الحضارية «دراسات اجتماعية»

 الاربعاء: 21/05/2008

 

الشخصية العراقية بين تقديس التاريخ وتدنيس الجغرافيا(2/4)

ثامر عباس(*)
(خاص للمعهد)

ثانياً- أسطورة البداية وفجيعة النهاية(27):
مما لا ريب فيه ان لكل مجتمع بشري مجموعة مختارة من الأفكار المسبقة والتصورات البدئية ملزم، بحكم ضرورات البقاء وحتميات التواصل، باستبطانها في لا وعيه الجمعي كثوابت ومرجعيات رمزية أو حسبما يسميها الباحث الانثروبولوجي (مرسيا الياد) في أحد مؤلفاته ((بالمأثور المقدس، الوحي الأولي، النموذج المثالي))(28)، لا تتيح له فقط التعرف على بدايات نشأته وأصول تكوينه فحسب، بل وتلزمه باتخاذها كمعايير أساسية لتمييز ذاته وتفضيل قيمه إزاء بقية المجتمعات الأخرى. أي بمعنى ان لكل تجمع إنساني ـ بصرف النظر عن حجمه ومستوى تطوره ـ أساطيره التاريخية وميثياته الحضارية التي يستلهمها في سياق إنجازاته ويوظفها في ميادين علاقاته، بحيث تضفي عليه هالة من الأصالة في مضمار ادعاءات صيرورته وتمحضه طابع الإبداع في مجال عطاءات سيرورته.
ولهذا فقد أقرّ أستاذ العلوم الاجتماعية والسياسية (روبرت م ماكيفر) بهذه الحقيقة حين كتب يقول ((ان الأوامر الاجتماعية والبناء الاجتماعي بل الكينونة الاجتماعية، لابد أن تستند إلى الأسطورة.. (كما وأن) التغييرات الحادثة في بنية المجتمع تستوحى من تغييرات أسطورية وتوحي بمثل هذه التغييرات. فالمجتمع يتنفس الأسطورة كما يتنفس الهواء، ولا يكون مجتمع إلاّ وتكون وراءه أسطورة ما. ولا يكون مجتمع إلاّ وهو على أسطورة تؤدي فيه عدة وظائف. وأهم هذه الوظائف تحويل كل ما للمجتمع من مسلمات تقييمية إلى حقائق منطقية))(29).
والحقيقة التي لا ينبغي أن تغرب عن البال، ان لهذه الأساطير جوانب سلبية مثلما لها جوانب ايجابية، يتعذر معه استخلاص هذه عن تلك وعزل هذا عن ذاك، إلاّ من خلال مراقبة دورها وتقييم وظيفتها في أتون الممارسة الاجتماعية وحلبة النشاطات الإنسانية. حينها يتبدى لنا أنها لا تعدو أن تكون سلاح ذو حدين؛ فهي إما أن تكون وسيلة من وسائل المحافظة على غنى ذخيرة الذاكرة الجماعية وتشبيك عناصر الوعي بالذات وتعزيز عوامل الثقة بالنفس، من خلال تموضعها في السياق التاريخي والحيلولة دون حراكها السائب لاحتواء أبعاد الزمن وتخطي حدود مراحله. وحينذاك تكون رافعة للنهوض الحضاري وسلّم للارتقاء الثقافي، على خلفية كونها تعبر عن بواكير إرهاصات المجتمع الذي نمت وترعرعت في كنفه وتمخضت عن فاعلية وجدانه، وأسهمت بالتالي في إنضاج تجربته الإنسانية وبناء وحدته الروحية ومأسسة كيانه الحضاري، على وفق جدلية تاريخية تؤسس للحاضر على قواعد الماضي وتسترشد بمنظور المستقبل وتصوغ بتراث الماضي ومعطيات الحاضر آفاق المستقبل، وليس كما هو حاصل في تعاملنا مع هذا وتعاطينا مع ذاك لحد الآن(30).
وإما أن تتحول إلى قيود تكبل الإرادة وتشلّ الوعي وتمسخ الشخصية، بعد أن تستحوذ على مقاليد الحاضر ورؤى المستقبل لدى الأفراد والجماعات، وذلك عبر تمثلها كحقيقة كونية مطلقة عابرة لشروط الزمان والمكان لا ينالها الشك ولا تطالها المساءلة. بحيث يتمحور الاهتمام صوب العصور الغابرة لا من أجل استثمار رصيدها الرمزي وتراكمها المعرفي وزخمها الحضاري في تنقية المخيال الجمعي من خرافاته وعقلنة التاريخ من تهويماته وأنسنة الاجتماع الأهلي من نزعاته، وإنما لاستدعاء أجواء الأسطورة إلى حيز الواقع المعاش والتماهي مع عناصرها والاندغام في مضمونها، وجعلها الموجّه للسلوك الفردي والمؤطر للوعي الاجتماعي والمجسد للشخصية العمومية. وهو الأمر الذي يؤشر حالات غلبة مزاعم التواصل والترابط والانتماء التي يدعيها الفرد على مستوى القول من جهة، وبين مظاهر القطيعة والانفصال والاغتراب التي يعيشها على مستوى الفعل من جهة أخرى.
وهكذا فان ((المشكل الأساسي الذي تواجهه كل هوية جماعية (أمة قومية أو دينية) هو مشكل زمانيتها، أي هل لها ماض وحاضر ومستقبل؛ فإذا كانت الاستمرارية تقتضي الارتباط بأصل، ومن ثم مقاومة التبدل باعتباره انحرافاً عن البدء، فان وعيها بذاتها لا يتحقق، في الوقت ذاته إلاّ بإدراكها التغيير في الزمن))(31)، وبالتالي حصول التغيير في أنماط الواقع وشروط إنتاج المعرفة بمعطياته. والملاحظ انه كلما أوغل المجتمع في سديم الماضي وتقادم عليه الزمن، كلما توطدت في ربوعه أركان الأسطورة (أو الأساطير) التي يستبطنها، وكلما استوطنت بنية عقله ومنظومة ثقافته،بحيث تغدو بمثابة مهماز يتمفصل مع كل فعل يأتيه أو بادرة يمارسها، وهو ما يفضي إلى تخدير الوعي وانفصاله عن الواقع وتحنيط الفكر وانحساره عن التجربة، ويصبح ـ تبعاً لذلك ـ من الصعب عليه (=المجتمع) التوصل لحلول ناجعة تعالج مشاكله المتفاقمة والاهتداء لإيجاد مخارج واقعية تلطّف أزماته المستفحلة، لاسيما في الأوقات التي يشرف فيها كيانه البنيوي على التصدع والانهيار، وتنذر مكوناته السوسيولوجية والانثروبولوجية بالتفكك والتصارع، نتيجة إسرافه في الارتهان لأساطيره التي كونها عن نفسه وإدمانه البقاء في أسر فكرياته التي أنتجها عن واقعه.
وعلى أساس ذلك فأن ((المرجعيات ـ كما يؤكد المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني ـ ليست ثابتة الأصل والفصل؛ إنها صور من التاريخ تراكمها وتلونها ذاكرة بشرية هي قيد التكوّن الدائم في الزمن التاريخي))(32).
وبقدر ما هو معروف عن ثراء التاريخ العراقي بالأساطير وباعه الطويل في الملاحم، بقدر ما هو شائع عن العراقيين توسلهم الدائم بوهج تلك الأساطير والملاحم لاستعادة أمجادهم الضائعة واستدامة حضورهم الواهن. فلا يغرنك افتتانهم بذخيرة ماض لم يحسنوا تصريفها إلى فعل واع وإرادة متبصرة في عالم بات يؤثر القوة والحيلة على الحق والأخلاق، ويمجّد العلم والمعرفة دون الجهل والتخلف. فما قيمة أن نكون أول شعب أهتدى إلى دروب الحضارة وسار على مدارج التمدن في الوقت الذي ما نزال فيه نعاني الانحطاط في كل ميادين حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟!.
وما جدوى أن نكون في طليعة الأمم التي اجترحت فضيلة الكتابة ونعمة التدوين في حين لم تبرح الغالبية العظمى منا ترسف في أغلال التبربر وتتخبط في ظلام الهمجية؟!.
وما معنى أن نكون من أوائل الساعين إلى تعميم مبادئ السلام وإشاعة قيم التسامح، طالما ان نوازع العنف ودوافع العدوان لا تزال تحكم قبضتها على مجمل سلوكنا وتحدد ضروب تصرفاتنا؟!.
بل ما الغاية من التبجح بكل هذه المزايا والخصال التي كان عليها أسلافنا وهم يعمرون الأرض وينشأون المدن ويسنون القوانين ويؤسسون الوطن، إذا كان أخلافهم لا يحسنون سوى الإفساد في الأرض وينشرون الخراب في المدن وينتهكون الأعراف والقوانين ويستبيحون حرمة الوطن؟!. ألم يحن الوقت بعد ليستفيق العراقيين المعاصرين من سباتهم الذي طال أمده، بعد كل هذه المآسي وتلك الفواجع التي لا تفتأ تداهمهم حتى في ذروة أحلامهم، ليدركوا كم هو فادح خطأ التمسك بخطاب الايديولوجيا حيث الماضي لا يمسك فقط بتلابيب الحاضر فحسب وإنما يغطي عيوبه ويخفي مساوئه، والانصراف عن واقع السوسيولوجيا حيث الحاضر أضاع راهنيته ويوشك أن يفرط بمستقبله؟!.
والى أن يحين عصر المعجزات وتأزف نواميس التغييرات وتتخطى أوهامها العقليات؛ يتوجب علينا أن نعي ((ان الماضي في ذهننا مؤسطر ومحمل بكثير من المعطيات المختلطة، ولهذا تستمر إشكالية التراث حاضرة بكل ثقلها في أسئلة الحاضر والمستقبل المنظور))(33). إذ ما برح الساسة والمثقفون من كل المشارب والاتجاهات ـ دع عنك ما تتشدق به العامة من الناس ـ يتبارون كما لو إنهم في مهرجان خطابي، بإظهار محاسن العراقيين وتعداد مناقبهم، ليس فقط على مستوى الماضي/ البداية وما ينطوي عليه من افتراضات تشي بوجود علاقات إنسانية حميمة وتوطن قيم أخلاقية نبيلة وحصول تناغم اجتماعي راسخ فحسب، بل وعلى مستوى الحاضر/ النهاية وما يتخلله من سياسات وطنية وممارسات ديمقراطية وذهنيات عقلانية واعتقادات تعددية ـ وكأني بهم لا ينظرون حجم الدمار الذي يحيط بهم من كل جانب جراء التفجر البركاني في كيان المجتمع العراقي، ولا يلمسون ما آل إليه من تشظي مكوناته وتهتك نسيجه، دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة استيعاب الدرس الأول من دروس التاريخ الذي مؤداه؛ ان الأسلوب الخطابي والطريقة الملائية لا يمكن أن تكونا سبيلا ً لإصلاح الواقع المزري ومسعاً لتقويم مساراته المنحرفة.
أو لعل بعضهم ربما يستشعرون حقيقة ((ان النقد التاريخي ـ كما أشار بحق المؤرخ الفرنسي بول فين ـ بحدّ ذاته خطير؛ لأنه كاشف ومعرّ وفاضح. لذا يخشى أن تؤدي الحقيقة، كما يقدمها التاريخ، إلى قتل الأخلاق وتثبيط أسباب الحياة والأمل))(34).
ومن المفارقات المثيرة للحزن والسخرية في آن؛ ان العراقيين القدماء كانوا على مستوى رؤيتهم للحياة وتعاملهم مع الواقع أكثر فطنة وأشدّ ذكاء من نظرائهم المعاصرين الذين يبدو أنهم استمرأوا حالة العطالة الذهنية والجمود الفكري واستطابوا وضعية الانقياد للأوهام والتعويل على المجهول(35).
ففيما واجه السابقون تحديات مصيرية هائلة وتغلبوا على صعوبات حياتية لا حصر لها، برغم قسوة ظروفهم الاجتماعية وشحة مواردهم الاقتصادية واستمرار حروبهم السياسية، لاسيما ((وإننا نعرف ـ كما يقول ليو أوبنهايم ـ بأن كافة مدن ما بين النهرين الكبيرة والصغيرة قد دمرّت لمرات عديدة بواسطة الحروب))(36)، فان أقرانهم اللاحقون ما أن تحلّ نازلة وتداهم الشعب محنة، حتى ينكفأوا على أعقابهم ويرتدّوا إلى مضارب (جاهليتهم الأولى) لا تردع توحشهم حضارة يتغنون بها ولا تحول دون غلظتهم أخلاق يتعكزون عليها، إذ يصبح الغدر بين الناس أمر مشاع والعنف بينهم سيد الأحكام مطاع، ((فعندما يكون التوتر والانفعال والتطرف العراقي هو سيد الموقف فلا فرصة على الإطلاق للتعقل والحكمة والتريث والمصالحة، ولابد أن تقع الكارثة وهذا تقريبا"ما حصل في العراق في كل الأزمان والعصور))(37)، بحيث لا يتردد القوم عن ارتكاب كل المعاصي وإتيان جميع المحرمات، حالما ينحسر ظل الدولة وتضعف قبضة السلطة وتضمحل هيبة القانون، حينذاك تغدو صيحة (حرب الجميع ضد الجميع)(38) هي الحكم والفيصل في ظل شريعة الغابة حيث القوي يأكل الضعيف ويستبيح ماله وينتهك عرضه.
وهكذا فقد لاحظ، على سبيل المثال لا الحصر، المؤرخ والباحث (حنا بطاطو) وهو يرصد أحداث الموصل عام 1959، طبيعة المجتمع العراقي من حيث خاصية مزاجه العدواني ونمط علاقاته المضطربة بالقول ((أنارت أحداث الموصل بتوهج لهيبها تعقيدات النزاعات التي كانت تهز العراق، وكشفت عن وجوه القوى الاجتماعية المختلفة بطبيعتها الأساسية والتراصف الحقيقي لمصالحها الحياتية. ووقف الأكراد واليزيديون لأربعة أيام ضد العرب، ووقف المسيحيون الآشوريون والآراميون ضد العرب المسلمين، وقبيلة البومتيوت العربية ضد قبيلة شمّر العربية، وقبيلة الكركرية الكردية ضد البومتيوت العربية، ووقف فلاحوا ريف الموصل ضد أصحاب الأراضي، وجنود اللواء الخامس ضد ضباطهم، ونواحي مدينة الموصل ضد مركزها، وعامة حييّ المكاوي ووادي حجر الشعبيين ضد أرستقراطيّ حي الدواسة العربي، وضمن حي باب البيد وقفت عائلة الرجبو ضد الأغوات منافسيها التقليديين. وبدا وكأن كل النسيج الاجتماعي قد تفكك وان السلطة السياسية تلاشت كليا". وتحولت الفردانية بتفجرها إلى فوضى. وأطلق الصراع بين القوميين والشيوعيين عدوات عمرها من عمر الزمن، وشحنها بقوة متفجرة وواصلا"بها نقطة الحرب الأهلية))(39).
وإذا ما تغاضينا عن ذكر تفاصيل ما جرى ـ ويجري لحد الآن ـ لاسيما بعد التاسع من نيسان عام 2003، من تدمير شامل للمؤسسات، وتهريب كلي للممتلكات، ونهب واسع للثروات، وتخريب جذري للنفسيات، وتشويه مفرط للعلاقات، وتسطيح مسرف للفكريات.. فان الأحفاد الجدد لم يبرهنوا فقط على نكوصهم وتخاذلهم عن القيام بدورهم التاريخي وواجبهم الوطني حين دعى الداعي لذلك فحسب، بل وأثبتوا للداني والقاصي عجزهم في تحمل أية مسؤولية تناط بهم للخروج من هذه الورطة والإفلات من هذا المأزق، ما لم يأمنوا على مكاسبهم الشخصية أولاً ويقبضوا الثمن على ذلك مقدما ً، للحد ان رجل مثل السفير (بول بريمر) الحاكم المدني الأمريكي السابق في العراق، كتب (مغتاضا ً) في أحدى رسائله إلى زوجته يقول ((أنوي أن أبيّن لهم ـ يقصد سراة القوم وأصحاب الحل والعقد الذين ساقتهم الأقدار لاعتلاء عرش السلطة ـ ان هناك قضايا خطيرة عليهم التعامل معها بدلا ً من الحلم بالمكتب الذي سيشغلونه في أثناء الانتقال أو ما هو نوع السيارة التي سيطلبون))(40).
وعلى ضوء هذه الخلفية الدراماتيكية المرعبة فان الركون الطفيلي إلى مواريث حضاراتنا القديمة والتعاطي المتكاسل مع رموزها المادية والاعتبارية وكأنها تعاويذ أو تمائم سحرية، تكفل لنا ـ بمجرد استحضارها في وعينا وتوظيفها في خطاباتنا ـ التغلب على الكوارث والنأي عن المصائب التي لا نفتأ نوقع أنفسنا في أتونها، كما وتمنحنا القدرة الذاتية على اجتراح المعجزات وإتيان الأعاجيب، دون أن نجد السبيل الواقعي والمدخل العقلاني إلى ذاتنا الجماعية التي خسرت شخصيتها وفقدت وعيها ومسخت هويتها، فضلا ًعن التخلي عن أفكارنا العتيقة ونبذ عاداتنا البالية وتحجيم نرجسيتنا المفرطة. لا يمكن إلاّ أن نزداد بعداً عن الواقع وافتراقا ًعن العالم وانتباذاًعن الحياة لا بالمعنى المجازي والافتراض وإنما بالمعنى الحرفي والمملوء للكلمة كما بات يرى الجميع ويلمس. فالفروع لا تكون جديرة بإرث الأصول إلاّ متى ما استلهمت الأولى قيم الثانية، لا للتعسكر في فضائها والتخندق خلف متاريسها وإنما للتحرر من وصايتها والاهتداء بعبرتها والاسترشاد بتاريخها. ذلك لأنه ((لا توجد نقطة بداية معطاة وحسب، أو ببساطة في المتناول: فالبدايات تنبغي أن تخلق لكل مشروع بطريقة تجعل ما ينبع منها ممكنا ً))(41).
بمعنى ان فضائل الأجداد لا يمكن استثمارها من قبل الأحفاد كرأسمال رمزي فاعل ومؤثر في سوق القوى وحقل العلاقات، إلاّ بمقدار ما تكون حافزاً للشروع في مأسسة البنى التحتية للشخصية الاجتماعية والتمهيد لإرساء دعائم الهوية الوطنية، المعول عليها انتشال المجتمع العراقي من عماء الفوضى وسديم التخبط. ذلك لأن ((المجتمع الديناميكي هو الذي (يظل يبحث عن هوية)، لأن المجتمع الذي يتعلق بعناصر بذاتها تعلقاً أعمى، ولا يبدي استعداداً لإجراء تغييرات ثقافية توافقاً مع طبيعة الحياة والمستقبل لا يتهيأ له تحقيق خطوات في طريق الارتقاء أو التحديث أو التغيير الاجتماعي.
وهنا، إذا كانت الهوية خصوصية في الثقافة منقولة عن الماضي ومصبوغة بقدر ما بالحاضر، فان (البحث عن الهوية) يحمل في أطوائه عملية صنع للمستقبل، وكل خطوة مستقبلية مخطط لها تقتضي توفير أسس أو تحقيق عمليات في الثقافة))(42). وعلى العكس مما يشيعه بعض الكتاب والباحثين العراقيين حول وجود (شخصية عراقية) ناجزة ومكتملة(43) ـ جرى وئد بنيتها وتحطيم هيكلها واستئصال كينونتها ـ بوازع من الهيام بأطياف الماضي المؤسسة على موروث الذاكرة الجمعية، والانحباس في أسطورة البداية ومعجزة الأصالة، فإننا نعتقد ـ ولعل الكثير من الدلائل الصارخة والشواهد الفاقعة تدعم وجهة نظرنا في هذا الاتجاه ـ بان المجتمع العراقي خال من عناصر (الشخصية الاجتماعية) ويفتقر لمكونات (الهوية الوطنية).
بل هو ـ إذا ما توخينا الحقيقية في توصيفه وليس الرغبة ـ عبارة عن جماعات هلامية وعصبيات انتقالية أبت على نفسها الخروج من شرانقها القبلية والطائفية والعنصرية واستحال عليها مغادرة تصوراتها التحتية، بحيث أضحت لا تعرف معالم شخصيتها إلاّ بواقع انتمائها للطوائف، ولا تستدل على ملامح هويتها إلاّ من خلال ولائها للقبائل. إذ ان وعيها بالتاريخ تبأور في مخيالها الذاتي المؤسطر، وتعاطيها مع الجغرافيا تمحور حول تخومها المذهبية والعنصرية الضيقة.
من هنا تجد لواعج الملك (فيصل الأول) صداها حين كتب في أحدى مذكراته السرية يشتكي فيها ويقول ((قلبي ملآن أسى انه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لاتجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميّالون للفوضى، مستعدّون دائماً لانقضاض على أي حكومة كانت، نحن نريد والحالة هذه أن نشكل من هذه الكتل شعباً نهذبه، وندربه، ونعلّمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف، يجب أن يعلم أيضاً عظم الجهود التي يجب صرفها لاتمام هذا التكوين وهذا التشكيل))(44).
ولنا أن تنساءل الآن: ما الذي تغيّر مابين لواعج الأمس وفواجع اليوم؟!!.


الهوامش والمصادر
ــــــــــــ
(*) كاتب وباحث من العراق.
(27) نعتمد هنا المعنى الذي خلعه المفكر (محمد أركون) على مفهوم الأسطورة الذي ((يدل على أن الأسطورة أو التركيب الأسطوري للحكايات الشعبية ليس وهماً أو خيالاً صرفاً كله، وإنما هو يستند على أساس من الواقع يشبه النواة المركزية المغلفة بغلافات من صنع الخيال. وهذا هو التعريف الانثروبولوجي الحديث لكلمة أسطورة. ولذلك ينبغي على القارئ العربي ألاّ يفهم من استخدامنا الغزير لكلمة (أسطورة) أو (وعي أسطوري) إننا نقصد الأكاذيب والخرافات التي لا أساس لها من الصحة أو لا وجود لها. وإنما نقصد التركيز على أهمية البعد النفسي أو الخيالي الذي يميل إلى المبالغة والتضخيم في حياة الأفراد والجماعات. انه موجود وفعّال ومجيش للجماهير (خصوصاً في المجتمعات البدائية والمتخلفة) مثلما هو موجود العامل الاقتصادي المادي وربما أكثر)). أنظر كتابه القيم : تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، (بيروت، مركز الإنماء القومي، المركز الثقافي العربي، 1998)، ط/3، ص 35. وفي السياق ذاته فقد لاحظ الانثروبولوجي المعروف (كلود ليفي شتراوس) إن ((الفكر الأسطوري يشيد مجموعات ذوات بنى بواسطة مجموعة ذات بنية هي اللغة. لكنه لا يستمدّ ما يأخذه من مستوى البنية : انه يعمّر قصوره الإيديولوجية من أنقاض المقول الاجتماعي القديم)). أنظر كتاب، مقالات في الأناسة، اختيار وترجمة الدكتور حسن قبيسي، سلسلة الفكر المعاصر 3 (بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، 1983)، ص41.
(28) مرسيا الياد؛ مظاهر الأسطورة، ترجمة نهاد خياطة، (دمشق، دار كنعان للدراسات والنشر، 1991)، ص5.
(29) روبرت م. ماكيفر؛ تكوين الدولة، ترجمة الدكتور حسن صعب، (بيروت، دار العلم للملايين،1966)، ص59
(30) لعل غالبية العراقيين ما برحوا يجتافون، دون وعي، اعتقاد العالم النفسي (كارل غوستاف يونغ)، الذي مفاده :
((إن المستقبل ليس إلاّ تكرار للماضي)). أنظر كتابه : الإنسان ورموزه، ترجمة سمير علي، سلسلة الكتب المترجمة (130)، (بغداد، منشورات وزارة الثقافة والأعلام، 1984)، ص74. أو كما يقول المفكر العربي (برهان غليون) يجري ((تفسير الواقع الخاص من خلال مفاتيح الماضي، وبالتالي الاعتراف المسبق وغير المقبول، باستمرار الماضي في الحاضر وغلبته)). أنظر كتابه؛ المحنة العربية : الدولة ضد الأمة، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1993)، ص11.
(31) الدكتور رضوان سليم؛ نظام الزمان العربي : دراسات في التاريخيات العربية ـ الإسلامية، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)، 98.
(32) الدكتور وجيه كوثراني؛ الذاكرة والتاريخ، مصدر سابق، ص 189.
(33) الدكتور كمال عبد اللطيف؛ أسئلة النهضة العربية : التاريخ ـ الحداثة ـ التواصل (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2003)، ص206.
(34) مقتبس عن وجيه كوثراني؛ الذاكرة والتاريخ؛ مصدر سابق، ص36. ولعل من المفيد ملاحظة إن (الأخلاق وأسباب الحياة والأمل) التي يعنيها المؤرخ المذكور، ليست سوى أخلاق القوى المهيمنة أو المتسلطة التي طالما اعتبرت أن مصالحها الفئوية هي مصالح المجتمع كله وأن إيديولوجيتها الحزبية هي أيديولوجيا عموم طبقاته.
(35) لقد لاحظ الباحث العراقي الدكتور (حسين سرمك حسن) في مقال له إن ((مظاهر التفكير الذرائعي كان ميّزة للعراقيين القدامى)). أنظر؛ في علم نفس الأسطورة (2) الآلهة تنام.. والعراقي لا ينام، صحيفة الصباح، العدد /776 بتاريخ 28 شباط / فبراير 2006. والحقيقة إننا لا نشاطر الكاتب منهجه الاسقاطي للمفاهيم المعاصرة بما تحمله من معاني وما تعنيه من دلالات على مرحلة تاريخية سابقة التاريخ. هذا من جانب، إما من الجانب الآخر، فان (التفكير البرغماتي) لا ينبع تلقائياً دون شروط معرفية ومقدمات اجتماعية لا نخال الباحث يجهل فقدان وجودها في تلك البيئة العراقية الموغلة في القدم. كما إن طريقة التفكير هذه تحتاج، لكي تحوز مواصفاتها، إلى مستوى من الوعي الاجتماعي يحسن عقلنة الواقع وتشؤ العلاقات وبقرطة المؤسسات.
(36) الدكتور عبد الوهاب حميد رشيد؛ حضارة وادي الرافدين : ميزوبوتاميا، العقيدة الدينية، الحياة الاجتماعية، الأفكار الفلسفية، (دمشق، دار المدى، 2004)، ص25.
(37) باقر ياسين؛ تاريخ العنف الدموي في العراق، مصدر سابق، ص132.
(38) تنسب هذه المقولة الشهيرة للفيلسوف الإنكليزي (توماس هوبز). أنظر الدكتور إمام عبد الفتاح إمام؛ توماس هوبر فيلسوف العقلانية، (القاهرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1985)، ص179.
(39) حنا بطاطو؛ العراق، ترجمة عفيف الرزاز،ج3، (بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1992)، ج3، ص179 وفي السياق ذاته فقد أشار الباحثان (أديث وأئي، ايف، بينروز) الى ان ((المشاعر التي دفعت الى الثورة كانت تنبع من أصول مختلفة، فمنها المنافسة التاريخية للسيطرة على الصحراء السورية الكبرى، ومنها المنافسة بين القاهرة وبغداد، والمنافسة بين القبائل البدوية الرحالة وبين الحضر المستقرين في المدن، والمنافسة بين العرب والأكراد، والنزاع العقائدي بين اليمين واليسار، وبين القوميين العرب وبين ـ وان لم يصرح بذلك علانية ـ القوميين العراقيين)). مصدر سابق، ج1، ص363.
(40) السفير بول بريمر؛ عام قضيته في العراق : النضال لبناء غد مرجو، ترجمة عمر الأيوبي، (بيروت، دار الكتاب العربي، 2006)، ص115.
(41) الدكتور ادوار سعيد؛ الاستشراق : المعرفة. السلطة. الإنشاء، ترجمة كمال أبو ديب، (بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1981)، ص50.
(42) الدكتور هادي نعمان الهيتي؛ إشكالية المستقبل في الوعي العربي، (بيروت، مركز، دراسات الوحدة العربية، 2003)، ص171.
(43) لقد أصاب الناقد الانكليزي المعاصر (تيري ايغلتون) كبد الحقيقة حين قال ((لعل أبعد أصناف سياسات الهوية عن الالهام هي تلك التي تزعم ان ثمة هوية ناضجة أصلاً قد قمعت من قبل الآخرين)). راجع كتابه القيم؛ فكرة الثقافة، ترجمة ثائر ديب، (دمشق، دار الحوار، 2000)، ص 141.
(44) عبد الرزاق الحسني؛ تاريخ الوزارات العراقية، ج10، (بيروت، منشورات مكتبة اليقظة العربية، 1982)، ط6، ج3، ص315. كذلك أنظر (حنا بطاطو)، مصدر سابق، ج1، ص44.