نصوص ومعتقدات لمخالفيه هم منها براء، وذلك في كتابه (الأجوبة البخارية)، وعلى نهجه  العلامة المتميّزأبو الفتح الشهرستاني  في كتابه (الساري)، وهو الذي يقول  في كتابه الرائع (الملل والنحل) ما هو نصّه (وشرطي على نفسي  أن أورد مذهب كل فرقة على وحدته في كتبهم، من غير تعصّب لهم، ولا كسر عليهم) ـ الجزء الاول المقدمة ص 7 ـ وهو إنّما يلتزم هذه المنهجية لانّه اعاب على غيره التقولات المنقولة بلا رجوع إلى المصادر والكتب التي تمثّل وجهات نظر أصحابها. 
علم الفرق في الكثير من صيغه التي طرح بها نفسه  يكاد ان يكون  علمّا تكفيريّا، يكفي أن يحدّد الكثير من المصنفين هدف تخطيطه الذي يتركّز على بيان ما يُعرَف بالفرقة الناجية، وبهذا يكون قد حكم على مساحة عريضة بل مساحات عريضة من أمة المسلمين بالكفر والنار، وهي بطبيعتها نتيجة تولّد في تضاعيف الأمة شقاقاً عميقاً، ومواقف  عدائية سافرة، سلاحها الدين، وهو أمضى سلاح إذا أُسيء إستخدامه، وهل ننسى ان الكثير من الدماء سالت، وإنّ الكثير من الأعراض انتهكت والبلدان خُرّبت تحت عنوان عريض فضفاض غامض، ذلك هو عنوان (الفرقة الناجية).
إن إسقاط (علم الفرق) من الدراسات الدينية والميثالوجية خطأ كبير، وخسارة كبيرة للفكر، ولكن ينبغي أن تتحوّل وجهته من التكفير والحكم على عقائد الناس، الى استجلاء النص الفرقي، سواء على مستوى مصدره او مستوى تفسيره او مستوى تأثيره،  اي ان يكون علماً نقدياً تمحيصيّا، فأن مثل هذا الاجراء سوف يغير مسار التفكير لدى العقل الاسلامي، العقل الجاد، ربما يتحوَّل الى مناسبة لتجسير العلاقة الحيوية الصادقة المخلصة بين أبناء الامة الواحدة، يكون بداية تصحيح ومشروع نقدي، والبداية هي نقد المصادر نقداً شاملا، نقداً بنيويِّاً، يحلل النصوص ويكتشف ما بين السطور، ويسلّط الضوء على القوى الفاعلة الخفية الكامنة وراء النص، ثم فحص المعلومات الواردة في ا لنص الفرقي، المعلومات العقدية والتاريخية والحديثية، فإنّ هذه الكتب كثيراً ما تستشهد بالتاريخ، وكثيراً ما تعرض العقائد كحراك تاريخي صنعه الناس، لأغراض سياسية أو تخريبية، وكثيراً ما تُمضي الحوادث التاريخية وكأنها حقائق مطلقة، وقد قام الكثير من المؤرخين العرب بتحليل هذه المقتربات، ووصلوا الى نتائج مذهلة، ففي هذا السياق وجدوا هناك فرقا ومذاهب مصطنعة، لا اساس لها من الوجود، او هي  عبارة عن مواقف عقدية سريعة، لم تصمد للزمن، بل راحت أدراج الريح، وينبغي ان يكون هناك حوار جاد حول معنى (الفرقة)، أو (الملّة) أو (المذهب)، فإنّ المتقدمين لم يقدموا لنا تشخيصات دقيقة لتسمياتهم هذه، وقد ناقش الشهرستاني طرفاً من هذه الإشكالية في مقدمة كتابه لمّا وضع ضوابط للأستحاقاق هذه التسمية، أطلق علها مصطلح  (القواعد) وحصرها في أربع. ومهما يكن من أمر، ان الحاجة العلمية والفكرية والإ جتماعية تستوجب إعادة النظر في هذه المصادر وكيفية تفكير مصنفيها.
حديث الفرقة الناجية
ينطلق الكثير من كتاب الفرق وتاريخها من حديث مروي عن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيه ( أفترقت اليهود على إ حدى وسبعين فرقة، وإفترقت النصارى على أثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على  ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلاّ  واحدة)، وقد أختط  عبد القاهر البغدادي كتابه بالاستناد على هذه الرواية، فراح يعدد الفرق والمذاهب، ومن همومه الكبرى  ان تكون  ثلاث وسبعين فرقة كما هو تنبؤ الرواية المزعومة، وسار على هذا النهج كثير من كتاب الفرق ومؤرخيها، وقد حرص على تسمية اكثر الفرق باسماء مؤسسيها، وقد تكلّف المؤمنون بهذا الحديث بإجتراح الفرق وتخليقها، وإذا اكتشفوا ان العدد لا يساوي المعدود حقيقة وواقعا، أوّلوا الحديث بطرق متعددة، فيها تكلّف واضح، فقال بعضهم إنّ العدد للتكثير، وقال بعضهم ان المقصود هنا اصول الفرق كما هو تفسير الفخر الرازي الذي هوّن من الحديث من خلال تفسيره للحديث ـ مفاتيح الغيب 4 / 139 ـ ولكن إبن حزم يشكك بالحديث كما ذهب في كتابه (الفصل في الملل والنحل)، وسفّه تفسيره وبين عدم انطباقه على الواقع، فيما يذهب الغزالي الى قلب الحديث، حيث يرى ان كل الفرق الإسلامية في الجنّة سوى الزنادقة ـ  فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص 15 ـ والواقع ان مراجعة لكتاب (الفرق بين الفرق) وكتاب (رد الأهواء والبدع) لابي الحسين الملطي المتوفي سنة 377، وكتاب  (التبصير في الدين) وكتاب (غنية الجلي)، كتاب (شرح المواقف) وكتاب (خطط المقريزي)، وغيرها من الكتب سوف لا نجد تماهياً او تطابقاً في تسمية فرقهم وبيان عقائدها ، حتى يضيع القاري بين الاسماء والعناوين والموضوعات، ولا يخرج بحاصل يُمكن الإطمئنان اليه. على أنّ هناك من يدّعي زيادة مصطنعة في الحديث،  فهذا صاحب (العواصم والقواصم) يقول (إياك ان تغترّ بزيادة كلّها  في النار إلاّ  واحدة  فإنها زيادة فاسدة، ولا يبعد ان تكون من دسيس الملاحدة) ـ التبصير في الدين ص 7 ـ حيث هناك حديث يشير الى التعدد فقط دون الإشارة الى الناجية منها (إفترقت اليهود على إحدى وسبعون فرقة، وأفترقت النصارى على إثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ـ نفس المصدر ص 7 ـ  ومن الغريب أن يجازف بعضهم ليذكر لنا عدد الذين سوف يدخلون الجنّة، أي القوام العددي للفرقة الناجية، ففي صحيح مسلم مثلا يفيد أن عددهم سبعون الفاً أو سبعمائة الف ـ صحيح مسلم 7 / 137 ـ فيما نقرا صيغة اخرى تقلب الموازين رأسا على عقب، كل الفرق بالجنة سوى فرقة واحدة هي فرقة الزنادقة، ولست ادري كيف تكون فرقة الزنادقة قسيمة الفرق الأخرى تحت مقْسم واحد هو الامة المسلمة ؟!
وقد دقّق بعض المستشرقين بهذا الحديث واكدّ كبارهم على إفتعاله، مشرين الى جذوره التأسيسية الاولى، فان فرق النصارى ربما مأخوذة من عدد  تلاميذ السيد المسيح الذين ذكرهم الانجيل مرارا، ويرى جولد زيهر بان اصل الحديث منقول بالتحريف والتعديل من الحديث النبوي الشريف (الإيمان بضعة وسبعون شعبة، فافضلها  قول لا إله إلاّ الله  وأدناها رفع الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) ـ موسوعة الفرق ص 38 ـ
يقول الدكتور حسن حنفي (... هو حديث مشكوك في صحّته، ليس متواتراً، والتواتر شريط اليقين في الأدلة السمعية، والاتفاق مع الحس، والعقل أحد شروط التواتر، وهل يُعقل ان تكون إجتهادات  الامة كلها  ضلالاً) ـ من العقيدة إلى الثورة 5 / ص 334 ـ
 لقد حدّد الحديث في بعض صيغة الفرقة الناجية بقوله كما ينقل الحديث المزعوم (... ما عليه أنا واصحابي)، ولكن لوحظ ان هذا التحديد جاء بعد سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن ماهية هذه الفرقة الناجية! الامر الذي يكشف عن إختلاق الحديث اصلا، ولأن بقية الفرق ضالّة نجد  انّ كتاب الفرق وكتاب تاريخ الفرق يكيلون التهم الجزافية والالقاب الموجعة للفرق، من ضلال وكفر وزيغ وتهوّد وتنصُّر وتموجس، وبذلك يكون هذا الحديث المختلق قد أسّس لادب إتهامي، و وضع قاعدة اولى لأدب سجالي قائم على التنديد والتنكيل الفكري والديني، اي صار قاعدة للارهاب الفكري البغيض، وفي هذا السياق برزت روايات منسوبة لصاحب الرسالة بذم هذه الفرقة وتلك، كالقدرية والمعتزلة والشيعة،  وغيرهم من الفرق الإسلامية، وهذا يعني ان الحديث المذكور صار قاعدة لأجتراح الروايات واختلاق الاحاديث، فكان سبب إعلال للعقول والافكار، ليس على مستوى المضمون بل على مستوى طريقة التفكير والتحليل.
الغريب أن هذه  الفرق قد تزيد على مائتي فرقة، وهي كثيرة التشعّب والتفرّق بيحث يصعب إحصاؤها بدقة ومنهجية، ولم تقف حركة التكوّن الفرقي في جسم الامة المسلمة لحد هذه اللحظة.
الذين يؤمنون بهذا الحديث وجدوا انفسهم في مازق لتفسير ما به من قسوة، فهل يعقل أن يكون مصير هذه الامة الكريمة النار، بحجة انهم هالكون، وان  الناجين هم عصابة قليلة من هذه الامة ؟ فقالوا أن المطلوب هو الا يمان باصول الدين التي لا خلاف عليها! وليس ذلك سوى مهرب للخروج من بعض الإشكاليات التي يمكن ان تتمخّض عن الحديث!
لقد حاز حديث الفرقة الناجية إهتماماً كبيراً في العصر العباسي، نظراً لاتساع مساحة التفكير الكلامي أنذاك، وتبعاً لاتساع حركة التشكيل الفرقي، ولا يمكن إستبعاد الصراع بين المدارس الفقهية كمؤثر في هذه النتيجة، ولا يمكن استبعاد السياسة بطبيعة الحال، فإن التضليل والتكفير كانا من أهم أليات القمع والحصر والقتل والطرد.
حديث النجاة ومصير التاريخ
يكرّس حديث الفرقة الناجية مفهوم الحذف، حذف ألآخر، باسم الضلالة والكفر والهلاك، حذف مسبق لا يقبل المراجعة، فإن الفرقة الناجية قد تحدّدت وتعيّنت، وبذا هناك علم مسبق، وهذا  العلم المسبق يعتمد على  مصدر لا يخطأ ولا يضل، هو النبي صلى الله عليه وسلم، هناك فرقة واحدة في الجنة، وهذه الفرقة مرسومة الملامح، معلومة العنوان (ما انا عليه واصحابي)، ومن هنا يكون التاريخ قد تحددت معالمه، وامضت عليه ريشة القدر طبيعة المستقبل، وطبيعة الصيرورة.
 حديث الفرقة الناجية تشكيكي، إرتيابي، تقسيمي، يؤدي الى تشظي روحي وتبعثر وجداني، هناك موج كبير من أمة المسلين ضالة، لا تستحق رائحة الجنّة، والمرفوض في الجنّة مرفوض في الا رض، مرفوض في الحياة، ولذلك لا استبعد ان روح الحديث تشيّد في داخل الضمائر المغشوشة بهذه الا سطورة نزعة التشكيك والإ نعزال والرفض، رفض الاخر بقوة وقسوة.
هناك حقيقة مطلقة مُحتكرة، حقيقة مطلقة هي ملك عدد محسوب من البشر، وبطبيعة الحال الجنّة في سياق هذا التصور تضيق بالناس، ليس لها ناس، هي غريبة، موحشة، وذلك نسبة  إلى مساحتها الكبيرة وخيراتها لمدهشة، تضيق مساحة الفكر، الاسلام عبارة عن شذارات من احكام وبعض المعادلات العقدية ومصفوفة روايات، يُختزل اللاهوت بكل تراثه العظيم، تراثه الفسيح ببضع كلمات، تضيع كل هذه  الثروة اللاهوتية الجميلة، لانّها مجرد ضلال ، مجرّد كلام فارغ.
الحديث بطبيعة الحال يخلق مجتمع تكفيري، أمة تكفيرية، يتحوّل التكفير إلى عقلية سائدة، يتحوّل الى آلية سائرة، وبالفعل هي اللغة التي سادت تضاعيف الامة لردح طويل من الزمن، وهذا ما اشار إليه عبد القاهر البغدادي صراحة، فهو يقول في كتابه (الفرق بين الفرق) نصّا (... وفي شروط النبوّة  والإ مامة يكفّر بعضهم بعضا...) ص7، وبذلك يكون الحديث قد أسّس مبتغاه، ومن العجيب ان يجعل البغداد ي من هذا التكفير دليلاً  على صحّة الحديث (... فصحّ تأويل الحديث المروي في إفتراق الأمة ثلاثا وسبعين فرقة...) ص 7، وبهذا نكون بين يدي امّة ذات طابع تكفيري بالدرجة الاولى، ومن نافلةالقول بأن تهمة او مقياس التكفير من أخطر الإدواء التي تفتك بالامم والشعوب والحضارات والثقافات.
فلسفة الفرقة الناجية المحدّدة تحول بين العقل والعالم، وتخلق نوعاً من العزلة الإستعلائية الفارغة، هناك حدود فاصلة تفترضها هذه الفسلفة، ولا استبعد ان نشوء بعض دعوا ت الإنفصال الشعوري عن المجتمع من الأثار  اللاشعورية لهذه الفلسفة، فنزوع بعض الجماعات التكفيرية، والدعوة الى هجرة المجتمع، والإبتعاد عن الحياة الإجتماعية، ربّما متأتية من تراكم هذه الفلسفة على شكل فكرة وعلى شكل ذكريات وقصص وابتهالات وأفكار، فمن المعلوم ان الإ فكار المختزنة قد تعبر عن فاعليتها الخفية باشكال متعددة.
يشيّد الحديث عقلية نمطية، تحكم مسبقا، وتتحكم في الحياة ، ذات بعد واحد، لا تقدر على تطوير ذاتها، ولا تستطيع الخروج عمّا ألفت عليه، تحاور ذاتها فقط، ولا تسمح بحوار الأخر، لانّه مسبقاً إكتسى هويته الأزلية القارّة، تلك هي الضلالة.
إرتباك في الصميم
لا أنتقل إلى النقطة التالية حتى أسلِّط الضوء على بنية الرواية في بعض صورها، فقد روى بعضهم هذه الرواية بالصيغة التالية (تفرّق بنو اسرائيل على أثنين وسبعين ملّة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملّة تزيد  عليهم ملّة، كلهم في النار إلاّ ملّة واحدة، قالوا يا رسول الله منْ الملّة الواحدة تنقلب، قال: ما أنا عليه وأصحابي) ـ الفرق بين الفرق ص 4 ـ والحقيقة إنَّ  السؤال المُلقى على الرسول الكريم صلى الله عليه واله وسلم يُلقي الشك على أصل الرواية، فإن الجواب ينبغي ان يكون قطعة من المتن النبوي بلا سؤال، لأن مهمة النبي الإنقاذ وليس التاريخ، مهمته بيان المصير ومتطلبات المصير ومفارقات المصير، وكما هو واضح ان المصير لم يتحدّد في متن الرواية على لسان النبي الكريم بداية، فهل يُعقل هذا ؟ وقد تحدّد المصير على ضوء سؤال طُرِح في الإثناء! تُرى ماذا لو لم يكن هناك سؤال ؟
أن الجواب النبوي  على السؤال المذكور هو جوهر الرواية ـ ونحن هنا نفترض صحّة الرواية ـ يشكل جوهر المطلوب ويؤسّس نواة المعرفة المترتبه على بيانه الإحصائي للفرق الإسلامية.
أنَّ الجواب في الرواية يحتل منزلة الزيادة، فيما يجب ان يحتل منزلة القلب، منزلة النقطة الجوهرية المسؤولة عن تاسيس المعرفة الدينية، فليس الرسول رجل إ حصاء بل هو رجل بيان المصير وما يحفّ المصير من مشاكل وما يترتب عليه من مستحقات. وأنا أعرف انّ بعضهم سيقول ان النبي على علم بأنّه سيكون موضع سؤال يصبّ في الغرض، ولذا لا داعي لبيان هويّة الفرقة الناجية. ومثل هذا المهرب بائس وغيبي ويتعامل مع النبي وكأنه يشيد المعرفة الدينية كما هي سليقة السحرة والعرّافين. 
ظاهرة التكفير الحديث
تسود الجماعات الإسلامية  هذه الأيام ظاهرة التكفير الجماعي، ليس بين الجماعات التي تختلف مذاهبها، بل داخل الجماعة الواحدة، أي التي تنطوي تحت سقف مذهبي واحد، وفي الحقيقة أن هذه الظاهرة ليست بعيدة الجذور عن ظاهرة تكفير الفرق والمذاهب حاسا فرقة واحدة، إستناداً ا لى تلك الرواية المزعومة، وربما يكون مستند التكفير داخل الجماعة الواحدة هو هذه الرواية بالذات! لتسود الجماعات الإ سلامية هذه الأيام ظاهرة التكفير الجماعي، ليس بين الجماعات التي تختلف مذاهبها، بل داخل الجماعة الواحدة، أي التي تنطوي تحت سقف مذهبي واحد، وفي الحقيقة أن هذه الظاهرة ليست بعيدة الجذور عن ظاهرة تكفير الفرق والمذاهب حاسا فرقة واحدة، إستناداً ا لى تلك الرواية المزعومة، وربما يكون مستند التكفير داخل الجماعة الواحدة هو هذه الرواية بالذات! فإنّ أثار هذه الفلسفة، فلسفة الفرقة الناجية تشعّبت في داخل المخيال العقدي وراح يتبلور على شكل مواقف حادّة ضيقة، لا تتسمع حتى للنظير في كثير من القسائم والعلائم والمتشركات! وهي نتيجة طبيعية لهوية الحصر العقدي والتصوري التي ينطوي عليها الحديث، وقد إقترنت هذه الظاهرة للاسف الشديد بالدم والجماجم، لا نريد ان نذكر هنا بعض الامثلة، بل هي معروفة، ومن الغريب ان يكون سبب التكفير حكماً شرعيِّاً، يتناول قضايا شخصية عادية، ربما لا تتجاوز الأحكام العادية، كان تكون على مستوى مساحة غطاء الوجه مثلا!
إنّ حديث الفرقة الناجية حفر في اللاشعور الجمعي للامة عبر التاريخ، وعبر تدارسه، وشرحه، وممارسته آلية قاسية، تلك هي التكفير، التكفير داخل جسم الامة الواحدة التي تدين شهادة متفق عليها، وقد إ نتقل على تكفير داخل الفرقة الواحدة!
ان فلسفة الفرقة الناجية تتعارض مع فلسفة الامة الناجية، وهي الامة ا لمسلمة لمجرّد شهادتها بالتوحيد والنبوة، هذه الشهادة عاصم، بها يحقن المسلم دمه وعرضه وماله،  وبهذا يكون حديث الفرقة الناجية آلية تشظي  عقدي، ألية تحطيم للوحدة العقدية التي تتصف بها أّمة الاسلام.
نحو علم (فُرَقي جديد)
لا يعني كل ذلك خذف  علم الفرق، وهو العلم الذي يتطرّق بالتفصيل او الاختصار ، أستعراضاً او حجاجاً الى الفرق على مستوى العقائد وتاريخها ومؤسسيها وتشعّباتها، وليس من شك ان تجاهل هذا  العلم والدعوة الى طرحه جانباً دعوة غير عملية، كما انّها دعوة تؤول الى خسارة كبيرة، لانّ العقل المسلم ينبغي ان يفهم كيف كان يفكر المسلمون في الأحقاب السابقة، كما أنّ ذلك قد يؤهل العقل المسلم للاطّلاع على الكثير من ألتباسات الفرق، وما لحق بها من ظلم بسبب الجهل او الحقد، ويمكن ان نستثمره لتوثيق العلاقات الفكرية والروحية بين أبناء الامة الواحدة، وفي هذا السياق نطرح التصورات السريعة التالية.
أولا: أنْ يكون هذا العلم وصفيِّاً وليس قيمياً، أي يهتم بالعرض والبيان وليس بالتقييم والتأييد والتفنيد، تلك مهمة علم ا لعقائد وليس علم الفرق الاسلامية.
ثانيا: رغم انّه  علم وصفي ولكن ليس هناك مانع ان يستثمر هذا العلم كوسيلة لتعزيز الوحدة الروحية والوجدانية للامة، وذلك من خلال التوكيد على المشتركات والخطوط الجامعة بين كبرى التصورات وأمهات القضايا.
ثالثا: أن يتمّ الرجوع الى مصادر الفرق الرئيسية بالاساس، وعدم الإعتماد على نقولات علم الفرق إلا ما يثبت منها بدليل قوي.
رابعاً: تكييف الموقف العقدي من جوهر العقيدة الأسلامية وأمهات التصور الاسلامي جهد الإمكان، محاولة في إثبات وحدة الخلفية العقدية للامة.
خامساً: أنْ نأخذ بنظر الإعتبار تصحيحات وتصويبات علماء الفرق والمذاهب، خاصّة إذا كانت تلك التصحيحات والتصويبات تتماهي بالنهاية من روح العقيدة وجوهرها.
سادسا ً: سيكون عملاً كبيراً لو ان هذا  العلم تولّى مهمة الكشف عن الفرق المختلقة والمذاهب التي لا وجود لها اساساً.
سابعاً: ليس من شك ان كل ذلك يستوجب القيام بعملية نقد صارم وجذري لأمهات كتب علم الفرق التي تولّت مهمة بيان عقائدها وتاريخها ورجالها، فان الكثير من هذه الكتب نُقلت من  على لسان الناس، وليس من الكتب او من على لسان  العلماء.
ثامناً: لابد من الإتفاق ولو بشكل  عام على ضوابط بموجبها يصحّ تسمية الفرقة إسلامية، فإن ذلك من صميم مهمات هذا العلم، إذا ا ردنا السير على طريق تحقيق التجانس الفكري والروحي للامّة.
تاسعاً: من المفيد جدا ان يتبنى هذا العلم بيان الأسباب والعوامل التي  ساهمت في إجتراح بعض المواقف العلمية ذات الإتجاهات المشتطّة بشكل فاضح، ليس من باب التقييم ولكن من باب الوصف والعرض.
 
لمصدر: موقع المثقف /www.almothaqaf.com/indek.php

(*) باحث عراقي مقيم في السويد.