الحضارية «دراسات اجتماعية»

الاربعاء: 12/11/2008

 

علم الاجتماع والأمن الاجتماعي في العراق
الحاجة إلى دور تنموي فاعل(2/2)

أ. د. عدنان ياسين مصطفى(*)

(خاص للمعهد)

ثقافة السوق والأمن الاجتماعي
إن ما ينبغي أن يركز عليه علم الاجتماع اليوم هي المتغيرات والآثار الناجمة عن الانتقال إلى اقتصاد السوق، وعلى مطالب سوق العمل كما هو الشأن في جميع البلدان النامية الأخرى.
إذ بعد أن كانت قوى الثقافة في المجتمع التقليدي تلجم آليات السوق وتحد من شراهة الربح، أدت الليبرالية الجديدة إلى هيمنة السوق العالمية والاقتصاد الحر، ومؤسساته الدولية، مما ترتب عليه احتدام التنافس، إلى التسابق المرعب نحو الربح، ومزيد من الأرباح، والى «تسليع» كثير من القيم ومقومات الحياة.
لقد أدت برامج التكييف الهيكلي التي تدخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على البلدان النامية إلى إفقار مئات الملايين من الناس وأسهمت في زعزعة العملات الوطنية، وتدمير اقتصاديات البلدان النامية. وانهارت القوة الشرائية الداخلية، وظهرت المجاعات، وأغلقت العيادات والمدارس، وأنكر على مئات من الأطفال الحق في التعليم الأولي، كما أدت الإصلاحات في كثير من بلدان العالم النامي إلى إحياء الأمراض المعدية كالسل والملا ريا والكوليرا. ورغم ان البنك الدولي يهدف إلى مكافحة الفقر، وحماية البيئة فان دعمه للمشاريع الكهرومائية الزراعية والصناعية الضخمة قد أسرع كذلك بعملية نزع الغابات وتدمير البيئة الطبيعية، مما أدى إلى التشريد الإجباري لملايين من الناس من مواطنهم(22).
لقد تبنى العراق سياسة الانتقال نحو اقتصاد السوق وارتبط ببرامج صندوق النقد الدولي و البنك الدولي، وهذه البرامج والسياسات لها ثمنها الاجتماعي في البلدان المستقرة امنيا وسياسيا(23)، فكيف الأمر بالنسبة للمجتمع العراقي الذي يشهد تصدعا عنيفا في بناه المؤسسية، وانهيارا في منظومة المعايير، وتوالد متواصل للمشكلات وافتقارا للإرادة الاجتماعية ولأدوات تمكينه من التعامل مع هذه المشكلات.
إن الاقتصاد المعولم لم يفشل فحسب في تحقيق مستوى مرتفع من النمو، والحد من ظاهرة البطالة، بل انه قد أطاح بكل المكاسب الاجتماعية القديمة وألقى بفئات متعددة إلى حافة الفقر. وليس من باب المبالغة القول إن اخطر النتائج سلبية في المجال الاجتماعي هو سحق الطبقة الوسطى ودرجتها إلى حافة الفاقة، وهي صمام الأمان في المجتمع التي تشكل النواة الصلبة للمجتمع المدني، كما إنها الطبقة الكابحة لجميع تيارات العنف والتطرف. وباتت قوى السوق تفرض مستوياتها ومواصفاتها العالمية في كل مجالات العمل والأداء والقدرة على الدخول والمنافسة في السوق العالمية بل وفي السوق المحلية أيضا، إن ذلك يتطلب مستويات عالمية من المعرفة تستوعب الثورة المعرفية الجديدة والمتجددة، وتوظيف آلياتها التكنولوجية المتقدمة. كما يعني ذلك أيضا فرص عمل اقل أمام المرأة وذوي القدرات المحدودة.
إن من القضايا الأساسية التي ينبغي تسليط الضوء عليها هي الإسهامات المتعددة لعلم الاجتماع في ميدان الأمن الاجتماعي، التي يأمل أن تقدم صور واضحة لدور المناهج المتخصصة في علم الاجتماع في الأمن الاجتماعي.
أولا: العائلة والأمن الاجتماعي
من المعروف أن بنية العائلة ووظائفها خضع لمتغيرات عديدة في العقود الأخيرة. يكفي أن نشير إلى ازدياد عدد النساء العاملات؛ وارتفاع معدلات الطلاق؛ وارتفاع نسبة النساء المعيلات لأسرهن؛ وتفاقم أعداد المعوقين (عقليا وجسديا) وغيرها. وبالنتيجة، فان الزواج لم يعد الشكل المعتمد لتحقيق الأمن، فضلا عن أن مكانة المرأة قد خضعت لمتغيرات كبيرة. العديد من الدراسات السوسيولوجية تناولت طبيعة تلك التحولات، مع إشارة خاصة إلى تأثير الدولة، خصوصا ما يتعلق بتقديم الدعم للأسرة من خلال المخصصات العائلية.
الدراسات أظهرت في العديد من البلدان، أن القليل من العوائل شهدت تحسنا في مستويات معيشتها كنتيجة لتلك الفوائد، ولم تحافظ هي الأخرى على مستوياتها المعيشية بعد ولادة واحد أو أكثر من الأطفال. من هنا يمكن القول أن تأثير إعادة التوزيع للمنافع العائلية كانت ضعيفة.
إن من الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن التأثيرات التي تطال الاتجاهات العائلية هي من القضايا البسيطة. على أية حال من الضروري الاهتمام بدراسة الموضوع، ومن منظور سوسيولوجي، لتحديد كيف تتأثر منافع الأمن الاجتماعي بتغير أنماط العائلة، دورة حياة العائلة، وبشكل خاص القضايا المتعلقة بالمخصصات العائلية عند حدوث حالات الطلاق، فضلا عن تحديد المستفيدين من المخصصات العائلية وغيرها.
إن عدم المساواة بين الجنسين في مجال منافع الأمن الاجتماعي قد أظهرتها العديد من الدراسات، بالرغم من ذلك نجد أن جذور اللا مساواة موجودة في العديد من الميادين خصوصا العلاقات في ميدان العمل. الدراسات أظهرت بان تلك الحالات من اللامساواة قد سلط الضوء عليها في وقت كانت فيه برامج الأمن الاجتماعي قد أسست في زمن كان القليل من النساء يذهبن إلى ميدان العمل خارج المنزل، أو اعتبرن من الأشخاص المعتمدين بشكل أساسي على أزواجهن في معيشتهن وبقائهن.
هذا النموذج لم يعد نافذا لأكثرية العوائل، ومن المشكوك فيه فيما إذا كانت التوجهات في الوقت الحاضر والتي تعتمد على المخصصات الأسرية بشكل كامل متكافئة بشكل تام مع تحسن الوضع الحقيقي للعائلة.
هذا الفرع من الأمن الاجتماعي، أكثر من غيره، يواجه تناقضا بين أهداف السياسة الاجتماعية والوضع الاجتماعي الحقيقي. لذا فان المطلب الأساسي هنا لأي إصلاح للمنافع العائلية، يكون من خلال المعلومات السوسيولوجية الخاصة بأنماط الحياة الجديدة للعائلة، وكذلك الأشكال الجديدة لها (تركيب العائلة) مثل الزيادة الكبيرة في عدد العوائل أحادية الأب. العديد من الدراسات القيمة أنجزت في هذا الميدان، والتي حصلت على دعم كبير من الحركات النسوية.
لقد تركت عمليات الانتقال السريع في المجتمع وسياسات التكييف الهيكلي غير المترافقة مع شبكات الأمان الاجتماعي آثارا لا حصر لها على الطفولة. لقد أدت تلك المتغيرات إلى زيادة عمل الأطفال كما هن النساء كنتاج لزيادة مساحات الفقر في المجتمع الذي يدفع بأكثر أعضائه ضعفا في المجتمع نحو السوق. لقد جاء دخول النساء والأطفال لسوق العمل كنتيجة لزيادة الطلب على العمل الرخيص وتحديدا في القطاعات غير الرسمية الهادف إلى تعظيم الربح وخفض التكاليف. من ناحية أخرى فان خفض الإنفاق الرسمي على الخدمات الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم، سيؤدي إلى تزايد تشغيل الأطفال من خلال تقليل فرص التحاقهم في المدارس، لتردي أوضاعها ووظيفتها في الحراك الاجتماعي(24).
ثانيا: الصحة والأمن الاجتماعي
إن تطبيقات المنهج السوسيولوجي على النظام الصحي قد طورت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. فالزيادة غير المتناسبة في كلف العناية الصحية، مخاطر نقص التمويل على المستفيدين من الرعاية الصحية، كل ذلك حفز المعنيين في السلطات الإدارية لاستخدام البحوث السوسيولوجية في هذا الميدان.
لذلك حفزت هذه التحديات العديد من الدراسات لتحليل الممارسات الطبية ومقادير الاستهلاك. وقد أدت تلك الدراسات إلى فهم أفضل لنظام العناية الصحية. وقد كان من الطبيعي أن تكون المستشفيات الموضوع الذي يمثل الأولوية لتلك الاختبارات ونقطة الانطلاق لتحليل طبيعة الوظائف التي تؤديها.
كان هناك تركيز أيضا على المدفوعات الخاصة بمستخدمي النظام الصحي، مع ملاحظات تصرفات وسلوكيات المرضى والاستمارات التي يحصلون عليها للحالات المرضية. تلك العوامل مجتمعة ذات تأثير مختلف وقوي على الاستهلاك الطبي.
لقد أسهمت العديد من الدراسات والبحوث في إثارة الانتباه والدعم والإعانة في رسم معالم سياسة العناية الصحية، وخصوصا ما يتعلق بتحديد العناصر الاجتماعية للامساواة بوصفها المدخل للعناية الصحية والظروف الوظيفية الداخلية المقدمة لأي خدمة.
على الرغم من ذلك لابد من الاعتراف بان المنهج السوسيولوجي كان له اهتماما محدودا فيما يتعلق بالعلاقة بين خطط العناية الصحية والأمن الاجتماعي. فضلا عن أن البحوث التي أجريت ركزت معظمها على تردي المستوى الصحي بدلا من التركيز على دراسة مجمل القضايا المتعلقة بالعناية الصحية، وتحديد الممارسات الضرورية التي من شأنها أن تعزز الأمن الاجتماعي، إلى جانب ذلك ركزت بعض الدراسات على الوقاية كهدف عام، ولكن ما ينبغي التركيز عليه أو اخذه بالحسبان هو تأثير العوامل التي تقع خارج إطار النسق لصحي مثل الأشخاص المسنين، والذي بات يشكل احد المشكلات الجدية في ميدان العناية الصحية.
إن تلك البحوث يمكن أن تعزز الفهم والإدراك للتطور المستقبلي الذي لا يمكن تجنبه فضلا عن أنها تقيد الاستثمارات الجديدة في ميدان الصحة التي من شأنها أن تؤدي إلى نتائج سلبية كما هو موجود الآن في العديد من البلدان.
ثالثا: المسنين والأمن الاجتماعي
علم الاجتماع وخصوصا في مجال ما يعرف بعلم الشيخوخة الاجتماعي Social Gerontology، قد برهن بما لا يقبل الجدل، أن نسبة المسنين من السكان تشكل أبرز الظواهر في زمننا الحالي، ولم تترك الشواهد الديمغرافية مجالا للشك في هذا المجال.
المسنين في البلدان الصناعية عموما أصبحوا في دائرة اهتمام السياسة الاجتماعية، ولكن الاهتمام الأكثر ينبغي أن يتركز في بلداننا على كبار السن. وفي حقيقة الأمر نحن نواجه مشكلة حقيقية لا تتعلق فقط برواتب المتقاعدين، ولكن أيضا بالعناية الصحية، والسكن والنقل وغيرها.
ولعل أهم الدراسات السوسيولوجية المنجزة في هذا المجال هي التي ركزت على نمط الحياة وظروف المعيشة لكبار السن. وان العديد من الدراسات المنفذة في بلدان مختلفة حاولت أن تبرهن أن الفوائد المقدمة للمسنين كرواتب المعمرين مكنت الكبار من العيش بكرامة. إن معظم تلك الدراسات نفذت في مجال البحث الخاص بإعادة توزيع الدخل.
في إطار هذه المسارات، بإمكاننا القول أن تحسن الظروف المادية للأشخاص المتقاعدين في العديد من البلدان قد تحسنت وبشكل ملموس، وان نسبة المشمولين برواتب التقاعد في دخلهم الكلي قد انتقلت من كونها هامشية إلى كونها مكون أساسي في حياتهم. بالمقابل، لقد أثبت أن الظروف المعيشية للمسنين قد تحسنت، بينما الظاهرة نفسها لم تلاحظ على فئات سكانية أخرى.
إن حالات التقاعد كانت ضمن دائرة اهتمام الدراسات الاجتماعية التي تهدف إلى تطوير المعرفة في مجال «طقوس الانتقال» في المجتمع، فضلا عن دراسة اتجاهات السكان نحو التقاعد، خصوصا عمر التقاعد.
إن العلاقة بين المسنين والدولة، والذي تلعب فيه برامج الحماية الاجتماعية دورا أساسيا قد اختبرت من قبل العديد من السوسيولوجين، والتي أظهرت غموض السياسات الخاصة بالمسنين. تبعا لتلك الدراسات كانت السياسات تحتفظ وبشكل متكرر منطق يعتمد الدعم والعزلة في تطبيقاته، وهو أيضا يثير في الغالب رؤية سلبية على المسنين. لذا فان اخطر العواقب هو عندما يصبح المسنين ضحايا عدم قدرتنا على تكييف البنى الاجتماعية مع حقيقة الحالة التي يواجهها المسنون.
رابعا: الفقر والأمن الاجتماعي
برهنت الدراسات السوسيولوجية وبشكل واضح أن معظم البلدان الصناعية لم تنجز الأهداف المحددة لها مثل: التخفيف من الفقر، ومنع ظهور مسببات جديدة له تتمثل بحالة البطالة المزمنة على المدى الطويل، فكيف الأمر في البلدان النامية وقد تفاقم فيها أثر المتغيرات والتحديات الخارجية والداخلية، وباتت بناها المجتمعية عرضة للتصدع والتعفن والانهيار؟
ومما هو جدير بالذكر، أن تحديد حالة الفقر ومدياتها يتطلب بشكل أساسي تحديد مفهوم عتبة الفقر (أو البقاء). العديد من الدراسات والأدبيات الدولية قد كرست لسبر أغوار هذا الموضوع مؤكدة أن الدخل يعد المتغير الأساسي في تحديد العتبة، ولكنه ليس العامل الوحيد في هذا المجال.
العديد من المتغيرات والعوامل ذات الطبيعة السوسيولوجية تحتاج إلى الأخذ بنظر الاعتبار مثل: الممارسات الاجتماعية، البيئة، الدخول إلى الخدمات وغيرها. من جانب آخر فان تحديد العتبة (حتى بالمعيار النقدي) يحتاج إلى تأمين الإحاطة بمختلف العوامل المؤثرة بمستويات معيشة الأسرة، اخذين بنظر الاعتبار أن نقص وسائل البقاء ذات تأثير اكبر على بعض الجماعات دون الأخرى، وهذا يعتمد على الطبقة الاجتماعية، أو التراتبات الاجتماعية والاقتصادية.
إن المفهوم الحقيقي للفقر متغير، والنظرة السوسيولوجية الصحيحة ينبغي أن تشير إلى وضع الفقر النسبي، ذلك ان هذه الظاهرة ذات أبعاد متعددة وترتبط بمجالات خاصة.
ومما هو جدير بالذكر ان أدوات علم الاجتماع لقياس الفقر قد أدت إلى اختبارات عامة لتلك الظاهرة، وقد أظهرت انتشار تلك الظاهرة في بعض الدول الصناعية عما هو عليه في المشهد الأول. وقد أظهرت الدراسات المنجزة في العديد من البلدان الأوربية انه إذا كانت 10% من الأسر تعيش تحت خط الفقر، فان مالا يقل عن 25% من الأسر في تلك المجتمعات تعيش ظروفا متماثلة.
وفي حقيقة الأمر، إن اقل من ثلث العوائل التي تعيش تحت خط الفقر، تعيش في مأزق الحاجة الضاغطة تبدو وكأنها تعيش حالة متناسقة ومتقاربة في مستوياتها المعيشية. وهذا يعني أن نسبة عالية من السكان يرزحون تحت خط الفقر خلال دورة حياتهم.
هذه الاعتبارات المختلفة عمقت من فهمنا: لماذا الأمن الاجتماعي ليس بإمكانه تخفيف الفقر في مجتمعاتنا، بالرغم من ان تلك الدراسات أظهرت أن فقدان ميزات الأمن الاجتماعي في الوقت الحاضر سببا رئيسيا في زيادة معدلات الفقر. فضلا عن أن تقويم العديد من المنافع أظهرت مجموعة من حالات الغموض كحالات الوقوع في شرك الفقر.
إن الهدف الأساسي للأمن الاجتماعي هو ضمان مستوى معيشة لائق لعدد كبير من السكان. وذلك يمكن ان يغطي عددا من الحالات الطارئة. ولكن علم الاجتماع أظهر أن الأمن الاجتماعي لم يستعد بما فيه الكفاية لمواجهة حالات الفقر القاسية ذات الأسباب المتعددة والمتباينة زمنيا.
ومادامت الأهداف المحورية للتنمية تستهدف إقامة مجتمع ديمقراطي عادل يضمن أوسع مشاركة للناس، من خلال العمل المؤسساتي، في إدارة شؤون المجتمع، فان ذلك يعني إتاحة الفرصة لجميع المواطنين من الإسهام في بناء المجتمع والتعبير عن مصالحهم، ويتطلب ذلك سياسات اقتصادية واجتماعية تستهدف تحقيق معدل نمو اقتصادي متنام، وتوزيع عادل للدخول والثروات، والمزاوجة ما بين آليات السوق والتخطيط المقنن بما يفترض تحديد أوضح لدور الدولة، ليس بهدف تقليص هذا الدور أو زيادته، إنما بهدف تفعيله. وما دام الإنسان العراقي هو محور التنمية، فلا بد أن تشمل برامج التنمية تأمين مستقبل أفضل لهؤلاء البشر، ويأتي هدف مكافحة الفقر أو التخفيف من حدته، والقضاء على الفروق في توزيع الدخل والثروة، وعلى البطالة والجهل في مقدمة أهداف التنمية.
3- منظورات سوسيولوجية في الأمن الاجتماعي
بعد وصف السمات الرئيسة للمساهمة التي يمكن أن يقدمها علم الاجتماع للأمن الاجتماعي في سياق البحث في مختلف الميادين الاجتماعية، يمكننا أن نعطي أوثق تعريف للمنظورات الاجتماعية عند تطبيقها على مؤسسات الأمن الاجتماعي. إن تقويم برامج الأمن الاجتماعي وأداء وتطور مؤسسات الأمن الاجتماعي ذو أوجه ثلاث والتي يمكن أن تعكس إسهام منهج علم الاجتماع في هذا الحقل.
وفي هذا الإطار تشكل سياسات وبرامج الضمان الاجتماعي التي تعتمدها الدولة احد المحاور الرئيسة للأمن الاجتماعي. ومن اجل الوقوف على فاعلية تلك البرامج ووصولها إلى الفئات المستهدفة، لابد من اعتماد الآتي:
أولا: تقويم برامج الضمان الاجتماعي
تعد عمليةَ التقويمَ حاسمةُ في تَقْرير فعالية برامجَ الضمان ألاجتماعي والاتجاه الذي تأخذه. ويمكن أن يقدم عِلْم الاجتماع إسهاما رئيسيا في هذا المجال من خلال البحثِ في القضايا المتعلقة ببناء وسائلِ الإعالةِ، وعدمِ المساواة وأنماط الحياة، أَو حتى الجوانب المتعلقة بالبنى الاجتماعية.
المكوّنات الاجتماعية لإعادة التوزيع وتأثيرها في الضمان الاجتماعي كَانتْ موضوعُ مشاريع وبحوث اجتماعية عديدة، والتي ركّزتْ على العلاقةِ بين أمنِ وسائلِ الإعالة وبرامجِ الضمان الاجتماعي. لذا، فان الأوضاع الحقيقية للعوائلِ يمكن أن توُصِف من خلال استعمال المؤشراتِ الموضوعيةِ والذاتية، مِنْ اجل تسليط الضوء على صيرورة وفاعلية البرامج ألتي تحقق الأمان المعيشِي وكفايتها، مع تركيز وظيفتين ظاهرتين للضمان الاجتماعي: الحفاظ على مستوىِ معيشة مكتسب وحد أدنى من الدخل المضمون. الأخير جَذبَ انتباه العديد مِنْ علماءِ الاجتماع الذين دَرسوا تأثيرَ الضمان الاجتماعي على الفاقةِ مِنْ زوايا عديدة، كما ً ذُكِروا مسبقا، والذين برهنوا وبشكل واضح تأثيرَ مخصّصات الضمان الاجتماعي في منعِ الفاقةِ بين المجموعاتِ المُخْتَلِفةِ واجهتْ حالاتِ الطوارئ المختلفةِ، مثل البطالةِ والشيخوخةِ (كنقطة بداية).
ثانيا: - أداء مؤسسات الضمان الاجتماعي
يعد تحليل عمل المؤسسات الطريقة الرئيسة لعلم الاجتماع، إلا أنها لا تنطبق دائما على مؤسسات الضمان الاجتماعي. فهل تعد المؤسسات الأخيرة هي الأقرب لنموذج المؤسسة أم أنها صورة للمؤسساتِ المشوّشةِ لهم؟ هنا يمكن القول إن الدِراسات نادرة في هذا المجال، والتي تظهر ان إدارةِ منظماتِ الضمان الاجتماعي في أغلب الأحيان عاملُ مهمُ من جانبينِ، سواء من ناحية الديناميكا الداخليةِ للمؤسسةِ أَو تبادلِها بالعالم الخارجي. ومن الطبيعي، إن العلاقة مع الدولة هنا تأخذ أولوية قصوى في هذه الدراسات، بعد أن أظهرت تزايد التدخل المباشر وأهميته في ميدان الضمان الاجتماعي في العديد من البلدان. ويبدو أيضا، انه حتى لوقت قريب ظل هذا الميدان حكرا على المختصين تحت ضغط الصعوبات الناجمة عن الصعوبات الاقتصادية، في الوقت نفسه يجد الكثير من الناس أنهم معنيين مرة أخرى بالموضوع ويحاولون التأثير في مجالات تطوير الضمان الاجتماعي.
ثالثا: -تطور مؤسسات الضمان الاجتماعي
على الرغم من إن العديد من دراسات علم الاجتماع المعاصر لم تسلط الضوء على المضامين العالمية للأمن الاجتماعي، إلا إن من الإنصاف الإشارة إلى ما قدمته العديد من الدراسات العلمية في ميدان الأمن الاجتماعي محاولة إدماج العناصر القانونية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. هذه البحوث استندت على دراسات وطنية، أظهرت بعدا قانونيا في مضامينها، رغم إن البعض منها كتبها سوسيولوجيون. أعقب هذه الدراسات العديد من الدراسات المقارنة التي عكست بناءا رصينا في مضامينها معتمدة على المنهج السوسيولوجي في إجراءاتها. لذا كانت قضية الأداء المتعلقة بالضمان الاجتماعي احد المحاور الأساسية التي اعتمدت لبناء البرامج الخاصة بالأمن الاجتماعي وتطويرها. فالعديد من مواد ومناهج علم الاجتماع تضمنتها تلك الدراسات، ومن المؤمل أن يظهر التاريخ الاجتماعي للأمن الاجتماعي تلك الإسهامات الرائدة للسوسيولوجيين في هذا الميدان، والتي عكست جهدا عميقا وتكميليا لتفسيرات المختصين في المراحل الأولى من تطوره(25).
ثمة حقيقة تجدر الإشارة إليها في هذا المجال، إن الجهد العلمي البحثي في هذا الميدان لم يكتمل بعد، ولكن من الواضح وجود مؤشرات محاولات جادة لبحوث ومشاريع يمكن ان يقدمها المعنيون في الميدان الاجتماعي، كي ينتقلوا الى الدراسات الجزئية في ميدان علم الاجتماع.
الحاجة إلى بحوث سوسيولوجية في ميدان الأمن الاجتماعي
لقد بات الأمل أكبر في أن تسهم الاهتمامات الحديثة في مناهج علم الاجتماع في تعزيز الأمن الاجتماعي وان لا تكون زوبعة في قعر فنجان، وان المسوح الحديثة في السنوات الأخيرة ربما ستؤدي إلى تقويمات أكثر ايجابية لإسهامات علم الاجتماع. وفي هذا الإطار يمكن أن يسهم السوسيولوجيون والمختصون بالأمن الاجتماعي في هذا التطور وتحقيق الاستفادة القصوى منها. وهنا ينبغي ان يشرع السوسيولوجيون في إجراء الدراسات والمسوح التي من شانها سبر أغوار المشاكل والتحديات التي تحدق في هذا الميدان، من خلال توفير المعرفة والمعلومات المطلوبة للعاملين في ميدان الأمن الاجتماعي والوصول إلى تعريف أفضل لمفهوم اللا أمن الاجتماعي، من اجل التمكن من عزل تأثير برامج الأمن الاجتماعي وتقويمها بشكل أدق. إن ذلك يعتمد بشكل أساسي على الأدوات التي يستخدمها السوسيولوجيون في بحوثهم ودراساتهم. ان هذه الدراسات كي تكون أكثر فاعلية وواقعية ينبغي ان تكون عملية في توجهاتها وعلى درجة عالية من التنسيق مع العلوم الإنسانية الأخرى. كما إن البحوث ينبغي أن تكون عميقة ودقيقة في تناولها للقضايا المجتمعية مع تركيز الانتباه بان المعلومات التي تحتويها في البحث ستنشر، إذ غالبا ما يخفق العاملون في الأمن الاجتماعي وصناع القرار والجمهور في الوصول إلى وسائل الإعلام.
إن من القضايا الحيوية للبحث العلمي أن يكون سهل المنال. إن ذلك يتطلب صرامة فكرية وتواضع وخيال، كي يكون علم الاجتماع معبرا حقيقيا لحاجات السكان وقريبا منهم. كما ينبغي إعطاء التدريب أسبقية في عمل المختصين في علم الاجتماع كي يساعدهم في تامين الاتصال مع الإدارات وصانعي السياسات والقرارات، وبذلك يحقق علم الاجتماع المكانة التي يستحقها في مجال الأمن الاجتماعي. إضافة إلى ما تقدم ينبغي ان يكون السوسيولوجيون على وعي تام وقدرة على إعلام المعنيين بحقيقة التباين بين البرامج الموجودة و الظروف المعيشية للسكان. كما ينبغي أن يتمكن السوسيولوجيون من تأمين المعلومات المناسبة السهلة المنال لأكثرية الناس والتي تتضمن دراسات في ميدان سوسيولوجية لجميع المستويات المتعلقة بالأمن الاجتماعي(26).
وفي هذا المجال تجدر الإشارة إلى ما ذهب إليه مينون Minon الباحث في ميدان علم اجتماع الأمن الاجتماعي، حيث يؤكد بان الأمن الاجتماعي لا يمكنه أن يتحقق أو يستمر بالحياة أو يتطور ما لم تكن له جذوره ومؤسساته في إطار البيئة الثقافية التي يكون جزءا منها(27). هذه القاعدة الثقافية للأمن الاجتماعي فضلا عن التغيرات التي تؤثر على تلك القيم, تقدم لنا التبرير الأفضل لمنظور علم الاجتماع في هذا الميدان، دون إنكار للمعوقات المالية التي تؤثر في تحقيق الأمن الاجتماعي. فالأزمات الاقتصادية الرئيسة تترك آثارا خطيرة على الأمن الاجتماعي، فلا ريب أنها فاقمت من حجم التحديات والمشكلات جعلت الأمن الاجتماعي يواجه أزمة ثقة ومشروعية،.كنتيجة للشكوك التي تساور عامة الناس حول بعض الأهداف الأساسية للأمن الاجتماعي، وبشكل خاص إعادة توزيع الأدوار.
البحث العلمي في العمل الاجتماعي
يلعب البحث العلمي في ميدان العمل الاجتماعي دورا محوريا يكشف مسارات وبرامج العمل المعتمدة. إلا إن مسار البحث العلمي في هذا الميدان يواجه معضلات كثيرة في مجتمعنا يمكن إجمالها بالاتي:
1- ضعف الأنشطة البحثية الضرورية للعمل الاجتماعي:
على الرغم من أن أولى دفعات علم الاجتماع قد تخرجت مطلع الخمسينيات من جامعة بغداد، وبدأ تدريس الخدمة الاجتماعية للبنات وتوسع أقسام الاجتماع في جامعات ومحافظات متعددة، إلا إن الأنشطة البحثية في ميدان العمل الاجتماعي ظلت ضعيفة ومحدودة لا تواكب حجم التحديات واتساع مساحة الصعوبات التي تواجه الشرائح الأكثر عرضة للتهميش Vulnerable Group.
2- تراجع كفاءة الباحثين الاجتماعيين:
اعتمد التعليم الجامعي في العديد من نشاطاته على انجاز دراسات ذات بعد نظري صرف، ولا تأخذ الدراسات المستمدة من الميدان إلا حيزاً ضيقاً. وعلى الرغم من الاهتمام الذي أبدته أقسام الاجتماع في جامعات العراق كافة في تناول العديد من الموضوعات المهمة التي أسهمت في تحديث معلومات الباحثين العاملين في ميدان العمل الاجتماعي خصوصا الفئات المهمشة، النساء والأيتام والمشردين والمعوقين والمسنين وغيرهم، وتفعيل خبراتهم، وفتح دورات تخصصية، إلا أن ظروف المجتمع المتمثلة بالحروب والحصار أحدثت تأثيراً كبيراً من هذا الاتجاه.
3- ضعف النشاط الطوعي
على الرغم من سمات المجتمع العراقي التكافلية إلا أن النشاط الطوعي ذو الإطار المؤسسي المنظم ظل ضعيفاً وخصوصاً في ظروف التأزم التي يعاني منها المجتمع العراقي. لذلك ظلت برامج العمل الاجتماعي ومؤسساته الخاصة بالأيتام محدودة في وقت يمكن ان تلعب فيه مجالس الشعب، والمنظمات الطوعية غير الحكومية أدورا مهمة في تطوير العمل الاجتماعي وتوسيع مظلته، وزيادة عدد المستفيدين من برامجه، وهذا يتطلب جهة تنسيق عليا، وبحوث تقويمية، ومشاركة في التمويل واتخاذ القرارات المهمة على صعيد المجتمع المحلي او المجتمع الكبير.
4- قلة البحوث التقويمية لبرامج وأنشطة العمل الاجتماعي
وتتجلى خطورة هذه المشكلة في أن برامج العمل الاجتماعي للأيتام تخطط وتنفذ من دون معرفة واضحة بمردوداتها على المستويين الإنساني والاقتصادي.
هذه المعوقات والتحديات جعلت العمل الاجتماعي ولاسيما في إشكالية المؤسسة لا يتناسب مع حجم الحاجة الحقيقية له. فالإنسان العراقي يعيش في بيئة مأزومة صادرت التسهيلات المتاحة للمواطن وأضافت تحديات ومعوقات جديدة مما فاقم من حجم المعاناة لشرائح واسعة من أبناء المجتمع.
فالبطالة وانخفاض القيمة الحقيقية للأجور، وازدياد مساحة القطاع الحضري غير الرسمي زاد من حجم الفئات الأكثر عرضة للتهميش في الهرم الاجتماعي، (الأيتام،المعوقين، المسنين، النساء المعيلات لأسرهم، أطفال الشوارع، الأرامل وغيرها).
ولعل استمرار التأزم لفترة طويلة قد جعلت آثارها بنيوية على المجتمع العراقي فتماسست الكثير من الممارسات الاجتماعية التي حازت آلياتها على الاعتراف الاجتماعي وتغلغلت في الحس الجمعي للناس في الريف والمدينة.
في إطار هذه المؤشرات نجد أن مشكلات العمل الاجتماعي في العراق تواجه مشاكل جدية وتتطلب وقفه وتأمل لتشخيص مكامن الخطورة ورسم سياسات اجتماعية تحافظ على النسيج المجتمعي. آخذين بنظر الاعتبار ان هذه المشكلات تحتاج إلى طرق معالجة غير تقليدية.
وعلى صعيد التعليم والمعرفة في ميدان علم الاجتماع فينبغي أن يراعى فيه قدر كبير من التنوع وبشكل متجدد ومستمر بطرح مواد جديدة تدرس بصورة مكثفة على النحو الذي يساير الألوان الجديدة من المعارف وطرق تطبيقها العلمي.
وتدلنا تجارب دول النمور الآسيوية أن البناء الثقافي والعلمي للموارد البشرية هي العامل الحاسم في خدمة التغيير الشمولي. إذ ظل الجامع المشترك بين التجارب الآسيوية هو التركيز على الإنسان الحر، والمؤمن بقدرة المجتمع على مواجهة التحديات. وهو مؤهل للاستجابة على التحدي الحضاري بعد تملكه للعلوم العصرية، والتكنولوجيا المتطورة. من هنا فان المسار ألتأريخي للمجتمع يتطلب إعداد العلم والتكنولوجيا من أجل التنمية المستدامة وتحقيق الامن الاجتماعي. وبذلك ينبغي أن تشكل قضية تهيئة الموارد البشرية لمواجهة تحديات المستقبل الأولوية القصوى في كل خطة. لان التنمية في المستقبل ستكون مكثفة بالمعرفة ومبنية، بصورة خاصة، على أسس علمية متينة، والتعليم ذو النوعية العالية هو الوسيلة لبلوغ مثل هذا الهدف.
إن النهوض المجتمعي والأمن الاجتماعي الذي تحقق في تجارب التحديث الآسيوية انطلقت أساسا من إصلاح البنى التعليمية والتربوية والثقافية الذي أسس لحداثة غير قابلة للارتداد. لقد أصبح التعليم الهاجس الأول للإنسان في دول النمور الآسيوية، فحب العلم والمعرفة والاهتمام المجتمعي بقضية التعليم جعلها تعيش نشوة هذه الرؤى والأحلام وتعمل بشكل دؤوب نحو تحقيقها. ويذكر الدكتور عبد العزيز الحر في كتابه التربية والتنمية والنهضة، انه أثناء زيارته لمعهد تطوير التعليم بكوريا، سأل مدير المعهد: ما أكبر إشكالية تواجهونها في تطوير التعليم في كوريا فقال: مبالغة الشعب الكوري في قيمة التعليم،... وهذا قد تسبب في زيادة الأعباء النفسية والضغوط الاجتماعية على الأطفال وتسبب في تحميل ميزانيات الأسر لأعباء مالية كبيرة تدفع للتمدرس خارج المدرسة لتغطية دروس خصوصية أو دراسة مواد إثرائي وغيرها(28).
5-القيود والمحددات على تناول مشكلات معينة
هناك إشكالية تتعلق بالإنتاج العلمي في العلوم الإنسانية، حيث تفرض قيود كثيرة وخطوط حمراء متزايدة، وكثيرا ما يمنع الباحثين من تناول المشكلات الاجتماعية المتفاقمة والحديث عنها، وكأن بحثها فضيحة، لأنها تقارب الفضيحة فعليا في واقعها. وبذلك تضيع جهود جيل بأكمله من الباحثين الذين يقتصرون على تناول القشور والأمور الهامة بشكل سطحي، والتي نجدها تملأ مجلات البحث الأكاديمي في العلوم الإنسانية، ولا تستخدم لغير أغراض الترقية. وإذا حدث أن تمكن إبداع من الإفلات من هذه البنية المتحكمة بالعقل والآسرة للفكر، فان الرقابة له بالمرصاد على مستوى النشر والتوزيع(29).
6-إشكاليات منهجية
ثمة إشكاليات تتعلق بالمناهج البحثية التي يستخدمها الباحثون في العلوم الاجتماعية، إذ مع تعدد المناهج البحثية في العلوم الاجتماعية والتربية، يسود حاليا استخدام منهج واحد في معظم البحوث، وهو المعروف بالمنهج الامبيريقي على اعتبار انه المنهج العلمي المعتمد اقتداء بمنهج العلوم الطبيعية وفيه تقتصر المشكلة التي يتم تناولها على جزئية صغيرة محددة من المشكلات المجتمعية أو القضايا التعليمية بما عرف بالطريقة الوصفية، من وصف لمفردات الموضوع، واستعانة بأساليب الإحصاء والقياس في المتغيرات. وهو منهج إن صلح في بعض الحالات فانه لا يصلح لمعظمها نظرا لتعقد المشكلات الاجتماعية والتربوية التي لا يمكن اقتطاعها كمفردة مستقلة عن سياقها الكلي. وهنا تجدر الإشارة أن فهم تلك المشكلات لا يقتصر فهمها على مجرد إعداد استبانه لاستطلاع الرأي من عينة محدودة، متفادية بذلك المناهج العلمية الأخرى التي تحيط بالمشكلة أو مجموعة المشكلات من المنظور التاريخي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، مستخدمة المقاربات التحليلية، والجدلية، والتدبيرية، والتركيبية، وتصور البدائل المتاحة والممكنة. لهذا كله ولغيره، أصبح كثير من بحوث الماجستير والدكتوراه عقيما قليل الجدوى، تجهد نفسها في الوصول الى نتائج مدركة بالخبرة، ولا تحتاج الى هذه المظهرية الشكلية في إجراء البحوث. إن ذلك يتطلب التجديد في أساليب البحث واختيار الموضوعات الحيوية التي تهم الشأن المجتمعي وتواكب التطورات في مجالات المعرفة حتى لا تظل هذه البحوث مركونة في رفوف المكتبات.
الخاتمة
لا يبدو البحث عن المخارج لمأزق العلاقة بين العلوم الإنسانية والمتغيرات المجتمعية مأزقا لا مخرج له. كما أن البحث عن هذه المخارج قد يأتي أحيانا تحت مسمى التوصيات، أو انه يأتي تحت مسمى المخارج أو الخواتم وهو الأمر الذي تزخر به الكثير من الدراسات الأكاديمية، وبشكل عام يمكن أن نوجز التوصيات بالاتي:
1- الشروع برسم البرامج والخطط التي من شأنها زيادة الدراسات الامبريقية عن الظواهر والمتغيرات المجتمعية التي يشهدها مجتمعنا وفي القطاعات كافة، مع تركيز على الجماعات الأكثر ضعفا واستهدافا وتضررا. فما هو قائم وموجود بين أيدينا إن هو إلا دراسات انطباعية قد تكون قائمة عند البعض على مشاهدات فردية تحتاج إلى قدر من المعالجة العلمية الأكاديمية والشواهد العلمية لدعمها. من هنا تأتي أهمية البدء في دراسة عمليات التحول المجتمعي ابتداء من البنى التحتية وتأثير ظروف الأزمات على النسيج الاجتماعي والتركيز على تأثير عمليات العولمة على الجماعات المستهدفة كالطفولة والمرأة والبناء التدرجي (الطبقي للمجتمع)، والبحث في طبيعة وحجم التغير الذي جاء عليها. وهنا لا بد من البحث في تفعيل الدور التنموي لعلم الاجتماع ضمن الخصوصية الحضارية لمجتمعنا.
2- تدفع التوصية الأولى أو بناءا لها أو وفقها إلى البحث في حالة السياسات الاجتماعية وهو الجانب المنسي في كل السياسات أو الاستعدادات في مجتمعاتنا لمواجهة المتغيرات السريعة ومنها الآثار المصاحبة للعولمة، بل إن شبكات الأمان الاجتماعي تعاني من التكلس الإداري والضعف التشريعي والقصور المجتمعي والشحة المادية، الأمر الذي يتطلب وقفة جادة لتفعيل وتعزيز الدور التنموي لعلم الاجتماع للتدخل في رسم السياسات ومتابعة التحولات والمشاركة في بناء التوصيات واتخاذ القرارات.
3- ويستتبع التوصيتين السابقتين القول من انه لابد من إعادة الاعتبار لمصفوفة الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة والتي تداعت أوضاعها نتيجة ظروف الأزمات وعمليات الهيكلة ورسم السياسات، فإعادة الاعتبار لها كما ونوعا، يعني ردم الفجوة الطبقية المتصاعدة، كما هي تمثل حق كل الناس في المجتمع من الحصول على الأفضل فيما يتعلق بخدمات الرعاية الاجتماعية على أسس جديدة تنقلها من طابعها الرعائي إلى حالة تنموية جديدة، وهنا يأتي دور علم الاجتماع في دراسة تجارب البلدان الأخرى القريبة من سمات وميزات مجتمعنا، وتحديد مجالات الاستفادة منها كتجارب التنمية في كوريا وماليزيا واندنوسيا.
وختاما يمكن القول، إن مواجهة وتجاوز التحديات التي يمر بها المجتمع العراقي، يتطلب من علم الاجتماع اليوم دورا فاعلا وحقيقيا ينبع من دروس التاريخ الحقيقية التي علمتنا أن المحنة هي فرصة للزوال أو لتجديد البقاء. وينبغي أن يعد المعنيون هذه المحنة فرصة لبناء المجتمع والإنسان، ولتحقيق ذلك لابد من العودة إلى ثوابت المجتمع برصيده الحضاري وجوهره ألقيمي، إلى جانب العودة لمعطيات العقل العلمي والمعرفي، عندها سيدرك الجميع أن الصراع خياراته صعبة، ولكن من أن اجل أن يتجاوز الجميع لهذه المصاعب، لابد من العودة إلى كل ما في تراثنا من قوى روحية والى كل ما في ذكاء العالم من حداثة، عندها سيكون الجميع قادرين على خلق قياسات النهوض المجتمعي.
فالجهد التنموي الحقيقي هو الذي يعي الأصالة والمعاصرة وعيا عميقا ويحقق بينهما نموا متواصلان لا ثنائية منفصلة، أو تناقضا منفردا، فالأصالة صنعتها أجيال مضت لكنها وهي تضرب جذورها في التاريخ ترسم لمسارات المستقبل أفقا روحيا وأخلاقيا.

المصادر
ــــــــــ
(*) أستاذ علم اجتماع التنمية/ جامعة بغداد.
(22) جان زيغلز، سادة العالم الجدد، ترجمة محمد زكريا إسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2003، ص175-177.
(23) أنظر على سبيل المثال تجارب بعض البلدان العربية التي تبنت هذه البرامج. محمد عبد الملك المتوكل، اليمن إلى أين، المستقبل العربي، العدد 240، 1999، ص22-35.
(24) الأمم المتحدة، منظمة اليونيسيف للطفولة، أطفال الشوارع العاملون، فلورنس: مركز اليونيسيف لتطوير الطفل، 1997.
(25) Roland Sigg, The Contribution of Sociology to Social Security, Vol. 1 No. 3, Sept 1986, pp.283-295.
(26) Roland Sigg, The Contribution of Sociology to social Security, Vol. 1 No. 3, Sept 1986, pp.283-295.
(27)Ibid.
(28) الدكتور عبد العزيز محمد الحر، التربية والتنمية والنهضة، بيروت، الطبعة الأولى 2003، ص 133.
(29) مصطفى حجازي، الإنسان المهدور، دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، بيروت، 2005، ص173.