|
الأحد:
05/10/2008
نقد
الفكر البارسوني
تـطوير نـموذج نـظري في علم الاجتماع(2/1)
د. كامل جاسم
المراياتي
(خاص للمعهد)
المقدمة :
لم تكن سنوات النصف الثاني من القرن الماضي سنوات اعتيادية بالنسبة لعلم
الاجتماع. فقد شهدت أحداثا سياسية وإرهاصات اجتماعية كان لها صداها
العميق على الأفكار النظرية والأسس التقليدية لعلم الاجتماع.
فإذا كانت أحداث الطلبة في مايس 1968 وتنامي مظاهر المعارضة في المجتمعات
الصناعية الغربية قد هزت بعنف نظريات علم الاجتماع السياسي ونماذجه. فان
انهيار الاتحاد السوفيتي أواخر القرن الماضي واعتصام الطلبة في ساحة تيان
آن مين في بكين قد أجبرت الكثير من معتنقي الأفكار الراديكالية على
مراجعة أفكارهم بجدية طالما كان هناك متسع من الوقت لإعادة قراءة التاريخ
وتقليب أوراق الفكر الاجتماعي على نحو جديد وإعادة تقويم كل ما كتب في
علم الاجتماع الماركسي من نظريات وآراء وطرق بحث.
وبوجه عام، ليس بخافٍ على المتخصصين في هذا الحقل الأكاديمي إن اغلب ما
صيغ من نظريات وآراء في حقل علم الاجتماع، ولاسيما خلال القرن المنصرم،
إنما كان ذا مضامين أيديولوجية تبرر مصالح فئة أو طبقة معينة وتدافع عنها.
ذلك إن علماء الاجتماع في تلك الحقبة الزمنية لم يكونوا في الواقع سوى
منظرين للطبقات الحاكمة والمسيطرة، ولم تكن تنظيراتهم شاملة للنسيج
الاجتماعي كله عدا استثناءات قليلة.
وربما نستطيع أن نضرب أمثلة واضحة على ذلك بآراء الاتجاهات المحافظة
والمدرسة البنائية الوظيفية في علم الاجتماع ممثلة بأفكار راد كليف براون
ومالينوفسكي أو تالكوت بارسونز من جهة أو برنشتاين أو نيقولا بوخارين من
طرف آخر.
على إننا بوصفنا مفكرين عرباً، وان كنا بعيدين نسبياً عن حقل التنظير
الاجتماعي خلال تلك المدة. مدعوين بالمقابل، وبحق، إلى الاطلاع على
نظريات علم الاجتماع جميعها، يساراً ويميناً ووسطاً، والاستنارة
بالتيارات النقدية حديثها وقديمها، ومراجعة أفكار المفكرين العرب وإعادة
قراءة الفكر الإنساني قراءة جيدة لبناء علم اجتماع عربي شامل ودينامي
ينطلق من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الوطن العربي وما
تشتمل عليه تلك الظروف من علاقات اجتماعية جوهرية وثانوية وتكتلات فرعية.
وسنتوقف هنا مع واحدة من أشهر واكبر نظريات علم الاجتماع وان كانت نظرية
متحيزة تمثل فكراً وظيفياً يهتم بدراسة الدور الذي يمارسه النظام في
المحافظة على تماسك البناء الاجتماعي للمجتمع، بغية إعادة قراءتها بعين
نقدية، الا وهي نظرية تالكوت في الفعل الاجتماعي.
المبحث الأول: في الفعل
الاجتماعي
أولا : الاتفاق القيمي
لاشك إن الإنسان لا يستطيع العيش بمعزل عن الآخرين، وهذا ما اتفق
عليه المفكرون الاجتماعيون كلهم، فالاجتماع الإنساني أمر طبيعي لدفع
العدوان على الإنسان وللحصول على أساسيات العيش ومتطلبات الحياة.
يقول مؤسس علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون في ذلك : إن قدرة الواحد من
البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من الغذاء، والواحد من البشر لا تقاوم قدرته
قدرة واحدة من الحيوانات العجم سيما المفترسة منها. فلابد في ذلك كله من
التعاون عليه بأبناء جنسه (عبدا لرحمن بن خلدون،ص46), ولكن،هل يتطلب ذلك
التعاون حداً أدنى من معايير سلوكية مشتركة ؟
وهل هناك بالضرورة قدر من الاتفاق على سلوكيات ومعايير محددة لانجاز ذلك
التعاون ؟
والى أي مدى تتحكم تلك الحدود بسلوك الأفراد ؟
في الواقع هناك من يعتقد إن الحياة الاجتماعية تستند في قيامها على وجود
قدر من الاتفاق حول بعض القيم والأفكار المشتركة. لذلك فان أفراد المجتمع
يتفقون على مستويات مشتركة للسلوك، ومن ثم فان اختيار الفرد لسلوك معين
لابد أن يكون محكوماً بتلك المستويات. لذا فان الكائن الحي في ظل الظروف
الاعتيادية يسلك سلوكاً يستجيب به طبقاً لتوقعه لسلوك الآخرين مع وجود
درجة من الحرية للانتقاء بين بدائل القيم وممكنات السلوك (محمد عاطف غيث،
صص135-137).
وكان ماكس فيبر (M.Weber) قد أسهم إسهاما كبيراً في إبراز الدور الذي
تمارسه القيم في الحياة الاجتماعية من خلال اهتمامه بالتحليل السوسيولوجي
للفعل الإنساني والسلوك الاجتماعي، إذ أكد أن الاعتقاد بأفكار مشتركة لها
أهمية كبرى في تشكيل شخصية أفراد المجتمع وتزويدهم بمفاهيم ومعانٍ
وافتراضات يمكن بواسطتها أن يدركوا مواقفهم ويفهموها ويستجيبوا لها
بطريقة مقبولة من المجتمع (Girth and Mills p63).
ولو شئنا ترجمة تلك الآراء في ضوء منطلقات السلوكية الاجتماعية (Social
behaviorism) التي ترى (أن الفرد وتعامله مع الآخرين هو الوحدة الأساسية
في التحليل السوسيولوجي)، واعتمدنا فكرة التحليل النسقي التي جاء بها
تالكوت بارسونر (T. Parsons)، لوجدنا أن الفعل الاجتماعي يعني كل ضروب
السلوك البشري التي تدفعها وتوجهها المعاني التي يكونها الفاعل عن العالم
الخارجي. وهي معانٍ يضعها الفاعل ويستجيب لها في تفاعله مع الآخرين.
فالفعل البشري إذن ليس سلوكاً عشوائياً لا يمكن التنبؤ به، لان هناك قدراً
من النظام في سلوك الفرد أو الجماعة, ومن ثم فان الفاعل قادر على ان
يتنبأ بسلوكه وسلوك الآخرين من حوله على نحو دقيق.
وقد أكد بارسونز هذا المعنى عندما أشار إلى أن الأنماط الثقافية تعمل على
تكوين انساق الفعل وبنائها لأنها تتخذ طابعاً بنائياً بطريقة معينة. لذلك
فان الأنماط الثقافية تدفع الفاعل أو تجبره على أن يختار ضروباً من
السلوك دون أخرى.
وليست هذه الأفكار حديثة في علم الاجتماع، فقد كان لها أساس في الفكر
الفيبري (Weber)، فضلاً عن إن لها جذوراً في أفكار أميل دوركهايم وفي
أفكار سيجموند فرويد – رغم اختلافاتهم - فالتصورات الجمعية أو الضمير
الجمعي –حسب المنظور الدوركهايمي – ما هي الا قواعد وأنماط تمثل فعل
الفرد الذي يخضع للقيود. كذلك فان الأنا الأعلى (Super ego) الذي يشكل
الضمير الأخلاقي للشخصية –حسب الفكر الفرويدي- يتكون من الجزاءات والرموز
ذات المعنى (جي روشيه، ص47).
وتمتد جذور تلك الأفكار إلى ابعد من ذلك. فها هو عبد الرحمن بن خلدون
يقول :
((سيما الأفعال البشرية والحيوانات فان من جملة أسبابها في الشاهد التصور
والإرادات، إذ لا يتم كون الفعل الا بإرادته والقصد إليه. والتصور
والإرادات أمور نفسانية ناشئة في الغالب عن تصورات سابقة يتلو بعضها بعضاً.
وتلك التصورات هي أسباب قصد الفعل))(عبد الرحمن بن خلدون،صص507-508).
إذن فالفعل البشري ولاسيما في بعده الاجتماعي ليس فعلاً عشوائياً. بل هو
فعل يستند إلى قواعد ومعايير وأنماط تمنحه إطارا متسقاً اى حد يسمح
للآخرين أن يتنبئوا به.
ثانياً : نسق الفعل ِAction system
يرى ماكس فيبر أن الموضوع الأساسي لعلم الاجتماع هو الفعل الاجتماعي. وان
الفعل يصبح اجتماعياً عندما يرتبط معناه الذاتي بسلوك الأفراد الآخرين
ويكون موجهاً نحو سلوكهم.
ولكي نفهم الفعل الاجتماعي لابد من فهم معناه على مستويين، مستوى معنى
الفعل من وجهة نظر الفرد نفسه، ومستوى معناه بين جماعات الإفراد.
ففي المستوى الأول (المستوى الفردي) لابد من النظر إلى دوافع الفرد
ونياته واهتماماته والمعاني الذاتية التي يعطيها لأفعاله والتي تكمن خلف
سلوكه.
وفي المستوى الثاني (المستوى الجمعي) لابد من النظر إلى النيات والدوافع
والأسباب والاهتمامات التي تكمن وراء سلوك الجماعة (محمد عوض عبد
السلام،صص 19-20).
إذن فالفعل يكون اجتماعياً في معناه الذاتي عندما يأخذ في حساباته سلوك
الآخرين ويكون موجهاً في حدوثه (Max Weber, p4).
ولان بارسونز قد تأثر كثيراً في بناء نظريته عن الفعل الاجتماعي بأفكار
فيبر، فقد عرف الفعل الاجتماعي بأنه (كل ضروب السلوك البشري التي توجهها
المعاني التي يكونها الفاعل عن العالم الخارجي).
فالفعل الاجتماعي إذن يتطلب شروطاً ثلاثة :المشاعر والأفكار والدوافع
التي تشكل أفعال الفاعل، ثم إدراك الفاعل للبيئة الخارجية، ثم ردود أفعال
الآخرين تجاه هذه الأفعال (جي روشيه، صص63-64).
وهنا لابد من الإشارة إلى أن مصطلح النسق (SYSTEM) في علم الاجتماع إنما
يستخدم للإشارة إلى(أية وحدة تنظيمية تؤدي وظيفة في المجتمع). ولان النسق
بمعناه العام ما هو الا مجموعة من الكيانات (ANTITIES) وعلاقات تربط بين
تلك الكيانات، فان الفعل الاجتماعي لابد أن يكون نسقاً (System) لأنه
يتضمن كيانات وعلاقات بين تلك الكيانات.
لقد افترض بارسونز إن الفعل البشري يكشف دائماً عن خصائص النسق لأنه منظم
بطريقة كافية لتحليله بوصفه نسقاً.
إن نسق الفعل ليس شيئاً ملموساًَ كالأسرة أو المصنع. ولكنه أسلوب للصياغة
التصويرية والتحليل. فهو كيان نظري يتكون من خلال التفاعل بين أعضاء
جماعة معينة.ذلك إن أي فعل، وعلى أي مستوى من مستويات الواقع ن سواء كان
سلوكاً بين فردين، أم صراعاً طبقياً أم خلافاً دولياً، يمكن تحليله كنسق،
لان الفعل الإنساني في ظرفه التفاعلي يكشف دائماً عن خصائص النسق، وان
عملية التفاعل تعكس صورة مصغرة للأنساق الاجتماعية.
وهذا يعني إن الفاعلين داخل النسق يمكن أن يكونوا جماعات أو تجمعات معينة
مثل القرية أو الطبقة أو الأمة، ويمكن أن يكونوا إفرادا فقط. ولذا فان
تطبيق نموذج التفاعل الذي قدمه بارسونز لا يرتبط بمستوى العلاقات بين
الإفراد فحسب، ولكنه يمتد كل مستويات الواقع الاجتماعي كلها.
ولكن كيف ينظر بارسونز لنسق الفعل من الوجهة التحليلية ؟
يرى بارسونز أن نسق الفعل يمكن أن يتحلل ليتكون في أربعة انساق فرعية
هي(النسق الثقافي والنسق الاجتماعي ونسق الشخصية ونسق الكائن العضوي).
فالنسق الثقافي،يشتمل على المعتقدات والقيم والوسائل الرمزية للاتصالات
بين الأفراد والقوانين والتكنولوجيا والمعارف العلمية. أما النسق
الاجتماعي فيشير إلى إشكال وأنواع التفاعلات والتنظيمات الاجتماعية
المستندة إلى فهم مشترك للرموز الثقافية التي يتضمنها هذا النسق. ويعني
نسق الشخصية بنواحي الشخصية الإنسانية التي تؤثر في الوظائف الاجتماعية
للفرد، أي مظهر الكائن الحي بوصفه ممثلاً (Actor). وهو عبارة عن نسق
للصفات أو السمات الخاصة بالفرد مثل ميوله واتجاهاته وحاجاته. في حين
يكشف نسق الكائن العضوي عن المتغيرات البيولوجية والفيزيقية للكائن
العضوي مثل غرائزه ودوافعه وغير ذلك من العمليات البيولوجية (محمد عوض
عبد السلام،57-62. وانظر كذلك محمد الغريب عبدا لكريم، صص 106-119).
ثالثاً : بيئة النسق
يقول بارسونز أن لكل نسق بيئته. وبيئة أي نسق من الأنساق الفرعية تتكون
من الأنساق الثلاثة الأخرى. ومن ثم فان أي نسق فرعي يتفاعل ويتبادل
العلاقات مع الأنساق الأخرى كلها. فهناك شبكة من الاعتماد المتبادل بين
الأنساق الأربعة،رغم أن كل نسق من تلك الأنساق يبقى محتفظاً بدرجة من
الاستقلال، تمكن الباحث على المستوى التحليلي من تمييزه عن الأنساق
الأخرى.
ولو شئنا تغيير مستوى التحليل من مستوى الفعل الاجتماعي إلى مستوى
المجتمع واتخذنا المجتمع وحده للتحليل، سنجد أن الأنساق الفرعية وتبادل
العلاقات بينها في المجتمع تبدو على هيئة (نسق اقتصادي، نسق سياسي، نسق
التنشئة الاجتماعية، ونسق مجموعة الروابط المجتمعية). ويمكن أن تتوضح لنا
تلك الصورة من خلال الرسوم والمخططات التالية:
مخطط رقم (1)
مستويات تجريدية في انساق الفعل
|
النسق العضوي |
نسق
الشخصية |
A
G |
الكائن العضوي
القائم بالسلوك |
الشخصية |
A
G |
اقتصاد |
سياسة |
G |
|
نسق
الثقافة |
النسق
الاجتماعي |
L
I |
الثقافة |
المجتمع |
L
I |
نفس
اجتماعي و انثروبولوجي |
اجتماع و
قانون |
I |
| الأنساق الفرعية لنسق الفعل |
مفاهيم تشير إلى واقع ملموس |
علوم مجتمعية |
مخطط رقم (2)
|
A |
التكليف |
تحقيق
الهدف |
G |
|
L |
المحافظة على النمط |
التكامل |
I |
مخطط رقم (3)
|
A |
التكيف بين البيئة الداخلية
والخارجية وتعبئة الموارد من البيئة الخارجية |
تحديد وترتيب وتقييم الأهداف
|
G |
|
L |
صيانة الأنماط وأخفاء التوتر
|
التكيف مع البيئة الداخلية
والمحافظةعلى العلاقات بين الأجزاء المختلفة داخل النظام
|
I |
وظائف النظرية العامة للفعل
1-النسق العضوي ينظم العلاقات مع العالم الفيزيقي ويتكيف مع البيئة
2-نسق الشخصية : يحدد أهداف النسق
3-النسق الاجتماعي : يحدد التضامن ويولد مصادر الولاء ويحدد معالم السلوك
السوي ويفرض الضوابط
4-نسق الثقافية : يزود الفاعلين بالدافعية من خلال المعايير والقيم
والإيديولوجيات ويفرضها عليهم
المصدر : التخطيطات مأخوذة عن (جي روشيه) وعن مصادر أخرى
رابعاً : بناء الفعل الاجتماعي :
ترتكز نظرية بارسونز في بناء الفعل على العناصر الأساسية الآتية :
1-الفاعل Actor :
وهو الشخص الذي يحدد أهدافا ويصطنع وسائل لبلوغ تلك الأهداف. ود يكون
الفاعل فرداً أو جماعة أو مجتمعاً كاملاً.
2- الموقف Situation :
يعني الظرف الذي يكون فيه الفاعل ملزماً باتخاذ قرار يختار بموجبه بين
ادوار يقوم بها من دون الأخرى.
ويتكون الموقف من الموضوعات الفيزيقية والاجتماعية التي ترتبط بها الفاعل،
إذ يشتمل الموقف على مجموعة من المتغيرات الكامنة وغير الكامنة (مادية
وغير مادية) وعلى الرموز Symbols التي يرتبط من خلالها الفاعل بالعناصر
المختلفة داخل الموقف وما يحويه من معانٍ. وكذلك يشتمل موقف على القواعد
rules والمعايير norms والقيم values التي تتحكم في توجيه الفاعل. فضلاً
عن الأنماط المتوقعة من السلوك. ويرتبط تأثير تلك العوامل الموقفية في
تحديد الأهداف وفي اختيار الوسائل المناسبة لبلوغها.
3- موجهات الفاعل Actor orientation :
إن عملية اختيار الفرد لدور دون آخر (ضمن الموقف) تحدد بموجب مجموعة من
التوجهات، هي :
أ-توجهات دافعية : أي التوجهات التي تتحكم بها العوامل الغائية أو
النفعية (Utilitarianism). وهي الموجهات التي ترتبط بالثواب والعقاب أو
بالإشباع والحرمان الفعليين والممكنين لاحتياجات الفاعل.
ب-توجهات قيمية : أي الموجهات العقلانية (Rationality) أو الموجهات التي
تتعلق بالمعايير الثقافية التي تحكم الفاعل وتمثل تأثير التوقعات
الاجتماعية على تعريف الفاعل للموقف. (جي روشيه،صص68-69، وانظر كذلك محمد
عوض عبد السلام،صص 108-105).
4-الفعل
الاجتماعي Social action
وهو الوحدة الأساسية في التحليل وفي السلوك البشري. إن تحليل الفعل
الاجتماعي لابد أن يتم في ضوء ثنائية (الفعل-الموقف) التي تضم بيئة
الفاعل بوصفها جزءاً من ذلك الموقف فضلاً عن الموضوعات الاجتماعية.
فالفاعل هو كائن يعيش موقفاً being in a Situation. بمعنى وجود عدد من
المؤثرات المنظمة الداخلية والخارجية التي تؤثر في الفاعل في لحظة معينة،
لذلك فان السلوك يختلف باختلاف المواقف الاجتماعية (جي روشيه،ص64).
أن بيئة الفاعل لا تعني البيئة الفيزيقية المحيطة بالفاعل فقط، بل تضم
أيضا جهازه العضوي البيولوجي، فضلاً على أن الموضوعات الاجتماعية التي
تضم الفاعلين الآخرين، تشمل أيضا فئة أخرى من الموضوعات لها أهمية بالغة
في نسق الفعل، وهي الموضوعات الثقافية والرمزية.
فالفعل الاجتماعي لابد أن يتضمن بالضرورة جانباً رمزياً ما دام فعلاً ذا
معنى. وهذا الجانب الرمزي لا يعمل على تحقيق الاتصال بين الفاعلين فقط،
بل يسهم في خلق قواعد السلوك والمعايير والقيم التي تقود الفاعل في
توجهاته لفعله.
وهنا لابد أن نذكر القارئ مرة أخرى بأن الفاعل الذي تحدث عنه بارسونز
يمكن أن يكون فرداً أو جماعة أو تنظيماً أو إقليما أو مجتمعاً كبيراً أو
حضارة كاملة أو أي كيان آخر، يمكن أن يفسر سلوكه في ضوء المعايير التي
يشتعل عليها فعله.
إن كل الأفعال يمكن النظر إليها على إنها مركبة من وحدات صغرى للسلوك
(Unit act) تضم فاعلاً أو أكثر ويمكن تجزئة تلك الأفعال إلى الإيماءات
والكلمات ومظاهر الأداء الأخرى. أما إذا نظرنا إلى الأفعال نظرة كلية
شمولية فإنها يمكن أن تكون في سبيل المثال سلسلة من التفاعل بين فردين أو
أكثر أو تشكل دوراً اجتماعياً. ولذلك فان أي فعل يمكن النظر إليه بوصفه
مركباً من الوحدات السلوك الصغرى أو هو عنصر من تركيب اشمل، وان أي مركب
في السلوك يمكن التعامل معه بوصفه نسقاً للفعل.
لقد انطلق بارسونز في تحليله للعلاقات – شأنه في ذلك شأن علماء الاجتماع
الأمريكان- من مفهوم الدور Role. وقد نظر بارسونز إلى مكونات الأدوار على
أنها عناصر ثلاثة هي :
التوقعات والجزاءات والمعايير. فالتفاعل الاجتماعي يجب أن يتضمن توقعات
متبادلة بين الفاعلين. والفاعل (الطرف الأول في التفاعل وهو الأنا ego)
يتوقع من الفاعل الأخر أو الفاعلين الآخرين (وهو الطرف الثاني في التفاعل
أي الآخر Alter) أن يسلكوا بطريقة معينة واضعاً في حساباته ظروفهم
المشتركة والعلاقة التي تربط بينهما.
وبإزاء ذلك فان الأنا يعرف أن الآخر يكَون توقعات خاصة به عن الموقف نفسه.
ولابد أن يتضمن الموقف معايير معينة. إذ يجب أن توجد مجموعة من المعايير
والقيم تحكم سلوك الفاعلين أو يفترض أن تحكمه. ومن دون شك فان التوقعات
المتبادلة توجد بوجود القيم والمعايير (إرث ثقافي). وليس مهماً أن يعتمد
الأنا والآخر في تكوين توقعاتهما على المعايير نفسها أو أن يعتمدا على
معايير مختلفة، ولكن الشيء الأساسي أن الأنا يعرف ما هي المعايير التي
تحكم سلوك الآخر, كما إن الآخر يعرف المعايير التي تحكم السلوك الأنا,
عند ذلك يمكن لكل منهما أن يكون لنفسه توقعاً معيناً عن سلوك الطرف
الثاني, ويستطيع بذلك، من خلال قواعد السلوك المعروفة، أن يتنبأ بما يجب
أن يفعله الطرف الثاني في موقف معين. أما الجزاءات فإنها تمثل عنصراً
ثالثاً في عملية التفاعل، فألانا والطرف الآخر يكافئ أو يعاقب أحداهما
الآخر طبقاً لتوافق أي منهم مع التوقعات المتبادلة أو عدم توافقه (جي
روشيه، صص 71-73).
خلاصة القول إن أي نسق اجتماعي أو فعل اجتماعي يمكن أن يخضع للتحليل
النسقي إلى وحدات سلوكية فرعية, لان وحدة السلوك (Act unit) تعني سلوكاً
فعلياً ملموساً, وهي الصورة المصغرة للفعل الاجتماعي, ومن ثم للنسق
الاجتماعي, وهي(الفاعل - فرد, جماعة, مجتمع-، والموقف - الوسائل
والشروط أو الظروف المحيطة-، والمعايير الرمزية, ثم الهدف). ومن ترابط
هذه الوحدات المختلفة يتكون الفعل الاجتماعي وتتشكل الأنساق المجتمعية
التي يتجه كل منهما نحو تحقيق غاية معينة تسهم في استمرارية المجتمع.
خامساً : في نقد النظرية
إن من ابرز الانتقادات التي تعرضت لها نظرية بارسونز هي تلك التي تركزت
حول موقف النظرية من ظواهر الصراع والتغير والانحراف ذاك أنها لم توفق
نهائياً في معالجة تلك المقولات بسبب سيطرة فكرة المحافظة على
النظام،وتحقيق التوافق على اهتماماتها بدرجة عالية.
إن الحفاظ على التوازن - مثلما ترى النظرية - يمكن تحقيقه عن طريق وجود
معايير وقيم عامة تشترك فيها الغالبية العظمى من الناس في المجتمع.
فضلاً عن أن استمرار التوازن داخل النسق لا يمثل مشكلة, لان ذلك يتحقق
بفعل قانون شبيه بقانون القصور الذاتي في العلوم الطبيعية.
ولما كانت غاية النسق الأساسية تحقيق الاستقرار والتكامل فانه يترتب على
ذلك أن كل ما من شأنه أن يعوق هذه الغاية سيصبح بالضرورة معوقاً وظيفياً
وخروجاً على متطلبات النسق ويشكل انحرافاً عن بنائه المعياري.
لقد اهتم بارسونز بثوابت النسق ولم يهتم بالجوانب المتغيرة مشيراً إلى أن
الخاصية العامة والأساسية لكل نسق اجتماعي إنما تتركز في تساند مكوناته
التي تناهض عشوائية القابلية للتغاير Variability، ولهذا السبب كانت فكرة
التوازن فكرة محوريه في نظرية بارسونز، فهو يربط مفهوم التوازن بتناغم
مكونات النسق تارة، وبمفهوم التكامل integration تارة أخرى. ويربطها
بالنظام العام Order كذلك.
لقد رأى بارسونز إن النسق يعمل على مواجهة أي اتجاه نحو الانحراف بواسطة
ميكانزمات الضبط. وبكلام أوضح فان أي تقاطع سلوكي يعد انحرافاً سلوكياً
يحتاج إلى علاج, لان الانحرافات السلوكية ما هي إلا أمراض اجتماعية.
إن المرض كما يعنيه بارسونز يشتمل على الصراعات الاجتماعية والطبقية كلها
أيضا. أما العلاجات التي قدمها بارسونز لتلك الانحرافات،فتتمثل بـعمليات
(العزل, الاحتواء, إعادة التنشئة).
لقد حاول بارسونز أن يجد مكاناً للصراع داخل النسق بعد الانتقادات
الكثيرة التي تعرض لها, فشرع بتعريف الطبقة على أساس قرابي أولا معترفاً
بوجود مظهر تنافسي داخل النسق يتيح للإفراد التزاحم والمنافسة مقراً بان
تعارض المشاعر والمصالح بين من هم في السلطة ويملكونها وبين من هم خارجها
ويخضعون لها يسبب الصراع – الذي أطلق عليه تعبير المرض – غير انه كان
يعني بتعبير المرض وجود إمكانيات لعلاجه عن طر يق المتطلبات الوظيفية
للنسق والجوانب المعيارية في داخله (8: 164 – 168).
|