الحضارية «دراسات اجتماعية»

الاربعاء: 05/11/2008


فصل السلطة عن الدين

د. يوسف شلحت

إن أول ما يسترعي نظر الباحث، في درسه شؤون العشيرة، أنها تؤلف وحدة اجتماعية دينية سياسية معاً، يرأسها فرد يضم إليه كل السلطات. فهو قائدها الحربي ورئيسها الديني ومرشدها السياسي وحاكمها المدني، ينظم الحفلات الدينية ويقدم الذبائح ويشهر الحرب على الأعداء ويوزع الأرزاق والأسلاب على المحاربين ويحسم دابر الخصومات بين المتنازعين: فهو السيد المطلق له اليد الطولى في كل شؤون المجتمع.
فكيف توصل إلى هذه السيادة وما هي الأسباب التي أضعفت من شأنها، فأدت إلى تضعضعها، وفصلت السلطة المدنية عن الدينية؟ هذا ما سنحاول درسه في هذا البحث.
يعتقد فرازر أن السحر سابق للدين، وأن الملك ليس في الأصل إلا واحد من أولئك السحرة الذين كان لهم شأن عظيم في إدارة شؤون العشيرة، وسلطان واسع على الأفراد. ولكن حين وضع الناس، فوق القوى التي يلجأ إليها الساحر، كائنات أعظم شأناً من الأولى، وبعبارة أخرى حين ظهرت الديانة واستتب أمرها وسرى الاعتقاد بوجود الآلهة، ناب الكاهن عن الساحر. فكان أن حاول الملك أن يتبوأ منزلة إحدى هذه الكائنات القوية التي يحدثنا عنها الدين. ولم يلبث أن ارتفع إلى هذه المرتبة، ودخل في مصاف الآلهة، وجمع إليه السلطة المدنية والسلطة الدينية المطلقة، فغدا شافي العلل وبارئ الأسقام، يدير شؤون الكون بما فيه صلاح قومه، ويمنح العشيرة خصباً وحصاداً جيداً.
ولا نعجب لإيمان المتأخرين بألوهية الملك وسلطانه على أمور الكون، فإن من المتحضرين من يسلم بأمثال هذه الأمور. فالميكادو إله عند الشعب الياباني، وهو لا يعجز عن أمر، وإليه يعود الفضل في حسن سير الأعمال. وكان الفرنسيون يعتقدون بقدرة ملوكهم على شفاء الأمراض. وحتى في أيامنا نجد طرفاً من هذه الاعتقادات عند بعض سكان بريطانيا العظمى.
غير أن هذا الملك الواسع السلطان الذي انتقل من مصاف السحرة إلى مصاف الآلهة كان قصير العمر. وذلك لأنه لم يتبوأ هذا المنصب إلا لاعتقاد الأفراد بوجود قوى فيه تحفظ الطبيعة من كل ضرر.فإذا جاء الخريف برياحه وتناثرت أوراق الشجر، وتبعه الشتاء ببرده، وكسا الطبيعة حلة حزينة، توهم الناس أن ضعفاً أصاب قوى الملك فسرى إلى الطبيعة فعرّاها من محاسنها. فكان أن أجمعت الكلمة على قتل الملك في مطلع كل خريف، وتنصيب ملك آخر مكانه في تمام شبابه، كي يعود إلى الطبيعة نشاطها وذلك بتجديد قوى الملك.
إلا أن هؤلاء الملوك المنكودي الحظ القصيري الأجل لم يلبثوا أو وطدوا سلطانهم بالدهاء والحيلة. فوضعوا لهم بديلاً في مهمتهم الشاقة، وهو أكثر ما يكون أحد أفراد أسرتهم أو بعض خاصتهم من وزراء وقواد. فيصيب القتل هذا النائب عوضاً عن الملك الحقيقي الذي يظل محتفظاً لنفسه بالسلطة. وقد يؤدي اتساع شؤون الملك إلى نفس النتيجة التي توصل إليها فرازر، إذ يضطر الملك، أمام كثرة الأعمال، إلى انتداب بعض المقربين للقيام بأمور الدين.غير أن هؤلاء الوكلاء لم يكونوا أمناء في تأدية وظيفتهم فلم يلبثوا أن انتحلوا الديانة صناعة لهم، ما هم في الأصل إلا أجراؤها.
وعند سبنسر أن الذي أدى إلى تفريق السلطات هي الحركة التي نقلت المجتمع من الطور الحربي إلى الطور الصناعي. فغدا الأفراد متمسكين بحرياتهم، مقاومين كل استبداد. ففقد الكهنوت عندئذ سلطته المدنية ليحتفظ فقط بسلطته الروحية.
1ـ نظام البوتلتش
ويذكر لنا دافي طريقاً أخرى قد تكون اتبعت في تطور السلطات.
يذهب هذا المؤلف إلى أن السلطة، في بادئ الأمر، أي قبل أن تستقر العشيرة بالأرض، كانت منبثة في شتى أجزاء العشيرة ولم تكن محصورة في فرد معين. غير أن الاستقرار بالأرض وانتقال العشيرة من البداوة إلى الحضارة لتعيش في ظل القرى، جعلا السلطة محصورة في رؤساء القبائل. وعند دافي، أن الطوطمية المرتقية هي همزة الوصل بين السلطة المبعثرة والسلطة المنحصرة، تمّ الانتقال من الواحدة إلى الأخرى تحت تأثير نظام البوتلتش (أي الهبة). والمراد به حفلة يقوم الرؤساء فيها بتوزيع الهبات والهدايا على العشيرتين اللتين تتألف منهما القبيلة. وتتبادل العشيرتان الأموال والمتاع والنساء لكي تشتـّد الأواصر الاجتماعية بينهما وتصبحا متماسكتين متضامنتين. غير أن حفلة البوتلتش لا تقف عند تبادل الهبات، بل تتعداه إلى النيل من الأثرة الشخصية. فالفرد الغني يتحدى الأغنياء أمثاله، وعليهم أن يردوا على هذا المتحدي، وإلا ذهبت مكانتهم وانحطت منزلتهم الاجتماعية وغدوا دونه مرتبة ومقاماً. وبيت القصيد في هذا التحدي أن المغلوب لا يفقد منزلته الاجتماعية فحسب، ولكن طوطمه وشعائره الدينية وضروب الرقص تذهب أيضاً جميعها إلى الغالب. فترتفع مكانته الاجتماعية والدينية ويضم إليه شيئاً فشيئاً السلطة المدنية والدينية(1).
هذه هي بعض الأقوال في تطور السلطات، ونرانا لا نميل إلى التسليم بها تماماً لأن أصحابها قد تمسكوا ببعض الأمور مهملين أسباباً أخرى جوهرية. ففرازر يزعم أن الملك استمدّ سلطته من السحر. فقد يكون ذلك، وقد يكون استمد سلطته من المقدرة الحربية والمهارة في الصيد. ونظن أن السحر في بادئ الأمر لم يكن إلا ضرباً من الوسائل التي يستعملها المرء في حياته العملية لتأمين معيشته، وأن نفس الأسباب التي قادته إلى الصلاة قادته أيضاً إلى السحر. ونعتقد أن الأثرة الشخصية لا توجد إلا في القبائل المرتقية. وإذا كانت حفلة البوتلتش قد ساعدت على رفع مستوى الرؤساء وتوحيد كلمة العشائر، فذلك ليس بديل على أن السلطة كانت مبعثرة قبل هذا النظام الاجتماعي. بل أن حفلة البوتلتش، إذا دلت على شيء، فعلى سلطة محصورة في بعض الأفراد. ونحن نسلم مع دوركهيم بأن الرهط سابق للعشيرة، وأن العشيرة مكوّنة من عدة أرهاط توحدت كلمتها وخضعت لفرد منها له من الميزات ما يجعله أهلاً لهذه المرتبة. وأشهر هذه الميزات المقدرة الحربية والمهارة في الصيد.. فكان من جرائها أن اعتقدت الجماعة أن رئيسها يحوي على شيء من المانا المبثوثة في أرجاء المعمور. فمن البديهي أن يصبح عندئذ قائدها ومرشدها وساحرها، يحصر في شخصه كل السلطات.
2ـ السلطة المدنية والسلطة الدينية
أما فصل السلطات بعضها عن بعض فيبتدئ من يوم ما اتسعت شؤون المجتمع وافترق الجنسان للسعي وراء مقتضيات البقاء. فأدى ذلك إلى إيجاد لفيف من العقائد والتقاليد والأساطير، منها الخاصة بالرجال ومنها الخاصة بالنساء. ولما اضطرت العشيرة إلى الاستقرار في الأرض تحت تأثير العدد، ظهرت العشيرة إلى الاستقرار في الأرض تحت تأثير العدد، ظهرت القرى، واتسعت حركة الانفصال باتساع مجال التفكير، وغدا كل ساحر يحاول اكتساب الأفراد إليه ليمكن نفوذه ويعلي شأنه. ونشأت في الوقت نفسه جمعيات سرية غايتها مناقضة السلطة الحاكمة عن طريق الدين؛ وصحبت هذه الحركة الداخلية حركة خارجية من اتحاد بين العشائر ومنافسات بين القبائل جعلت الرئيس مضطراً إلى الاستعانة ببعض المقربين على إدارة أمور الدين، فكانت الخطوة الأولى نحو تفريق السلطات.
وساعدت هذه الجمعيات على رفع مستوى الدين وتمييزه شيئاً فشيئاً من كل صلة اجتماعية. فنرى الواحدة منها تضم بدون استثناء الرجال والنساء والمواطنين والغرباء والسادة والعبيد. فإذا ما اتسع شأنها وقويت شوكتها ناهضت الديانة الرسمية، وقد تحل مكانها. غير أنها إذا استتب أمرها وفازت ببغيتها، تظل مستقلة عن السلطة المدنية، بل قد تحاول إملاء إرادتها عليها والمداخلة في شؤونها إن لم تغدُ هي نفسها صاحبة النفوذ المطلق تحت ثوب ديني.
وبعد، فإن تفريق السلطتين لا يتم على وجه كامل، وإذا فازت إحداهما على الأخرى، فلوقت قصير فقط. وهذا التاريخ أمامنا يعطينا البراهين على ما تقدم: فالنصرانية ليست في الأصل إلا جمعية أو أخوية غايتها الإصلاح الديني؛ فلما استتب لها الأمر أملت إرادتها على السلطة الحاكمة، وحين اشتدّ ساعدها ضمت إليها السلطة المدنية؛ ثم ضعف شأنها فاضطرت إلى التخلي عما اكتسبته بعد مشقات. ونراها اليوم تحاول من جديد أن تعود إلى سابق عزها.
وكذلك الأمر في الديانة الإسلامية. فغايتها في الأصل تنوير العقول وإرشادها إلى الصراط المستقيم وردها إلى الدين الحنيف. غير أنه لم يتم لها ذلك إلا عن طريق الجهاد، لأن الحرب كانت أشد الوسائل إقناعاً عند قوم شأنهم الغزو والقتال. فمن البديهي أن تصحب الحركة الدينية نهضة قومية سياسية مهدت السبيل إلى الدولة الإسلامية. غير أن نفس الطريقة التي اتخذها الإسلام لفرض كلمته على العرب قد أدت إلى تفريق السلطات. فالحرب الدينية، بتوسيعها أمور الدين، جعلت من الخليفة إمبراطوراً أكثر منه إماماً. قال ابن خلدون في فصل انقلاب الخلافة إلى الملك من مقدمته:
«..وهكذا كان الأمر لولد عبد الملك ولمن جاء بعد الرشيد من بني العباس واسم الخلافة باقياً فيهم لبقاء عصبية العرب والخلافة. والملك في الطورين ملتبس بعضهما ببعض. ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب وفناء جيلهم وتلاشي أحوالهم وبقي الأمر ملكاً بحتاً كما كان الشأن في ملوك العجم بالمشرق يدينون بطاعة الخليفة تبركاً والملك بجميع ألقابه ومناحيه لهم وليس للخليفة منه شيء.. فقد تبين أن الخلافة قد وجدت بدون الملك أولاً ثم التبست معانيهما واختلطت ثم انفرد الملك حيث افترقت عصبيته عن عصبية الخلافة..».
وقال في معرض كلامه عن الصلاة، وهي عنده أرفع الخطط الدينية: «فلما جاءت طبيعة الملك وعوارضه من الغلظة والترفع عن مساواة الناس في دينهم ودنياهم استنابوا في الصلاة فكانوا يستأثرون بها في الأحيان وفي الصلاة العامة كالعيدين والجمعة إشادّة وتنويهاً. فعل ذلك كثير من خلفاء بني العباس».
وقال في القضاء: «وإنما كانوا يقلدون القضاء لغيرهم وإن كان مما يتعلق بهم لقيامهم بالسياسة العامة وكثرة أشغالها من الجهاد والفتوحات وسد الثغور»(2).
3ـ العوامل المؤثرة في الديانة
إن درس الديانات في شتى المجتمعات الإنسانية أظهر لنا تناقضاً بيناً، واختلافاً ظاهراً، في العقائد والمراسم. بل إذا تناول البحث ملة واحدة ظهر لنا، بعد مقابلتها بنظائرها، أن كل مجتمع يعطيها طابعاً خاصاً، وإن يكن الجوهر بقي واحداً. ففي الطوطمية مثلاً نرى أن الحيوان أو الشيء الطوطم يختلف من جماعة إلى أخرى: فهذه تعبد الأسد، وتلك تعبد السلحفاة، وثالثة تعبد إحدى الشجرات. وهذه المميزات نجدها حتى في الديانات المرتقية. فما هي العوامل التي أثرت في الديانة فجعلتها تختلف من مجتمع إلى آخر؟
أ ـ العامل الجغرافي
تنبـّه الأقدمون لتأثير العامل الجغرافي في حياة المجتمع. فهذا هيرودوت الملقب بأبي التاريخ يقول لنا: «إن مصر هبة من النيل»؛ وهذا ابن خلدون يحدثنا عن تأثير الحر في الديانة. قال في المقدمة الثانية: «إن المعمور من هذا المنكشف من الأرض إنما وسطه لإفراط الحر في الجنوب منه والبرد من الشمال.. فلهذا كانت العلوم والصنائع والمباني والملابس والأقوات والفواكه بل والحيوانات وجميع ما يتكوّن في هذه الأقاليم الثلاثة المتوسطة مخصوصة بالاعتدال وسكانها من البشر أعدل جسماً وألواناً وأخلاقاً وأدياناً.. (أما سكان) الأقاليم البعيدة من الاعتدال (فهم) متوحشون يقرب عرض أمزجتهم وأخلاقهم من عرض الحيوانات العجم ويبعدون عن الإنسانية بمقدار ذلك. وكذلك أحوالهم في الديانة أيضاً فلا يعرفون نبوة ولا يدينون بشريعة إلا من قرب منهم من جوانب الاعتدال»(3).
غير أن الكتبة الأقدمين قد تحدثوا عن أثر العامل الجغرافي في حياة الإنسان عامة ونكاد لا نجد واحداً منهم تحدث بنوع خاص عن أثره في الحياة الدينية، مع أنه على جانب عظيم من الأهمية. قال فرازر: «إننا على ثقة بأن الديانة قد تأثرت بالمحيط الطبيعي أكثر من كل نظام اجتماعي». وما علينا لإثبات ذلك إلا أن نلقي نظرة إلى مختلف الأساطير التي تقيم بداخل البلاد، وأن أساطير التي تعيش في الأقاليم الحارة تخالف أساطير التي تعيش في الأصقاع الباردة. ويحدثنا صاحب كتاب «جيفارو» عن قبيلة ليس في أساطيرها حكاية عن الطوفان ولكن هناك حديث آخر عن قحط شديد أصاب البلاد(ص 169) على أثر انحباس الأمطار. ويقول كرابير (Krappert): إننا لا نستطيع أن نتفهم تماماً الأساطير الجرمانية ما لم نطلع على الأحوال الجغرافية من جبال وغابات وبحار وثلوج وزوابع..».
وعند موره أن الخرافات التي تدور حول المعارك بين ست وأخيه أزريس في الأساطير المصرية ليست إلا رمز العراك بين النيل والصحاري القاحلة. والتقاليد تدلنا على أن موت أزريس يكون وقت هبوط مياه النيل، حين تهب رياح محرقة من الصحراء جارفة معها أوراق الشجر.. (النيل والحضارة المصرية: 103). وهناك أمم كثيرة عبدت عناصر الطبيعة والسيارات حتى أن المؤرخ دي لابورت لا يحجم عن الجزم بأن الآشوريين قد ألهوا جميع قوى الطبيعة وشتى قوى الخير وكل الأجرام السماوية..».
وقد تنبه مونتسكيو لهذا العامل فقال: «إن الديانة المؤسسة على المحيط الجغرافي لا تنتشر في بلاد تخالف في طبيعتها الجغرافية البلاد التي وجدت فيها هذه الديانة، ويخال أن المناخ هو الذي وضع الحد الفاصل بين الديانة المسيحية والديانة الإسلامية». وهذا ما ذهب إليه أيضاً الأستاذ محمد حسين هيكل بعد مونتسكيو إذ ذكر:
«أن المسيحية وما تدعو إليه من زهد في الحياة واعتزال العالم ومن العفو والمغفرة ومن المعاني النفسانية السامية ليست مما يلائم طبيعة الغرب الذي عاش ألوف السنين على دين تعدد الآلهة والذي يدعوه مركزه الجغرافي إلى حياة الكفاح لمقابلة الزمهرير والضنك وسوء الحال. فإذا قضت الظروف التاريخية عليه بأن يعتنق المسيحية فلا مفر من أن يسبغ عليها ثوب الكفاح وأن يخرجها بذلك عن طبيعتها السمحة الجميلة.. ولو أن المسيحية كانت تلائم غرائز الكفاح التي تنشأ بحكم الطبيعة كجزء من حياة أهل الغرب لرأيتهم وقد شعروا بعجز الفكرة المادية عن أن تلهمهم المدد الروحي يعودون إلى الدين المسيحي الجميل دين عيسى بن مريم إن لم يهدهم الله إلى الإسلام»(5).
يتضح لنا من الأمثلة المذكورة آنفاً أن للعامل الجغرافي أثراً بيناً في الحياة الدينية. غير أنه أخذ يفقد من أهميته يوم استطاع الإنسان أن يملي إرادته على الطبيعة بعد أن كانت الغالبة القاهرة في فجر الإنسانية. فمن أراض جرداء قاحلة أجرى فيها الأنهار وحوّلها إلى جنّات، ومن مستنقعات كبيرة جففها وحولها إلى أراض يابسة صالحة للسكن؛ وقد خفف من وطأة الحر والبرد بفضل المستحدثات الكثيرة. فطأطأت الطبيعة رأسها وسلمت إليه زمام أمرها صاغرة ليستغل كنوزها كما يشاء. وهذا ما دعا لوسيان فابر صاحب «النظرية الإمكانية» في الجغرافيا البشرية إلى القول إن الإنسان أصبح آمراً بعد أن كان مأموراً في بيئته الإقليمية.
هذا، وقد أظهرت الجغرافية البشرية كثيراً من أخطاء السلف في محاولتهم تفسير بعض الحوادث الاجتماعية عن طريق العامل الجغرافي. فكيف تنسب ديانة «البوشيمان» إلى غابات الكونجو إذا علمنا أن أصلهم من السواحل؟ وهناك عدد عظيم من القبائل ابتعدت جداً عن مكان نشأتها الأولى من جراء الحروب، إذ اضطرتها بعض القبائل القوية إلى الإجلاء عن أماكنها، والرحيل عنها إلى أقطار جديدة. ويذكر الرحالة ويس دونان (Wyss Dunant) أن قبائل الأسكيمو قد ارتحلت شيئاً فشيئاً عن الغرب إلى الشرق، فتنقلت من خليج هودسون إلى سان لوران. ثم اضطرتا الهنود الحمر إلى الانسحاب نحو الشمال لتعيش في أصقاع الحياة القطبية (ص 132)، فإذا تناول واحدنا هذه القبائل بالبحث وحاول درس ديانتها وأساطيرها بالنسبة إلى موقعها الجغرافي الحاضر ولم يتنبّه للهجرة المذكورة آنفاً التبس عليه فهم عدد كبير من أمورها وعقائدها المكتسبة أثناء هذا الرحيل البطيء.
زد على ذلك أن للديانة أيضاً أثرها في المحيط الجغرافي من جراء التحريمات والتحليلات التي تفرضها على المؤمنين بها. فالكروم مثلاً قد انتشرت وازدهرت في كل الأقطار التي تدين بالنصرانية لأن الخمر من الأشياء الضرورية في ذبائحها. أما الإسلام فبتحريمه الخمرة قد قضى على هذه الصناعة في أقطار كانت تعد بحق منبع الخمرة ـ مصر وأفريقيا الشمالية ـ فأهملت من جراء ذلك الكروم. وهنا نلمس لمس اليد تنازع العوامل في حياة الإنسان: فالخمرة قد حرمت لأن تعاطيها مضر في البلاد الحارة، فأثر العامل الجغرافي في الديانة. ثم أهملت صناعة النبيذ على انتشارها القديم في الأقطار العربية وأهملت معها الكروم فأثر بدوره العامل الديني في العامل الجغرافي.
ب ـ العامل العمراني أو المورفولوجي
ليس العامل العمراني دون العمل الجغرافي أثراً في الديانة. ويراد به عدد السكان وحجم المجتمع وكثافته وطرق المواصلات بين البلاد.. وقد تنبّه الأقدمون له فذكروا تأثيراته في حياة الفرد عامة، مهملين النواحي الخاصة، شأنهم في كل بحث. ولو أردنا أن نذكر بعض ما كتبه حكماؤهم وفلاسفتهم في هذا الموضوع، من أمثال أفلاطون، وأرسطو، وكنفوشيوس.. لضاقت بنا هذه الصفحات.
ومن أبلغ ما كتب في عصرنا الأطروحة القيمة التي وضعها إميل دوركهيم تحت عنوان «تقسيم العمل الاجتماعي»؛ وقد أظهر فيها أن الرقي الاجتماعي يستند خاصة إلى عدد سكان المجتمع وكثافته، وأنه كلما ضاق بأفراده ازداد بينهم تنازع البقاء، مما يؤدي إلى الاختصاص، أي إلى رقي فكري ومادي. وعنه أن كل مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية، في تأخرها أو رقيها، إنما هو نتيجة تطور الحجم الاجتماعي. والديانة نفسها تابعة لهذا التطور؛ والعقائد نفسها من ثمرات المحيط الاجتماعي، غير أنه خفف فيما بعد من حدة هذه النظرية. على أن الديانة، وإن ظلت لديه من نتائج الحياة الاجتماعية، فهي لم تبق خاضعة كل الخضوع لحجم المجتمع وكثافته، إذ أصبحت من نتائج العواطف المشتركة التي تتأجج في صدور الأفراد إذا ما كانوا متجمهرين.
وقد تبع دوركهيم في هذه الطريق مساعده وزميله الأستاذ مارسيل موس في بحث له عن ديانة الأسكيمو. يخال لأول وهلة أن الحياة الاجتماعية، في هذه القبائل، متأثرة جداً بالمحيط الجغرافي. ففي الشتاء، حين يشتد البرد، تعيش الأسر بقرب بعضها، يضم البيت الواحد بعضاً منها، ويجتمع الرجال في ما يدعونه «كشيم»، أي بيت الأمة إذا صح التعريب، حيث يقضون أشهر الشتاء منفصلين عن آل بيتهم. أما في الصيف، فتعود كل أسرة إلى الحياة العملية وتنتشر زرافات زرافات. ومن هنا نشأ في الأسكيمو شبه ديانتين: الأولى شتوية يكون فيها تجمهر الأفراد وتجسمهم، وتقام عندئذ الحفلات الدينية الكبرى من إلحاق وذبائح.. والثانية، صيفية أظهر ما فيها أنها فردية خالية من الحفلات. فإلى أي عوامل نعزو هذا الخلاف؟ قد نتوهم لأول وهلة أن العامل الجغرافي قد سبب هذه الانقلابات، غير أن الأستاذ موس أظهر خطأ في الرأي، وذهب إلى أنها متأتية عن مخالفة في الحياة الاجتماعية، وأن العالم الجغرافي سبب ثانوي ليس إلا. والواقع أن سكان مضيق بهرينج (Behring) حيث يضطرون إلى التجمهر في الصيف ليتعاونوا على صيد الحوت، يعود «الكشيم» إلى الظهور وتصحبه جميع الحفلات الشتوية. وعليه فإن احتكاك الأفراد بعضهم بعض هو الباعث على التحمس وتقوية الشعور الديني، وما العامل الجغرافي سوى الممهد لهذا التجمهر.
وإذا درسنا الديانات عامة رأينا أن كل تغيير يطرأ على هيئة المجتمع يصحبه تغيير في نظام الديانة. ومن ذلك ان الاستقرار في الأرض أدى إلى فصل السلطة عن الدين؛ وعندما حلّ نظام الأبوة مكان الأمومة تضخم عدد الأساطير؛ وإذا ما تكاثر الناس وتمّ الانتقال من نظام العشيرة إلى نظم القبيلة تأثرت الديانة «المغلقة» وانتقلت من الطوطمية المتأخرة إلى الطوطمية المرتقية؛ ومن ذلك أيضاً، أن اتحاد القبائل وسيطرة شعب منها على القبائل التي دونه قوة مهدتا الطريق إلى الدول الكبرى، تشد أزرها الديانات الوطنية؛ ثم أن اتساع شأن الدولة، وامتداد حجمها وسلطانها، وازدياد المواصلات بين الأقطار، أدت إلى ارتقاء ديني كان من نتائجه التمسك بجوهر الدين واستعداد الأفكار لقبول ديانة الإنسانية.
وأظهر مثل على التطور الذي يطرأ على الديانة تحت تأثير العامل العمراني ما جاء به الأستاذان دافي وموريه في كتابهما: «من العشيرة إلى الإمبراطورية». قال موره متحدثاً عن توحيد السلطة عن المصريين القدماء: «...لم يكن الملك في بادئ الأمر سوى رئيس لإحدى العشائر، وكان له أن يختار كطوطم حيواناً يمده بالمعونة وقت الحرب. غير أن اتحاد البيض بالحمر قضى على هذه العادة، فأصبح الصقر (الطوطم) إله المملكة لا ينزل إلى الميدان لمحاربة الأعداء، بل يظل هادئاً متربعاً على أريكته الملكية.. أما فرعون فلم يعد يعامل الطائر كما كان يعامل الطوطم ـ كرئيس عشيرة أو رفيق حرب ـ وأصبح يعبده كإله مصر الموحدة، يتسمى باسمه ويتحد به، ويجعل الصقر رمزاً إلى سلطانه، وأول لقب رسمي له». ويقول دافي: «أصبح فرعون عندئذ صقراً وطوطماً معاً، بل طوطم مصر الوحيد، يجمع كلمة القبائل ويحصر في نفسه كل السلطات». وهكذا نرى أن كل تغيير يطرأ على الأنظمة الاجتماعية يؤدي إلى قلب هيئة الدين. وهذا ما دعا أصحاب مجلة «السنة الاجتماعية» إلى تصنيف الديانات بالإضافة إلى حجم المجتمع، فتوصلوا إلى الترتيب الآتي(5):
ـ الطوطمية.
ـ الطوطمية المرتقية.
ـ ديانة القبيلة.
ـ الديانات الوطنية.
ـ ديانات غير دولية.
هذا، وأن بقاء نظام اجتماعي على حاله قد يحول دون الرقي الديني، على الرغم من المحاولات التي يقوم بها المرسلون المبشرون. ودليلنا على ذلك أن القبائل الدائنة بالنصرانية، والخاضعة لنظام العشيرة، تظل متعلقة بتقاليد وعقائدها الدينية القديمة، وليس القديس عندها إلا طوطم، وليس الإله إلا طوطم القبيلة، أي أشد الطواطم بأساً وقوة. ومن الأمثلة على ما تقدم حالة النصرانية في بلاد إرلنده. فحين بشر بها المرسلون ودان بها الشعب، اتخذت أوضاعاً غير التي عهدناها في البلاد الراقية. وذلك لأن نظام العشيرة كان سائداً هناك، فانتشرت الديانة على شكل صوامع وأديرة، يمثل كل واحد منها عشيرة، وحلت القرابة الروحية مكان القرابة الدموية، وناب القديس الشفيع عن الجد الأعلى، وهو المؤسس الأول للعشيرة(الطوطم).
على أن الديانة تؤثر بدورها في النظام الاجتماعي. فالإسلام مثلاً بردعه المؤمنين عن الوأد خشية إملاق، قد زاد عدد الأفراد. وهم وإن ظلوا متمسكين بالنعرات القبلية القديمة فنسمع جريراً يهجو عبيد الراعي بقوله:

فغض الطرف أنك من نمير

 

فلا  كعباً  بلغت  ولا  كلابا

غير أن الإسلام ما زال بهذه العقبات حتى ذللها، وبالحزازات القديمة حتى تغلب عليها، وجعل من العرب وحدة متماسكة، ونقلهم من العشيرة إلى السلطان، ولولاه لما تمّ الانتقال بهذه السرعة.
وكذلك الأمر في البلاد الدائنة بالنصرانية والمتمسكة بأهداب الدين: فهي، على الغالب، لا تطبق قوانين مالتوس في تقليل المواليد. وأخيراً أن للديانة أثراً بالغاً في زيادة عدد سكان البلاد المقدسة، كروما ومكة والقدس ولورد... يقول لنا الأمير علي عبد العزيز الحسني في كتابه «تاريخ سوريا الاقتصادي: «لم تكن تدمر البلد السورية الوحيدة التي ازدهرت اقتصادياً بزمن الرومان، بل إن هناك هيه رابوليس.. على الفرات. وظهور الدين المسيحي أضعف أهمية هيه رابوليس، لأن أكثر قوافل الحج التي كانت تأتي إليها، بسبب هيكلها المشهور بذلك الوقت، تبدلت نحو القدس»(6).
فأمثال هذه الاعتبارات وغيرها أدت إلى نظرية فوستيل دي كولانج التي قال بها في كتابه المعروف: «المدينة القديمة». وبيت القصيد فيها أن الديانة هي المؤثرة في النظام الاجتماعي، وأن منهاج حياتنا يتغيّر بتغيّر الدين، بسبب الارتباط الشديد بين الإنكار والعمل. ولكي يبرهن دي كولانج على آرائه يلجأ إلى التاريخ اليوناني والتاريخ الروماني، لأنهما عنده خير شاهد على العروة الوثقى الرابطة حالة الجماعة بأفكارها. فإذا نظرنا إلى هذه الأنظمة القديمة، دون أن ننقب عن العقائد، لرأيناها غامضة غريبة، وأشكل علينا فهمها. أما إذا نظرنا إليها في ضوء الأفكار الدينية، فهي تغدو جلية واضحة. فعلينا إذاً أن نرتقي إلى السنين الأولى من حياة هاتين الأمتين، أي إلى الزمن الذي وجدت فيه هذه الأنظمة، وندرس آراءهما وعقائدهما في الحياة والموت والآلهة، ونقابل الأفكار بالأنظمة فتظهر أمامنا المعالم، وتكشف عن صلة بين العقل والعمل. وإذا فعلنا ذلك وجدنا:
1 ـ إن ديانة أولية قد وضعت الحجر الأساسي للأسرتين اليونانية والرومانية، وأوجدت الزواج وسلطة الوالد، وحددت أوجه القرابة، وقدّست حقوق الملك والوراثة.
2 ـ إن هذه الديانة وسعت شؤون القرية، ثم نقلتها إلى مصاف المدن، حيث تملكتْ من جديد على مشاعر الأفراد.
3 ـ إن تتابع الأيام غيّر الأفكار وذهب بالعقائد القديمة، فتلاشت معها النظم السياسية، وانتقلت المدينة من طور استقرار وهدوء حال إلى طور انقلابات اجتماعية وثورات داخلية.
ويختم فوستيل دي كولانج بحثه بقوله: «قد كتبنا تاريخ بعض المعتقدات، ورأينا أنها حين وجدت، وجدت معها الجماعة الإنسانية، وحين تغيّرت أتت على الجماعة حلقة من الثورات، وحين اضمحلت تغير شكل الجماعة: هذا هو قانون الأعصر القديمة».
ماذا يكون موقفنا أمام هذه النظرية؟ لا جدل في أن الديانة تؤثر في الحياة الاجتماعية، كما أنها تتأثر بها، وأن هناك حركة أخذ ورد بينهما. ولكن هذا المؤرخ قد بالغ في إكبار عمل الديانة، مع أن البراهين التي استند إليها ما كانت لتسمح له بأمثال هذه النتائج. وجل ما هنالك أنه أظهر صلة قوية بين الديانة والهيئة الاجتماعية، غير أنه نسب إلى الديانة، دون مبرر، ما قد يكون من عمل المجتمع.
ج ـ العامل السياسي (اطلب كلامنا عن تفريق السلطات)
وإليك ما كتبه الأستاذ أنطون سعادة في هذا الصدد:
...«ولكن الدين، إلهياً كان أو غير إلهي، لم يشذ عن قواعد الشؤون الإنسانية، ولم يخرج على مقتضات أنواع الحياة البشرية وحاجاتها المتباينة أو المتقاربة. فحينما تضاربت مصلحة المجتمع، الدولة والأمة، ومصلحة الدين، كانت مصلحة المجتمع هي الفاصل في النزاع. هكذا أخذت السور القرآنية المدنية تتطور لتوافق حاجة الجماعة فصارت جهاداً وتشريعاً، بينما كانت السور المكية فكراً متسامياً إلى الله وروحاً متجرّدة من الأصنام والدنيويات. وهكذا صارت تعاليم لوتير المصلح وسيلة لتحرر ألمانيا من ربقة روما. والكنيسة الأنغليكانية (الإنكليزية) التي أنشئت وأزيلت ثم أعيدت لتفي بغرض المجتمع الإنكليزي، فظلت في طقوسها كأنها كاثوليكية أو أرثوذكسية، ولكنها استقلت عن هذين المذهبين. إن الدين واحد، ولكن الأمم متعددة، وفي احتكاك الأمم بالأمم تتمسك كل واحدة بكل عقيدة أو بأية عقيدة، سواء كانت دينية أو غير دينية، لتحافظ على استقلالها الروحي، فلا تخضع لأمة أخرى بواسطة السلطة الروحية الدينية. ولذلك ظلت اسكتلنده كاثوليكية لكي تحتفظ بشخصيتها القومية، فلا تذوب في إنكلترا. وما يقال في اسكتلنده يقال في إرلنده. وهكذا لجأ الفرس إلى الشيعة ليحدثوا انقساماً يتخلصون فيه من سيطرة سورية الأموية، وليستعيدوا استقلالهم ونفوذهم الروحيين والماديين. وتابع العراق الفرس لتصبح السيطرة فيه، وتمسكت سورية بالسنة لكي لا تذوب في العراق وبلاد فارس...».
«إن في المجتمعات الإنسانية نزعة إلى إكساب العقائد العامة صبغات وألواناً وأذواقاً من خصوصيات شخصياتها. وكل مجتمع يحب أن يرى نفسيته وشؤون الخصوصية في معتقداته ومذاهبه، أي أن يطبع المذهب العام والمشترك بطابع شخصي. فالمجتمع الروسي مثلاً، قد أدخل في الأرثوذكسية الشيء الكثير من شخصيته وخصوصياته الاجتماعية. فالترانيم والأجواق الكنسية وتقبيل الأقارب ثلاثاً والأعياد ومظاهرها القومية، هذه الأشياء الثانوية بالنسبة إلى الاعتقاد بالله والخلود والمسيح، لها الشأن الأول في نفسية المجتمع. وهي هذه الأشياء التي لها قيمة قومية في حياة المجتمع، أشياء تقليدية صبغ المجتمع الدين بها فأصبحت تقاليد دينية قومية».
«أرادت الجامعة الدينية أو تحول دون نشوء الأمم، ولكن الأمم عدلت الدين ليوافق نزعاتها القومية. بهذا المعنى صار الدين ويصير عنصراً من عناصر القومية، وفي الأمم التي تتعدّد فيها الأديان أو المذاهب تكون القومية الدين الجامع ويعود الدين إلى صبغته العامة وعقائده الأساسية بما وراء المادة»(7).
دـ العامل الاقتصادي
إن القول بأن العامل الاقتصادي يؤثر في نفسية الجماعة ويوجه عقلية الأفراد إلى مثل عليا من سياسية وخلقية ودينية تتغيّر بتغير جوهر هذا العامل، هو من الأمور التي شيّد عليها كارل ماركس صرح نظريته في التاريخ وتطور الأمم. على أنه، وإن لم يكن السابق في هذا المضمار بل اللاحق، فقد توسع في هذا الموضوع توسعاً لم يسبق إليه، وأتى باستنباطات جديدة ومواد غزيرة جعلته عن حق وجدارة مؤسس مدرسة في علم الاجتماع. قال:
«إن طريقة الإنتاج في الحياة المادية تعطي الهيئات الاجتماعية والسياسية والروحية طبائعها العامة، كما أن أسلوب المعاش يملي على الناس منهاج حياتهم». ويقول لنا أحد تلامذته: «إن الديانة والفلسفة لم تعرفا طريقهما إلى الوجود إلا على يد العوامل الاقتصادية التي جعلت ظهورهما في حيز الإمكان». وعند ماركس أن النصرانية ما كانت لتوجد لو لا التطور الذي قلب صفحة العالم القديم، على أثر الفتوحات الرومانية، وأن البروتستانتية ما كانت لتظهر لولا التطور الاقتصادي الذي مهّد الطريق للرأسمالية.
يضرب نيتشه على الغرار نفسه في تحليله النصرانية، فهي عنده ديانة الشعوب المرهقة الضعيفة التي تجد في النعيم الأبدي ملجأ تلتمس فيه سعادة طالما نشدتها على هذه الأرض. وهي أيضاً ديانة العبيد الذين لا يستطيعون سوى الطاعة والخضوع الأعمى لأوامر سادتهم؛ أليست هي القائلة: «من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر؟».
ونجد في النظريات الباحثة عن الطوطمية محاولة تفسير بالعامل الاقتصادي. ففرازر يقول لنا في إحدى نظرياته إن الإنسانية في أجيالها الأولى كانت تؤلف شبه شركة غايتها الإنتاج والاستهلاك. فكان على كل عشيرة أن توجد بكثرة نوعاً واحداً من الأطعمة تقدمه لسائر العشائر.
على أننا إذا كنا نسلم بأن للعامل الاقتصادي أثراً في الديانة فهذه لها أيضاً أثر بيّن في الاقتصاديات. وهناك أدلة على أن الزراعة مدينة بنشأتها للديانة(غرانت آلن). فما كان الأولى ليبحث في الأرض لو لم تضطره الاعتقادات السائدة عن الحياة وما وراء الحياة إلى دفن موتاه. ولما كان من المسلم به يومئذ أن الميت يعيش ثانية في القبر، فقد وضع الأهلون في الأرض المقلوبة أطعمة وحبوباً هي بمثابة غذاء الميت، فلم تلبث هذه الحبوب الحقلية أن نمت بسرعة في هذه الأرض المحروثة حديثاً، وقد غدت صالحة، لأن انحلال الجسم قد أعطاها السماد اللازم لإنعاشها. فتوهم الناس أن روح الميت هي التي منحت الزرع هذه القوة، وتنبهوا شيئاً فشيئاً لأمور الزراعة، واعتقدوا أن الحصاد لا يكون جيداً إلا إذا كرروا ما صنعوه عند دفن موتاهم، وذلك بان يحفروا الأرض ويدفنوا فيها ذبيحة بشرية تكون بمنزلة روح الزرع.
وقد اتضح أيضاً من الأبحاث التي قام بها أصحاب مجلة «السنة الاجتماعية» أن للديانة يداً في ردع الأفراد عن الانتحار، إذ تبيّن من الإحصاءات الدقيقة التي قاموا بها أن المتزوجين أقل انتحاراً من العزب وأن البروتستانتيين أكثر انتحاراً من الكاثوليك، وذلك لضعف الرابطة الاجتماعية عند العزب، ومتانتها عند الكاثوليك.
ومن أعاظم الأبحاث التي ظهرت في عصرنا عن أثر الديانة في الاقتصاديات ما جاء به العالم الاجتماعي الألماني ماكس فيبر في كتبه القيمة عن «الاجتماع الديني»، وهي تؤلف رداً صريحاً على نظرية ماركس. يعتقد ماكس فيبر أن الرأسمالية مدينة بظهورها للبروتستانتية، وذلك لأن تعاليم هذه الملة قد قدست العمل، وأوصت به، وأدخلته في عداد واجبات الإنسان. وعندها أن الخلاص الأبدي لا يكون في الزهد في الدنيا والعيش في الصوامع، بل في العمل المثمر والعيش المنظم دون إسراف ولا تقتير. وهكذا غدا الربح الشريف من الأدلة على رضاء السماء. ولما كان هذا المذهب يوصي بالاقتصاد في المعيشة فمن البديهي أن يزداد رأس المال، ويتضخم شيئاً فشيئاً، ممهّداً الطريق للرأسمالية التي أشاد بذكرها ماركس.
وقد قام فيبر بإحصاءات دقيقة أظهر فيها أن البلاد التي حملت مشعل الاقتصاديات عالياً تدين البروتستانتية (هولندا ـ إنجلترا ـ أميركا)، وأن البلاد التي تدين بالكاثوليكية أو غير البروتستانتية قد بقيت متأخرة في ميدان الاقتصاد، وأن البروتستانتيين في ألمانيا أسبق من سواهم على الاقتصاد.
هذه الأبحاث وغيرها أدّت إلى الخلاصة التالية: «إن الرأسمالية الغربية المعاصرة مدينة بظهورها للبروتستانتية، وأن الفكرة التي تقود الرأسمالية هي فكرة بروتستانتية خلقياً وعملياً».
هذه عجالة من الآثار التي تتركها بعض العوامل الخارجية في الديانات، وليس هنا مجال البحث عن صواب كل نظرية وردت في هذا الفصل ـ وإلا فلا نهاية لكتابنا ـ لأن غايتنا أن نظهر حركة الأخذ والرد بين الديانة والعوامل الخارجية لنعلم منها ضعف النظريات التي تتمسك بعامل واحد لتفسير نشأة الدين.
 

الهوامش
ـــــــ
(1) إن الهبات والتحدي من الأمور المعروفة عند العرب، وقد ذكر الاستاذ شاتيلا في كتابه «الزواج عند المسلمين» طرفاً من هذه العادات.
(2) من أجمل الأبحاث التاريخية التي ظهرت في الربع الثاني من هذا القرن عن الديانة والسياسة كتاب الأستاذ موره: «النيل والحضارة المصرية»، وقد استشهدنا به مراراً خلال هذه الدراسات. ويظهر لنا المؤرخ بدقة فائقة أن كل تأثير في الديانة كان له صداه في مجرى السياسة، وأن تاريخ مصر القديم السياسي ليس إلا تاريخ تطورها الديني.
(3) يذكر لنا ابن خلدون أن سواد الأجسام نتيجة لعنة حلت على حام بن نوح، «كما توهم بعض النسابين ممن لا علم بطبائع الكائنات.. وفي القول بنسبة السواد إلى حام غفلة عن طبيعة الحر والبرد وأثرهما في الهواء وفيما يتكون فيه من الحيوانات. وذلك أن هذا اللون شمل أهل الإقليم الأول والثاني من مزاج هوائهم للحرارة المتضاعفة بالجنوب.(أما الأقاليم التي يشتد فيها البرد فيشمل سكانها البياض).. ويتبع ذلك ما يقتضيه مزاج البرد المفرط من زرقة العيون وبرش الجلود وصهوبة الشعور».
(4) يخيل إلينا أن الأستاذ محمد حسين هيكل يدعوا الشعوب الأوروبية إلى اعتناق الإسلام، لأن المسيحية لا توافق طبائع البلاد الباردة. ونحن لا نرى بأساً بهذه المحاولة. ولكننا نستميحه عذراً إذا لفتنا نظره إلى أمر قد يكون غفل عنه. وذلك أنه إذا صح، كما يقول، إن البلاد الباردة تدعو إلى حياة الكفاح ـ مع أننا لا نعرف شعباً أهدأ من الأسكيمو ـ فالبلاد الحارة تدعو إلى حياة السكون والراحة. فما علينا إذاً سوى أن نعكس الآية، ونقول إن طبيعة البلاد الحارة تدعو إلى الراحة والكسل، وأن الإسلام لا يلائم البلاد العربية لطبيعة الكفاح فيه! وفي هذا القدر كفاية لإظهار ضعف هذه النظرية.
(5) وهناك تصانيف أخرى للديانات، فقد تقسم، باعتبار رقيها، إلى مغلقة ومفتوحة، وباعتبار نظام عيش أهلها، إلى:
ـ ديانة الأمم العائشة من الصيد.
ـ ديانة الأمم العائشة من الفلاحة.
ـ ديانة الأمم العائشة من تربية المواشي...
(6) تاريخ سوريا الاقتصادي: 48.
(7) أنطون سعادة: نشوء الأمم: 174-176.

المصدر: نحو نظرية جديدة في علم الاجتماع الديني (الطوطمية ـ اليهودية ـ النصرانية ـ الإسلام)، د. يوسف شلحت، دار الفارابي، لبنان.