الحضارية «دراسات اجتماعية»

الاحد: 20/07/2008


إشكالية المجتمع المدني
من العقد الاجتماعي الى المجتمع التجاري

(هوبز، لوك، ادم سيمث)
علي عبود المحمداوي(*)
(خاص للمعهد)

ان مفهوم المجتمع المدني بحد ذاته يعد اشكالية على مستوى التعريف والتحديد، الا ان ذلك لا يمنعنا من تبيان بعض معانيه او الاوجه التي يمكن ان تشكل تركيبا لتحديده وتأطيره، وعليه يمكننا القول بأن المجتمع المدني يمكن ان يعرف بأسلوبين او طريقتين، الاولى هي: تعريفنا له على اساس مكوناته ومقوماته، والثانية عن طريق تحديد الضد والمقابل للمجتمع المدني.
اسس ومكونات المجتمع المدني:
من اهم ما يركب مفهوم وواقع المجتمع المدني هو التنظيمات الوسيطة والمنظمات غير الحكومية والتي اصبحت اليوم شعارا للدلالة على تمدين المجتمع وتحضره، لكنها ليست الوحيدة التي تشير اليه إذ ان هنالك اركان عدة ومن ضمنها هذه التنظيمات التي تشكل المجتمع المدني ومعناه على المستويين (المفهومي والواقعي)، ويمكن ان نلخصها بالنقاط التالية:
1. المجتمع المدني هو المجتمع الذي يتزامن وجوداً مع الدولة او متضمناً فيها والتي يشترط فيها بالتوازي ان تكون متفقة مع مفهوم الدولة الامة والمواطنة والتي تقوم على اساس القانون الذي يمثل التعاقد الحاصل بين الافراد فيما بينهم لانتخاب فرد او هيئة تحفظ هذا التعاقد والاتفاق لصنع المجتمع المدني (المجتمع القانوني) وهو ماتجلى بوضوح في نظرية هوبز ولوك عن المجتمع المدني..
2. المجتمع المدني بمعنى المجتمع التجاري الذي يستقل فيه الاقتصاد وانتاج الثروة، وهذا مارآه ادم سميث وبقدر ما قاله سميث عن التنظيم الذاتي لهذا المجتمع الا ان هنالك رؤية جاءت في مابعد مع هيجل وماركس اللذان وجدا ان هذا المجال الاجتماعي هو مجال مصالح متعارضة، وليس كما قال عنه سميث بأنه متجانس ومنظم.
3. المجتمع المدني يمثل المؤسسات الوسيطة التي تمثل الوساطة بين الفرد والدولة، وهذا ما نظّر له مونتسكيو في كتابه (روح الشرائع)، ودور هذه المؤسسات هو في حماية الفرد من جبروت الدولة وحماية الدولة من رعاع المجتمع، وهنالك غاية اخرى من الجدير ان تذكر وهي السلطة وتقسيمها ولا مركزيتها، وكذلك فإن مقاربة توكفيل(1) جاءت لتصف المجتمع المدني بأنه متمثلاً بالاتحادات الطوعية التي لايمكن ان توجد دون المجتمع التجاري والمؤسسات الوسيطة بين الفرد والدولة.
4. المجتمع المدني ببعده الاخير هو ما ينشيء المجال عام public sphere)) لتداول المعلومات ودور الاعلام والثقافة والتي تسمح بنشر آراء متعددة ومختلفة وشفافة، وهذا ما جاء مع الفلاسفة المعاصرين (غرامشي(2) ـ الايطالي، وهابرماس(3) ـ الالماني)(4).
المجتمع المدني ومجتمع الريف:
لابد لنا في الاسلوب الاخر من التحديد وهو تعريف المجتمع المدني عن طريق تبيان الضد منه وهو (المجتمع الريفي) او (مجتمع ما قبل التحضر والتمدين) ولأن الصفة اللغوية التي تحدد مفهوم المدني هي، ساكن المدينة، حسب المعجم العربي، و مايقابل «كلمةcivil بالانكليزية المشتقة من أصل لاتيني (civis) والتي تعني مواطن أو مواطنة. أما لفظ (مدني) بالعربية فهي كما رأينا مشتقة من مدينة أو مدنية أو تمدن ولم تشر إلى معنى أو دلالة المواطنة، فلا يوجد مصطلح مستقل في اللغة العربية يشير إلى مفهوم المواطنة كما هو الحال في اللغة الآن»(5).
وفي كلا المعنيين هنالك صفتين، الاولى: سكن المدينة، والثانية: منطلق المواطنة، واللذان لا يتوفران في غير المجتمع المدني، واما المجتمع الريفي فله صفاته التي تتمحور حول خاصية القرابة والدم ولغة القبيلة او العائلة، كما وان حل النزاعات الناشئة غالبا ما تكون محصورة بما يهم تلك الجماعة دون سواها، ومن ذلك نجد انه لاوجود يذكر لمفهوم الدولة وانما الكل مختزل بتشكيلة القبيلة وتنظيمها الهرمي والافقي من الادارة وحل النزاعات، يسندها في الاغلب سلطة الدين المحلي لتلك القبيلة. وعموما فانها لا ترتقي الى مفهوم المواطنة والشعور بالانتماء والهوية الى الوطن وادارته = الدولة.
ومما سبق يتضح لنا ان المجتمع المدني وفي التطور التاريخي الذي لحق به اصبح يقابل مفهوم مجتمع القبيلة او الريف، لانه يوكل ادارة اموره وحل نزاعاته الى سلطة لاتمثل القرابة اساً فيها، وانما التنظيم السياسي اللاحق او السابق للمجتمع المدني هو من يدير كل ذلك، فالمجتمع المدني يمتاز بوجود التنظيمات التي تخرج عن اطار الرابطة الدموية = العشيرة او العائلة، الى المجال العام الذي يضم داخله مؤسسات وتنظيمات ادارية وساندة للافراد والدولة، وكذلك فهو يمتلك عنصر مهم جدا وهو ان كل تلك الحقوق والتنازع بشأنها لم يعد يؤخذ بالقوة وحمل السلاح بل انها ارجئت الى المحاكم والقضاء وان الامور لم تعد كما كانت عليه مع مجتمع الريف من سن الشرائع الخاصة والضيقة والمجحفة في اغلب الاحيان بل صار الى هيئة تشريعية خاصة به مثلت البرلمان او الجمعيات العمومية.
كما ويمكن ان يعد المجتمع المدني في مقابل (المجتمع الديني) وسلطة اللاهوت (الكنيسة او المسجد) وهذا امر واقع، فالاول يخضع لسلطة القانون والعقود، والثاني يخضع للتشريع الديني وسلطة المؤسسة الدينية وقراءاتها لخطاب الرب.
وكذلك يمكن ان نضعه (اي المجتمع المدني) في قبال (المجتمع السياسي) وهو بالتصنيف الاخير يكون مايمثل المجتمع (مجموعة الافراد) الذين لايمارسون السلطات الثلاث ولايسعون اليها (التنفيذية، التشريعية، القضائية).
وعليه فان المجتمع المدني هو كل ماسبق، مجتمعا يكمل بعضه البعض الاخر، او منفردا متفرقا له ماهيته الخاصة.
ويمكن ان نلخص اهم اركان وخلفيات المجتمع المدني وتنظيماته في الجدول الاتي:

الريف

المجتمع المدني = المدينة

المجتمع السياسي

القبائل،  العشائر القرى..
اهم مايميزها:

1. كونها تنظيمات تقوم على رابطة الدم = القرابة.
2. تحكمها الاعراف والتقاليد.
3. يختلط فيه المجال العام بالخاص
غالبا ماتكون العقود التي تديرها شفاهية.

االمجال الخاص

المجال العام

الاحزاب

الدولة

العائلة = الاسرة
العلاقات بين افراد الاسرة.
والحقوق الشخصية

طبقات اجتماعية

مؤسسات المجتمع المدني

تنظيمات المؤسسات

تنظيمات تتخذ المجتمع قاعدة لها من اجل الوصول الى السلطة وعليه فهي حالة وسطية وانتقالية من المجتمع المدني الى الدولة.

جهاز تنفيذي = الوزارة

جهاز تشريعي = البرلمان

جهاز قضائي = المحاكم

 

 

عليا


متوسطة


دنيا

رأسمال = المنتجين
(البنوك، المصانع، الشركات، العقارات)

اتحاد الصناعيين
اتحاد المقاولين
غرف التجارة
اتحاد المصرفيين..

ريع (املاك..)

رواتب: التعليم، الاعلام، الموظفين عموماً

الاتحادات المهنية
نقابة المعلمين
نقابة الصحفيين

اجور (العمال..)

نقابات العمال
جمعيات الفلاحين

تنظمه العقود القانونية = مكتوبة في الغالب

في قبال الكل ومع الكل يكون هنالك سلطة دينية تحرك المجتمع تارة وتصبح مؤسسة من مؤسساته تارة اخرى (الدين) وقد اسس مجتمعا خاصا به ساد فترات طويلة

ويمكننا القول ان ابرز من تناول موضوعة المجتمع المدني ومنذ بداياته وتزامنها مع نشوء الدولة القومية كان توماس هوبز، وبالرغم من القول ان هنالك اشارات ضمنية حول المجتمع المدني مع اليونان ولاسيما مع ارسطو، الا ان التنظير الصريح والمنظم كانت بدايته مع هوبز الفيلسوف الانكليزي وخاصة مع فكرة العهد = العقد الاجتماعي .
توماس هوبز(1588-1679) Thomas Hobbes والمجتمع المدني:
لايمكننا ان نفهم مراد هوبز في معنى المجتمع المدني دون المرور بمفاهيم فلسفته السياسية الرئيسة والتي تشكل (في تركيبها) رؤيته عن المجتمع المدني ومن اهم تلك المفاهيم هي فكرة حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي والدولة، ومما يجب سبر اغواره هو العلاقة بين هذه المفاهيم وكيف انها ارتبطت بمفهوم المجتمع المدني.
حالة الطبيعة:
هي الحالة التي يعيش فيها الانسان بمعزل عن التنظيم السياسي والتي تتصف (اي حالة الطبيعة) بكونها حالة حرب(6) الجميع ضد الجميع، والانسان فيها ذئب لاخيه الانسان، إذ انه في هذه الحالة يتصف بكل ما هو مشين من العداوة والانانية والقتل وغيرها من المثالب والتي تربك الحياة بل تزيد الارتباك لانه حال تلك اللحظة التخيلية(7) التي ينشأ فيها الانسان إذا لم تكن هنالك دولة = تنظيم سياسي، وان انعدام الثقة هو مايسود هذه الحالة. وهو المشكلة الاساس في عدم قيام المجتمع المدني في (حالة الطبيعة) فاذا كان على الناس «التخلي عن حقوقهم في كل الاشياء بما يوفر امكانية الدفاع عن مصلحتهم طويلة الامد في الامن والسلام؟ }اذن{ كيف يستطيع الافراد ان يعقدوا صفقات مع بعضهم البعض حين يكون من مصلحةالبعض في ظروف معينة انتهاك هذه الصفقات؟»(8).
وهذا تساؤل مشروع لدى هوبز لانه مبرر بالواقع الافتراضي للفوضى في حالة الطبيعة، إذ انه كيف يمكن حماية تلك الصفقات وكيف يمكن ادارة الشؤون الخاصة والمشتركة والعامة للافراد؟؟، كلها اسئلة افتراضية لدى هوبز تنحو منحى تسلسلي للوصول والاقناع بفكرة العقد الاجتماعي المنتج للدولة، وان هذه الحالة لدى هوبز كما يراها (زكي نجيب محمود) «عراك متصل عنيف لاتنقطع الحرب بين افرادها... كان الناس في حالتهم الفطرية الاولى لايذوقون للسلم طعماً.. وينظر كل فرد الى الاخر نظرة ملؤها الخوف والشك فلم يجدوا بداً من التعاهد والتعاقد»(9)، اما فيما يخص الخروج من هذه الحالة (الفوضوية) فالامر موكل الى العقد الاجتماعي.
العقد الاجتماعي (نشوء الدولة والمجتمع المدني):
العقد الاجتماعي او مايسميه هوبز بالعهد الاجتماعي(10) (قبل ان يصبح مع لوك ومن بعده روسو لفظياً ؛ عقداً اجتماعياً): هو الآلية الرئيسة والوحيدة لخروج مجتمع الحالة الطبيعة وحالة الفطرة التي تتسم بالوحشية والحرب بين الافراد الى المجتمع المدني المنظم تحت سلطة الدولة. وفي اجابة على السؤال، كيف يكون ذلك؟ يرى هوبز ان على افراد حالة الطبيعة ان يتنازلوا عن حقهم في ادارة انفسهم اي حقهم في السلطة من جهة وحقهم في الدفاع عن حقوق الطبيعة (الملكية والحرية والحياة) الى التنظيم السياسي المتمثل بالدولة، وعندها ينشأ مفهوم الفرد المصلحي اي الفرد الذي يتنازل عن حقوقه الانفة الذكر الى الدولة من اجل العيش بسلام والحصول على الطمأنينة، والهم الاكبر من تلك الحقوق لدى هوبز هو حق الحياة ومايشوبه من تهديدات مستمرة في حياة الطبيعة والفطرة السابقة لنشوء الدولة والمجتمع المدني.
ويرى هوبز ان القبول بالدولة كتنظيم سياسي حاكم تكون بيده السلطة والقوة والسيادة (متزامنةً) هو لزيادة وثاقة عرى افراد المجتمع ولكي لايعودوا الى الفوضى في حالة الطبيعة. وعليه فان الدولة تصبح هي صاحبة السيادة ولها الحق المطلق في ادارة افراد المجتمع، إذ انها ستكون هي المنشئة له والراعية لديمومته، وصاحب السيادة = اي الدولة هي كائن مصطنع من الافراد في حالة الطبيعة، كما بينا، وهذا الكائن المصطنع هو من يوكل اليه الامر في تنظيم مجتمع مابعد الفطرة = المجتمع المدني، وبالتالي فالعقد الاجتماعي هو تنازل الناس عن جزء كبير مما يخصهم فردياً في سبيل الصالح العام والذي يضمن عدم انتهاك هذا العقد هو الدولة(11) ومما سبق يتبين أن المجتمعات تولد نتيجة خوف الناس بعضهم من البعض، وليس نتيجة احساس بالخير وبالتعاون المتبادل، لان الحالة السابقة على التعاقد كانت حالة حرب واقتتال يأكل القوي فيها الضعيف(12). وهنا يجب ان نعلم ان السلطة المراد انشائها بارادة قسرية ذاتية على افراد مجتمع الطبيعة ستنتج سلطة حاكمة تتسم بالاطلاق لان الاعتراض بحقها او على حقها المصطنع سيعود بنا الى الحالة التي ستخرجنا هي منها (حالة الطبيعة) ولها الحق في ان تفعل ما تشاء لاننا نتنازل لها عن حقنا المطلق في ادارة ذواتنا.
ولعل الانتقالة من الحكم اللاهوتي المطلق الذي كان يمثل يد الله او ظله في الارض الى الحكم الانساني او الوضعي (على اساس التعاقد) لم تكن خالصة مع هوبز اذ انه ايد الحكم او السلطة المطلقة من جانب وعلى اساس تعاهدي تعاقدي انساني لا إلهي من جانب اخر.
وهذا الاتجاه الذي سلكه هوبز جعله يتصف بالفرادة والتميز(13)، إذ انه لم يسبق ان جمع بين الامرين وفرق بينهما في الوقت نفسه.
الدين والدولة:
لم يكن هوبز رافضا للحكم بالحق الالهي فحسب بل رأى ان الدين سبب رئيس في تشويه الجسم الاجتماعي الناتج عن التعاقد بين الافراد والدولة لان الكنائس وتبعاتها من المؤسسات تريد ان تحل محل السيد الاعلى (صاحب السيادة) لتعود لممارسة حكمها وزمنها الغابر(14)، وبذلك فهي تعود لارباك الحياة الاجتماعية الجديدة والطمأنينة التي كسبها الافراد في تنظيمهم تحت مظلة المجتمع المدني، ولان هوبز كان يدرك انه لامجال للوصول الى الاستقرار والطمأنينة مع وجود مقاومة ولاسيما اذا كانت هذه المقاومة ذات بواعث واصول دينية لانها تحاكي العواطف الانسانية والتي اذا انفجرت فمن الصعب ان لم يكن مستحيلا ضبطها وكبحها(15).
وهو بقدر ما كان بالضد من الحكم الالهي = الديني المطلق كان بذات الشدة مع الحكم المطلق التعاقدي = الانساني، وان هذه الدعوى لهوبز والتي يريد ان «يشيدها على اساس بناء عقلاني للمجتمع هي دعوى للسلطة المطلقة مما يلزم عنها نتيجة مؤداها ان كل ثورة باطلة ولا مشروعة»(16)، وهو بقدر ما اعطى دورا هاما وقسريا للفرد في تشكيل الدولة للخروج من حالة الطبيعة المقيتة ودورا قسري اخر مع جزء من الحرية للدولة في تنشئة ورعاية المجتمع المدني فإنه لم يشر الى اهمية التنظيمات الوسيطة بينهما ولم يجد في تقسيم السلطة من صفة الا اضعافها لكنه مع ذلك اوكل امر ايجادها او عدمه الى صاحب السيادة والسيد الاعلى = الدولة(17).
الا ان الامر لم يبق على ماهو عليه مع هوبز في الحكم المطلق وحالة الطبيعة الوحشية، حينما حل (جون لوك)(18) لاعباً اساسياً على مسرح الفلسفة والسياسة.
جون لوك (1632 ـ 1704) John Lock والمجتمع المدني:
خلافا لهوبز جاء لوك ليجعل من الانسان حالة الطبيعة ذلك الفرد العاقل الحر المالك، وهو بذلك يرتفع بشأن افراد او انسان حالة الطبيعة عما كان مع هوبز في كونه عدائي فوضوي قاتل ينزع الى ارضاء الرغبات الشريرة الشخصية،الى انسان مالك حر عاقل، واذا كان المجتمع هكذا (حسب مايصفه لوك) فما الداعي الى العقد الاجتماعي وقيام الدولة؟
رأى لوك في جوابه ان تضارب المصالح بين الافراد المالكين الاحرار في حالة الطبيعة يحتاج الى من يديره ويحفظ تعاقداته بين افراد المجتمع الطبيعي فكان لا بد من صياغة تعاقد اكبر يحمل صفة المجتمع ككل فكان العقد الاجتماعي.
العقد الاجتماعي:
يتضمن مفهوم العقد الاجتماعي مفاهيم ساهمت بصياغته اهمها مفهوم حالة الطبيعة وهي الحالة التي يكون فيها البشر احرارا ومتساويين لان العقل يمكنهم من التحلي بالعقلانية ومن اتباع قانون الطبيعة اضافة الى تمتعهم بحقوق طبيعية،هي(التملك والحياة والحرية)(19). والطور الطبيعي او حالة الطبيعة عند لوك هو طور يكون فيه الافراد على قدر من المساواة والحرية التامتين ويخضعون فيه لسلطة العقل وسنة الطبيعة(20)، و «لايخلق الميثاق الاجتماعي اي حق جديد، فهو عبارة عن اتفاق بين افراد يجتمعون ليستخدموا قوتهم الجماعية في وضع تلك القوانين الطبيعية موضع التطبيق»(21).
ينتقد لوك هوبز على وصفه الناس في حالة الطبيعة بالوحشية واضرابها، إذ يرى لوك ان هذا الوصف الذي يقتضي القبول بالدولة المطلقة للخروج من حالة الطبيعة الوحشية يعني «الاعتقاد بان الناس حمقى الى درجة انهم يحرصون على تجنب ما قد يلحق بهم من اذى من فئران الخيل(22) والثعالب ولكنهم راضون بل مطمئنون ان تلتهمهم الاسود»(23)، ومن الواضح حسب لوك «ان الملكية المطلقة التي يزعم بعضهم انها نمط الحكم الوحيد، لاتتفق مع طبيعة المجتمع المدني لان هدف المجتمع المدني تلافي تلك المساوئ التي تنجم ضرورة عن كون كل امرئ في الطور الطبيعي الحَكَم في القضايا التي تعنيه هو ومعالجتها، باقامة سلطة معروفة بوسع كل فرد من افراد ذلك المجتمع ان يلوذ بها... وحيث لا يوجد قوم لا سلطة بينهم من هذا النوع يحتكمون اليها وتفصل في النزاع بينهم فهؤلاء القوم ما يزالون في الطور الطبيعي»(24)، ومنه يتبين مدى رفض لوك لما جاء به هوبز من تنظير للخروج من المجتمع الطبيعي.
الا ان حالة الطبيعة هذه عند لوك لا تخلو من افات وافته الكبرى ان كل امرئ فيه هو الخصم والحكم في جميع القضايا التي تعنيه وهو من جانب اخر سبب خروج البشر من هذا الطور الى المجتمع المدني، لاقامة سلطة مدنية، لكن اهم مايسجل من ملاحظات على المجتمع في حالة الطبيعة انه:
1. انعدام قانون معروف ثابت تواضع عليه ابناء المجتمع يحدد حقوق الفرد ومسؤلياته.
2. انعدام حكم منصف ونزيه يقضي بينهم ويفصل خلافاتهم.
3. انعدام سلطة قادرة على تنفيذ احكام القانون بصرامة وانصاف(25).
وعلى ماسبق فان كل امرئ انما يلتزم بتعاقده مع الاخرين على تأليف هيئة سياسية واحدة في ظل حكومة واحدة والخضوع لقرارات الاكثرية والتقيد بها امام كل فرد من افراد تلك الهيئة(26) للخروج من حالة الطبيعة ولتلافي المشاكل الثلاث الانفة الذكر، كما وان هنالك عامل اخر ساهم في تعجيل الخروج من حالة الطبيعة وهو اختراع النقود «فبدلا من ان يكتفي الانسان بما يحتاجه من ثروة وهو امر كان متعذرا واصبح ممكنا مع وجود النقود التي يمكن تجميعها ومن هنا نشأت الحاجة لحماية الانسان وممتلكاته وثروته وهو امر لايؤمنه الا مجتمع منظم، مجتمع سياسي بقوانينه التي تؤمن هذه الحماية وهكذا اصبحت الدولة بالنسبة الى لوك عبارة عن تجمع تأمينات متبادلة بين الافراد فيما يتعلق بممتلكاتهم وحرياتهم»(27) ونرى ان لوك بالرغم من تركيزه على مسألة الحقوق الطبيعية او الطور الطبيعي وانها هي ما يجب حمايته وتشريع القوانين من اجلها وان التعاقد حولها هو مايؤسس الدولة والمجتمع المدني الا انه يركز على مبدأ او حق الملكية منها فهو يؤسس نظريته على اساس حق الملكية، إذ ان كل فرد له الحق في ان ينال رزقه من هبات الطبيعة، اذ ان الارض وهبت لجميع الناس التنعم بطيباتها في حالة الطبيعة(28). وتعد هذه وغيرها من نصوص لوك خطوة في طريق اقتصاد السوق وفي دوره في تنشئة وتنمية المجتمع المدني.
وفي العودة الى حالة الطبيعة نجدها لم تكن افتراضية كما تبين مع هوبز بل ان لوك ينحو منحا يؤيد فيه واقعية هذا الطور الطبيعي فيرى:
1. ان هذا الطور هو المنبع الذي تستمد منه القوانين.
2. وانه الموئل الذي يلوذ ويلجأ اليه الانسان كلما اراد قياس المعايير الوضعية التعاقدية.
3. انه الاساس الذي تقوم عليه الدول المختلفة والمتعاقبة.
لكنه ومع كل ذلك فقد طلّق الناس هذا الطور واخذوا في تأليف المجتمعات ويعزي لوك السبب في ذلك الى ان مشيئة الله فطرت الناس وطبعتهم على حب الالفة والاجتماع فانبثق المجتمع المنزلي بداية ومن ثم المجتمع المدني او السياسي(29).
نشوء الدولة والمجتمع المدني عند جون لوك:
كانت نتيجة العقد الاجتماعي هي نشوء الدولة متزامنة مع المجتمع المدني، ويرى ان الدولة انما تنشأ عن اتفاق كلمة نفر من الناس على حياة الاجتماع، تراضيا وتواطؤاً اما باستحداث مجتمع جديد = دولة جديدة، او بالانخراط في مجتمع ما بالاختيار دونما سواه، وهكذا فميزة المجتمع المدني هي انه ينبق انبثاقا عفويا طبيعيا ليصلح مفاسد الطور الطبيعي، وفي اجابة للتساؤل عن طبيعة هذه الدولة وسلطاتها يرى لوك ان سلطاتها او صلاحياتها هي نفسها التي كانت لافراد مجتمع الطور الطبيعي،وهذه السلطات هي سلطة التشريع العليا،وسلطة تنفيذ القوانين، وسلطة دفع العدوان الخارجي وعقد المحالفات واملعاهدات ويسميها بالسلطة الاتحادية(30)، واما في النظر الى السلطة المطلقة التي كانت هي دولة هوبز الناتجة عن العقد الاجتماعي يرى لوك فيها «ان سلطة الدولة اللامحدودة سوف تقوض الامن الذي صممت هذه السلطة لحمايته اصلا وسوف تجعل من قيام المجتمع المدني امراً مستحيلاً»(31).
وفي تساؤل اخر نحاول ان نجد له اجابة (مع لوك) وهو هل ان مجتمع الطبيعة قادر على ان يصنع المجتمع المدني كما يتبين للوهلة الاولى من نصوص واراء لوك؟ اعتقد ان الاجابة ستكون بالنفي، لانه يرى ان السلطة السياسية هي التي تؤسس المجتمع المدني بالرغم من كل جاهزية المجتمع الطبيعي وخيريته وحريته وملكيته، فقد «اقر لوك بأن المجتمع المدني قد شكلته السلطة السياسية (اذ) ان حق سن قوانين تشمل عقوبة الموت، ومن ثم قوانين العقوبات الادنى من ذلك كله، لغرض تنظيم الملكية الخاصة وصيانتها، واستخدام قوة الجماعة لتنفي هذه القوانين والدفاع عن الامة بوجه الاعتداء الاجنبي، ان هذا كله انما جاء من اجل الصالح العام»(32) اي ان المجتمع المدني والمؤسسات التي تديره وتنظمه انما ترتبت على السبق الزمني بعد تشكل الدولة التي ترعى كل تلك المهام والمسؤوليات.
آدم سميث(33) (1723-1790) والمجتمع المدني = التجاري:
كان دور الاقتصاد مع توماس هوبز غائباً وهامشياً، لكنه مع جون لوك اخذ حيزا معتدا به، إذ جعله سبب في نشوء المجتمع المدني، وذلك لان الحفاظ على الملكية والتعاقد من اجل ذلك وتسهيل التبادل الحاصل مع اختراع النقود كل ذلك يعطي دورا مهما للاقتصاد حسب لوك في نشوء المجتمعات المدنية، اما مع ادم سميث فكانت الانتقالة الكبرى في تفسير نشوء المجتمعات على انها مجتمعات تجارية تامة وهي بهذا التمام تساوي المجتمع المدني.
فهو يرى «ان التأثير العفوي تماماً للانانية يفترض فيه ان يكون كافياً لزيادة ثروة الامم بشرط الا تتدخل في مجرى الامور باجراءات مخطط لها»(34) ومن هذا يتبين ان الدولة يجب ان تبتعد في سياساتها عن المجتمع لكي يؤدي وبسليقته وعفويته الى صناعة ثروة الامة والمجتمع، وفي ذلك نجد انه يركز على المجتمع والافراد ذاتهم في صناعة المجتمع المدني وصياغته، إذ «تتركز الدوافع الاقتصادية لدى سميث على دور المصلحة الذاتية، ذلك ان السعي اليها بصورة فردية وتنافسية هو مصدر القدر الاكبر من الخير العام... وان الفرد في هذه الحالة كما في حالات اخرى كثيرة تقوده يد خفية نحو تحقيق غاية لم تكن جزءاً من مقصده»(35)، ومما سبق يصوغ سميث مفاهيم عدة يمكن ان ترتكز عليه نظريته الاجتماعية ـ الاقتصادية، ومن اهمها كان اليد الخفية المحركة للمجتمع من تلقاء نفسه ويعتمد في ذلك على مفهوم اخر يصوغه وهو التنظيم الذاتي للمجتمع لانه (اي المجتمع) منظما تنظيما ذاتيا لانه معتمد على السوق = الاقتصاد والذي هو منظم بصيغ التبادل التجاري والتعاملات الاقتصادية الاخرى، واعتمادا على اليد الخفية الانفة الذكر يتماسك المفهومين (التنظيم الذاتي واليد الخفية) في صياغة رؤية جديدة تجاه المجتمع والدولة فمن ناحية المجتمع فانه لم ولن يكون معتمدا على افتراضية او واقعية المجتمع الطبيعي ولا على الدولة في تنشئة المجتمع.
وان الملكية الخاصة هنا هي اساس نشوء المجتمع المدني لذلك يتشكل المجتمع التجاري الذي يساوي المجتمع المدني بل هو ذاته وهو نتاج (الثروة: المال والمعرفة والرفاه و..) ووجد في تقسيم العمل والتخصص ما يساند التنظيم الذاتي وسير اليد الخفية في المجتمع وهو بذلك يؤسس لفصل المجتمع عن الدولة(36) فـ«الوسيلة الاساسية لزيادة الانتاج تكمن في تقسيم العمل واستخدام الالات الميكانيكية، الا ان تحقيق درجة عالية من التخصص رهن بمدى اتساع السوق»(37).
الدولة والمجتمع عند ادم سميث:
اما ماهية الدولة ومسؤولياتها عند سميث فتكمن في حدود ضيقة ومحدودة يحصرها سميث في ثلاث مهام وهي «النهوض باعباء الدفاع وادارة العدالة وتعهد الاشغال العامة الضرورية»(38)، وبكلمة اخرى فانه يحددها بالواجبات التالية:
1. حماية البلد والدفاع عنه من الاعتداءات والهجوم الخارجي.
2. حماية كل فرد في البلد من اي ظلم او تعسف او اعتداء قد يقع عليه من اي فرد او جهة كانت والمحافظة على النظام والقانون.
3. انشاء وادارة بعض الاعمال والمعاهدات العامة التي لا يقدم على انشاءها الفرد(39).
وهو هنا يحاول ان يهمش دور الدولة بل عزلها عن ادارة المجتمع والتدخل في خصوصياته الاقتصادية.
لكنه كما يرى بعضهم لم يستطع ان يفصل الدولة تماماً عن المجتمع في نظريته فقد عاد ليدعو الدولة الى التدخل والعمل على تقليص الحرية الاقتصادية للمجتمع والحد من مفعولها مثل التدخل لحماية السفن التجارية ووسائط النقل البحرية لاهميتها في الدفاع عن القطر وحمايته وكذلك التدخل لحماية بعض الصناعات الناشئة والتي تبشر بنجاح في المستقبل(40)، فيما ارى(41) انه (اي سميث) لايتراجع ويدعو الدولة للتدخل، بل ان ما سبق ذكره يقع على مسؤلياته من الاساس في حماية البلد من الخارج وفي الداخل وكلا الامرين التي يوردهما (كامل وزنه) هما من المهام والواجبات التي وضعها سميث من الاصل على عاتق الدولة فلا داعي للاعتراض او محاولة ايجاد تناقض لدى ادم سميث في نظريته من هذا الجانب.
وبعيدا عن الانفصال بين الدولة والمجتمع هل يمكن ان نجد تواصل واتصال بين الطرفين في ما يراه سميث غير واجباتها (اي الدولة) الثلاث، يرى جالبريت ان «رعايا كل دولة ـ حسب ادم سميث ـ يجب ان يسهموا في دعم الحكومة بنسبة امكانات كل منهم اي بالنسبة للدخل الذي يتمتع به كل منهم تحت حماية الدولة»(42)، وهذا يؤسس لمبدأ الضرائب بل بعبارة ادق يحث على تفعيل ولا يعتبر تأسيساً.
وفي نظرة عامة لسياق نظرية ادم سميث نجدهها «اولاً تمثل تحدياً حاسماً للسلطة السياسية المفرطة في مركزيتها وخصوصاً لجملة القيود المفروضة على المجتمع المدني والتي لم يسبق لها ان تعرضت لاي مساءلة... وساهمت الليبرالية(43) ثانياً في توليد تصور جديد لطبيعة السياسة ودورها (والتي) وفرت نوعاً من الدفاع لتدخل انتقائي مضبوط انتخابياً من جانب الدولة لتعظيم المصلحة العامة»(44)، وفيما سبق رؤية شاملة لما اثرت فيه او عليه رؤية ادم سميث الاقتصادية ـ الاجتماعية.
خلاصة ونتائج:
ومن كل ما سبق ومقارنة برؤى هوبز ولوك وادم سميث نجد ان سير الفكر الاجتماعي ـ السياسي كان كالاتي:

الموضوع توماس هوبز جون لوك ادم سميث
حالة الطبيعة حالة يكون الافراد فيها في حرب الكل ضد الكل والانسان فيها عبارة قاتل ووحش ويمتلك حقوق طبيعية لايتطيع المحافظة عليها من الاخرين ويحاول الحصول على ما لدى غيره منها. تكون حالة الطبيعة لدى لوك عبارة عن حالة من الحرية للافراد وتمتعهم بحقوقهم الطبيعية(الحرية، الملكية، الحياة) والتي تخترق بسبب بعض التجاوزات عليها والتنازع بشأنها. لم يتم ذكرها
الدولة تتشكل بسبب تعاقد الافراد سعيا للخلاص من مشاكل حالة الطبيعة والتنازعات التي لاتنهي والتي حكمها عدم الثقة المتبادل بين الافراد فتنشأ الدولة والتي لها الحق والسلطة المطلقة في ادارة ذلك المجتمع تتشكل الدول لدى لوك ايضا عن طريق التعاقد لكن الافراد المالكين الاحرار هم من يصوغ هذا التعاقد عن ارادة وحرية ووعي بوجوب قيام هيئة تحكم في المنازعات وحفظ الحقوق الطبيعية. الدولة يجب ان تكون بعيدة ومنفصلة عن المجتمع ولاسيما فيما يخص اقتصاد وثروة المجتمع.
المجتمع المدني هو نتاج الدولة صاحبة السيادة والسلطة المطلقة ويكون هذا المجتمع رهين بارادة تلك السلطة وعليه طاعتها وعدم مقاومتها او الثورة عليها لانه سيعود الى حالة الفوضى في الحالة الطبيعية.(المجتمع القانوني) نسبة للعقد الاجتماعي. المجتمع المدني هو نتاج الدولة ايضا لكن الدولة هي نتاج مجتمع الطبيعة بالارادة الوعية وبالتالي فللمجتمع المدني  الحق في ردع تجاوزات الدولة بل وفي انهاء سلطتها واستبدالها باخرى متى ما خرقت التعاقد بين الطرفين.(مجتمع مدني قانوني). المجتمع المدني هو المجتمع التجاري القائم على صيانة ثروة الامة = المجتمع وموقفه من الدولة هو موقف المتصل من جهة الضرائب المنفصل من حيث قبول التخلات السياسية في سير تنظيمه الذاتي (مجتمع تجاري).

فمع هوبز كانت السلطة المطلقة والارادة للدولة دون المجتمع ومع لوك اصبح الامر يمثل نوعا من الشراكة المناصفة او المكافئة للطرفين وآلت اخيرا الى الفصل والتباعد بين الاثنين مع ادم سميث.
النتائج:
1. انتقالة الفكر السياسي من التنظير للسلطة المطلقة مع هوبز الى تأسيس فكرة الليبرالية والفرد الحر مع لوك والتي اعطت الفرد حقوقه وحريته امام السلطة والمشاركة السياسية فب تقرير مصيره امام تلك السلطة بل واختيارها ايضاً، الى ان تحول المجتمع المدني مستقلا عن تلك السلطة وغير خاضع لادارتها مع ادم سميث.
2. ان فكرة الطبيعة تحولت مما كانت عليه مع هوبز من وحشية وحرب للكل ضد الكل الى حالة من الوئام والالفة والحرية والملكية مع لوك وانتفت الحاجة اليها في تنظير سميث لنشوء الدولة والمجتمع المدني اذ ان السوق هو اللاعب الاساس في تكوين كل منهما (الدولة والمجتمع).
3. ان الواقع المعاش عند كل من مفكرينا وفلاسفتنا الثلاث كان له الاثر والدور الاساس في صياغة نظرية كل منهم نحو المجتمع والدولة والاقتصاد، فالحروب والمشاكل السياسية التي رافقت هوبز في انكلترا دعته ينظر الى ان السلطة الملكية هي سلطة حقة وهي الوحيدة القادرة على حفظ استقرار المملكة وان الملك هو رمز ذلك الاستقرار لذلك فالثورة عليه هي ثورة ضد المملكة وتأييدا للغوغاء والحروب والتفكك الذي كان هو واقع بريطانيا حينها، اما مع لوك فان النظام السياسي آل الى الاستقرار، فكان المجال ارحب واكثر استقبالا لفكرة مشاركة الفرد في اختيار السلطة وانتقل مفهومها من التشريف الى التكليف والموظفية واصبحت رهن ارادة الشعب والافراد الذي يربطون مصيرهم باختيارها، ومع سميث ادى تطور التبادلات التجارية وظهور نوع من التخصص والذي ايده وايد تقسيم العمل معه كل ذلك قاد الى ان يرتبط مفهوم المجتمع لديه مقاربته مع الانطباع عن الانتعاش الاقتصادي الحاصل حينها بسبب اختراع الماكنة والنقود وسهولة التبادلات وغيرها كل ذلك يرسم صورة الرفاهية التي يطمح لها كل مجتمع فاصبحت تكافئ بل وتماثل مفهوم المجتمع المدني النظري انطلاقا من ذلك الواقع.
لكن الفوارق او الاتفاقات او التداخلات لا تقتصر على جدلية المجتمع والدولة فقط ولذلك سنلجأ لصياغة جدول يحدد المعالم العامة لكل من المفكرين الثلاث في نظرياتهم السياسية  ـ الاجتماعية.
 

الهوامش
ـــــــــ
(*) مدرس مساعد في قسم الفلسفة ـ كلية الاداب ـ جامعة بغداد.
(1) الكيسيس دي توكفيل Alexis de Tocqueville : مفكر وفيلسوف وسياسي فرنسي من أوائل المدافعين بشغف عن الحرية الشخصية، التي كان يفضلها دوماً على المساواة؛ لأن اللامساواة حسب رأيه جاءت "مباشرة من الله"؛ ولذلك فلا عجب من عدم تأييد رجل الدولة المتنور هذا لمبدأ المساواة بين الأجناس كأغلب أقرانه، له كتاب مهم بعنوان الديموقراطية في أمريكا في مجلدين سنة 1850 م. ويعد هذا الكتاب أفضل تحليل للمجتمع الأمريكي والسياسة الأمريكية،
(2) انطونيو غرامشي: فيلسوف ومناضل ماركسي إيطالي، ولد في بلدة آليس بجزيرة ساردينيا الايطالية عام 1891، وهو الأخ الرابع لسبعة أخوات. ويركز غرامشي في معظم كتاباته عل تحليل القضايا السياسية والثقافية كذلك نقض الزعماء السياسيين و رجال السياسة والثقافة، أعتقله النظام الفاشيستي الإيطالي بزعامة موسوليني في نوفمبر عام 1926 و أيضا في يونيو 1928، وحكموا عليه بالسجن عشرين عاما، وفي أغسطس 1935 نقلوه الي عيادة خاصة بروما بسبب تدهور حالته الصحية، وتوفي في أبريل عام 1937 متأثرا بنزيف في المخ، ويعد غرامشي مؤسس مفهوم " الهيمنة على الثقافة كوسيلة للإبقاء على الحكم في مجتمع رأسمالي "
(3) يورغن هابرماس Jürgen Habermas(18 يوليو 1929 -): يعد من أهم الفلاسفة وعلماء الإجتماع والسياسة في عالمنا المعاصر، ولد في دوسلدورف، ألمانيا ومازال يعيش بألمانيا.يعد من أهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية حاليا، له أزيد من خمسين مؤلفا يتحدث عن مواضيع عديدة في الفلسفة و علم الاجتماع و هو صاحب نظرية الفعل التواصلي، ونظرية في المجال العام وكتاب بعد ماركس وكتاب المعرفة والمصلحة وغيرها.
(4) فالح عبد الجبار:محاضرات في النظرية الاجتماعية، معهد الدراسات الاستراتيجية – بيروت، بتاريخ 11-6-2008.
(5) حيدر ناظم: الاسس الفلسفية للمجتمع المدني في الفكر الغربي العاصر، رسالة ماجستير، الجامعة المستنصرية– قسم الفلسفة، 2007، ص4.
(6) بيير فرانسوا مورو: هوبس – فلسفة، علم، دين، ترجمة اسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – بيروت، الطبعة الاولى، 1993، ص 8.
(7) اقول تخيلية لانها لحظة لحالة افتراضية نظرية استعملها هوبز لاغراض المحاججة والتوضيح على خلاف المجتمع المدني الذي هو واقع كان يراه هوبز بأم عينه (راجع: جون اهرنبرغ، المجتمع المدني – التاريخ النقدي للفكرة، ترجمة علي حاكم وحسن ناظم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الاولى، 2008، ص 154)
(8) ديفيد هيلد: نماذج الديمقراطية، ترجمة فاضل جكتر، معهد الدراسات الاستراتيجية، بيروت، 2006،ص 140.
(9) زكي نجيب محمود: قصة الفلسفة الحديثة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1963، ص 198.
(10) بيير فرانسوا مورو: هوبس – فلسفة، علم، دين، مرجع سابق، ص 5.
(11) جون اهرنبرغ، المجتمع المدني – التاريخ النقدي للفكرة، ترجمة علي حاكم وحسن ناظم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الاولى، 2008، ص 153-155.
(12) مارسيل بريلو، و جورج ليسكييه: تاريخ الافكار السياسية، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1993،ص 207.
(13) اميل برهييه: تاريخ الفلسفة، ج4، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1993، ص181.
(14) بيير فرانسوا مورو: هوبس – فلسفة، علم، دين، مرجع سابق، ص 28.
(15) مارسيل بريلو، و جورج ليسكييه: تاريخ الافكار السياسية،مرجع سابق،ص 207.
(16) اميل برهييه: تاريخ الفلسفة، ج4، مرجع سابق، ص180.
(17) جون اهرنبرغ، المجتمع المدني – التاريخ النقدي للفكرة، مرجع سابق، ص 157.
(18) جون لوك (1632 - 1704) (John Locke): هو فيلسوف تجريبي و مفكر سياسي إنجليزي. ولد في عام 1632 في رنجتون (Wringiton) في إقليم (Somerset)، وفي هولندا كتب لوك عدة مقالات منها: مقال خاص بالفهم البشري (Essay Concerning Human Understanding) وبعض الأفكار عن التربية وأخرى عن التسامح. وعندما جاءت الثورة الكبرى، استطاع لوك العودة إلى إنجلترا. وقد رفضت الجامعات القديمة فلسفته الحسية وآراءَه الليبرالية. ومع ذلك فقد عاصر شهرته الكبرى التي انتشرت في أنحاء العالم. وتوفي عام 1704.
(19) ديفيد هيلد: نماذج الديمقراطية، ترجمة فاضل جكتر، معهدالدراسات الاستراتيجية – بيروت، ط1 2006، ص 144.
(20) جون لوك: في الحكم المدني، ترجمة ماجد فخري، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، بيروت، 1959، ص 189 -190.
(21) اميل برهييه: تاريخ الفلسفة، ج 4، مرجع سابق، ص 328.
(22) فأر الخيل: حيوان شبيه ابن عرس يعتبر شرسا الا انه صغير الحجم يقارب حجمه الأرنب، ويعتبر من القوارض.
(23) المرجع السابق: ص 143.
(24) جون لوك: في الحكم المدني، مصدر سابق، ص 189 -190.
(25) المصدر السابق:،مقدمة المترجم، ص و- ز.
(26) المصدر السابق، ص 196.
(27) مارسيل بريلو، جورج ليسكييه، تاريخ الافكار السياسية، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت،1993،ص232.
(28) جون اهرنبرغ، المجتمع المدني – التاريخ النقدي للفكرة، ص 171.
(29) جون لوك :في الحكم المدني : مقدمة المترجم، ص ز – ح.
(30) المصدر السابق: ص ط.
(31) جون اهرنبرغ، المجتمع المدني – التاريخ النقدي للفكرة، ص 171.
(32) جون اهرنبرغ، المجتمع المدني – التاريخ النقدي للفكرة، ص 173.
(33) ادم سميث: باحث اقتصادي، عرف بوضع أسس الاقتصاد السياسي و من أبرز منظري الليبرالية الاقتصادية, ينتمي إلى المدرسة الكلاسيكية إلى جانب دافيد ريكاردو، وجان بابتست ساي، و آخرين، و قد ولد آدم في كيركالدي بأسكتلندا. وقد اشتهر بكونه فيلسوفا واقتصاديا، ودرس بجامعة جلاسجو، وتقلد سنة 1766م وظيفة مدرس خصوصي في الدوق بكليوتش. وذلك بسبب عمله الفلسفي "نظرية الوجدان الأخلاقي " الذي كتبه عام 1759م. ثم أنتقل إلى فرنسا، وكان المنطلق لكتابه "ثروة الأمم", وعاد إلى انكلترا في عام 1766م، ويعرف أيضا بنظرية إقتصادية تحمل إسمه، تقوم هذه النظرية على إعتبار أن كل أمة أو شعب يملك القدرة على إنتاج سلعة أو مادة خام بكلفة أقل بكثير من باقي الدول الأخرى، فإذا ما تبادلت الدول هذه السلع عم الرخاء بين الجميع، تقوم إتفاقية التجارة العالمية على كسر الحواجز أمام انتقال السلع لكي تعم العالم، لكن انتقال هذه السلع يتفاوت من حيث الإنتاج والإستهلاك بين دولة وأخرى وبالتالي هناك دول مستفيدة اقتصاديا أكثر بكثير من غيرها.
(34) أميل برهييه: تاريخ الفلسفة، ج5، ص136.
(35) جون كينيث جالبريت: تاريخ الفكر الاقتصادي، ترجمة احمد فؤاد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2000، ص77.
(36) فالح عبد الجبار: محاضرات في النظرية الاجتماعية، معهد الدراسات الاستراتيجية، بيروت، بتاريخ 5-6-2008.
(37) عبد الوهاب الكيالي واخرون: الموسوعة السياسية،ج3، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص239.
(38) جون كينيث جالبريت: تاريخ الفكر الاقتصادي، ص 84.
(39) كامل وزنه: ادم سميث – قراءة في اقتصاد السوق، معهد الدراسات الاستراتيجية، بيروت، ص38.
(40) المصدر السابق:، ص38.
(41) الرأي للباحث.
(42) جون كينيث جالبريت: تاريخ الفكر الاقتصادي، مصدر سابق، ص85.
(43) القصد ان الليبرالية القائمة على اساس حرية الملكية الفردية الشخصية والتي فعّلت في المجتمع التجاري = لدى سميث، هي التي غيرت الرؤية تجاه السلطة والدولة والتي حولتها من من المركزية المفرطة الى الانفصال التام.
(44) ديفيد هيلد: نماذج الديمقراطية، ص173.