الحضارية «دراسات اجتماعية»

 الثلاثاء: 20/05/2008

 

الشخصية العراقية بين تقديس التاريخ وتدنيس الجغرافيا(1/4)

ثامر عباس(*)
(خاص للمعهد)

لطالما شغلت نظريات الشخصية بمختلف أنواعها وتباين مشاربها، فضلاً عن الفرضيات المتصلة بماهية تكوينها وأنماط خصائصها ومراحل نضوجها وأشكال علاقاتها، حيزاً واسعاً من اهتمام الدراسات السوسيولوجية والسيكولوجية والبيداغوجية، ناهيك بالطبع عن البحوث والاستقصاءات الأخرى التي لها مساس مباشر أو غير مباشر بمفهوم (الشخصية) وامتداداته كما في مجالات الثقافة والفلسفة والتاريخ والأخلاق وحتى الفن. من منطلق إنها تعد الوحدة المعيارية التي يتاح من خلالها الكشف عن طبيعة المجتمع الذي تتشكل من نسيج تفاعلاته وقياس مستوى تطور ذلك المجتمع وارتهانه باكتمال عناصر تلك الشخصية وتبلور وعيها.
ولكوننا لا ننوي، في هذا الفصل، التعرض لمضامين النظريات المتعلقة بالشخصية (الفردية) وما تنطوي عليه من رؤى وتصورات من حيث أنماط السلوك وبنى الوعي وأنساق التفكير ومعايير القيم، بقدر ما نهتم بدراسة الشخصية (الاجتماعية)(1) العامة التي نعتقد بأنها تميط اللثام عن المعالم الجوهرية وتكشف النقاب عن القواسم المشتركة لمعظم أعضاء المجتمع من حيث المواقف والأهداف والتطلعات، فإننا سنضرب صفحا"عن التوسع في الاقتباسات والاكثار من الاستشهادات التي تتضمن الإفصاح عن الجوانب الفردية أو المتعلقة بالأفراد بقدر الامكان، معولين بصورة أساسية على الدلالات ذات الطابع الاجتماعي والمنحى المشترك، باعتبار: ((ان المعايير الفردية تتلاشى دائماًخلال التفاعل الاجتماعي مع تبني الأفراد في نهاية الأمر لمعايير الجماعة، واستمرار هذا المعيار في الموقف الفردي))(2).
وعلى أية حال فأنه من المفترض أن يحظى كل كائن إنساني راشد(3) بهيئة معينة من الشخصية تكون له بمثابة المرتكز أو المنطلق الذي يستطيع من خلاله الحصول على ما به يميّز ذاته ويموضع شخصه عن الآخرين(4)، لا بالمنظور البايولوجي / العنصري الذي عولت عليه العديد من الحركات السياسية المتطرفة والعقائد الإيديولوجية المتعصبة لمآرب ودواعي لم تعد غامضة أو خافية على أحد، وإنما بالمنظور السوسيولوجي العام، بحيث يتاح له (= الكائن الانساني) إدراك تفاصيل بيئته الاجتماعية وفهم مغزى أدواره الوظيفية وتشخيص أطر تراتباته الطبقية، مما يعبّر، في المحصلة النهائية، عن جملة خصائصه القومية وأصوله التكوينية واستبطاناته النفسية وخلفياته التاريخية ومرجعياته الرمزية. باختصار شديد تفصح عن نموذج فرادته وأسلوب تميّزه وخصوصية هويته.
ولهذا فقد اعتقد أستاذ علم الاجتماع والباحث الفرنسي (غي روشيه) ان أي ((حضارة كالحضارة الأمريكية هي من غير شك بمثابة بيئة اجتماعية، ولا يكاد يكون ثمة ضرورة للإشارة بأن كل شخص يترعرع فيها يحمل بصماتها. وان أي بلد، رغم انه جزء من حضارة معينة، يظهر هو أيضاً ملامح وسمات خصوصية تميّزه عن غيره من البلدان، لدرجة انه من السهولة أن نفرق، منذ النظرة الأولى أحياناً،ايطالياً عن فرنسي عن أمريكي. وان الغربيين يجدون صعوبة في لمس الفرق بين صيني وياباني وكوري وفيتنامي، الذين هم جميعهم بالنسبة إليهم (آسيويون). غير أن ذلك ليس سوى أثر من آثار جهلهم للسمات القومية الخاصة لكل بلد من البلاد الشرقية والتي تظهر حتى في المركب الفيزيائي للأفراد))(5). وفي ضوء ذلك لا يمكن ـ مهما قيل ـ الافصاح عن أي نمط من أنماط الشخصية الاجتماعية لهذا المجتمع أو ذاك، ما لم يشر الى العوامل الذاتية والشروط الموضوعية التي يتحدد بموجبها ترتيب الصفات الخاصة أو السمات الفريدة التي تفصل بين هذه الشخصية أو تلك الا على سبيل البحث النظري والافتراض المجرد.
ولعل من أبرز تلك العوامل فاعلية وأشدها تأثيراً في تكوين تلك الصفات وتشكيل تلك السمات تتموضع (ذخيرة التاريخ) و (حصيلة الجغرافيا) كمقومات فارقة ومؤشرات دالة ترشد إلى حيث ينبغي أن ينصب الاهتمام وتتركز الرؤية. فالأولى تدخل في صياغة نظام الذاكرة الجمعية للأفراد والجماعات وتؤسس، من ثم، لقاعدة شروع الوعي بالذات القومي أو الوطني والانتظام في السيرورة التاريخية والتجاوب مع اشتراطاتها والتوافق مع قوانينها.
أما الثانية فهي بمثابة حاضنة لتوطين نزعة الانتماء وتكريس مظاهر الولاء للمحيط أو الحيّز الذي تقيم الشخصية الاجتماعية معه وعبره روابط وصلات يترتب على التفريط بها والتقليل من شأنها جملة من التبعات والعواقب تترواح ما بين الاغتراب الاجتماعي والعدمية الوطنية.
ولذلك ((فلا هوية دون جغرافيا وتاريخ، إذا ما فقدت الهوية أحد هذين الركنين، فستصاب الهوية بجرح بليغ، قد تدخل في غيبوبة لا تصحوا منها أبداً))(6). ومن هنا نجد ان الشخصية الاجتماعية للمجتمع الأمريكي، رغم كل المظاهر التي تعكس تقدمها العلمي وتطورها التكنولوجي وتفوقها العسكري وثرائها الاقتصادي وهيمنتها السياسية، لم تبرح تعاني ـ ربما أكثر من أي شخصية اجتماعية أخرى في العالم ـ من عوامل التفكك في أواصرها والتخلع في عراها على خلفية افتقارها إلى شرط التاريخ(7)، وتخليها عن مطلب الجغرافيا. إذ ان ((المدى الذي يحدد فيه الأمريكيون وطنهم ليس المكان بل الأفكار والمؤسسات السياسية.. فالايديولوجيا تتقدم على الأرض عند الأمريكيين))(8). وهو الأمر الذي دفع بالمفكر الأمريكي المعروف (صموئيل هنتنغتون) إلى البحث عن مقومات بديلة مقبولة (الثقافة الانكلو ـ بروتستانتية، والدين، واللغة، والميثاق)، تتيح للشعب الأمريكي المتنوع الأعراق والمختلف الثقافات والمتعدد الديانات والمختلط الحضارات التعويل عليها لبناء شخصيته الاجتماعية وصياغة هويته الوطنية، بعد أن استشعر جسامة التحديات التي تواجه الهوية الأمريكية وتعصف بمكوناتها تحت هواجس الضياع والغربة. وهو ما أفصح عنه بالقول ((نحن الأمريكيين نواجه مشكلة حقيقية في الهوية الوطنية يلخصها موضوع هذه الجملة. هل نحن (نحن) شعب واحد أم عدة شعوب؟ وإذا كنّا نحن (نحن) فما الذي يميّزنا عن (هم) الذين ليسوا نحن؟ العرق، الدين، الاثنية، القيم، الثقافة، الثروة، السياسة أو ماذا؟
هل الولايات المتحدة، كما جادل بعضهم، (أمة عالمية) تقوم على قيم مشتركة لدى كل الإنسانية ومن حيث المبدأ تضم كل الشعوب؟ أو هل نحن أمة غربية بهويتنا التي يعرفها ميراثنا ومؤسساتنا الأوربية؟
أو هل نحن فريدون بحضارة مميزة خاصة بنا، كما جادل أنصار (النزعة الاستثنائية الأمريكية) خلال تاريخنا؟
هل نحن أساساً مجموعة سياسية توجد هويتها فقط في عقد اجتماعي تجسد في إعلان الاستقلال ووثائق التأسيس الأخرى؟
هل نحن ذوو ثقافة متعددة أو ذوو ثقافة ثنائية أو ذوو ثقافة واحدة، هل نحن موزائيك أو قدر إذابة؟
هل نملك أية هوية ذات معنى كأمة تتجاوز هويتنا القومية الثانوية والاثنية والعرقية والدينية؟))(9).
تلك هي حال من لا تاريخ له يعتزّ به ويستلهم رموزه، ولا جغرافيا ينتمي إليها ويتطبع بخصائصها، فهل يا ترى يكون من يمتلك التاريخ ويتلبس بالجغرافيا بمنأى عن تلك التحديات؟.
بمعنى آخر انه إذا كانت مخاوف نخبة المجتمع الأمريكي ناجمة عن فقدانه لشروط التاريخ والجغرافيا لكون المهاجرين والقادمين من شتى الأصقاع يشكلون الغالبية العظمى من مكوناته، فهل يكون بمقدور المجتمع العراقي أن يتجنب تلك الهواجس ويتخطى تلك المخاوف بكفالة حيازته على التاريخ واستيطان الجغرافيا منذ آلاف السنين؟!. الواقع ان التجارب الاجتماعية والممارسات السياسية أظهرت وبرهنت على ان امتياز التاريخ وحضوة الجغرافيا لا يشكلان بحدّ ذاتهما عاصماً من الوقوع في دوامة المشاكل والانزلاق نحو أتون الأزمات، ان لم يكونا أصلاً هما السبب في حصول هذه وحدوث تلك في بعض الأحيان.
طالما عجزت مكونات المجتمع المعني دون تخطي العقبات التي تقمع ارادتها وتردع جهودها الرامية لتوحيد عناصر شخصيتها الاجتماعية، وتخفق في التغلب على ما يشلّ عزيمتها ويعضل توقها الى تشييد صرح هويتها الوطنية. أي إنها تستمرئ حالة الانكفاء بالوعي والنكوص بالإرادة، معولة على ما تتيحه الظروف من هوامش للمناورة والمسايرة وما تجود به الأوضاع من فرص للتحايل والتواصل. وهو الأمر الذي يجعل من التاريخ بدلاً من أن يكون حافزاً مشجعاً للانعتاق من أوهام التشوش الفكري وأباطيل الالتباس الوجداني إلى عبء ثقيل الوطأة يعيق القدرة على النهوض من الكبوة ويشدّ التطلع الإرادي إلى الوراء. كما ويجعل من الجغرافيا بدلاً من أن تكون مرتكزاً موثوقاً للتحرر من هواجس الماضي المبهم وضغوط الحاضر المجهول إلى مرتع خصيب لنمو الاستقطابات الجهوية واستنبات النزعات الانفصالية، والحصيلة بالتالي تفكيك روابط الوحدة الاجتماعية إلى عناصرها الأولية الطاردة ومكوناتها الفرعية النابذة.
وهنا ينتصب النموذج / المثال العراقي كأبرز دليل وأسطع برهان على أن ليس من المحتم دائماً ـ كفرض ميتافيزيقي يقبع خارج إرادة الإنسان ويمارس منطق الوصاية دون وعي منه ـ أن يكون لعامل الزمان وعنصر المكان دوراً استباقياً وشرطاً إلزامياً في صياغة نمط الشخصية الاجتماعية وتكوين ملامحها العامة، فضلاً عن بناء مدماك الهوية الوطنية وتشكيل خصائصها المشتركة، على نحو يوحي كما لو انه بقدر ما يتعمق مجرى التاريخ ويتعتق رسوخ الجغرافيا، بقدر ما تتكامل عناصر تلك الشخصية وتتضح معالمها كما وتتأصل مقومات تلك الهوية وتنضج خصالها والعكس بالعكس. فإذا كان التاريخ / الزمان يجسّد فعل الإرادة الإنسانية بتوسط الجغرافيا / المكان، فأن هذه الأخيرة ليست سوى الشاهد العيني والناطق المعاش على طبيعة خيارات تلك الإرادة والمؤشر على مستويات تطورها والمعبر عن اتجاهات تطلعها.
وفي هذا السياق فقد أشار المؤرخ المصري (جمال حمدان) إلى أن ((الجغرافيا كالتاريخ لا تعيد نفسها، ولا الإقليم يكرر نفسه بصرامة.. والبيئة قد تكون في بعض الأحيان خرساء، ولكنها تنطق من خلال الإنسان، ولربما الجغرافيا أحياناً صماء، ولكن ما أكثر ما كان التاريخ لسانها. ولقد قيل بحق ان التاريخ ظل الإنسان على الأرض، بمثل ما أن الجغرافيا ظل الأرض على الزمان. بينما يضيف قول آخر ان معظم التاريخ ان لم يكن جغرافيا متحركة، فان بعضه على الأقل جغرافيا متنكرة))(10).
وفي ضوء هذه الحقائق وتلك المعطيات، نروم هنا الكشف عن ماهية الدور الذي لعبه الإنسان العراقي في بلورة تاريخه المكتنز بالأحداث والمعتق بالملاحم، والبحث عن خاصية الفعل الذي مارسه حيال الانغراس في جغرافيته والتوطن في رحابها، بعد أن أثخنتها الحروب الخارجية والصراعات الداخلية بالجراح والتصدعات، لكي يتاح له تحقيق التراكم المادي (العلاقات والمؤسسات) والمعنوي (الذهنيات والنفسيات)، وتهيئة مستلزمات التحوّل من جحيم الانقسامات والتناحرات إلى نعيم المدنيات والحضارات من جهة، والوقوف، من جهة أخرى، على إسهام ذلك التاريخ المؤسطر وتلك الجغرافيا المستباحة في تأطير ونمذجة أسس شخصيته الاجتماعية، وتتبع آثار ذلك في نمط سلوكه المتقلب وبنية ثقافته المترجرجة وخاصية مواقفه المتناقضة، لاسيما وأن ((الإنسان العراقي، سامحه الله ـ كما أشار إلى ذلك العالم الراحل علي الوردي ـ أكثر من غيره هياماً بالمثل العليا ودعوة إليها في خطاباته وكتاباته ولكنه في نفس الوقت من أكثر الناس انحرافاً عن هذه المثل في واقع حياته.. وكذلك يمكن القول بأن الفرد العراقي من أكثر الناس حباً للوطن وتحمساً لخدمة العلم، بينما هو في الواقع مستعد للتملص من خدمة العلم إذا آن الأوان))(11).
أولاً- أطياف الماضي وأكلاف الحاضر:
ليس هناك شعباً من شعوب المعمورة يضارع الشعب العراقي في علاقته بالتاريخ وتأثره بالجغرافيا، لا من حيث قدم نشأة الأول وعراقة أصول الثانية ـ فتلك مسألة حسم أمرها المؤرخون منذ زمن بعيد وأصبحت من المسلمات الثابتة في الأعراف الحضارية والإنسانية ـ بل من حيث الوقوع في دائرة سحر الخطاب التاريخي المؤدلج والتماهي مع رموزه الواقعية والافتراضية، بصرف النظر عن مواقع تلك الرموز على خارطة الوعي الاجتماعي ومسار الثقافة الوطنية من جهة، وتعلقه بتفاصيل بيئته الخاصة وإقليمه المحلي وانشداده لعاطفة الروابط الجهوية، والتي أصاب الباحث العراقي (سليم مطر) تسميتها (بروح التقوقع التضاريسي)(12)، قياساً إلى ما للإطار الجغرافي الوطني الأشمل من أهمية في تحقيق (الأنا) بالانتماء وعلوية في تجسيد (النحن) بالولاء من جهة أخرى. بحيث ان المدينة / المحلة غالباً ما كانت ولا تزال تشاطر القبيلة أو العشيرة حضوتها في مضمار المنابزة بالألقاب والمفاخرة بالأنساب بين الأفراد والجماعات الأهلية، كما هو الحال على سبيل المثال في قولنا؛ فلان (البصري) نسبة إلى محافظة البصرة، أو (السماوي) نسبة إلى محافظة السماوة (= المثنى)، أو (العاني) و (الكبيسي) و (الراوي) نسبة إلى مدن عنه وكبسة وراوة في محافظة الأنبار، أو (الخالصي) نسبة إلى مدينة الخالص في محافظة ديالى، أو (الشطري) نسبة إلى مدينة الشطرة في محافظة ذي قار، أو (السامرائي) و (الدجيلي) و (التكريتي) نسبة إلى مدن سامراء والدجيل وتكريت في محافظة صلاح الدين، أو (العقراوي) نسبة إلى مدينة عقرة في محافظة دهوك، وهكذا وقس على ذلك بالنسبة لبقية المدن والمحافظات الأخرى. بحيث كان ((المألوف تشخيص الأفراد ـ جغرافياً ـ بمدنهم، كأن يقال هذا بغدادي أو بصراوي، وهكذا. لأن كلمة عراقي لم يكن لها مدلول اجتماعي مفهوم أو مقبول))(13).
قد نجد لدى بعض شعوب البلدان العربية ما يشبه هذه النعرة، ان على مستوى الإحالة السوسيولوجية (الطبقة) و(الفئة) و(الشريحة) أو على صعيد الدلالة الانثروبولوجية (القبلية) و(العشيرة) و(الطائفة)، إلا انه يندر أن نعثر على ما يوازي انتشار مداها واستبطان قيمها واستمرار حضورها مثلما هي متغلغلة بين مكونات المجتمع العراقي. وهذا لعمري يشكل امتداداً طبيعياً لبقايا الموروث القبلي والعشائري السابق حين كانت قيمة الأرض / المكان ورمزيتها تتأتى من خلال ما توفره من مراع خصبة تساعد أعضاء القبيل على حفظ وتنمية ثرواتهم الحيوانية وتعزيز ديمومتها وتعظيم مردودها، باعتبار إنها تشكل الدعامة الأساسية للاقتصاد الرعوي من جانب، وما تتيحه، من جانب آخر، كمجال حيوي يؤمن لهم شروط البقاء كأفراد والتواصل كجماعات، أما في غير هذه الحالة فانه لا قيمة للأرض ولا اعتبار للمكان بغير مردوهما الاقتصادي ومدلولهما الاستحواذي، خصوصاً وان العراق ـ كما قال المؤرخ العراقي عباس العزاوي ـ ((من قديم الأيام إنما تنشأ فيه الفتن والقلاقل في الغالب من العشائر، وهم دائماً في غي وشغب))(14).
وعلى الرغم من ولع الإنسان العراقي بمعطيات السرد التاريخي لتفاصيل الحياة الاجتماعية لأسلافه واهتمامه بتتبع أخبارهم والإشادة بمآثرهم ـ وهو ما يشهد عليه رواج الثقافات التاريخية والتراثية والدينية بين أغلب فئات المجتمع وشرائحه، فضلاً عن إقبال الكثير من الدارسين والباحثين على التخصص في المجالات التي لها مساس مباشر بتلك الأنشطة المعرفية ـ إلا انه قلما استشعر الحاجة لمعرفة طبيعة الأوضاع السياسية والأحوال الاقتصادية والمظاهر الثقافية التي كانت تحدد خيارات تلك الحياة وتملي على الفاعلين فيها أنماط سلوكهم وأنظمة وعيهم وأشكال علاقاتهم. وهو الأمر الذي يفسر غلبة الطابع الخيالي/ الرومانسي/ الانفعالي بدلاً من العقلاني/ الواقعي/ النقدي في قراءة التاريخ والتعامل مع أحداثه والتعاطي مع سياقاته، بحيث أسقط ـ إلا فيما ندر ـ كل ما كان يجري في عمق السيكولوجيا الاجتماعية من تحولات كمية وتغييرات كيفية طالت الذهنيات والاعتقادات مثلما شملت السلوكيات والعلاقات، فضلاً عما كان يتراكم، ببطئ ولكن بانتظام، في بنية الشخصية الاجتماعية من صفات وسمات وفي منظومة الوعي من تصورات وادراكات.
فهو (=الإنسان العراقي) تعوّد بحكم تواتر المعلومة وتكرار الخبر، أن يستبطن رؤية للتاريخ عادة ما تكون مكتظة بالأحداث الغامضة ومزدحمة بالوقائع المشوشة، للحد الذي فيها وعندها تلتبس الحقائق بالأساطير وتندغم الأديان بالخرافات وتتداخل الأفعال بالتمنيات، مما استتبع عجزه حيال اكتناه ما هو حقيقي وجوهري ورئيسي في السرديات التاريخية لسبر أغوارها وفحص مصادرها واستنطاق مضمونها من جهة، وفرز ما هو متخيل وعارض وهامشي في صياغة أشكالها وشحن خطابها لتقييم دوره وتعيين وظيفته في سيرورة الفعل التاريخي والحراك الاجتماعي من جهة أخرى. أي بمعنى أن تصوره لم يبلغ بعد مستوى الوعي بالذات التاريخي وإدراك الجدلية الزمنية وما تستلزم من عوامل ذاتية ناشطة وما تستوجب من اشتراطات موضوعية فاعلة، وانما كذاكرة جمعية تركت تتلقف كل ما يرد اليها من تداعيات وينساب نحوها من معلومات، عبر قنوات السيّر الشخصية والمرويات الشفوية والمغازي السلطانية، دون أن تتمكن من اخضاعها لمقاييس العقل المرنة ومعايير الواقع المتطورة(15).
وفي هذا السياق فقد عبر (الغياثي) في تأريخه عن هذه الحالة بطريقة لا تخلو من دلالة حين قال ((ان من كثرة الفتن وتواتر الاحن التي جرت بأرض العراق لم يضبط أحد تاريخها.. أولاً من عدم أهل (=أهلية) هذا العلم ومن النظر فيه، وثانياً إن أكثرها تواريخ ظلم وعدوان تركها خير من ذكرها))(16).
وإذا ما اعتمدنا تصنيف المؤرخ الفرنسي (فردنان برودويل) لأنماط التاريخ أو مستوياته، حيث يرى إن (المستوى الأول) الذي يعبّر عن تاريخ الإنسان وعلاقاته بالوسط الطبيعي والبيئي الذي يحيط به، هو تاريخ شديد البطئ في انسيابه وفي تحولاته، وهو يتسم بالتكرار والاستمرارية النسبية خلال الزمن. اما في (المستوى الثاني) الذي يظهر التاريخ الاجتماعي أو الزمن الاجتماعي للمجموعات والكتل البشرية وحركتها، فهو يشتمل على دراسة الاقتصادات والدول والمجتمعات والحضارات والأفكار، أو كما يسميها (بقوى العمق). هذا في حين يجد في (المستوى الثالث) خصائص التاريخي الحدثي والوقائعي الذي يتسم ((بهيجان سطحي بذبذبات قصيرة وسريعة وعصبية))، معتبراً ان هذا المستوى يعدّ الأكثر إثارة والأشد إغراء لأنه ((يقدم نفسه لنا على نحو ما كان يحسه معاصروه ويعيشونه ويصفونه، أي على قياس غضبهم وأحلامهم وأوهامهم))(17).
نقول إذا ما جاز لنا اعتماد هذا التقسيم كمقاربة منهجية في تحليلنا لإشكالية الذاكرة الجماعية العراقية ونكوصها حيال الوعي التاريخي، فإننا سنلاحظ ان مضمون المستوى الثالث/ الأخير هو الأقرب والأنسب إلى توضيح مقصدنا فيما يتعلق بنظرة الإنسان العراقي إلى سيرورة تاريخه ومعطيات أحداثه وتفاصيل تحولاته، كما لو أنها سلسلة من الحلقات المنتظمة تبدأ من نقطة معينة أو مرحلة مخصوصة ـ غالباً ما تكون مشحونة بتصورات طوباوية ـ شرعت منذ ذلك الحين تغتني بتراكم القرون وتعاقب الأجيال، دون أن يضع باعتباره أي احتمال لحالات القطيعة في مسارات حراكه، والتوقف عن ديناميات تفاعله، والتقهقر دون مستويات تطوره، والتي كثيراً ما أسدل عليها الستار، أو في أحسن الأحوال أسيء تشخيصها وحرّف تفسيرها، بسبب المواقف المتحزبة والمنطلقات المؤدلجة، معولة بذلك على خزين الذاكرة الجمعية وما تحفل به من انطباعات شخصية واستيهامات ذاتية، دون الركون إلى رصيد التاريخ الفعلي وما يحتكم عليه من قواعد منهجية وضوابط منطقية تتطلب لا البحث الدقيق والفحص المتأني فقط بل والنقد الشامل والمساءلة المستمرة أيضاً.
وهو الأمر الذي أفضى إلى حصول هذا النكوص في فهم التاريخ والعجز عن بلوغ مرتبة الوعي بأحداثه الفعلية والتعامل مع معطياته الواقعية، أي الإخفاق في إدراك زمانيته بالتتابع والتداخل في العلاقات والتقاطع والتمفصل بالذهنيات. مما استتبع ((اننا نعيش حالة تمزق لا مثيل لها بين الشعوب أفضت الى ما يمكن أن نسميه (بؤس الوعي التاريخي). نمجد التاريخ ولا نعيه على نحو عقلاني نقدي وفي تطوره الاجتماعي. نفرط في الحديث عن العراقة التاريخية وننكر الجذور. نزهو على الآخرين من منطلق انحياز ايديولوجي وبات من غرائبنا اننا نعلن عن بعض مراحل تاريخنا أو نطمسها عن عمد. نتحدث عن الجاهلية وكأنها صفحة سوداء أو مساحة من الفضاء ونفاخر بحضارة سبعة آلاف سنة التي تعيش جذورها في أعماق وجداننا سلوكاً وثقافة ولكننا نجهلها ويلعنها بعضهم عن جهل. وفي جميع الأحوال لا يشكل التاريخ القريب أو البعيد رؤية نسقية الى الذات القومية في بعدها التاريخي وفي علاقتها مع الآخرين. وقد أسهم التعليم العام بدور في ترسيخ حالة (بؤس الوعي التاريخي) مثلما أسهمت أسباب ثقافية اجتماعية أخرى))(18).
وعليه لا يمكن إلا أن نمحض تأييدنا لأطروحة عالم الاجتماع الفرنسي (غي روشيه) التي مفادها ان ((الفصل بين التاريخ والذاكرة يترك لهذه الأخيرة عناصر من الماضي الأسطورية ويطرح مشكلة صدق الحدث وصحته. عند ذاك تحل الذاكرة المشكلة في إنها لم تتوقف إلا عند عدد محدود من الوقائع))(19).
ومما هو جدير بالذكر في هذا المجال ان تاريخ العراق السياسي والاجتماعي في معظم مراحله وأغلب فتراته لم يتسن للعراقيين تدوينه بإرادة متحررة من القهر الداخلي والتسلط الخارجي، كما لم يكن استجابة لدواعي إدراكهم الناضج لواقعهم الحياتي وما ينطوي عليه من ملابسات ومفارقات، بل انه فرض عليهم عبر ضروب شتى من الاجتياحات المتتالية والصراعات المتكررة، واجبروا من ثم على التعايش مع تناقضاته الصارخة واجتياف قيمه المتهرئة والتماهي مع رموزه المتغربة، مما عزز لديهم ظاهرة التخالف والتباعد ما بين ذاكرة لا تنفك تندغم بأطياف الماضي المنتقاة وتتغذى على سخاء الانطباعات الذاتية المؤسطرة من جهة، وبين وعي لا يبرح ينأى عن الواقع المعاش بكل تعقيداته وتداعياته، ويجهل سبل الولوج إلى فضاء التاريخ الواقعي بكل تقلباته وانزياحاته من جهة أخرى.
ولعلنا في هذا السياق لا نجد أفضل مما لخصه لنا المؤرخ (العزاوي) في تأريخه للعراق حين كتب يقول ((كتبت علينا الأرزاء وكل جديد في الحكم يتطلب نفعاً جديداً وكثيراً، يريد أن نكون (بقرة حلوباً) أو (دابة ركوباً).. وهكذا لا ندري مصيرنا في هذا العصر وما ستجره الأيام من ويلات.. والبدوي أهون شراً وأقل كلفة، يركن إلى المواطن البعيدة والخافية عن الأنظار، أو انه يخطب ودّه إذا كانت له الإمارة على جملة القبائل.. وتميل العشائر إلى الأقوى من هؤلاء التماساً وراء الراحة والاستفادة.. والأحوال الحربية متوالية والمعارك الدامية مما شوش النظام الداخلي وقضى على الإدارة الثابتة والمطردة))(20).
ولما كان جوهر التاريخ يقترن بخيارات إرادة الإنسان وتوقعات مستقبله ـ كما أشرنا سابقاً ـ فان هذا الأخير مطالب لإثبات قدرته وتأكيد نيته على ممارسة الفعل التاريخي، فضلاًعن تجسيد نزعته في التفاعل الاجتماعي والتواصل الإنساني، ليس فقط عبر استيطان الجغرافيا (كحيز إقليمي) والاستقرار في المكان (كبيئة حضارية) فحسب، وإنما العمل على أنسنة الطبيعة وعقلنة مظاهرها بما يجعل لوجوده معنى ولمصيره مغزى.
نقول إذا كان الأمر كذلك من حيث المبدأ، فما هي يا ترى حصيلة علاقات الإنسان العراقي بالجغرافيا من حيث الواقع؟
بمعنى آخر انه إذا كانت الخاصية الحضارية والإنسانية لا تظهر لدى الفاعل الاجتماعي إلا من خلال وشائج الانتماء للأرض والولاء للمجتمع، فما هي تبعات استباحة وحدة الجغرافيا واختراق نسيج المجتمع على تشكيل عناصر الوعي بالذات التاريخي وصياغة مقومات الشخصية الاجتماعية وبلورة خصالها المميزة وسجاياها الفريدة؟.
وإذا كانت ملامح الشخصية الاجتماعية حاصل تقاطع المكونات الايكولوجية والتفاعلات السوسيولوجية والتراكمات السيكولوجية، فهل يغدو مشروعاً الحديث عن وجود شخصية ما في ضوء اغتصاب الأولى واضطراب الثانية واغتراب الثالثة؟!.
الواقع انه ليس من قبيل التجني على الحقيقة القول بأن إقليم/ أرض العراق كان ولا يزال الأكثر تعرضاً من بين أقاليم العالم قاطبة لسيول الغزوات الخارجية والاجتياحات الأقوامية التي طالما استهدفت جميعها تحقيق مطامع احتلال موقعه الجغرافي واستغلال ثرائه الاقتصادي والإخلال بتنوعه الاجتماعي والسعي لطمس كيانه الحضاري، مما انعكس سلباًعلى تفاصيل حياة شعبه ومفردات تصرفاته، بحيث تطبّع بخصائص الحزن في عواطفه والإحباط في همته والتوجس في علاقاته واليأس في تطلعاته والتطرف في نزعاته.
وعلى ذلك يقول صاحب (مرآة الوزراء) المؤرخ العراقي (سليمان فائق) ما نصه ((ان الخطة العراقية لم تصل إلى أيدي أصحابها من زمن العباسيين إلى اليوم. فصارت تعد من أردأ البقاع. وهذا كل ما أستطيع بيانه بكمال الأسف. تمادى الجور والعسف فبدل حسنها بالسوء، وحوّل انسها ولطافتها بالوحشة والخشونة. وهذه الحالة صارت تظهر للأهلين أنها المثلى، فصاروا يرون الجهل أمراً مقبولاً، وعادوا لا يشعرون بما لحقهم من الانحطاط.. وان الدولة ترى المخلص ذليلاً، والخائن المهين في أعلى المراتب وأرقى المنازل.. مما أدى إلى فتور الهمم بل موت العزائم. والعراقيون أكثرهم أهل بادية.. وسكان المدن عبيد القفا من أعوام كثيرة، فالذل مسيطر وضارب أطنابه، نسي هؤلاء لذة الحرية فهم البائسون حقاً في حين ان من هؤلاء من يصلح للتربية ويليق أن ينال منزلة رفيعة لما وهبوا من الذكاء والفطنة إلاّ ان الأغراض لم تمكنهم من عمل مرضي فخارت القوى وذلت النفوس دون نيل المطلوب، والأكثر ظلوا خائبين خاسئين))(21).
وهكذا فقد أفضت الحروب المستمرة والصراعات المتواصلة بين القوى الطامعة للسيطرة على ثغور العراق والهيمنة على مدنه واستتباع قصباته إلى حصول نزوحات وهجرات ديموغرافية متوالية، ليس فقط داخل الحدود الجغرافية للإقليم العراقي التي غالباً ما كانت سائبة وغير محددة، وإنما خارج تلك الحدود وبعيداً عنها، عبر اللجوء إلى عمق الأراضي التابعة للدول المجاورة التي عادة ما كانت معنية بصورة مباشرة بتلك الحروب والصراعات، سعياً وراء الأمن والاستقرار أو طلباً للحماية والنجاة(22)، ناهيك بالطبع عما تمخض عن عمليات المقايضة/ المساومة التي تمت بين الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية من العبث بأجزاء مهمة من إقليم العراق بما فيه وما عليه من مكونات وثروات، وذلك بتنازل أحد الطرفين عن بعضها مقابل الحصول على بعضها الآخر كتعويض من الطرف الثاني لاعتبارات سياسية وعسكرية واستراتيجية(23)، دون مراعاة الحقوق التاريخية والمعطيات الجغرافية والتبعات الاجتماعية.
ففي تتبعه لدور العامل الجغرافي مقترناً بالعامل الديني / الطائفي وأثر ذلك على تبلور الإشكاليات القومية والثقافية في المجتمع العراقي، أوضح الباحث العراقي (سليم مطر) انه ((يمكن ملاحظة دور العامل الطائفي في المسألة الكردية حتى في القرون المتأخرة، لقد عقدت معاهدة (أرضروم عام 1847) بين الدولتين العثمانية والإيرانية، إذ تنازل بمقتضاها العثمانيون عن مطالبتهم بمنطقة (المحمرة وعبادان) العربية العراقية (الشيعية) لصالح إيران، لقاء تنازل إيران عن مطالبتها بمنطقة (شهرزور) الكردية (السنية). وتكرر الأمر في عهد الملك فيصل عندما تغاضى عن ضم إيران لإمارة المحمرة (الأحواز) عام 1925 لقاء قيام الإنكليز بقمع ثورة الحفيد وضم منطقة (السليمانية) إلى العراق. ثم تكررت الحالة في اتفاقية الجزائر عام 1975 إذ وافق صدام حسين على التنازل عن مطالبته بعربستان (الأحواز) بالإضافة إلى نصف شط العرب لقاء سحب إيران دعمها للثورة الكردية))(24).
وهو ما استتبع تبعثر الجماعات وتذرر الولاءات وانشطار الانتماءات، بحيث ان آثارها النفسية والسياسية لا تزال قائمة لحد الآن. وكما هو متوقع في مثل هذه الحالة فان روابط الإنسان بمجتمعه وعلاقته بإقليمه تبقى واهية وعديمة التجذر، معيارها في ذلك اتجاهات بوصلة المصالح الفئوية وتقلبات الأمزجة الشخصية وميول الأهواء الفرعية. هذا وقد سبق للمفكر البحريني (محمد جابر الأنصاري) أن رصد هذه الوضعية على مستوى الوطن العربي حين قال ((ان الاعتبارات البشرية ـ السياسية للجماعات العربية هي التي تحدد الفضاءات الجغرافية للوطن العربي وليس العكس، أي ان السياسة هي التي تحدد الجغرافيا أكثر مما تمثل الجغرافيا المتحددة الثابتة المنطلق الطبيعي الموضوعي للسياسة كما هو سائد دولياً.
ونتيجة لذلك فان الجغرافيا تنحسر أو تتحدد حسب انتشار الجماعة البشرية عليها أو حسب تبلور (ميول) الجماعات البشرية فوقها للفكرة العربية. (فالفكرة) إذن هي التي ترسم الجغرافيا، بينما القاعدة الأعم في ظاهرة الأوطان والقوميات ان الجغرافيا هي التي تحدد أولاً، ومن طبيعتها الثابتة المتحددة تنبثق بعدئذ الفكرة القومية والسياسية، الأمر الذي يعطيها صلابة طبيعية وديمومة ثابتة))(25).
وضمن هذه المشاهد الملتبسة والمرتبكة تجئ سياسات وإجراءات مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي وما تحمله من أجندات وما تمثله من خيارات، لتعبر عن واقع ملئ بالمخاوف ونوايا تثير الهلع، لا يمكن إلاّ أن تزيد الشرخ الرابض في العقول والمعشعش في النفوس عمقاً واتساعاً، على خلفية السيناريوهات المحتمل تبنيها من قبل أطراف العملية السياسية والتي تتراوح ما بين التقسيم الفدرالي على أسس عرقية (عرب أكراد) أو طائفية (شيعة وسنة)، أو جهوية (شمال وجنوب)، وبين دعاوى تجزئة خارطة العراق إلى ثلاثة أقاليم مستقلة (شمال/ أكراد) و (وسط/ سنة) و (جنوب/ شيعة). ولعل مشروع السيناتور الديمقراطي (جوزيف بايدن) حول تقسيم العراق الى ثلاث أقاليم بحسب توزيعها الاثني والطائفي ـ بالرغم مما أشيع حول طابعه (غير الملزم) ـ يأتي في هذا الأطار، وهو ما يجعل مهمة البحث عن مقومات الشخصية الاجتماعية العراقية ليست عسيرة ومضنية فحسب، وإنما أقرب للحلم منها إلى الواقع. ولهذا فقد جادل الباحث العراقي (ميثم الجنابي) حول هذه المعضلة معتبراً((ان قضية الأرض في العراق قضية حضارية قبل كونها قومية سياسية. أما إثارتها بالطريقة الكردية، فانه تعبير عن نفسية الانعزال والتجزئة المميزة للأقوام التي لا تشكل قوة مندمجة وفعالة في كينونته الثقافية. وهذه كينونة تكشف عنها الحفريات والتاريخ الحضاري والدولتي والسياسي والثقافي، وليس الادعاءات الايديولولجية عما يسمى بالأسلاف والأجداد الأسطوريين. فالادعاء الأيديولوجي أياً كان شكله يستمد قوته وضعفه في نفس الوقت من القدرة على الاتهام))(26).


الهوامش والمصادر:
ــــــــــــ
(*) كاتب وباحث من العراق.
(1) يرى عالم النفس الأمريكي (اريك فروم) إن ما تتميز به الشخصية الاجتماعية هي أنها ((لا تظم سوى نخبة من المعالم، النواة الجوهرية لمكون شخصية معظم أعضاء الجماعة التي تطورت نتيجة التجارب الرئيسية ونمط الحياة المشترك في تلك الجماعة)). أنظر كتابه؛ الخوف من الحرية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1972)، ص221. كذلك كتابه الآخر؛ الإنسان بين الجوهر والمظهر، ترجمة سعد زهران، سلسلة عالم المعرفة (140)، (الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1989)، ص141 وما بعدها. والجدير بالذكر إن المفكر المصري (السيد يسين) كان قد تبنى ذات المفهوم حين تصدى لدراسة؛ الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر، (القاهرة، مكتبة مدبولي، 1993)، ص69 وما بعدها.
(2) ريتشارد س. لازاروس؛ الشخصية، ترجمة الدكتور سيد محمد غنيم، (القاهرة، دار الشروق، 1981)، ص 178. ولمزيد من المعلومات حول موضوع الشخصية، يمكن مراجعة كتاب كالفن هول وغاردنر لندزي؛ نظريات الشخصية، ترجمة فرج أحمد فرج وقدوري محمود حفني ولطفي محمد فطيم، (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1971). وكذلك أنظر الدكتور قاسم حسن صالح؛ الإنسان من هو ؟ سلسلة دراسات (363)، (بغداد، دائرة الشؤون الثقافية العامة، 1984)، حيث يشير المؤلف إلى ان تعاريف الشخصية من الكثرة بحيث ((إن أثنين من الباحثين وجدا عام 1962 إن عدد منظري الشخصية كان (142) منظرا"لكل منظر تعريفه الخاص في الشخصية))، ص14.
(3) غني عن البيان إن مفهوم (الإنسان) يعد أوسع معنى وأعمق دلالة من المفاهيم المرتبطة به المحاذية له مثل (الشخص) و(الفرد). فإذا كان الفرد هو الإنسان بمفرده وانه سيبقى عاجزا"عن امتلاك عناصر الشخصية ومقوماتها إلاّ بمقدار ((ما يستوعب مكاسب الثقافة ويصبح ذاتا"(فاعلا") واعيا"للنشاط، ويتحمل مسؤولية تصرفاته، بقدر ما يطور فرديته بالذات. فان الإنسان – كما قال ماركس – هو من حيث الجوهر مجمل جميع علاقاته الاجتماعية)). أنظر كيله وكوفالسون؛ المادية التاريخية : دراسة في نظرية المجتمع الماركسية، ترجمة الياس شاهين، (موسكو، دار التقدم، د. ت)، ص300. وحول نفس الموضوع راجع؛ ف. ب. توغارينوف؛ الطبيعة. الحضارة. الإنسان، ترجمة رضوان القضماني ونجم خريط، (بيروت، در الفارابي، 1987)، ص173 وما بعدها.
(4) لعلنا لا نبتعد كثيرا" عما يراه المفكر المغربي (محمد عزيز الحبابي) من أن ((الكائن الإنساني معطى خام، يظهر ويصير كلما ازداد اتجاهه نحو التشخصن، ونحو الاندماج في مجتمع من الأشخاص. فهو باق (كائنا") خاما"ما لم يظهر للآخرين (...) لأن الظهور لا يكون إلاّ بالنسبة للآخرين. وهذا الارتباط هو الذي يجعلنا في طريق التشخصن)). أنظر كتابه؛ من الكائن إلى الشخص : دراسات في الشخصانية الواقعية، (القاهرة، دار المعارف، 1968)، ص11.
(5) غي روشيه؛ مدخل إلى علم الاجتماع العام (1) الفعل الاجتماعي، ترجمة الدكتور مصطفى دندشلي، (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1983)، ص13.
(6) صموئيل هنتنغتون؛ من نحن ؟ التحديات التي تواجه الهوية الأمريكية، ترجمة حسام الدين خضور، (دمشق، دار الرأي للنشر، 2005)، ص7.
(7) يقول عالم الاجتماع الأمريكي (بنيديكت أندرسون) انه ((لا توجد أمة في غياب تاريخ قومي، يدخر في عقول شعبها ذكريات مشتركة عن آلامها وانتصاراتها، أبطالها وأوباشها، أعدائها وحروبها، هزائمها وأمجادها. ووفقا"لهذا المعيار، لم تكن الولايات المتحدة أمة في القسم الأكبر من تاريخ القرن التاسع عشر، لأنها لم تمتلك تاريخا"قوميا")). أورده؛ هنتنغتون؛ المصدر ذاته، ص125. وفي السياق ذاته فقد أشار الناقد الانكليزي المعاصر (تيري ايغلتون) الى انه ((اذا ماكانت الحتمية الأوروبية تنبع من ان أوروبا تكاد نختنق بالتاريخ، فأن الأرادوية الأمريكية تتأتى من أن أمريكا تكاد تختنق من الأفتقار اليه (...) واذا ماكانت الولايات المتحدة غير مقيدة نسبيا"بالتاريخ، فهي بالمثل بعيدة بعدا"شديدا"عن الجغرافيا، هذا المبحث الذي تبدو فيه هوايتها وغراراتها بصورة مخجلة)). أنظر كتابه القيم؛ فكرة الثقافة، ترجمة ثائر ديب، (دمشق، دار الحوار، 2000)، ص 187. من جانبه فقد لخص الباحث العربي (محمود ابراهيم) فحوى هذه الموضوعة حين كتب يقول ((كبقية التواريخ لأغلبية شعوب الأرض ودولها، لا يوجد ما يسمى (بالتاريخ الأمريكي)، هذا التاريخ هو فلتة تاريخ، صنعة لاحقة على تاريخ هو الأصل، ولكنه – قطعا"- ليس التاريخ الأمريكي، انما تاريخ المايا أو الآزتك، أو الهنود الحمر، أو الهنود، هو تاريخ لم يقم على أنقاض تاريخ هؤلاء والموغل في القدم، انما بعد تحويل الشعب التاريخي والجغرافي العتيد والعريق دون تسميته، بعد محاولة التمكن منه من النواحي كافة)). راجع، جان بودريارد – أدغار موران؛ عنف العالم، ترجمة عزيز توما (دمشق، دار الحوار، 2005)، ص 17.
(8) صموئيل هنتنغتون؛ المصدر ذاته، ص64، ص65.
(9) المصدر ذاته؛ ص25.
(10) جمال حمدان؛ شخصية مصر : دراسة في عبقرية المكان، ج2، (القاهرة، عالم الكتب، 1980)، ج1، ص63.
(11) الدكتور علي الوردي؛ شخصية الفرد العراقي : بحث في نفسية الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث، (دون ذكر مكان النشر وتاريخه)، ص37. هذا وقد لاحظ كاتب عراقي آخر إن ((شعب العراق رغم صلابته وعناده وقوة تحمله وتماسكه الظاهر على المستوى الفردي والجماعي فانه في كثير من الأحيان يمارس في سلوكه التطبيقي فعل الشخصية المزدوجة اجتماعيا"، فهو رغم الوصف السابق نجده قليل الصبر سريع الخنوع والانصياع لسلطان القوة القاهرة وسطوة العنف ويستكين لجبروت الشدة في الحكم الجائر ويساير ضغوط الحاكم القوي طالما كان سيف القوة والحزم مشرعا"ونافذا"، وهذا المسلك يؤدي به في أغلب الأحيان للنكوص عن الالتزامات المبدئية والأخلاقية والاجتماعية والعجز عن الإيفاء بالذمم والعهود والمواثيق المبرمة عندما تقف سلطة الدولة بينه وبين التزاماته المبدئية والأخلاقية)). أنظر باقر ياسين؛ تاريخ العنف الدموي في العراق، (بيروت، دار الكنوز الأدبية، 1999)، ص103
(12) سليم مطر؛ جدل الهويات : عرب وكرد.. تركمان.. سريان.. يزيدية، صراعات الانتماءات في العراق والشرق الأوسط، (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003)، ص39.
(13) الدكتور عبد الوهاب حميد رشيد؛ التحول الديمقراطي في العراق : المواريث التاريخية والأسس الثقافية والمحددات الخارجية، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)، ص263، وهو مايشكل تكثيفا"وتلخيصا"لطروحات الباحث والمؤرخ (حنا بطاطو) الذي كتب يقول ((وجدت كل الانشقاقات الحضرية لنفسها تعبيرا"في ظاهرة أخرى هي ظاهرة (المحلة) أو الحي المديني، وبكلمات أخرى، فان المجموعات التي كانت تنتمي في مدن العراق الى عقائد دينية أو طوائف أو طبقات مختلفة، أو كانت من أصول اثنية (عرقية) أو عشائرية مختلفة كانت تميل الى أن تعيش في (محلات) منفصلة)). أنظر كتابه؛ العراق، ج3، ترجمة عفيف الرزاز، (بيروت، مؤسسة الابحاث العربية، 1990) ج1، ص36. هذا وقد استخلص (بطاطو) في مكان آخر نتيجة تلك الظاهرة ليضيف ((ونتيجة لذلك، جزئيا"، فقد اختلفت المدن في توجهها الاقتصادي، فكانت روابط الموصل مع سوريا وتركيا، وروايط بغداد والمدن الشيعية المقدّسة مع بلاد فارس والصحارى الغربية والجنوبية الغربية. أما البصرة فكانت تتطلع بشكل رئيسي الى البحر والهند))، المصدر ذاته، ص35. وفيما يتصل بهذا الموضوع الحيوي فأنه لا يفوتنا ايراد ما لخصه الاكاديمي والباحث العراقي (مالك المطلبي) في معرض تقديمه لكتابه الحديث، ذاكرة الكتابة : نبش اللاوعي المهمل، من آراء قمينة بتعزيز وجهة نظرنا، عبر تأكيده بالقول ((لقد تحدثت في كتابي عن منطقتي في جنوب العراق واسمها (الحلفاية) أو (المشرح) نسبة الى تشريح النهر عند مروره في تلك المنطقة وهي مكان الحدث الرئيس فيه، وكانت تلك المنطقة التي أعيش فيها هي مكان الكون الأول وأن كل بقية أمكنة العالم الأخرى هي تفاصيل لآنها الموطن أو بيت الطفولة الأول. فالحلفاية هي المكان السحري الذي أوجد مركز العمل في العقل حتى أن العمارة التي كانت المركز لم تكن تشكل عندي الاكتشاف بل الدهشة)). راجع ملحق جريدة الصباح العدد(1298) بتاريخ 16 كانون الثاني / يناير 2008. ولعل كل هذه الدلائل تخالف الاستنتاج الذي توصل اليه الباحث العراقي (حسن العلوي) والذي مؤداه ((ان العرب في تاريخهم الطويل لم يفضلوا الانتساب الى المكان، وانما ينتسبون الى القبيلة والعشيرة، بينما شاعت النسبة الى المكان عند الفرس، فلا يكاد يولد الواحد منهم في مدينة أو يقترب منها حتى يلصق لقبها به كالبخاري والشهرستاني والاصفاهاني والرازي.)). راجع كتابه؛ الشيعة والدولة القومية في العراق 1914 – 1990 (ايران، دار الثقافة للطباعة والنشر، د. ت)، ص 248.
(14) المحامي عباس العزاوي؛ تاريخ العراق بين احتلالين، ج8، (طهران، منشورات الشريف الرضي)، ج6، ص257. من جهته فقد لاحظ المؤرخ (وجيه كوثراني) ان ((الانتماء الاقليمي والمناطقي كان أساسا"للهوية السياسية مع تنوعات في اللهجة، والطقوس الدينية، بالاضافة الى الطعام والملبس)). أوردته الباحثة السعودية (مي يماني) في كتابها؛ هويات متغيرة : تحدي الجيل الجديد في السعودية (لندن، رياض الريس، 2001)، ص 28.
(15) من المهم بهذا الخصوص مراجعة ما أشار إليه المفكر العربي (محمد أركون) من إن ((المخيال يمثل وعاء يستقبل بكل سلبية صور الواقع على الهيئة التي كانت تجربة الجماعات قد أنجزتها انطلاقا" من تاريخها وطريقة اندماجها في وسطها المادي والفيزيائي. إن القوم أو الجماعة تحول مصائبها وانتصاراتها وهزائمها واحباطاتها إلى نوع من
التصورات المرغوبة والمعبأة : أي إلى نوع من الايديولوجيا)). أنظر كتابه؛ تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، (بيروت، مركز الإنماء القومي، المركز الثقافي العربي، 1998)، ص29.
(16) مقتبس عن (عباس العزاوي)، مصدر سابق، ج2، ص11.
(17) الدكتور وجيه كوثراني؛ الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل : في البحث والبحث التاريخي، (بيروت، دار الطليعة، 2000)، ص82 و83.
(18) شوقي جلال؛ التراث والتاريخ، (القاهرة، دار سينا، 1995)، ص 318.
(19) غي روشيه؛ مصدر سابق، ص120.
(20) عباس العزاوي؛ مصر سابق، ج2، ص326، ص327.
(21) مقتبس عن المصدر ذاته، ج6، ص339. وفي السياق ذاته فقد أكد المؤرخ المصري المعروف (جمال حمدان) ان ((ما من قطر عربي على مدى التاريخ، عرف من التقلبات العنيفة في مقدراته ومصائره؛ في أقدراه وقواه، مثلما عرف العراق)). أنظر دراسته القيمة (عبقرية المكان في العراق)، مجلة الفكر المعاصر المصرية، العدد (12) شباط فبراير 1966. أورده الباحث العراقي (فاضل الربيعي) ضمن دراسته القيمة ؛ الجماهيريات العنيفة
(22) ينبغي أن يشار بصدد هذا الموضوع إلى سياسات النظام السابق عندما بادر متبرعا" شخصيا" – لا شرعيا"ولا قانونيا"- بأجزاء واسعة من الأراضي العراقية إلى كل من دولتي السعودية والأردن على خلفية ما أشيع عن منهجه القومي. يضاف إلى ذلك ما استحوذت عليه دولة الكويت من أراضي عراقية لا يستهان بها بموجب قرار ترسيم الحدود بين الدولتين عقب الغزو الأمريكي وسقوط بغداد عام 2003. وهو الأمر الذي ((زاد من القنابل الموقوتة مستقبلا"في وجه العلاقات العراقية – الكويتية. وبحسب خبير مستقل : إن لجنة الأمم المتحدة بمنحها فائدة الشك في التفسير التاريخي للخصم في مسألة الحدود، أشعلت نيران توترات سياسية أخرى في المستقبل، كما إن القبول بالقرار العقابي الأمريكي الصادر باسم الأمم المتحدة في رسم الحدود بين البلدين أساء للنظام الكويتي كثيرا"بالنسبة إلى العلاقات المستقبلية مع العراق)). أنظر الدكتور عبد الوهاب حميد رشيد؛ التحول الديمقراطي في العراق : المواريث التاريخية والأسس الثقافية والمحددات الخارجية (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)، ص52.
(23) لقد وجد كل من (أديث وائي، وأيف، بينروز) في دراستهما عن العراق انه ((كانت الاسبقيات تتداخل في بعض البقاع، ولذلك فأن الحدود النهائية لكل وريث من ورثة الأمبراطورية العثمانية تقررت بالمساومة والتوفيق الذي ألغى بعض المطالب مقابل التنازل المشترك المبني على الموازين المختلفة لأسبقية كل مدّع بالنسبة الى علاقاته الجغرافية والتاريخية المختلفة)). أنظر كتابهما، العراق : دراسة في علاقاته الخارجية وتطوراته الداخلية 1915 – 1975، ج2 ترجمة عبد المجيد حسيب القيسي، (بيروت، الدار العربية للموسوعات، 1989)، ج1، ص91.
(24) سليم مطر؛ جدل الهويات؛ مصدر سابق، ص60. هذا وقد لاحظ المؤرخ العراقي (عباس العزاوي) ان ((هؤلاء – يقصد الكرد – اذا طاردتهم الحكومة مالوا الى ايران أو اذا طاردتهم ايران عدلوا الى الانحاء العراقية وهكذا)). أنظر مصدر سابق، ج7، ص 182. للمزيد حول هذه المسألة يمكن مراجعة بعض المصادر التاريخية التالية : أديث وائي، أيف، بينروز؛ العراق : دراسة في علاقاته الخارجية وتطوراته الداخلية 1915 – 1975، ج2، ترجمة عبد المجيد حسيب القيسي، (بيروت، الدار العربية للموسوعات، 1989). والدكتور مصطفى عبد القادر النجار؛ التاريخ السياسي لامارة عربستان العربية 1897 – 1925 (القاهرة، دار المعارف، 1971). والدكتور علاء نورس؛ العراق في العهد العثماني : دراسة في العلاقات السياسية 1700 – 1800 (بغداد، دار الرشيد للنشر، 1979).
(25) الدكتور محمد جابر الأنصاري؛ العرب والسياسة : أين الخلل ؟ جذور العطل العميق، (بيروت، دار الساقي، 2000)، ص226، ص227.
(26) الدكتور مثيم الجنابي؛ العراق ورهان المستقبل، (دمشق، دار المدى، 2006)، ص118.