الحضارية «دراسات اجتماعية»

 الخميس: 05/06/2008

 

العولمة وتحول العائلة إلى أسرة
(الغرب محللاً ومستشرفاً )

الدكتورة ثناء محمد صالح(*)
(خاص للمعهد)

يقول أنتوني جيدنز: إن عالم اليوم ليس أكثر لا يقينية أو مجازفة من عالم الأمس فحسب وإنما تختلف مصادر اللايقين أو المجازفة عن عالم الأمس، إذ بينما كان اللايقين الذي يواجه الناس في الماضي ناجماً عن قوى طبيعية أو سماوية كانت تعتبر بعيدة عن متناول الإنسان أو تدخله، صار الناس اليوم يواجهون أشكالاً جديدة ومتزايدة من اللايقين ولكنها من صنع أيديهم، من جراء محاولاتهم تغيير الطبيعة ومجرى التاريخ.
إن مايفسرسيطرة اللايقين المصنوع على اللايقين الخارجي عوامل تغيرية ثلاثة وهي:
العولمة: لا تعني عند جيدنز التنافس الاقتصادي العالمي فقط أو ظهور الأنظمة العالمية الضخمة، وإنما تعني تحولات في أعمق أعاميق نسيج الحياة اليومية أيضاً، إنها تؤثر في علاقات الصداقة والقرابة والمودة والألفة والهوية الشخصية. إن الميديا (وسائل الاتصال الجماهيرية) ملقاة في العقل البشري دون حاجة من صاحبه للالتقاء بأي إنسان في تفاعل إنساني مباشر. ومع أن العولمة تغزوا افاق العمل الاجتماعي المحلي وتخومه إلا أنها لا تدمرها. إنها بالعكس من ذلك قد تحرض على ظهور أشكال جديدة من الاستقلال الثقافي كما قد تزيد الطلب على الهوية الثقافية الخاصة.
تدهور التقاليد: إن تدهور التقاليد لا يعني نهايتها.. إنه يعني أو صار يعني أويؤدي في كثير من الأحيان إلى إعادة تقويتها وشحذها وشدة الدفاع عنها، وذلك بالضبط كما يرى جيدنز المصدر الأول( للأصولية)، إنها تقليد يتم الدفاع عنه، منذ هجمة العولمة، بالقانون التقليدي.
إن النقطة الأساسية في التقاليد احتواؤها في طابع أدائي طقسي للحقيقة، الحقيقة تتمثل في أداء أو ممارسات أو رموز تقليدية معينة، يجب علينا إذن أن لا نفاجأ بالمناوشات و ومعارك كسر العظم المحتدمة اليوم بين التقاليد و أساليب الحياة المفتوحة أي المتحررة من التقليد. إن تدهور التقاليد مرتبط تماماً بنهاية أو انتهاء الطبيعة، وغالباً ما يتداخل تدهور التقاليد مع نهاية الطبيعة.. إن الطبيعة تختفي كل يوم بمقدار، بمعنى أن الأشياء الثابتة من العالم المادي المحيط بنا وبجسم كل منا، غير المتأثرة بالتدخل الإنساني، قليلة جداً. كانت الطبيعة والتقاليد مجالين أو ميدانين للنشاط الإنساني، أي أن التغيير فيهما كان غير ملحوظ، وبتلاشي الطبيعة والتقاليد فإن جملة من القرارات الجديدة يجب أن تتخذ (من قبل جهة ما) في مجالات لم تكن تتخذ فيها أية قرارات .
لنأخذ الانجاب مثال على ذلك: لطالما بقيت أمور عديدة من الإنجاب خارج نطاق قرارات الإنسان، لكنها أصبحت الآن من حيث المبدأ أو الواقع مطروقة أو مطواعة لقراراته. إنه يمكن للمرء أن يحصل على طفل دون أي اتصال جنسي، كما يمكن اختيار جنس المولود، ويمكن إجراء التعقيم ضد الحمل للرجال والنساء على حد سواء. إذن فقد أصبح القرار أن يكون للمرء طفل أولا يكون مختلفاً تماماً عما كان عليه الأمر عندما كان الحمل عملية طبيعية ومتكاملة. نهاية الطبيعة في مجال الإنجاب مع التغيرات الناجمة عن تدهور التقاليد، فقد رافق انخفاض معدل المواليد في الأقطار المتقدمة سلسلة من التغيرات ساعدت على نيل المرأة استقلالها وكذلك تغير العلاقات التقليدية بين الجنسين.
الانعكاسية الاجتماعية: وهي مرتبطة بعولمة الاتصالات وفوريتها أو ناجمة عنهما. تعني الانعكاسية الاجتماعية العيش في نظام اجتماعي تتدهور تقاليده وتتلاشى. لقد صار على كل إنسان يعيش في نظام كهذا مواجهة هذا النظام والتعامل مع مصادر المعلومات والمعرفة المتعددة منه، بما في ذلك الادعاءات المعرفية اليومية، الشرذمة، أو المشكوك بصحتها . لقد صار على كل إنسان اليوم وعلى نحو أو آخر، التأمل أو التفكير في أحوال حياته وظروفها كوسيلة للحياة أو للنجاة.
فقرار الزواج يتخذ وسط صخب معلوماتي في العلاقات والالتزام، وتغير طبيعة الجنسوبية، والعلاقات بين الجنسين، ومؤسسة الزواج نفسها ليست المعلومات أو المعرفة. هذه مجرد خلفية لقرار الزواج المطلوب اتخاذه، وإنما عنصر من عناصر تكوين الإنسان بيئة العقل الذي تعصف به، والقرار الذي يتخذ فيه ، إنها بيئة اجتماعية انعكاسية ذات فوائد جديدة، وأشكال من الاستقلال متزايدة ولكن ذات مشكلات ومقلقات كثيرة ومعقدة أيضاً.
كذلك ظاهرة الاضطرابات الغذائية وفقدان الشهية إلى الطعام في هذه الأيام، إن عمر هذه الظاهرة لا يزيد عن الثلاثين سنة إنها لم تكن معروفة في السابق. لقد أصبح كل إنسان خاضع للحمية On-diet كما صارت أنواع الأغذية لا تحصى.
إن على الفرد إذن وفي أجواء جديدة كهذه إن يقرر ما يأكل بمعنى أن يختار نظامه الغذائي الذي يريد (حميته) في ضوء ما يجب أن يكون عليه. لقد أصبحت الحمية ذاتية أي مرتبطة بالجسم وبخاصة عند الشابات، وكأن الضغوط الاجتماعية للظهور الجسمي اللائق يتخذ شكلاً مرضياً إجباريا، عندما يقرر المرء ماذا يأكل أي كيف يجب أن يكون، فإنه يتخذ قرارات ذات صلة بالصحة في الحاضر والمستقبل.
إذن في عصر العولمة أو عصر ما بعد الحداثة، تعصف بنا وبمؤسساتنا العميقة الجذور التغيرات الاجتماعية من كل جانب. إننا نتعرض للتحديات والضغوط من كل حدب وصوب بدءاً بحياتنا الشخصية، ومروراً بعلاقاتنا الحميمة، وانتهاءً بمؤسساتنا العالمية.
إن الإذعان واحترام التقاليد يتلاشيان، وليس صدفة، إذن، القول إن الفرد صار في الواجهة في الحياة السياسية في كثير من بلدان العالم. لقد كان الفساد موجوداً في كل العصور إلا أنه لم يكن يُتعامل معه كما يُتعامل اليوم، ولعل ذلك يرجع إلى الشفافية الاجتماعية التي يعمل من خلالها الساسة اليوم. ما من سر اليوم يقدر على النجاة من الكشف والانقطاع. كما لم يعد الفساد مقبولاً وإنما هو عمل غير مشروع أو بالعكس مشروع. وكما نرى تنظر الحضارة الحديثة إلى المستقبل أكثر مما تنظر في الماضي، وتتطلع إلى استعمار المستقبل وكأنه منطقة جغرافية يجب أن تُحتل.
ونتيجة لذلك، تسيبت الأسرة وانصب النقد على قيمها بعد تدهور التقاليد الأسرية، لم تعد الأسرة حالة مكافئة أو مساوية لحالة طبيعية، وإنما كرة يعاد بناؤها..
اما جالتنج فيحذر من التغيرات المتسارعة الجارية وغير المنضبطة، فيقول: إن ذلك يشكل انحداراً سريعاً نحو التفكك الاجتماعي وتنمية اجتماعية سلبية، لأن الأمن الإنساني يعني إشباع حاجات الإنسان الإنسانية (تنمية اجتماعية ايجابية). إن الإعلام الفوري عرض للدراما مستمر لتلبية الطلب الشديد عليها مما يؤدي إلى مايسميه بالاغتراب (الروحي أو الأخلاقي) الذي يأتي نتيجة نقلة في التفاعل الاجتماعي من الالتزامات المتبادلة التي كانت تجمع بين الأثرة والإيثار، بين الأنانية والغيرة، إلى الأثرة أوالأنانية وحدها كمعيار في السلوك.. صار التوجه الإنساني المسيطر هو: ماذا أكسب من ذلك؟ وحتى على الأسرة وبين الأصدقاء حصل انتقال من المنفعة المتبادلة النفسية والاجتماعية والمادية، إلى «ماذا يمكن أن تعمل الأسرة أو الصديق لي؟» بل إن الطفل صار يرى في الأسرة مجرد منصة أو محطة للانطلاق في الحياة.
وعن جون جالتنج: إن الصف السياسي المسمى بالإرهاب كان في الماضي يقع نتيجة بنى وثقافات متشددة وعقيمة، ولكنه يقع اليوم لغياب البنية والثقافة. إن العنف أو الإرهاب المؤلم والمؤذي، يتفجر في جميع أنحاء العالم نتيجة الفوضى الاجتماعية، وإن هذا العنف أو الإرهاب يمكن أن يصنف في ثمانية أشكال هي:
ـ العنف أو الإرهاب ضد الطبيعة، أو ما يسميه بالجرائم الايكولوجية، كجرائم التلوث والأمطار الحمضية.
ـ العنف أو الإرهاب ضد الذات، كالإدمان على المخدرات والكحول والتدخين أو الانتحار.
ـ العنف أو الإرهاب ضد الأسرة، كالإساءة إلى الأطفال والعدوان الجسدي والكلامي عليهم.
ـ العنف أو الإرهاب ضد الأفراد كالسلب والنهب والاعتداء والاغتصاب والقتل.
ـ العنف أو الارهاب ضد المؤسسات، كالفساد المالي والإداري.
ـ العنف أو الارهاب الأهلي، كالعنف الطبقي والحروب الأهلية.
ـ العنف أو الارهاب الخارجي، كالحروب بين الدول والشعوب.
ـ العنف أو الارهاب ضد الكواكب أو العوالم الأخرى، كما يتجلى في كتب الخيال العلمي ومسلسلات التلفزيون وأفلام السينما التي تدور حول غزو الكواكب وحروبها.
متوقعاً ازدياد العنف أو الارهاب في المجتمعات جميعاً لأنه لم يعد يوجد مطلق واحد أو معايير عامة تعصم الناس من الفساد والانحراف والعنف. كما يتوقع ازدياد الاضطرابات العقلية في المجتمعات من جراء فقدان التعامل الإنساني الاجتماعي الموجه بالحقوق والالتزامات المتبادلة، ومن أشكال هذه الاضطرابات تعاطي المخدرات، والكحول، والانحراف الجنسي، والعنف الجسدي، والكلامي، والجهود القوية لتحديد الهوية ولكن من خلال تفاعلات أشد واكثف.
وخلاصة الكلام عن جالنتج إنه إذا استمر حال العالم على هذا المنوال فإن الموت في عالم العولمة بسبب العزلة الاجتماعية المضطردة سيكون موتين معاً: أحدهما موت اجتماعي في الشقة، والآخر موت حقيقي أو طبيعي(1).
كتب جيدنز في توصيفه لآلية التحول من الأسرة التقليدية إلى الأسرة الحديثة مستخدماً مفهوم العلاقة الخالصة، التي تربط الزوجين وعلاقة الوالدين بالأبناء بالاضافة إلى علاقة الصداقة، علاقة تنهض على علاقات عاطفية وهي ضمنياً علاقات ديمقراطية، إنها علاقة «أنداد» حيث يكون لكل طرف حقوق وواجبات متساوية.
وفي مثل هذه العلاقات يحترم كل طرف الآخر ويريد له الأفضل، إن العلاقة الخالصة تنهض على الاتصال بحيث يعد فهم وجهة نظر الشخص الآخر أمراً ضرورياً، فالحديث أو الحوار هو الأساس الذي يجعل هذه العلاقة وظيفية، فالعلاقات تعمل بأفضل ما يكون إذا لم يخف الناس الكثير عن بعضهم البعض، فلا بد أن يكون هناك ثقة متبادلة، وهذه الثقة يجب أن نعمل على بنائها ولا يمكن التسليم بوجودها. وينطبق هذا بذات القدر على العلاقة بين الأبناء والوالدين، فلا بد أن يكون للوالدين سلطة على الأبناء لأن ذلك في مصلحة الجميع، ومع ذلك فلا بد لهما أن يفترضا المساواة من حيث المبدأ. ففي الأسرة الديمقراطية لا بد أن تنهض سلطة الوالدين على عقد ضمني، فالوالدين يقولان في الواقع للأبناء لو أنكم أشخاص بالغين وتعرفون ما نعرف فإنكم سوف تتفقون معنا على أن ما نطلب إليكم فعله حسن. أما الأطفال في الأسرة التقليدية فقد كان وما يزال من المفترض أن نراهم دون أن نسمعهم وربما كان هناك العديد من أولياء الأمور الذين يودون بشدة في ضوء تمرد أبنائهم أن يعيدوا إحياء هذه القاعدة، على أنه ليس هناك عودة إلى الوراء ففي ظل ديمقراطية المشاعر يمكن للأبناء وينبغي لهم أن يكونوا قادرين على الرد... لا تنطوي ديمقراطية المشاعر على الافتقار إلى الضبط وانعدام الاحترام إلا أنها تضعهما في اطار مختلف(2).
تمشـّي الفردية الجديدة جنباً إلى جنب مع نمو الديمقراطية ظاهرة مصحوبة بتراجع العادات والتقاليد من حياتنا، ظاهرة متضمنة بتأثير العولمة. وعوضاً عن أن ننظر إلى عصرنا كعصر انهيار أخلاقي عليه يكون لكلامنا معنى أن ننظر إليه كعصر من التحول الأخلاقي.
إذا لم تكن الفردية هي نفسها الأنانية فهي تشكل تهديداً أقل للتماسك الاجتماعي، ولكن هي تتضمن فعلاً أنه يقع علينا أن نجد وسائل أو آليات جديدة لخلق ذلك التماسك.
إن التضامن أو الترابط الاجتماعي لا يمكن ضمانه من خلال التمسك بالتقاليد.. علينا أن نجعل حياتنا أكثر حيوية مما كان الأمر عليه حقاً بالنسبة إلى الأجيال السابقة، ونحتاج إلى أن نقبل بشكل أكثر فعالية مسؤوليتنا عن نتائج ما نقوم بعمله، وعادات أسلوب الحياة الذي تختاره. علينا أن نجد توازناً جديدا بين المسؤوليات الفردية والجماعية اليوم.
إن الفردية الجديدة تمشي جنباً إلى جنب مع الضغوط نحو قدر أعظم من التحول الديمقراطي. كل منا عليه أن يعيش بطريقة أكثر انفتاحاً وتفكيراً من تلك التي عاشت عليها الأجيال السابقة. هذا التغير لا يعني بكل تأكيد شيئاً نافعاً فقط، فهناك مخاوف ومشاعر قلق جديدة تأتي في الصدارة ولكن أيضاً الكثير والكثير من الاحتمالات الإيجابية الممكنة(3).
وكما قال توفلر إننا بحاجة إلى قيم يقبلها الجميع، وهذه القيم في عالم مجهول بالنسبة لنا.
ومع قراءته المجتمعية مستشرفا, منطلقاً من ثلاثية أسماها «سرعة الزوال» «الجدّة» «التنوع» آليات التغير الاجتماعي..
يرى مع( سرعة الزوال) ما يؤشر إلى علاقات الفرد مع عالم الأشياء فيراها علاقة مؤقتة تزداد في قصرها يوماً فيوما، مثلما ستكون علاقته مع غيره علاقة مقتضبة وجزئية..
ومع( الجدَة) يؤكد أن الفرد مستقبلاً سوف يكون غريباً في عالم من الغرباء..
ومع( التنوع) يبدأ منتقداً للذين يرون أن الإنسان يتجه في الأمم الصناعية ليصبح آلة، فهو يرى على العكس أن الصناعة الراقية سوف تقدم للفرد مجالاً للاختيار أكبر وأكبر حتى سيقع في ورطة تنوع مجالات الاختيار.
ثلاثية تدفع بالمجتمع إلى «أزمة تكيف» وهذه هي صدمة المستقبل, لا يتردد في القول إن تخميناتنا حول المستقبل ظنية، ليس سبباً لترك التخمين ضمنيا،ً فحينما تنمو ملكة التفكير لدينا في المستقبل نتعلم من أخطائنا ونصبح أقدر على جعل نظراتنا موضوعية ودقيقة .
إن من الخطأ الثورة ضد التغيير ، فالمستقبل سيأتينا بالتغيير سواء رضينا أم لم نرض.. والمهم أن نخطط لنجعل المستقبل يتطور بما يرضينا ويفيدنا(4).
 

الهوامش
ــــــــــــ
(*) باحثة في مركز عراقيات للدراسات.
(1) حسني عايش مصدر سبق ذكره :76-82.
(2) انطوني جيدنز عالم منفلت مصدر سبق ذكره :70-78.
(3) انطوني جيدنز الطريق الثالث، تجديد الديمقراطية الاجتماعية /نقله إلى العربية د. مالك عبيد أبو شهيرة ود. محمود محمد خلف، دار الرواد :66-71.
(4) توفلر /مصدر سبق ذكره: 45 و703 و77.