الحضارية «دراسات اجتماعية»

 الخميس: 22/05/2008

 

الشخصية العراقية بين تقديس التاريخ وتدنيس الجغرافيا(3/4)

ثامر عباس(*)
(خاص للمعهد)

ثالثاً- مناقب الاستشراق وعواقب الاستعراق:
في كتابه القيم (جدليات الطبيعة) حاول الفيلسوف الألماني (فردريك انجلس) من خلال طائفة واسعة من الأمثلة، شحذ الانتباه إلى ملاحظة ان تجليات قوانين الديالكتيك في مجال الحياة الاجتماعية، لاسيما على مستوى منظومة الوعي وسيستام الفكر، لهي أشدّ تجريداً وأصعب ادراكاً بما لا يقاس فيما لو قيست بمنظور أوالياتها في مجال الطبيعة الخالصة ومعطيات العلوم الصرفة. إذ ((ان الحركة في أكثر المعاني عمومية، المعتبرة صيغة للوجود، الصفة الملازمة للمادة، تشتمل على جميع التغييرات والعمليات الجارية في الكون من محض تغير في المكان وصولاً إلى التفكير. ان استقصاء طبيعة الحركة يجب أن يبدأ طبعاً، من أدنى وأبسط أشكال هذه الحركة، وان يتعلم كيف يحاط بها، قبل التمكن من إنجاز أي شيء على طريق تفسير الأشكال الأعلى والأشد تعقيداً))(45).
وفي إطار هذه الرؤية يغدو مفهوماً القول بأن لكل ظاهرة طبيعية أو ممارسة اجتماعية وجهان متعارضان بالفعل ومتلازمان بالوجود بحيث يستحيل تجسّد أنماط الأولى وتبلور أشكال الثانية اعتماداً على تمظهرات وجه واحد من تلك الظاهرة أو الممارسة دون حضور معطيات الوجه الآخر لها في اللحظة والتو. وإذا ما اعتمدنا المقاييس ذاتها لمعاينة حقول الاستشراق ومقاربة إسهاماته في ميادين النظرية السياسية والبحوث السوسيولوجية والحفريات الانثروبولوجية، فإننا سنكتشف انه بقدر ما تواطأت توجهات هذا المبحث الأكاديمي المؤدلج مع تطلعات الهوس السياسي والنزوع العنصري لأغلب حكومات العالم الغربي حيال بلدان العالم الثالث، منذ مطلع القرن التاسع عشر(46) لضمان مصالحها الاستراتيجية وتأمين مجالها الجيوبولتيكي، بقدر ما أماط اللثام ليس فقط عن تراث الحضارات القديمة التي كاد الإهمال وقلة الوعي وانعدام الخبرة أن تجعل يد النسيان تطويه وعوامل الاندثار تداهمه فحسب، بل وأعاد الاعتبار لذخيرة جمة من النصوص والآثار المطمورة التي تحتوي إنجازات الشعوب الغابرة والأمم المندرسة التي طالما اعتبرت (بدائية) و(متوحشة)(47).
وهو الأمر الذي منح تلك الشعوب والأمم فرصة التعرف على ذاتها المستلبة وعزز إمكانيات ثقتها بنفسها، لاستعادة حلقات تاريخها المنسي بعدما كانت تغط في سبات أساطيرها وتتمرغ في أوحال خرافاتها. وهذا ما دفع المفكر والباحث العربي (أدوار سعيد) الى تضمين سؤاله المتعلق بعدم استفادة العرب ـ والعراقيين من أكثر الشعوب العربية افتتاناً بالأفكار القوموية ـ من مآثر الاستشراق، صيغة الحيرة والاستغراب حين كتب يقول ((ان الأمر في نظري ليقع على مشارف اللغز أو السّر؛ لماذا ساعد الاستشراق في باكستان، والهند، وأفريقيا، واليابان، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا، والولايات المتحدة، على اطلاق العديد من نُهج الانشاء الجديدة، وأساليب التحليل الجديدة، واعادات تأويل للتاريخ والثقافة، فيما ظل تأثيره في العالم العربي محدوداً؟))(48).
لا بل ان الفيلسوف الفرنسي المعروف (روجيه غارودي) ذهب شوطاً بعيداً في هذا المجال معتبراً ((ان ما اصطلح الباحثون على تسميته باسم (الغرب) إنما ولد في (مابين النهرين)، وفي (مصر)، أي في آسيا وأفريقيا))، داعماً الفكرة التي تقول انه ((إذا رفضنا اعتبار (الغرب) ماهية جغرافية، ونظرنا إليه باعتباره حالة فكرية متجهة نحو السيطرة على الطبيعة والناس، وجدنا ان مثل هذه النظرة إلى العالم ترقى إلى الحضارة الأولى المعروفة، تلك التي ظهرت في دلتا (دجلة) و (الفرات) في بلاد (الجزيرة) وهي (عراق) اليوم. ان مولد حضارتنا المتميزة بإرادة السيطرة والنفوذ، تجد تعبيرها الأدبي في ملحمة (كلكامش)، وقد سبقت (الإلياذة) بألف وخمسمائة عام))(49).
والجدير بالملاحظة إننا لا ننوي هنا تقديم جردة تاريخية مفصلة بإنجازات (الاستشراق) وتقييم الإسهامات التي تمخضت عنه، كما لا نزعم مقاضاة رموزه من منطلق إيديولوجي معارض كما عمدت غالبية الدراسات التي تناولت مختلف النشاطات التي وطأتها جهوده والتعرض لآثارها سلباً كان أم إيجاباً. بل ان جلّ ما نتوخاه في إطار هذه الفقرة المبتسرة هو إبراز ما اشتمل عليه من مزايا وتوفر عليه من مناقب، لا يمكن من الناحية الحيادية المجردة من الهوى الشخصي، تقليل شأنها وإهمال مردودها خصوصاً لجهة موضوعنا مقارنة بما أنتجه من منظور نقدي خطاب (الاستعراق) على صعيد إعادة قراءة التاريخ ومسح الجغرافيا وتحليل الاجتماع ومراجعة الثقافة، دون مسبقات سياسية أو فكرية أو دينية أو قومية أو مذهبية، لكي يصار إلى استخلاص الحقائق وفرزها عن الأوهام واستنطاق الوقائع بدلاً من التعويل على الذاكرة. ذلك لأننا ((نعتقد بداهة ـ كما يشير المفكر عبد الله العروي ـ ان أخبار الماضي تفرغ إما في شكل خرافة وإما في شكل قول مثبت بوثيقة. الواقع ان قسماً ضئيلاً جداً من معلوماتنا حول الماضي خاضع إلى التوثيق، أما القسم الأكبر فهو دائماً وباستمرار مفرغ في تصور عام وعاميّ يمثل جانباً من ثقافتنا الوطنية))(50).
وإذا ما كان خطاب (الاستشراق) قد مهّد السبيل أمام الحملات العسكرية الغربية لاجتياح البلدان الراكدة حضارياً، وقدم المعلومات الانثروبولوجية وعرض التوصيفات الاثنوغرافية التي ساعدت بصورة مجدية الإدارات الاستعمارية لاحقاً، ليس فقط على إخضاع تلك الشعوب وترويض إرادتها بأقل ما يمكن من الخسائر الاقتصادية والتكاليف السياسية فحسب، بل وأتاح لها إمكانية التعامل بنجاح مع مختلف الأجناس والأقوام والأعراق بما يضعف ممانعتها ويكسب ثقتها في المراحل التالية لإجراءات حكمها والسيطرة عليها. إلاّ انه بالمقابل سمح ـ دون قصد مسبق أو إرادة غائية ـ لتلك الشعوب بالخروج من سجون عزلتها واسترجاع موروث ذاكرتها ولملمة شعث شخصيتها، والتمهيد من ثم لبناء صرح هويتها، بعد أن شرعت مفاعيل الصدمات الحضارية المتتالية مع الغرب تدفع باتجاه تشكيل مكوناتها وبلورة عناصرها وإنضاج وعيها، على خلفية ما تمخض عن نقد الأسس المعرفية ومراجعة البنى الرمزية ومساءلة النصوص الدينية والحفر في الطبقات التاريخية والتنقيب في التضاريس السكولوجية. بحيث شكلت هذه الفترة علامة فارقة ومرحلة مفصلية تخطت بموجبها المجتمعات المخترقة طفولتها الحضارية(51)؛ منتقلة بذلك من فوضى الأساطير الى عقلنة التاريخ، ومن حيز الطبيعة الى رحاب الثقافة.
وهو الأمر الذي سوغ للأنثروبولوجي الفرنسي (جيرار لكرك) أن يستعيد ما قاله أحد العاملين في هذا الحقل: ((لقد قمنا بدراسة شعوب الأراضي المنخفضة بشكل لم يقم به أي منتصر، وبشكل لم تدرس أو تفهم فيه قبيلة خاضعة للسيطرة فنحن نعرف تاريخهم وعاداتهم وحاجاتهم ونقاط ضعفهم بل وأحكامهم المسبقة؛ وهذه المعرفة الخاصة قد أتاحت لنا توفير قاعدة للإرشادات السياسية التي يمكن ترجمتها بالحذر الإداري والإصلاح اللازم في حينه، وهذا ما يرضي الرأي العام))(52).
وهكذا يكون (الاستشراق) قد أسهم، بشكل أو بآخر، بإثارة الاهتمام لدى الشعوب المتأخرة وحملها على تنكب مشاق البحث عن مكامن الرواسب الثقافية والتنقيب عن طبقات الطمى التاريخية، التي جعلتها تعاني جراء إهمال الحديث عنها أو تحاشي الخوض في غمارها؛ لأسباب تتعلق إما بالجهل وقصور الوعي وإما لمحاذير تتصل بالارتياع من المحرم والارتداع من المقدس(53). ومثلما تعاطينا مع مفاعيل (الاستشراق) وما ينطوي عليه من جوانب سلبية يؤآخذ عليها وأخرى ايجابية تحتسب له كأي ظاهرة إنسانية، فإننا وبذات الموقف وبنفس النظرة نتعامل مع معطيات (الاستعراق) وما يحتمل أن تتمخض عنه من نتائج وتترتب عليه من توقعات على صعيد الوضع السياسي والواقع الاجتماعي في العراق الآن وفي المستقبل، مع فارق وحيد هو إبراز الحصيلة الايجابية بالنسبة للاستشراق مع تجنب الخوض في تبعاته السلبية، في حين نعتزم التأكيد على الأوجه السلبية للاستعراق دون إغفال مضاعفاته الايجابية.
ولأسباب تتعلق بطبيعة الموضوع المطروح، فقد آثرنا تأجيل الحديث عن المناقب التي يحتويها هذا الأخير إلى حين الفراغ من تبيان المثالب التي ينطوي عليها، جراء المنطلق الأيديولوجي الذي يتبناه والأرضية المنهجية التي يرتكز عليها والموقف السياسي الذي يشرع منه ولهذا فان مشروع (الاستعراق) الذي يروج لطروحاته ثلة من المثقفين العراقيين(54)، ما برح يعاني الإخفاق ويحصد النكوص في محاولاته الرامية إلى تأصيل فكر عراقي وتفعيل توجّه وطني يكونا بمثابة ركيزة شروع وبوصلة اتجاه، تعصم كل من يروم التصدي لدراسة جيشان الواقع العراقي ويسعى لطرح مشاكله على بساط البحث من مهاوي الشطط ومزالق الانحراف، لا بسبب تفريطه بضوابط المنهجية التاريخية التي تقود خطاه وتضبط مساره نحو تعليل الأحداث وتفسير الواقائع من جهة، وتغييبه لاصول النظرة الواقعية في معاينة المجتمع وتشخيص علله من جهة أخرى فحسب، وإنما بالإضافة إليه لإفراطه باللجوء إلى مجموعة من التصورات أو المنطلقات التي تشكل ـ كما نعتقد ـ عائقاً جدياً يستحيل معها تجاوز ذلك الإخفاق وتخطي ذلك النكوص، وبالتالي إنماء الوعي بالذات التاريخية وتكوين الشخصية الاجتماعية وخلق الهوية الوطنية. ومن بين تلك التصورات والمنطلقات اخترنا أشدها وضوحاً وأعمقها تأثيراً وأفدحها إضراراً؛ وهي كما يلي:
1- الهيام بالحمية الرومانسية؛ لا يكاد أي مطلع على نتاجات أصحاب هذا التيار وتفحص مساهماتهم إلاّ ويواجه بفيض كاسح من مفردات المديح وجمل الإطراء لكل ما يمت بصلة لجوانب المجتمع العراقي في ماضيه وحاضره، لاسيما منها الاجتماعية والثقافية والنفسية، سواء أكانت مصادر هذا المديح وذاك الإطراء قائمة على أسس حقيقية أم مفتعلة. فالأمر هنا لا يدخل في باب فحص الأصول وتدقيق المصادر ومساءلة الجذور للوقوف على صحة الأولى وصدق الثانية وواقعية الثالثة. إذ يكفي أن تكون المسألة متعلقة بأهل العراق وما يردفهم من تاريخ عريق وحضارة زاهرة ـ حقاً أو باطلاً ـ حتى تتحول المآسي التي يتمرغون في جحيمها والفواجع التي يكتون بلضاها إلى ولع بالصراع ((يعكس مستوى الهموم الرفيعة التي ميزت وجودهم التاريخي. وهي هموم تجعل من الانتصارات والهزائم والبطولات والخيانة والأفراح والمآسي مرجعيات كبرى للتاريخ والثقافة))(55).
والحقيقة ان هناك بعض من الكتاب العراقيين الذين هالهم ما شاهدوا من مظاهر التوحش وراعهم ما لمسوه من شواهد الهمجية في تصرف الغالبية من أفراد الشعب العراقي حيال غزوات النهب وحفلات التخريب لمؤسسات الدولة وأجهزتها عشية سقوط النظام السياسي السابق، بحيث ان العديد من فتوى رجال الدين من كافة الطوائف الدينية فضلاً عن مناشدات رموز السياسة من كل الاتجاهات الحزبية، بصدد تحريم وتجريم مثل تلك الأعمال والأفعال ذهبت أدراج الرياح. وهو الأمر الذي ساقهم لإيجاد مسوغات معقولة ومنافذ مقبولة ان لم تكن تبيح فهي تبرر مثل تلك التصرفات اللاانسانية واللااخلاقية واللاحضارية، سواء عن طريق إلقاء اللوم على سياسات النظام المذكور وما تمخض عن ممارساته في القمع السياسي والتهميش الاجتماعي والحرمان الاقتصادي من جهة، أو بالبحث عن تبعات ذلك في خلفيات المواريث التاريخية الرابضة والنزعات السيكولوجية المتحفزة، التي دفعت بتلك الحشود المجيشة لارتكاب مثل هذه الأعمال المشينة والمخجلة لا بحق حرمة الوطن وسمعة الشعب فحسب، وإنما بحق أنفسهم كمواطنين أيضاً من جهة أخرى.
وهكذا بعد أن حاول الباحث العراقي (ميثم الجنابي)، مدفوعاً بحمية الوطنية الرومانسية، تخفيف شدة الصدمة وتهوين هول المصيبة، لم يكتفي بإيجاد صلة وصل بين ركام الخراب وحمامات الدم التي خلفها الهوس العصبوي (القبلي والطائفي والشوفيني)، وبين (ولع العراقيين بالصراعات) التي باتت تطاردهم كلعنة لا فكاك لهم من مغطسها الدموي فحسب، بل انه، وبحركة لا تستقيم وباعه الطويل في البحث والاستقصاء، بادر بإلحاق مجمل تفاصيل التاريخ الاجتماعي المديد للعراق كله بمرحلة واحدة لا تكاد تساوي في زمنه الموغل في القدم برهة طارئة، إلاّ وهي مرحلة النظام السابق، كما وانه أسقط معظم أحداث ذلك التاريخ المتزاحمة وملابسات وقائعه المتلاطمة على مواقف وتصرفات ذات النظام، في الوقت الذي لا تحتل في مجمل اللوحة البانورامية إلاّ مرتبة متناهية التأثير قياساً إلى ما يحفل به الماضي وما تختزنه الذاكرة.
وعلى ذلك نراه في كتابه (العراق ورهان المستقبل) يؤكد ولأكثر من مرة على ان ((التجزئة والانفصال والانفصام والتعصب الضيق والخصام والاختلاف والاحتراب والتنافر وعدم الثقة المتبادلة وغيرها من المظاهر السلبية هي النتاج الطبيعي للتوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، التي حاولت أن تجعل من نفسها بؤرة الوحدة الصلبة للعراق، بينما لم تؤد في الواقع إلاّ إلى تدمير حقيقة الوحدة بوصفها كينونة مرنة للقوى الحية والفاعلة في تشكيلها وإعادة هيكلتها وتطويرها الدائم))(56).
غير أن الكاتب ذاته، وتحت وطأة الشواهد التاريخية الناطقة والوقائع الاجتماعية الصارخة، لا يلبث ان يستعيد الحسّ بالتاريخ الفعلي/ المعاش وليس بنظيره الافتراضي/ المتخيل، عندما يقرر في مكان آخر بان ((هذا الانقسام والتجزئة الطائفية في العراق ظاهرة لها جذورها ومقدماتها التاريخية والسياسية والثقافية. وهي تجزئة كانت ولا تزال تتعارض مع حقيقة الهوية الثقافية. وهي حقيقة قائمة في كونه عراقاً وليس تجمّع طوائف. وهي هوية تبلورت في مجرى صيرورته التاريخية وكينونته الثقافية. إلاّ إنها تعرضت تاريخياً للانحلال النسبي بعد سقوط بغداد في منتصف القرن الثالث عشر حتى ظهوره الجزئي الجديد في بداية القرن العشرين، أي بعد سبعة قرون من الغيبوبة والخمول. وفي هذه المقدمة التاريخية يكمن دون شك أحد الأسباب الجوهرية لملامح الطائفية في العراق))(57).
ومن المرجح انه يريد، من خلال هذه الصحوة النسبية والمترددة، أن يحملنا على الاعتقاد بأن (الهوية الثقافية) للمجتمع العراقي كانت (حقيقة قائمة) كما يقول قبل حصول الاجتياح المغولي عام 656/ 1258، وإنها فضلاً عن ذلك كانت بمثابة المعبر عن حقيقة وجود كيان سياسي/ اجتماعي ناجز ونسق حضاري/ فكري مكتمل، كان المجتمع العباسي يمثل ذروته. وهو ما نعتبره محاولة غير موفقة من جانب الكاتب تستهدف اختزال جدل التاريخ وتبسيط لحراك المجتمع. وعلى خلاف ذلك فقد نبّه العالم الاجتماعي الراحل الدكتور (علي الوردي) في مقدمة كتابه القيم (لمحات اجتماعية) الى انه ((يجب أن لا ننسى ان الصراع الطائفي كان موجوداً منذ صدر الاسلام، وطالما شهدت بغداد في العهد العباسي معارك بين المحلات السنية والشيعية يسقط فيها الكثير من القتلى، وتحرق البيوت والأسواق، وتنتهك حرمة المراقد المقدسة))(58).
من جانبه فقد لفت المؤرخ العراقي (عباس العزاوي) الانتباه الى حقيقة ان استقلال العراق في زمن العباسيين كان استقلالاً شكلياً ان لم يكن معدوماً. ففي ((الحقيقة كان فقدانه لاستقلاله وحكمه من أمد بعيد فالاسم كان للعباسيين والواقع ان العباسيين كانت حكومتهم فارسية في أوائل أمرها وتركية في أواخرها. ولم يكن حكم العباسيين عربياً . فالحربية بيد أهلها والوزارة منقادة للسيف وكفى))(59).
والحال انه لكي نتيح للأنسان العراقي أن يتفاعل مع ضرورة الانظواء مع أقرانه في البحث عن صيغة واقعية عقلانية تكون لهم بمثابة المدخل/ المقدمة الى وضع اللبنات الأولى لأساس الشخصية الاجتماعية (العراقية) التي تجمعهم تحت خيمتها كمرجعية وطنية عليا، وتحفزهم، من ثم، للوعي بذاتهم والاستجابة لدواعي بناء الهوية السياسية/ الحضارية المشتركة، لا يكفي أن نشنف أسماعه بالرومانسيات التاريخية والطوباويات الحضارية، عبر مواصلة الحديث عن كونه صاحب أقدم تاريخ وباني أول حضارة ومشرّع أكمل قانون ومخترع أول حرف ومبتكر أول دين وما إلى ذلك من أصناف المهدئات الإيديولوجية، التي لا تشحذ وعيه وتنمي تفكيره بقدر ما تؤسس لأساطيره وتقوعد لخرافاته. بل ينبغي أن نتنكب لأجله منهجية التفكيك لكل مسلّماته الاجتماعية والنقد لكل مسبقاته الثقافية والتعرية لكل تهويماته النفسية والمساءلة لكل قناعاته المذهبية، ونمارس معه أسلوب تشخيص الانحارافات في التاريخ والانزياحات في الجغرافيا والانقطاعات في الحضارة والصراعات في الاجتماع، مدللين في الوقت ذاته على ان ذلك كان له النصيب الأوفر والإسهام المؤثر، لا في تجريف وعيه وتحريف شخصيته وتطييف علاقاته فحسب، بل وزيادة بؤسه وتعظيم شقاءه واستفحال معاناته. من هنا فقد جاءت إشارة المؤرخ العراقي (سيار كوكب الجميل) في محلها حينما كتب يقول ((ان مشكلة العراق ليست سياسية فقط، بل ان مشكلته السياسية الصعبة قد فجرتها مشكلات اجتماعية وسيكولوجية أضخم وأقسى وأدهى وأمرّ.. ان في العراق شظايا مجتمع صعب جداً لا يمكن البتة أن يتلاءم ويتوازن ويتناغم وينسجم بسهولة كما يتوهم البعض من قصار الرؤية ومن دعاة الديمقراطية المستوردة التي يعتبرونها علاجاً واقياً سيسرّع بحل كل المشكلات))(60).
فالواجب الإنساني والأخلاقي ـ ناهيك عن الوطني ـ يستوجب أن نصارحه بكل الحقائق التي قد لا يعرف عنها شيئاً أو قد يمتلك عنها معلومات سطحية مفبركة قائلين له؛ ان الشعوب لا تتقدم باخفاءها عيوب ماضيها وطمطمة مثالب تاريخها وطمس قباحات مكوناتها، وإنما بإظهار تلك العيوب لتجنب الإتيان بمثلها، والكشف عن تلك المثالب لمحاذرة تكرارها، والإعلان عن تلك القاباحات لتلافي الوقوع في رذائلها. لماذا نحاول طمس الوقائع التاريخية وغمط الحقائق الاجتماعية، لمجرد أن نجعل من (المواطن) العراقي كياناً صلصالياً يتماهى مع هذا الماضي (الزاهر) وتلك الحضارة (البهية)؟.
لماذا لا نمتلك الجرأة ونصدقه القول في ان سبب تعاسته واستمرار معاناته كامن في معظمه تحت غطاء هذا الإرث الذهني والنفسي والثقافي الذي يقبع في لا وعيه، وانه لكي يتخلص من هذا العبء لابد أن يمر بمرحلة تطهرية يسميها التحليل النفسي (بالتداعي الحرّ) لتفريغ مكبوته وحلّ عقده وتنقية وجدانه وتبديد مخاوفه؟. هذا وقد لامس (سليم مطر) مسألة الهوية بصورة أكثر واقعية وأقرب للتاريخية من أغلب أقرانه ممن تصدى لدراسة الهوية العراقية من العرب والعراقيين. ذلك لأن اعتماده على المنهجية التاريخية من جانب، وتقديره للطبيعة النوعية التي يتميز بها تاريخ العراق دوناً عن بقية أقطار الوطن العربي خاصة والعالم الثالث عامة، جعله يتعامل مع موضوعه بشكل أتاح له الامساك بأكثر مفاتيحه أهمية، لاسيما تأكيده على أن ((مشكلة الهوية التاريخية العراقية تكمن في فقدان الديمومة التوحيدية لهذه الهوية. ان التاريخ العراقي مقطع ومجزأ ومشتت الى عدة فترات وأجزاء لا يربط بينها رابط. لقد تعود العراقي أن لا يشعر بأي انتماء وطني تاريخي لأية حقبة من ماضيه))(61).
الا انه لم يلبث أن تخلى عن وعورة المنهج التاريخي وترجل عن امتطاء صهوة التوغل في (المسكوت عنه واللامفكر فيه) ـ كما يصطلح على تسميته المفكر العربي (محمد اركون) في أغلب بحوثه ودراساته(62) ـ محاولاً، كلما واجهته عقدة حساسه واعترضته مسألة عويصه، الانعطاف نحو التصورات الذاتية التي اكتسبت صلابة في بنية الوعي الفردي بفعل التصنيم القبلي والأقنمة المذهبية، ويجنح صوب الأفكار التقليدية التي اكتسبت ثباتاً في منظومة المخيال الجمعي بفعل تقادم الماضي وأسطرة التراث، لا لكي يخضعها لمبضع التشريح النقدي والتفكيك المعرفي لازالة ما تراكم حولها من غشاوات تاريخية، واستئصال ما علق فيها من تلفيقات ايديولوجية، ومعالجة ما نجم عنها من تهويمات نفسية، وانما اذعاناً منه لدوافع الحمية الرومانسية بدلاً من وازع الضرورة التاريخية، واعتقاداً لديه بوجود فكرة مسبقة عن ماهية (الهوية الوطنية) مطبوعة في مرآة الوعي الاجتماعي للعراقيين جميعاً، جرى مسخ معالمها واضعاف كيانها بتراكم الأخطاء السياسية وتوالي الأنظمة القمعية وقصور النخب الثقافية، لاسيما عقب إنشاء الدولة العراقية العتيدة في بداية العشرينات من القرن المنصرم، محاولاً، ما أمكنه ذلك، تجنب الخوض في الخلفيات التاريخية الأبعد، والتعرض للترسبات الانثروبولوجية الأعمق، والمناقشة للتناحرات السوسسيولوجية الأخطر. تاركاً لوعيه حرية التصرف بالمعطيات التي يتعامل معها من خلال التسلل عبر ثغرة المنهجية الميتافيزيقية كلما خانته شجاعة المواجهة واعوزته جرأة الطرح لتفسير العلل الاجتماعية وتشخيص الأمراض النفسية التي يغلب عليها الطابع التاريخي بامتياز، لاسيما قضية اندثار(الهوية الوطنية) وغياب الوعي بالذات القومي. فهي ـ من وجهة نظره:
ـ اما بسبب (عقدة التفريس) التي تلبست بالوجدان العراقي المعثمن، حيث ((ظلت الدولة منذ الاستقلال وحتى الآن وارثة للعقلية العثمانية المتغربة والانعزالية ومحكومة عموماً من قبل الفئات القادمة من مناطق التضاريس، والتي فرضت مخاوفها وتقوقعها، وجعلت الدولة العراقية دولة متوترة خائفة تعوض عن عزلتها السكانية المناطقية بالقوة العسكرية المخابراتية وتسعير الحروب الداخلية والخارجية))(63).
ـ واما نتيجة (لسوء الحظ) الذي رافق حياة الغالبية العظمى من العرب (الشيعة)، معتبراً ((ان التاريخ وسوء الحظ، أوقعا شيعة العراق وسط نارين: نار الحكومات التي اعتبرتهم دائماً على ايران الأعاجم، ثم نار النخبة الدينية المتفرسة عرقياً وسياسياً والتي لم ترتبط بالواقع العراقي وظلت حتى الآن تعاني ازدواجيتها الوطنية))(64).
ـ واما ثالثة تحت وطأة (البيئة التضاريسية) وما تمخض عنها من تطرف في المواقف وتعصب في الميول، مؤكداً انه ((لا العقيدة ولا البداوة هي التي خلقت هذه الميول المتشددة بل هي البيئة التضاريسية والظروف التاريخية القاسية والمخاوف الدائمة من ضغوط الفئات العراقية غير العربية المنافسة والمدعومة من الجارين الطامعين تركيا وايران. ثم ان نخب الموصل وتكريت ليست أسوأ من باقي النخب العراقية في كل أنحاء العراق من ناحية ضعف الرؤية الوطنية الشمولية وانعدام الايمان الحقيقي بهوية موحدة لكل فئات الأمة العراقية. ان هشاشة الموقف الوطني لجميع النخب العراقية سمح لنخب تكريت والموصل أن تعمم مخاوفها الخاصة وروح التقوقع التضاريسي على كل الوضع العراقي وتفرضه بالقوة على الدولة العراقية الوريثة لانعزالية الولاة العثمانيين))(65).
وقد كان من تبعات هذا التصور الملتبس والتفكير المرتبك، أن اغفل الباحث ما آلت اليه النتائج التي توصل اليها من تناقض وما بلغته الاستنتاجات الي أفضى بها من تشوش. فهو من ناحية يتبنى اطروحة الباحث (حنا بطاطو) حول وجود مشكلة سياسية خطيرة اسمها (الدولة الطائفية)، في حين نجده من ناحية أخرى ينفي أن تكون هناك مشكلة من هذا النوع، مدعياً ان المشكلة (لا تنبع من التكوين المذهبي بل من التكوين المكاني). وهكذا فكلما يحاول أن يقربنا من تفاصيل الخارطة الاجتماعية والسوسيولوجية والانثروبولوجية للمجتمع العراقي، كلما يبعدنا عن رؤية تضاريسها وتفحص مكوناتها ومشاهدة انزياحاتها، بحيث ان مقارباته لمسألة (الهوية العراقية) كانت تتراوح ما بين مدّ الواقعية في التحليل والتاريخية في المنهج من جهة، وبين جزر الرومانسية في الطرح والايديولوجية في المعالجة، وهو الأمر الذي فوت علينا الكثير مما كنا ننتظر حصوله ونتمنى بيانه، ولكن شتّان بين من يتخلى عن دهشة الواقع ويتمسك بغيبوبة التمني.
2- الاحتكام بالخطابة الإيديولوجية: مما لا شك فيه ان غالبية أعضاء مشروع (الاستعراق)، وان اختلفت مداخلهم المنهجية وتنوعت استنتاجاتهم النظرية وتباينت طروحاتهم الفكرية، الا انهم يتشاطرون فيما بينهم افتراض/ فكرة ان هناك ما يمكن تسميته (بالهوية العراقية) سابقاً أو حالياً مكتملة الأركان وراسخة البنيان. تمتلك، شأنها في ذلك شأن نظيراتها من الهويات المجتمعية الأخرى، ذات الخصائص المعيارية وتحظى بنفس المواصفات القياسية التي تمحضها هذه الصفة وتسبغ عليها ذاك الاعتبار بحيث يمكن الاستدلال عليها والاحتكام اليها متى ما اندلعت الأزمات السياسية وتفاقمت الأوضاع الاجتماعية واكفهرت الأجواء النفسية، للحد الذي تنذر بانفراط عقد الجماعة الوطنية وتهدد الروابط التي بين مكوناتها بالانسلاخ. كما انها موجودة وجوباً بصيغة موضوعية ومستقلة عن ارادة الأفراد والجماعات الذين تعكس نمط شخصيتهم الاجتماعية، بقطع النظر عن كونها معطاة للوعي الفردي بفعل الممارسة الهادفة/ المقصودة أو مستدخلة الى المخيال الجماعي عن طريق الاعتقاد التقليدي/ المستتبع. وهو الأمر الذي ساقهم لتحاشي أي قول أو فعل من شأنه أن يلحق الضرر بصورة الهوية التي في ذهنية الفرد العراقي، سواء بتصديع الاطار المثالي الذي موضعها فيه أو بتخديش الملامح النموذجية التي يستبطنها عنها، بدلاً من الشروع بنقد وتحليل مصادر تلك التصورات الذهنية الملتبسة، واماطة اللثام عن المرجعيات الرمزية التي تعزز لديه مثل هذا الضرب من التصورات والاعتقادات، لبيان فيما اذا كان حقاً وفعلاً ان الصورة التي يحملها عن الهوية الوطنية مطابقة للأصل الواقعي/ الفعلي كما يردد الجميع وبشكل تلقائي؟
ـ واذا كان الجواب بالايجاب فما هي الأسس التي اعتمدت لاثبات صحة هذا الافتراض من عدمه؟.
أم هي مجرد نوع من أنواع (الهويات) التحتية/ الفرعية التي يزخر بها واقع المجتمع العراقي على وفق مكوناته؛ القومية/ الاثنية، والدينية/ الطائفية، والثقافية/ اللغوية، والقلبية/ العشائرية، والجهوية/ المكانية؟!.
ولما كانت مقولة (الهوية) تختلف من حيث المنطلقات والصياغات فضلاً عن المعالجات والتوقعات، عن موضوعة (الجنسية) بواقع ان النقاش حول الأولى يتسم في الغالب بالطابع النظري/ المجرد، في حين ينصبّ الحوار حول الثانية على الجوانب العملية/ الملموسة على وجه العموم، فقد ساعد ذلك على تفشي ظاهرة الاحتكام للخطابة الإيديولوجية بين مثقفي هذا التيار لطرح مثل هذه المسألة الحيوية والتنظير لها، لا بمضاهاتها مع الحقائق الاجتماعية والدلائل التاريخية والوقائع الانثروبولوجية لاستخلاص ما قد يسهم في شحذ عناصرالوعي وتنمية ملكات التفكير، وانما بالاعتماد على حصيلة ما في جعبة الكاتب من ثقافة خاصة وذخيرة ما تيسر له من معرفة ذاتية، واذا كان هناك من يلتجئ للتاريخ للاتكاء على معطياته المجيشة، وينعطف نحو المجتمع للاستئناس بوقائعه المستنفرة، فما ذلك الا لأغراض دعم وجهات نظره الشخصية واستحسان توظيفها ايديولوجياً . أي بمعنى ان اختيار وقع الحدث وانتقاء الظاهرة في السيكولوجيا الاجتماعية قمينان بجعل الأسطورة تقود التاريخ وتحل محله وليس العكس، كما وتحمل الواقع بكل تفاعلاته وتقلباته على التكيف مع سيستام الفكر وتنظيراته وليس العكس.
ولهذا فقد أصاب المفكر العربي (برهان غليون) كبد الحقيقة حين كتب يقول ((ان خطاب التراث ليس التراث، وانما هو ايديولوجية يعتقد أصحابها انها تقربهم من الشعب، وهو أيضاً ليس الشعب. كل خطاب هو خطاب مثقفين))(66).
ونحن اذ نثير هنا مسألة الاشكالية المنهجية في تفكير الغالبية العظمى من رواد مشروع الاستعراق الذين هالهم ما تعرضت له (الهوية العراقية) وراعهم ما لحق بها من انحطاط في المنزلة وامتهان في القيمة وتشويه في الوظيفة، جراء مظاهر الانفلات الأمني والفساد السياسي والتفكك الاجتماعي والاحتراب الطائفي والاحتقان الاثني. فلاننا نروم من خلال ذلك طرح قضية تتمتع بحساسية فائقة ومتوقع لها أن تواجه بالكثير من الاعتراض والممانعة، لاسيما من دعاة الخطاب الايديولوجي بكل تلاوينه السلفية/ الاصولية أو العلمانية/ التحديثة، الذين طالما عزفوا على أوتارها طيلة عقود مديدة من الزمن، للحد الذي حولها الى ما يشبه الأسطورة، مانحاً اياها تفويض مفتوح للتحول من أنسية الوعي الاجتماعي الى قدسية الاعتقاد الديني، دون أن يتاح لأحد من المثقفين والمفكرين الآخرين الفرصة أو الجرأة على الاقتراب منها أو الحديث عنها(67)، باستثناء القلة القلية التي تمكنت ـ بعد أن سلكت سبل الهجرة الخارجية واختارت بلدان المنافي أوطان لها ـ من الولوج الى الأرشيف التاريخي للمجتمع العراقي، لفتح أضابير المسكوت عنه والممنوع التفكير فيه من ركام الماضي المنسي وخزين الذاكرة المهمل.
وهو ما أدى الى ظهور موجة من النتاجات الفكرية الرصينة والمساهمات الثقافية الجادة، أحدثت كل في مجال اختصاصها، صدمات عقلية ونفسية لم تبرح دائرة تأثيرها تتسع ومجال نفوذها ينتشر. والسؤال الراهن الآن الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا دون وجل أو انفعال هو؛ هل شعر الفرد العراقي يوماً، وهو يمارس حياته على الصعيدين الشخصي والاجتماعي، بوجود وازع قيمي/ رمزي يحثه على اتيان هذا الضرب من السلوك مع أقرانه والامتناع عن ذاك، أو يلزمه بالتعامل مع الآخرين بهذه الطريقة المعينة دون تلك؟. بمعنى آخر هل لمس الحاجة، في لحظة ما، الى ضرورة أن يعرف ذاته ويعي أناه بدلالة وجود الغير وحضور الآخر؟.
بعبارة أوضح؛ هل كان في دخيلة نفسه ينطلق من اعتبار كونه فاعل اجتماعي يمتلك (هوية عراقية) حقيقية تملئ كيانه وتثري علاقاته، أم هي بالنسبة له مجرد لفظة ملغزة أو كلمة سرّ تبيح له الدخول الى حاضرة المجتمع العراقي لاجتياف قيمه واستبطان أعرافه والاندغام في ذاكرته والانخراط في تاريخه؟!.
الواقع انه اذا ما تبنينا، دون قيد أو شرط، دعاوى الخطابات الايديولوجية، وأيقنا، دون فحص أو تدقيق، بمزاعم التهويمات الأسطورية، فاننا سنقرّ ونعترف على الفور بوجود (هوية عراقية) متجوهرة منذ فجر التاريخ مقاومة لعوامل الزمان وعابرة لشروط المكان، حالها في ذلك حال (المثل الافلاطونية) المفترض وجودها منذ الأبد والباقية الى الأزل!!. قد يبهت لونها ويضعف بريقها وينكمش سحرها لشتى الظروف ومختلف الاسباب، الا انها لا تبلث أن تنهض من كبوتها لتعاود الظهور بكل جبروتها وزخم عنفوانها.
أما اذا سلكنا سبيل المنهجية التاريخية وتسلحنا بعدة البحث السوسيولوجي والتنقيب الانثروبولوجي، لسبر قيعان المخيال الجمعي والكشف عن رواسب (المعاش الضمني)(68)، حينها سنفاجئ بانعدام أي مؤشر واقعي يدلل على وجود مثل هكذا (هوية) لا بالمنطوق القديم ولا بالمفهوم الحديث. اللهم الا اذا سلمنا جدلاً بأن ارهاصات (المشاعر الدينية)(69) التي غالباً ما كانت ولما تزل تجتاح حقول السيكولوجيا الاجتماعية خصوصاً ابان فترات الأزمات السياسية الحادة والتخلخلات الاجتماعية العميقة، هي ما نقصده ونعنيه بهذه (الهوية) الافتراضية. ففي ((أوقات التغير الاجتماعي السريع ـ حسبما يرى صموئيل هنتنغتون ـ تتحلل الهويات القائمة، ويتعين اعادة تحديد الذات، وتبنى هويات جديدة لاؤلئك البشر الذين يواجهون الحاجة الى تحديد من أنا؟ والى ماذا أنتمي؟ يقدم الدين اجابات آسرة))(70).
وهنا نسارع للقول بأن العامل الديني، في اطار هذه القضية، لا يشكل سوى رافداً واحداً وليس الوحيد من جملة روافد متنوعة يصعب حصر مصادرها وتقنين مراجعها، يعول أن تصب جميعها في تيار الهوية القومية للأمة أو للمجتمع حتى تصبح ركيزة معتمدة لتجميع الشتات وسمتنة التبعثر. وعلى ذلك فان المفكر العربي (محمد اركون) على حق حين يستنتج بأن ((الدين ليس الا عاملاً من جملة عوامل أخرى فاعلة ومؤثرة في المسار التاريخي للمجتمعات البشرية))(71).
أضف الى ذلك فان البعض يبدو قد أخذ على حين غرة بتعاظم مدّ الثقافات الفرعية والهويات التحتية، الذي رافق سقوط الدولة وانهيار وازعها القانوني وانحلال لاصقها الاجتماعي من جهة، وانحسار مظلة الحماية الاجتماعية وتصدّع منظومة المرجعيات الرمزية من جهة أخرى. معتبراً ان محاولات هذه أو تلك، ليست سوى تمظهرات طائشة ومفتعلة يراد لها أن تتلبس لبوس (الهوية العراقية) أو تعتقد بأنها خطوات أولية بهذا الاتجاه، على خلفية قوام المجتمع العراقي المتنوع الأعراق والمتعدد الأديان والمختلف المذاهب، وهو ما كذبته التجارب السابقة وفندته الأحداث اللاحقة. اذ ان ((أي باحث في تاريخ العراق الحديث (منذ العشرينات وحتى الآن)(72)، سيكتشف بصورة جلية ان العامل الأول في ديمومة التوتر والعنف في الوضع السياسي والاجتماعي يعود أولاً الى هشاشة الهوية الوطنية العراقية))(73).
والحال ان هذه الفكرة الأثيرة لدى جماعة الاستعراق لا تعني ان مطلب (الهوية العراقية) سيغدو قيد التحقق ورهن الانجاز، متى ما رغب العراقيين حصول ذلك سواء بدافع وطني/ حقيقي أو بوازع مصلحي/ مزيف. ذلك لأنه يستحيل وجود (هوية وطنية) في أي مجتمع كان ما لم يكون قد أسس مسبقاً قواعد رصينة لبناء (شخصيته الاجتماعية)، باعتبار ان هذه الأخيرة تشكل، في اطار السيرورة التاريخية والاجتماعية، مرحلة أولية/ تمهيدية لتكوين الأولى وانبثاق كيانها وليس العكس كما قد يظن البعض أو يعتقد خطأ ان كليهما وجهان لعملة واحدة(74). ففي معظم الدراسات السوسيولوجية والبحوث الاثنوغرافية والحفريات الانثروبولوجية والتنقيبات التاريخية، غالباً ما يتردد مفهوم (الهوية) مرادفاً، أو بالاحرى، معادلاً لمفهوم (الوعي بالآخر). بمعنى ان وجود (النحن) وتحقيق رمزيتها في المتخيل الجماعي لا يتم الا عبر ومن خلال وجود مفهوم (الهم) وبالتغاير معه. وعليه فقد كتب المفكر (محمد عابد الجابري) متسائلاً ((هل الهوية شيء آخر غير رد الفعل ضد (الآخر) ونزوع حالم لتأكيد (الأنا) بصورة أقوى وأرحب))(75).
ولكن لأجل أن يتحقق شرط (الوعي بالآخر) لابد أن يسبقه ويتقدم عليه شرط (الهوية الوطنية)، وهو الأمر الذي نفترض ـ اعتماداً على معطيات المسار التاريخي والاجتماعي ـ استحالة بلوغه الا بحيازة امتياز (الشخصية الاجتماعية) التي تتظافر على تكوينها خلاصة من العوامل الذاتية والموضوعية المكثفة. بمعنى أنها (=الشخصية الاجتماعية) تعتبر الأساس/ المنطلق الذي من دون تبلوره وجاهزيته في الوجدان الجمعي، سيغدو الحديث عن (الهوية الوطنية) ضرباً من ضروب التلاعب الايديولوجي كما وان ادعاء حصول (الوعي بالآخر)، سيصبح نوعاً من أنواع خداع الذات ليس الا.
ولادراك آلية/ ميكانزم اشتغال (الشخصية الاجتماعية)، يستلزم التأكيد على مراعاة كونها حصيلة تفاعل وتمفصل عاملين أساسيين يكمل أحدهما الآخر جدلياً؛ الأول حصول (تآلف/ توافق) مجتمعي بين مختلف أطياف المجتمع ومكوناته الوطنية، يقوم على روابط المصالح المشتركة ووشائج التطلعات الموحدة، بحيث تنتفي مظاهر الأثرة الذاتية والاستتباع الشخصي والتسلط الفئوي. والعامل الثاني يتمثل باجتياز عتبة (الوعي بالذات) وامتلاء الشعور (بالأنا الجمعي)، أي عقلنة خلفيات التاريخ وحضرنة معطيات الجغرافيا وأنسنة مكونات الاجتماع، بحيث يفضي إلى تبني معيار (المواطنية) الذي سيمارس بدوره وظيفة التغذية العكسية/ الارتجاعية لتقوية نسيج (الشخصية الاجتماعية) وتفعيل دورها في ترصين الكيان الاجتماعي العام.
وهكذا فكلما تماسكت أواصر الألفة بين عناصر الوحدة الاجتماعية وارتفع مستوى الوعي بالذات، كلما تعززت بنية (الشخصية الاجتماعية) وتعاظم شأن معيار المواطنية والعكس بالعكس. فالأصل في الهوية ـ كما يشير أحد الباحثين العرب ـ ((انها ترتبط بفكرة المواطنة في الدولة من ناحية الجنسية كظاهرة وكمبدأ قانوني، وترتبط بالأبعاد الثقافية للشخص والمجامع من ناحية ثانية، وتتصل بالانتماء السياسي للدولة من ناحية ثالثة))(76).
من هنا ـ وليس قبل ذلك ـ يجوز لنا دخول طور تشكيل (الهوية الوطنية) التي تفترض حكماً هي الأخرى توافر عاملين جوهريين لا يشتغل أحدهما الا بالعلاقة الجدلية مع الآخر؛ الأول وجود (تخالف/ تفارق) بين مجتمعين أو أكثر، ليس فقط في مضمار الجغرافيا/ المكان والتاريخ/ الزمان فحسب، وإنما في المجالات السياسية والبنى الاجتماعية والهياكل الاقتصادية والمرجعيات الرمزية، بحيث تبدو مؤشرات تقدم الأول مرهونة بدلالة تخلف الثاني، أو قياس قوة هذه المجموعة مرتبطة بدلالة ضعف تلك وبالعكس(77).
وأما العامل الثاني فهو تنامي (الوعي بالآخر) لا بالمعنى الذي يتمخض عن فعل الصدمة والانبهار النكوصي والإحساس بالدونية كما حصل إبان الحقبة الاستعمارية المباشرة، وإنما بضرورة الانتقال من مرحلة تتريث(78) التاريخ ومثلنة الذاكرة وتذويت الحضارة إلى مرحلة إزالة الحدود بين جغرافية الوعي وقارات اللاوعي لاكتشاف جوانية الذات، وانفتاح العقل الوضعي على المخيال الرمزي لتوسيع فضاءات المعرفة، ومغادرة ضيق الأفق الفكري وضحالة التصورات الذاتية إلى رحاب الثقافة ورهان الإنسانية. لذلك فان ((الهوية القوية والفعالة، ليست ما يملكه المرء أو تعطى له. إنها ليست كياناً ماورائياً، وإنما هي ثمرة الجهد والمراس والاشتغال على المعطى الوجودي، بكل أبعاده، من أجل تحويله إلى أعمال وإنجازات.
أنها صناعة وتحويل، بقدر ما هي انبناء وتشكيل، والأحرى القول أنها بنية يعاد بناؤها باستمرار، خصوصاً عند بلوغ الأزمات أو الوقوع في المآزق))(79).
ومن المهم التذكير بأن آلية اشتغال (الهوية الوطنية) تختلف عما لاحظناه في (الشخصية الاجتماعية). ففي حين إن عامل (التآلف/ التوافق) يفضي في حالة هذه الأخيرة إلى زيادة فرص (الوعي بالذات)، وبالتالي تدعيم مرتكزات (المواطنية) في المجتمع المتنوع. بينما في الحالة الأولى نجد إن عامل (التخالف/ التفارق) يتوقع له أن يؤدي إلى تقليص خيارات (الوعي بالآخر)، وبالتالي ترجيح احتمالات سيادة مبدأ (الغيرية/ الآخرية) بين المجتمعات المختلفة.
أي بمعنى إن العلاقة بين نمط (الشخصية الاجتماعية) وعوامل تكوينها تتسم بالطابع الطردي/ الايجابي، في حين إن العلاقة بين مكونات (الهوية الوطنية) تنحو باتجاه عكسي/ سلبي. لذلك ((تبدو الحاجة الانسانية الى الكشف عن الهوية عبر الاحتكاك بالآخر قديمة، متشعبة التعبير، لكن ما يجمعها هو سلبيتها))(80).
وهذا ما تشهد عليه أزمات البحث عن الهوية ومشاكل تأكيد الذات، لاسيما في المجتمعات المأزومة سياسياً والمتخلعة اجتماعياً والمتخلفة حضارياً، نتيجة لمضاعفات ظاهرة العولمة وما تمخض عنها من تعاظم سعة الفجوة الحضارية، وتفاقم شدة القطيعة المعرفية، وتصادم حدة الرهانات التاريخية. ولذلك سيقع في الخطأ كل من يدعو إلى نبذ التمسك بخيار (الهوية الوطنية) والإقلاع عن الاحتفاء بها، لاسيما بالنسبة للمجتمعات التي لازالت تعاني التمزق الذاتي والاقتتال البيني، وبالتالي تفتقر إلى شرط (الوعي بالذات) فما بالك بشرط (الوعي بالآخر)، معتقدين إن التشبث بها والدعوة لها يعدّ دليلاً على إن ((أزمة الهوية والبحث عن الذات مقولتان تصدر عن منطق الطوائف (من كل الأديان والمذاهب) التي تشعر بالخوف في زمن التحولات))(81).
في حين إن الباحث الإيراني (داريوش شايغان)، وبرغم كونه من دعاة التحرر من الانغلاق والخروج على التقوقع، يؤكد انه ((لكي نعرف أين نحن، ينبغي (أولاً) أن نعرف من نحن))(82).
نستنتج من ذلك إن امتلاك المجتمع لخاصية (الشخصية الاجتماعية) لا يعوض بتاتاً فقدانه لفضيلة (الهوية الوطنية) بينما العكس ممكن بديهياً ، باعتبار إن وجود (الهوية) يشير ضمنياً إلى وجود (الشخصية) وليس العكس كما تقدم. لذلك فقد أشار أستاذ كرسي الدراسات الأفروأمريكية والفلسفة في جامعة هارفارد إلى أنه ((خلال تشكّل هوية من الهويات فأنه بامكان المرء، ضمن أمور أخرى، الاعتماد على أنواع الشخصية المتاحة في مجتمعه))(83).
وفي ضوء ذلك نستطيع أن نضع تصنيفاً افتراضياً للمجتمعات الحديثة من حيث مقاييس (الشخصية الاجتماعية) ومعايير (الهوية الوطنية) يشتمل على ثلاثة أنواع رئيسية، قد تبدو لجهة المنظور المنهجي أنها تتمتع بنقاء معياري ثابت وتتقدم بمسار تمرحلي منتظم، إلاّ أنها من الناحية الواقعية لم تلبث أن تشهد تذبذبات انتقالية ما بين هذه الصيغة أو تلك وتحولات بندولية ما بين هذا النمط أو ذاك، بفعل الخصائص الجدلية للواقع الاجتماعي الذي تتحرك في بيئته وتنخرط في أتونه؛ النوع الأول وهو الذي يتمثل بالمجتمعات الغربية عموماً - باستثناء المجتمع الأمريكي ـ التي سبق وأن اكتمل فيها نصاب (الشخصية الاجتماعية) وتوطدت لديها أركان (الهوية الوطنية)(84)، وهي الآن في طور البحث عن أشكال جديدة من العلاقات العابرة للقومية والانتماءات ما بعد الوطنية. ويشتمل النوع الثاني على غالبية مجتمعات بلدان العالم الثالث التي تشكلت عشية نيلها الاستقلال السياسي عن الهيمنة الاستعمارية وباشرت بتكوين دولها المسماة (وطنية)، حيث تخطى قسم منها طور تشكيل (الشخصية الاجتماعية) وشرع بشق أساسات بناء (الهوية الوطنية)، بعد أن بلغت مستوى رفيعا من (الوعي بالذات) وقطعت شوطاً متقدماً في مضمار (الوعي بالآخر). في حين ما برح القسم الثاني يجاهد لتجميع شتات عناصره وترميم تصدعات مكوناته، عله يتجاوز مخلفات عصوره البدائية ويبلغ مرتبة أقرانه الحضارية.
ويقع في خانة النوع الثالث تلك المجتمعات التي لا زالت، بالرغم من تصرم عقود طويلة نسبياً على تمتعها بالاستقلال، مسرحاً ساخناً لشتى ضروب الصراعات السياسية والتمزقات الاجتماعية والتناحرات القومية والحساسيات الدينية والاحتقانات النفسية والتخندقات الجهوية والتمترسات القبلية والمشاحنات الطائفية، بحيث لم تفقد بسببها فقط الدولة مركزيتها والسلطة شرعيتها والمؤسسات ضرورتها والقانون هيبته فحسب، بل وأضاعت عليها الكثير من فرص بناء (شخصيتها الاجتماعية) وفرطت بالعديد من احتمالات تكوين (هويتها الوطنية). وهو الأمر الذي أعطى المبررات لنكوص جماعاتها صوب حصون الانتماءات التحتية ومنح المسوغات لتشبث أفرادها بملاذ الولاءات الفرعية. وفي ظل مثل هذا الوضع ((يصبح الفرد العادي فاقداً فعاليته، ويتحول إلى ذات بلا مواطنية، ويتجرد ويجرّد من حقوقه الإنسانية والمدنية، ويعدم القوة للتأثير في القرارات ذات العلاقة بمجتمعه الأوسع. (...) وحين يجد المواطن نفسه معزولاً ومغترباً ومقموعاً فانه يجد نفسه مجبراً على العودة إلى البنى الاجتماعية الأولية – العائلة، الجماعة الأثنية، القبيلة، الطائفة – بحثاً عن الأمان وضماناً لبقائه))(85).
والآن، على خلفية هذا التوصيف، نتسائل وبتجرد؛ ضمن أي مجموعة يصنف المجتمع العراقي وفي إطار أي فئة من تلك الأنواع يمكن وضعه؟؟. لاريب في إن الإجابات ستتنوع بحسب طبيعة المواقف السياسية والاتجاهات الإيديولوجية والمرجعيات الرمزية والأرومات القومية. فهناك سوف من لا يجد غضاضة في استهجان مثل هذا الطرح أصلاً ، معتقداً بحقيقة إن المجتمع العراقي لا يمتلك فقط مقومات (الشخصية العراقية) التي تمتد جذورها إلى آلاف السنين، بل ويتمتع أيضاً (بهوية وطنية) راسخة الأسس عامرة البنيان، ولذلك فهي تعد بمثابة (حدس ثقافي)(86) ومعطى ترانسندنتالي يقبع خلف التاريخ ويتسامى فوق الوعي.
وهناك من يرتأي إن معالم تلك الشخصية وملامح تلك الهوية قد تبلورت لحظة تعانق الإسلام مع العروبة فوق أرض العراق وعموم العالم العربي، وهو الأمر الذي خفف نوازع التعصب القبلي ولطف طباع الاستعلاء العرقي لدى الجماعات العربية من جهة، وجفف منابع الخوف واجتثّ هواجس القلق التي كانت رابضة في سيكولوجيا الأقوام الأخرى غير العربية، بحيث ساعد على اندماج هذه الأخيرة وانصهارها في بوتقة الوحدة الاجتماعية من جهة أخرى. وعلى ذلك يقول المفكر العربي (هشام جعيط) إن ((الهوية في الأساس عربية ـ إسلامية، فلا عروبة دون إسلام ديناً أو انتماءً، ولا إسلام عميقاً في المستوى الثقافي دون تعمّق في العربية وتوغل فيها))(87)، دون أن يلمّح إلى مسألة ظهور تمايزات أو تباينات ما بين الهوية المشرقية والهوية المغربية، خلافاً لأطروحة الباحث العراقي (فالح عبد الجبار) التي يرى من خلالها أن ((ثمة تطابق في بلدان المغرب العربي بين الهوية الدينية والهوية الاثنية، تطابق بين الإسلام والعروبة.. أما في المشرق العربي فثمة تغاير نسبي بين الهوية الدينية والهوية القومية. وقد تكوّن الوعي الاجتماعي في المشرق على أساس الفصل النسبي بين الاثنين في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين))(88).
وأخيراً هناك رهط من الذين تواضعوا وتحفظوا على واقعية المدى التاريخي الذي وجدت من خلاله (الهوية الوطنية العراقية)، بحسب الافتراضات الآنفة، معتبرين إن باكورة تكوين تلك الهوية لا تتعدى نطاق الفترة التي شهدت إنشاء الدولة العراقية في العشرينات من القرن الماضي، وان كل الأرزاء التي تعرضت لها لاحقاً جاء نتيجة لتوالي الأنظمة الدكتاتورية وسوء استخدامها السلطة.
ولكي لا نطلق العنان لأخيلتنا الذاتية تنتقي كيفما تشاء من الاستنتاجات والتصورات التي لا تخرج عن كونها تخمينات وافتراضات تفتقر إلى ما يسندها على أرض الواقع، فإننا نعتقد بأن المجتمع العراقي، وبرغم تأصله في التاريخ وتواصله في الجغرافيا، إلاّ انه ولسوء الحظ لم يحظى ولحد الآن بمواصفات (الشخصية الاجتماعية) التي تشدّ بعضه لبعض وتجدل شعث أجزائه بكليته، بحيث يعي ذاته كوحدة عضوية متكاملة، لأن معرفة الذات ـ كما يقول هيجل ـ ((أعظم إنجازات الروح القومية))(89)، كما لم يرق إلى مستوى (الهوية الوطنية) التي لا تتيح له فقط الوعي بالآخر (الجواني) الذي يفترض قبول التعايش معه والاختلاف عنه في الآن ذاته تحت مظلة المشترك التاريخي والاجتماعي والثقافي والرمزي فحسب، بل وحصول الوعي بالآخر (البراني) الذي يجعل من وحدة الجماعة ضرورة مصيرية على مستوى ((الوجود والماهية))(90) معاً .

الهوامش والمصادر
ـــــــــــــ
(*) كاتب وباحث من العراق.
(45) فردريك انجلس؛ جدليات الطبيعة، ترجمة محمد أسامة القوتلي، (دمشق، منشورات دار الفن الحديث العالمي، 1970)، ص99. وانظر كذلك الفيلسوف الروسي، ف. أفاناسييف؛ أسس الفلسفة الماركسية، ترجمة عبد الرزاق الصافي (بغداد، منشورات الطريق)، ص40.
(46) سبق للمفكر الراحل (أدوار سعيد) أن أشار إلى أن ((الغرب المسيحي يؤرخ لبدء وجود الاستشراق الرسمي بصدور قرار مجمع فينا الكنسي عام 1312 م بتأسيس عدد من كراسي الأستاذية في العربية، واليونانية، والعبرية، والسريانية في جامعات باريس، وأكسفورد، وبولونيا، وافينيون، وسلامنكا)). أنظر كتابه؛ الاستشراق، مصدر سابق، ص80.
(47) لقد كتب العالم الانثروبولوجي (كلود ليفي ستروس) في معرض دفاعه عن هذا النمط من الشعوب يقول ((ان الشعب البدائي ليس شعباً متأخراً أو متخلفاً ، بل ينم في هذا المجال أو ذاك عن روح ابتكار وتنفيذ تتقدم أشواطاً بعيدة على نجاحات المتحضرين)). أنظر كتابه؛ الانثروبولوجيا البنيوية، ج2، ترجمة الدكتور مصطفى صالح (دمشق، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي، 1977)، ج1، ص 126.
(48) أدوار سعيد؛ الثقافة والامبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، (بيروت دار الآداب، 2004)، ط3، ص9. كما سوف يقول في عمله السابق ان ((الاستشراق قد حقق الكثير من الانجازات. فخلال عصره العظيم في القرن التاسع عشر أنتج لتحثين؛ وزاد عدد اللغات التي تدّرس في الغرب، وكمية المخطوطات المحققة والمترجمة والمعلق عليها، وفي كثير من الحالات وفر الاستشراق للشرق طلاباً أوروبيين متعاطفين معه ذوي اهتمام أصيل بقضايا كالنحو السنسكريتي، والنقود الفينيقية، والشعر العربي)). راجع الاستشراق، مصدر سابق، ص120. ولهذا ـ كما سوف يقول المفكر محمد أركون ـ ((ليس مدهشاً والحالة هذه أن يكون المسلمون قد رفضوا دوماً - وغالباً دون أي تفحص جاد للأسف ـ المساهمات الأكثر تثقيفاً وفائدة للمستشرقين)). راجع كتابه؛ الفكر الاسلامي؛ مصدر سابق، ص 264.
(49) روجيه غارودي؛ حوار الحضارات، ترجمة الدكتور عادل العوا، (بيروت، منشورات عويدات، 1986)، ط3، ص17، ص18. من جهته فقد ألمح العالم الاجتماعي (بنيديكت اندرسون) الى دراسة (ويليام جونز) حول اللغة السنسكريتية عام 1786 كنتيجة للغزو الانكليزي للبنغال، ليبين من خلالها انها ((أدت الى ادراك ان الحضارة الهندية أقدم بكثير من الحضارة اليونانية أو اليهودية. وجاء فك (جان شامبليون) لرموز الهيروغليفية في عام 1835 كنتيجة لحملة نابليون على مصر فزاد ذلك الكشف من التراث غير الأوروبي. وقد قللت تطورات الدراسات السامية من شأن فكرة كون العبرية لغة موغلة في القدم وأنها لغة ذات وقار سماوي)). أنظر كتابه؛ الجماعات المتخيلة، ترجمة محمد الشرقاوي (القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 1999)، ص 75.
(50) الدكتور عبد الله العروي؛ مفهوم التاريخ، ج2، (بيروت، المركز الثقافي العربي، 1992)، ج1، ص23.
(51) جيرار لكرك؛ الانثروبولوجيا والاستعمار، ترجمة الدكتور جورج كتورة، سلسلة كتاب الفكر العربي/2، (بيروت، معهد الإنماء العربي، 1982)، ص34.
(52) لعل هذا الرأي يتقاطع مع وجهة نظر رائد الانثروبولوجيا البنيوية (كلود ليفي ـ ستروس) الذي سبق له أن قال ((الحق انه ليست هناك شعوب طفلة. كلها بالغة، بما فيها تلك التي لم تقرأ يوميات طفولتها ومراهقتها))، المصدر ذاته، ج2، ص 305.
(53) غني عن القول إن ظاهرة (التقديس) لا تقتصر على منتجات الوعي الديني، بل ينبغي تعميمها على كل ما يستبطنه المخيال الجمعي ويجتافه من تصورات واعتقادات يجري رفعها أو تساميها إلى مصاف المقدس ضمن منظومة الثقافة الشعبية. ذلك ((لأن المقدس ليس الديني فقط (وان كانت جذوره دينية)، وإنما المقدس يكمن حتى في عاداتنا اليومية واعتقاداتنا، في تفاؤلنا وتشاؤمنا، في النظم التي تحكمنا، والطرق التي نحكم بها، في العلاقات ضمن العمل وفي العائلة، وحتى في المؤسسة الزوجية،وفي البديهيات والمسّلمات والحكايا)). أنظر الدكتور عبد الهادي عبد الرحمن؛ عرش المقدس: الدين في الثقافة والثقافة في الدين، (بيروت، دار الطليعة، 2000)، ص11، ص12.
(54) جديربالملاحظة إن معظم أنصار هذا التيار هم من مثقفي المهجر، والذين لا زالوا يقيمون في بلدان الغرب ويفضلون العيش فوق ربوعه، بعد أن استوطنوا هناك وأكملوا مشوارهم الأكاديمي وطوروا منظورهم المعرفي وعمقوا وعيهم الثقافي وأثروا رصيدهم الفكري، في كنف تلك البلدان التي مارست الاستشراق ودعمت رموزه، وهو ما تسنى لمثقفي الاستعراق من الإطلاع عليه والاستفادة منه بشكل مثمر.
(55) الدكتور هيثم الجنابي؛ العراق ومعاصرة المستقبل، (دمشق، دار المدى، 2004)، ص16.
(56) الدكتور هيثم الجنابي؛ العراق ورهان المستقبل، مصدر سابق، ص92. مع ملاحظة إن هذا المقطع أصبح لازمة لا يفتأ الباحث يرددها بين ثنايا الكتاب. أنظر للمقارنة؛ ص145، ص146، 155، ص 167، ص228، وهكذا. كما وقد أعيد توظيفها مجدداً ضمن كتابه الحديث؛ أشجان وأوزان الهوية العراقية: البحث عن أوزان داخلية لاستقرار وديناميكية الهوية الوطنية العراقية (بغداد، دار ميزوبوتاميا للنشر والتوزيع، 2007)، ص118.
(57) المصدر ذاته؛ ص283 . كذلك أشجان وأوزان، ص63.
(58) الدكتور علي الوردي؛ لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج6، (بغداد، مطبعة الإرشاد، 1969)، ج1 ص12. وكذلك أنظر الدكتور إبراهيم الحيدري؛ تراجيديا كربلاء: سوسيولوجيا الخطاب الشيعي، (بيروت، دار الساقي، 1999)، ص32 وما بعدها.
(59) المحامي عباس العزاوي؛ تاريخ العراق بين احتلالين، مصدر سابق، ج8، ص195. وفي السياق ذاته فقد أورد الباحث العربي (الطاهر لبيب) واقعة انه ((في العصر العباسي الثاني تحالف البيزنطيون مع الأمويين في الأندلس للوقوف ضد العباسيين، بل ان تحالفات الحروب الصليبية، في سياق حرج، الى أي حدّ هي متحركة الحدود الدينية والى أي حدّ يتسع تداخلها، بحكم المصالح، الى التناصر في غير الدين، مثلما حدث آنذاك، في سوريا التي قدمت، كما يقول كلود كاهن (مشهد اللامبالاة الدينية في المجال السياسي ومشهد الارتباطات بين بيزنطة المسيحية وهذا وذاك من الأمراء المسلمين ضد أمراء مسلمين آخرين))). أنظر بحثه الموسوم (الآخر في الثقافة العربية) ضمن كتاب؛ صورة الآخر: العربي ناظراً ومنظوراً اليه (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص 200.
(60) الدكتور سيار كوكب الجميل، (لا تسحقوا بلادكم الجميلة أيها العراقيون !)، صحيفة الصباح، العدد/ 777، بتاريخ 1 آذار/ مارس 2006. وفي السياق ذاته فقد لاحظ الباحث (سليم مطر) ((إن الأغلبية المتعلمة لا زالت حتى الآن تتعامل مع مسائل الدين والطائفة، فقط من الناحية السياسية ودور الدولة في حل المشكلة، وتتجنب عن عمد كل ما يخص الجانب الآخر من المشكلة، أي أديان وطوائف الوطن نفسها. (و) من أجل إصلاح المجتمع والوطن، لا يكفي إصلاح الدولة والأحزاب؛ بل يتوجب كذلك إصلاح الطوائف والأديان، لأن الدولة تتغير بينما الأديان دائمة.. وإصلاح الدائم أهم من إصلاح المتغير. وهنا يتحمل المسؤولية جميع المثقفين والسياسيين ورجال الدين من جميع الطوائف والأديان)). أنظر كتابه؛ الذات الجريحة: إشكالات الهوية في العراق والعالم العربي (الشرقمتوسطيّ)، (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000)، ط3، ص366.
(61) سليم مطر؛ الذات الجريحة؛ مصدر سابق، ص127.
(62) الدكتور محمد أركون؛ الفكر الإسلامي: قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح، (بيروت، مركز الإنماء القومي، المركز الثقافي العربي، 1996)، ط2، ص18 وما بعدها. كذلك انظر كتابه؛ تاريخية الفكر العربي الإسلامي؛ مصدر سابق، ص70 وما بعدها.
(63) سليم مطر؛ جدل الهويات، مصدر سابق، ص40.
(64) سليم مطر؛ الذات الجريحة، مصدر سابق، ص167.
(65) سليم مطر؛ جدل الهويات، مصدر سابق، ص 39.
(66) الدكتور برهان غليون؛ اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، (بيروت، المركز الثقافي العربي، 2004)، ط3، ص276.
(67) لعل مثال العالم الاجتماعي الراحل (علي الوردي) يعد أبرز دليل على ذلك، حيث لم يجري فقط التعتيم على طروحاته والتحفظ على مؤلفاته فحسب، وإنما حرم حتى من ممارسة دوره الأكاديمي كأستاذ جامعي نتيجة لكونه أول من دشن ولوج هذا الحقل الملغم وامتلك جرأة الحفر في طبقاته.
(68) لقد استعار المفكر (محمد أركون) هذا التعبير من نظيره الفرنسي (بلونديل)، مشيراً إلى كونه ((يعفينا من بذل الجهد للتوصل إلى المعروف الصريح وعلى هذه الشاكلة يتراكم اللامفكر فيه داخل التراث الحي)) أنظر كتبه؛ الفكر الإسلامي: قراءة علمية ، مصدر سابق، ص33.
(69) حتى في هذا الجانب المتعالي فائق القداسة، يرى الدكتور علي الوردي ((إن الإنسان بوجه عام لا يفهم من الدين سوى الجانب الذي ينتفع منه أو يتصور انه ينتفع منه، فهو لا يهتم إلاّ بالأمور الاعتقادية والتعبدية من الدين لأنها تعطيه السلوى وتسبغ عليه الطمأنينة تجاه أخطار الحياة ومستقبلها الغامض)). أنظر كتابه؛ لمحات اجتماعية، مصدر سابق ج4، ص 404.
(70) صموئيل هنتنغتون؛ من نحن؟، مصدر سابق، 194. من جانبه فقد لاحظ الباحث العراقي (إبراهيم الحيدري) انه في ((الظروف الاجتماعية الحرجة وفي أوقات الشدائد والمحن والأمراض والخطر يتوجه كثير من الناس إلى المؤسسات الدينية لمواجهة الشدائد والمحن سوية والحصول على الأمن والطمأنينة والاستقرار النفسي، كل بحسب تجاربه الحياتية وثقافته وتربيته ووسطه الاجتماعي الذي يعيش فيه وكذلك استعداده النفسي وظروفه الاقتصادية)). أنظر كتابه الممتع؛ تراجيديا كربلاء: سوسيولوجيا الخطاب الشيعي، (بيروت، دار الساقي، 1999)، ص231.
(71) الدكتور محمد أركون؛ الفكر الإسلامي: قراءة علمية، مصدر سابق، ص57.
(72) اعتراضاً على هذا الابتسار والاختزال لإشكالية (الهوية العراقية) ضمن حقبة زمنية لا تتعدى الثمانية عقود، في حين نجزم إن جذورها تمتد لقرون عدة، قد لا تشكل فترة الحروب الصفوية ـ العثمانية فوق أرض العراق إلاّ بداية متواضعة لطرحها على مستوى البحث التاريخي ووضعها موضع الدراسة الأكاديمية، نحيل القارئ إلى ما ذكره المؤرخ العراقي (عباس العزاوي) في تاريخه للفترة المذكورة حين كتب يقول ((لم يدخل في فكر العراقي آنئذ حب الاستقلال والنزوع للحكم الذاتي.. والتاريخ في صفحاته يعين إن الأمة متى تفرقت وتحكمت فيها الطائفية الممقوتة انحل كيانها وأضاعت استقلالها وفاتتها الفرص. فبينما كان الواجب على العراق أن يتأهب ليوجد له مركزاً ويكون حكومة صار يسير بعض أبنائه لمساعدة الأغيار والتفادي في سبيل مصلحتهم)). أنظر كتابه: العراق بين احتلالين، مصدر سابق، ج3، ص352.
(73) سليم مطر؛ الذات الجريحة، مصدر سابق، ص351.
(74) في إطار تأكيده على أهمية وجود (الهوية الوطنية) وانعكاس ذلك على قوة الأوطان ودوام استقرارها، فقد أشار الباحث (سليم مطر) إلى إن ((معاينة سريعة لخارطة العالم تبين لنا إن الأوطان المستقرة القوية هي الأوطان التي تمكنت من إنجاز مهمة بناء الهوية. إن ضعف الهوية الوطنية لأي شعب يؤدي إلى ضعف الشخصية الاجتماعية والفردية وكثرة التوترات السياسية وسيادة العنف وديمومة الدكتاتورية)). أنظر؛ الذات الجريحة، مصدر سابق، ص131.
(75) الدكتور محمد عابد الجابري، مسألة الهوية، العروبة والإسلام.. والغرب، قضايا الفكر العربي(3)، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997)، ط2، ص17.
(76) الدكتور محمد نعمان جلال (الهوية والتحديث في مملكة البحرين) بحث في مجلة ثقافات البحرينية، صيف 2002 العدد/ 3.
(77) يرى الاكاديمي والباحث في دائرة العلوم السياسية لجامعة جيفسكيلا ـ فلندا ((ان الآخر (البربري أو المتوحش غير الأوروبي) كان يلعب دوراً حاسماً في تطور الهوية الأوروبية، وفي الحفاظ على النظام، أو في تعزيز التلاحم ضمن الكومنولث الأوروبي)). أنظر (فيلهو هارلي) في بحثه الموسوم (مفهوم ومواريث (العدو) في ضوء عملية التوحيد والسياسات الأوروبية)، ضمن كتاب، صورة الآخر، مصدر سابق، ص 54. هذا في حين ذهبت الاستاذة في الجامعة اللبنانية الدكتورة (دلال البزري) الى أن ((التساؤل عن احتمال كون هذا (الآخر) ضرورة فبان، من جهة، انه يملي وظيفتين ملحتين؛ هما بلورة الهوية وتنظيم الخصوصية.. (اذ) لا توجد علاقة بالآخر الا على قاعدة غالب ومغلوب. ومن دون هذه القاعدة، يضمحل الآخر ويصبح عدماً ، مندمجاً تمام الأندماج بحيث يصبح الأنا)). أنظر بحثها (الآخر: المفارقة الضرورية)، ضمن ذات المصدر، ص 99 وص 103. وفي الاتجاه ذاته وجد أحد الباحثين العرب ((ان الآخر يعمّق هويتنا؛ وحين نخلع عليه كل ما لانريده فنحن نعزوا الى أنفسنا الخصال والشيم التي نرغب في أن نتماهى بها ونتمثل لها، ونباعد بيننا وبين ما نراه عاراً وضعّة)) أنظر محي الدين صبحي؛ عرب اليوم: صناعة الأوهام القومية (لندن، رياض الريس، 2001)، ص62.
(78) لقد استعرنا هذا المصطلح من جعبة المفكر (محمد أركون)، الذي يستخلص منه المعنى الرامي إلى ((تمثل خطاباً أيديولوجياً يعظم التراث عموماً دون الاهتمام بمضامينه الحقيقية أو بأهميته العقائدية (وتقييم هذه الأهمية) أو بالوسائل العملية لتحيينه وتنشيطه أو تجسيده في التاريخ من جديد.. (وهو) يعني إذن نوعاً من التعمية والتمويه لعمليات التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الواقعية التي تفرض نفسها حتماً مع ضرورات التنمية الملحة)). أنظر كتابه؛ الفكر الإسلامي؛ قراءة علمية، مصدر سابق، ص53.
(79) الدكتور علي حرب؛ حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية، (بيروت، المركز الثقافي العربي، 2000) ط2، ص23.
(80) الدكتورة دلال البرزي، مصدر سابق، ص 108.
(81) محي الدين صبحي؛ الأمة المشلولة: تشريح الانحطاط العربي، (لندن، رياض الريس للكتب والنشر، 1997)، ص112. أنظر كذلك الدكتور (برهان غليون) حيث لاحظ ان ((أزمة الهوية لا تظهر الا في المجتمعات التي تدخل في ديناميكية الحداثة))، أوردته (دلال البرزي)، مصدر سابق، ص 108.
(82) داريوش شايغان؛ أوهام الهوية، ترجمة محمد علي مقلد، بحوث اجتماعية 18، (بيروت، دار الساقي، 1993) ص122. في حين تساءل فيلسوف الظاهراتية (مارتن هيدجر) بأسلوبه الفلسفي المنمق ((كيف يجب أن تكون نحن أنفسنا، وكيف يمكن لنا أن نكون أنفسنا، دون أن نعرف من نكون على يقين من اننا نحن الذين نكون؟)). مقتبس عن الدكتور فتحي المسكيني؛ الهوية والزمان ـ تأويلات فينومينولوجية لمسألة (النحن)، (بيروت، دار الطليعة،2001)
(83) كوامي أنتوني آبياه (الليبرالية والفردية والهوية)، ترجمة محمد يونس، مجلة الثقافة العالمية، العدد 110، (يناير/ فبراير 2002) ص147.
(84) هناك من يعتقد انه فيما ((يتعلق بمزيد من الأهداف المجردة والسياسية للوحدة الأوروبية، يمكننا أن نرى ان المهمة ليست اعادة تأسيس هوية (أوروبية) (مفقودة)؛ فلم يكن هناك أبداً مثل هذه الهوية في السابق، باستثناء الهوية المسيحية. ان الوحدة الأوروبية تمثل جهداً من أجل خلق هوية جماعية جديدة والحفاظ عليها. ويؤدي هذا الجهد، اذا ما نجح، الى قيام جماعة اصطناعية: هوية مشتركة تسبغ على شعوب مقسمة بين عدد من الدول القومية، وبين ولاءات مرتبطة بحدود (أرض الآباء)، أكثر منها أوروبا)). أنظر (فيلهو هارلي)، مصدر سابق، ص 69. من جانبه فقد أشار الناقد الانكليزي المعروف (تيري ايغلتون) الى أن ((الغرب، بمعنى من المعاني، ليس له هوية مميزة خاصة به، لآنه لايحتاج الى مثل هذه الهوية. فمن جماليات أن تكون حاكماً ألا تحتاج لأن تقلق حيال هويتك، وأن تعتقد، ولو بصورة خادعة أو مضللة، انك تعرف مسبقاً من أنت. ذلك لأن الثقافت الأخرى هي المختلفة، في حين أن شكلك الحياتي هو المقياس الذي نادراً ما يمثل (ثقافة) أيما ثقافة)). أنظر كتابه الممتع؛ فكرة الثقافة، نرجمة ثائر ديب، (دمشق، دار الحوار، 2000)، ص 102.
(85) الدكتور هشام شرابي؛ النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، ترجمة محمود شريح، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1993)، ط2، 87. وفي السياق ذاته فقد ارتأى الفيلسوف الأمريكي (جون ديوي) إن ((الفرد لا يستطيع البقاء فكرياً في فراغ. وإذا لم تكن آراؤه ومعتقداته الوظيفة التلقائية لحياة الجماعة التي يشترك فيها، فان في الامكان إقامة إجماع مصطنع، كبديل، بالوسائل المصطنعة والآلية. فعند غياب العقلية التي تتجانس مع النظرية الاتحادية الاجتماعية الجديدة، التي بدأت تظهر إلى حيّز الوجود، تبذل محاولات يائسة لسد الفراغ بوسائل تحظى بالقبول المصطنع)). أنظر كتابه؛ الفردية قديماً وحديثاً، ترجمة خيري حماد، (بيروت، منشورات دار مكتبة الحياة، 1979)، ص79.
(86) ميثم الجنابي؛ العراق ومعاصرة المستقبل، مصدر سابق، ص 192.
(87) راجع حواره مع الباحث والأكاديمي الدكتور عبد الإله بلقزيز، المستقبل العربي، السنة 26، العدد 294 (آب/ أغسطس 2003)، ص13.
(88) فالح عبد الجبار؛ معالم العقلانية والخرافة في الفكر السياسي العربي، بحوث اجتماعية 16، (بيروت، دار الساقي، 1992)، ص81.
(89) وو بن؛ الصينيون المعاصرون: التقدم نحو المستقبل انطلاقاً من الماضي، ج2، ترجمة الدكتور عبد العزيز حمدي، عالم المعرفة (210)، (الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1996)، ج1، ص50.
(90) الدكتور محمد عابد الجابري؛ مسألة الهوية: العروبة والإسلام والغرب، قضايا الفكر العربي (3)، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997) ط2، ص10.