|
الاربعاء:
30/04/2008
الحق كإقصاء للعنف(2/2)
د. عبد الرحمن التليلي(*)
قوة/ عنف/حق
عنف مشروع/ عنف لا مشروع
نظل نجهل ماهية الدولة ـ في مفهومها الحديث ـ ما لم نعرفها بالاستناد إلى
الأداة التي هي أخص خصائصها، والوسيلة المميزة لها ـ ألا وهي العنف.
فالعنف ليس أداة الدولة وإنما أداتها المميزة، وسمتها وجوهرها.
لا يجد ماكس فيبر إجابة مكتملة عن سؤال «ما الدولة؟» إلا أنها «حق
الاستئثار بممارسة العنف المادي المشروع»(1). إن علاقة العنف والدولة في
عصرنا هي علاقة ترابط متين، حتى أن فيبر يرى أن تروتكسي كان على صواب في
قوله يوماً «إن جميع الدولة قائمة على القوة». إن وجود الدولة مقترن
بحضور العنف فيها، فلو لم توجد أنواع عنف في المؤسسات والهياكل
الاجتماعية لزال مفهوم الدولة حينها «إن العنف المادي هو السبيل الطبيعي
للوصول إلى الحكم»(2). والدولة المعاصرة من حقها الاستئثار بالعنف، بل
إنها المصدر الوحيد الذي يستمد منه «الحق» في العنف. وكأن الوجود السياسي
للإنسان وجود يجب أن يحميه ويوجهه عنف هو عنف الدولة. وهذا العنف متسم
بسمات الشرعية. وهو ما يتساءل عنه بول ريكور في «التاريخ والحقيقة»؛ «ظهر
مع ظهور الدولة ضرب من العنف له سمات الشرعية، فما الذي يعنيه هذا الأمر
الغريب..»(3)، من أين يستمد هذا العنف مشروعيته؟
العنف المشروع/ القوة
إن عنف الدولة ـ كما أوضح ذلك ريكور ـ جزائي، تأديبي، فالدولة تمارس
علينا المراقبة والمعاقبة، إنها تستأثر بقوة الردع المادي، ونرغب مع ذلك
في طاعتها والامتثال لأوامرها والانقياد لسلطانها، حتى أننا لم نعد نفكر
خارج دائرتها، بل إن مبدأ القصور الذاتي يزداد ترسخا فينا حتى انتهينا
إلى الاقتناع بضرورتها واستحالة العيش من دونها.
هذه الحاجة إليها إنما تتم عبر الخوف منها. إنها عنيفة رهيبة نخشاها،
مرغوب فيها، نختار اللجوء إليها. صار على الفرد إذا تعرّض للعنف أن يفيء
إلى الدولة. إنها سحبت من الأفراد الحق الذي كان لهم في الاقتصاص
بأنفسهم، وحازت كل ضروب العنف الذي كان مشتتا بين البشر، عنف ولدته
ميولاتهم المتضاربة ورغباتهم المتصادمة ونوازعهم التي لا تنتهي. لزاما
لهذا الذي يهدد بهلاك الإنسانية أن ينتفي، وتظهر الدولة «كأنجع» وسيلة
للاحتماء من الانتقام الذي لا ينتهي، إن القانون يحرر الناس من واجب
الانتقام، والحق يمثل إقصاء للعنف. أما العنف فلا يوجد إلا خارج الحق،
إنه حكر على الأفراد ـ على من لا يمارس السلطة ـ أما ما تمارسه السلطة
فليس عنفا (Violence) وإنما قوة (Force) تحد لعنف الأفراد. فإذا كان
العنف هو استخدام القوة بصورة غير مشروعة أو غير مطابقة للقانون، فإن
القوة هي التي تحمي القانون وتسنده لأنه «لا مجتمع تحترم في «القوانين
تلقائيا»، كما أدلت بذلك الإتنولوجية المعاصرة «لوسي مير»، وهو أيضاً ما
سبقه إليه صاحب الجمهورية في قوله «لا أحد يكون عادلاً بإرادته، وإنما
يكون كذلك بإكراه، فالعدالة ليست فضيلة فردية، والظلم يرتكب حينما تتوافر
القدرة على ارتكابه»(4).
فلابد من أن تمارس الدولة العنف لتحد من العنف. إن الحق ـ وإن لم يتأسس
على القوة ـ يحتاج إليها ليـُحترم ، إن القانون يستند إلى القوة
ويستدعيها، ليعم السلام، وتغيب الفوضى وتتحقق الحرية وينتصر الحق.
إنه لمن أجل هذه الغايات الإنسانية، وهذه القيم العليا التي تحقق المجتمع
المدني كان للدولة حق هو «حق» في العنف، لا يبيح بأي شكل للأفراد حق
اللجوء إلى العنف. أما الدولة فإنها المصدر الوحيد الذي يستمد منه «الحق
في العنف». وهو متسم بسمات العنف الشرعي، كما أوضح ذلك ريكور، وهذا العنف
المشروع هو المرادف للقوة حسب المعجمية الفرويدية الذي يميزه عن العنف أو
ما نعتبره بالعنف اللامشروع.
القوة أو العنف المشروع أو العنف ذات السمات / الطابع الشرعي هو الحد
الأدنى من العنف الذي يرجع تكونه إلى الدولة، والتي من حقها الاستئثار
بممارسته والتي يباركها ضحاياه، لأنه الوسيلة وليس الغاية، لأنه الأداء
وليس الهدف، إن العنف يمارس لخدمة المصلحة العامة، وما تأتيه السلطة من
أعمال لا يكتسب قيمة قانونية إلا إذا استهدف هذه الغاية.
«فلم يعد القانون العام هو مجموع القواعد التي يخضع لها أفراد يتمتعون
بحقوق ويتفاوتون فيما بينهم لأحدهم الحق في التسيير وعلى الآخرين واجب
الخضوع، كل الإرادات هي إرادات فردية، لا فضل لإرادة على أخرى، لا تفاوت
بين الإرادات، إنها سواسية إن نحن اعتبرنا الفرد ولا يمكن لقيمتها أن
تحدد إلا عن طريق الهدف الذي تتوخاه. لا قيمة لإرادة الحاكم ولا قوة إلا
من حيث إنها تسهر على تنظيم الصالح العام وتدبيره»(5).
إن الذين يتمتعون بالسيادة لا يكتسبون «حق» استخدام العنف إلا لخدمة
الصالح العام، وصيانة كل حق لكل فرد. فالقوة ها هنا ليست إلا وسيلة للحق،
فلا تعارض بين الحق والقوة ما دام الحق هو غاية القوة. هذه القوة التي
تستمد شرعيتها من الغاية التي تصبو إليها، ألا وهي الحق ـ الحرية ـ تأسيس
المجتمع المدني الإنساني.
إن القوة الشرعية هي قوة الحق المستمدة من مشروعية إنسانية (سياسية ـ
اجتماعية ـ أخلاقية) فيكون الحق غاية والقوة وسيلة لإثباته في الواقع. إن
الحق يحتاج إلى القوة ويستند إليها ويستدعيها ليثبت ويتأكد واقعا. وبذلك
تبدو الدولة كقوة إرغام وإلزام، كما يصفها ريكور، تلزم أفرادها باحترام
القانون ضمانا للحرية نفسها. ولها من أجل ذلك حق الاستئثار بممارسة العنف
المادي المشروع ضد أعداء القانون، ولكن ليس ضد الحرية، بل لضمانها
ولاضطرار الناس على أن يكونوا احرارا.
إذا كان من معاني السلطة استعمال القوة بجميع أشكالها وإلزام الأفراد
وإخضاعهم وفق آليات متنوعة كالرقابة والعقاب، وإذا كانت هذه القوة مبررة
ومشرعة ومعقلنة ما دامت تستهدف المصلحة المشتركة ، وإذا كان العنف سمة
الدولة العصرية، والقانون يستند إليه (العنف) ويحتاجه ليـُحترم، فلم
يـُمثل الجميع بين القانون والقوة، الدولة والعنف إشكالا؟
العنف اللامشروع
لم يكن الجمع بين الدولة والعنف، القانون والقوة ليثير معضلة لو كانت
غاية الدولة أفرادها، فحتى إن مارست العنف ضدهم لأجلهم (من أجل حياة
مشتركة فاضلة وعادلة)، فإن عنفها ذلك المشروع ومقبول لأنه مجرد أداة
للحق. عنفها هذا مرغوب فيه لأنه يحقق المجتمع المدني، هذا المجتمع
الإنساني الذي تحكمه غايات إنسانية وقيم عليا (حرية/عدالة/
نظام/أمن/سعادة/خير الجميع..).
فحين يهدف المشروع السياسي إلى تأسيس مجتمع مدني يقوم على اعتبارات قيمية
أخلاقية، وحين تعد الأخلاق من مهام الدولة، فلا يـُفصَل بين ما هوأخلاقي
وما هو سياسي، فتكون حينها حياة الناس في الدولة تعبيرا عن مقتضيات الوعي
الأخلاقي، وهذا ما يعبر عنه ريكور بوضوح في قوله: «وإنه ليسرنا أن نرى
السياسة قد بلغت المرام في تجسيم القيم الأخلاقية»(6). حينها فقط يمكن أن
نشرع للعنف (On Legitime la Violence). لكن أن توظف الدولة الأخلاق
لغايات سلطوية، وأن يقوم الواقع السياسي على الصراع من أجل المصالح
واستخدام العنف والمخادعة(7) لحماية السلطان والنفوذ، وهو ما يتعارض
والمـُثل الأخلاقية، فإنه حينها «لا ينبغي أن نخلط الحق بالقوة إن لم ترم
الحرية فلن تكون إلا شيئا رعبا، ومن يسوس بالقوة بإمكانه أن يبث الرعب
الشديد، إلا أنه لن يكون له الحق في أن يُحترم»(8) وتولد الهوة عندئذ بني
السائد والخاضع بإرغام. لتغدو الدولة غربية عن المجتمع الذي منه انبجست.
وستتحول حينها إلى مصدر للعبودية، وبهذا المعنى فإنه ستصبح نقيض الحرية،
ويصبح الحق متعارضا، والقوة التي تستغل لخرق حقوق الإنسان تحقيقا لمصالح
ذاتية.
عندما يبرر الحق وجوده بالقوة، أو حق الأقوى يكون حقا مزعوما، ومن هنا
يمثل اقتران القانون بالقوة معضلة، «إن كل ما تضيفه الدولة من عنف غير
شعري مؤدٍ ـ لا محالة ـ إلى زيادة المشكلة خطورة، ويكفي مؤشرا إلى ذلك أن
تتجلى الدولة ـ التي يعتقد أنها متصفة بأسمى درجات العدل والديموقراطية
والحرية ـ في النهاية حصيلة الشرعية والعنف. ونعني بذلك أنها سلطة معنوية
لتحديد الواجب وسلطة مادية للإرغام(9).
فالسلطة إنما تتصف بالإلزام والإرغام حتى أن ريكور لا يميز بين معنى «أن
الدولة سلطة» أو انها «سلطة إرغام»، ترغم أفرادها على الطاعة وتخضعهم
مطلقا لسلطانها متسلحة ضدهم بسلطة القانون الرهيبة، فيغدو العنف مؤسسة
ووسيلة حكم، ويخفي الحق أنه نظام عنف ضد عنف. فتحت ستار القانونية
والشرعية يمارس العنف على الأجساد (السلطة = هي فن صناعة الأجساد: فوكو)
وتحرم الذوات حتى من ممارسة حقوقها الأساسية. فإذن نحن أمام خسران للذات
ونوع من استلاب جديد لها. إنه ذوبان الفرد في النسق الإرهابية للدولة
التي لا تكون تعبيرا عن أفرادها الذين تدعي تمثيلهم، وإنما تكون أداة
قهرهم. والقانون لا يكون أداة تحميهم؛ لأنه كقانون لا يسعى إلا لإعطاء
العنف والاضطهاد الغطاء الشرعي.
تؤسس السلطة للعنف وتنظمه في هياكلها، إن العنف الذي اعتبرته الفلسفة
دوما موازيا للفوضى ولانعدام النظام، أصبحنا نعيشه في النظام والتنسيق،
تخلى عن صورته الطبيعية ليتمظهر في أثواب ثقافية، فيظهر كعنف جماعات أو
أفراد، كعنف منظم ومؤسس هو عنف الدولة، ليس هو أداة يقينها الزائف فحسب،
وإنما وأساسا غايتها.
إن العنف كأداة سياسية يلزم الأفراد ويخضعهم وفق آليات المراقبة
والمعاقبة والزجر.. لم يكن يمارس لغاية المحافظة على الوجود الإنساني،
وانتظام العلاقات الإنسانية وبناء المجتمع المدني، لم تستهدف السلطة
أبداً المصلحة المشتركة ، ولم تكن قط غاية الدولة خدمة أفرادها، وإنما
طوعوا لخدمتها، وسخرت كل طاقاتهم لمزيد دعمها ومزيد بسط نفوذها. أفرادها
ليسو سوى مجرد أدوات يخدمونها.
أنشأ العنف تواطؤا غريبا بين الجلاد والضحية. الجلاد يمارس شتى ضروب
العنف تحت ستار القانونية والشرعية، ومن يتعرض للعنف وقد امتصت منه طاقة
الرفض لديه، انتهى به الأمر إلى الاستسلام له (العنف)، والرضى به. تقبل
الضحية باغترابها وترغب في طاعة السلطة التي لا تقوم إلى على
الإكراه(10)، فاستغنت عن الحرية بوهم الحرية، وعن الحق خوفا من العنف.
فاز القمع في عزو الضمائر، وتدمير الذات، واغتيال الحق وإقمائه، هنالك
هلع من العنف يخرق الحق وينكر العدالة ويصون صاحب السيادة. إن العقوبات
تصون كيانه كاملا، وكلما ازدادت شراستها (العقوبات)، ضمنت أكثر فاكثر
جماهير/ اجسادا متقبلة،صامتة، محبطة، تقبل بالوصاية والتبعية بديلا عن
الاستقلالية، وكلما طوعت الأجساد أحرز صاحب السيادة نفوذا أفظع، «وصاحب
السيادة إنما ينزع دوما إلى ابتزاز السيادة، ذلك هو الداء السياسي
الجوهري»(11)، كما يصرح بذلك بول ريكور في «التاريخ والحقيقة»، كاشفا عن
الاغتراب السياسي كمكون للوجود الإنساني، إذ يختزل الدولة إلى مجرد وسيلة
اضطهاد، وقد استبدلت عنف الأفراد بعنف الحاكم المستبد المتسلح بسلطة
القانون الرهيبة.
هكذا «أخضع الحق والحقيقة والعدل لمصالح من هم أشد قوة: إنها
القاعدة»(12)، وكأنه يتأكد لنا ـ واقعا ـ أنه يجب أن يرافق العنف الحق،
وأن القوة هي التي توجد «الحق»، وأن الأقوى على صواب دائم، لذا ليس للمرء
إلا أن يسعى ليكون الأقوى. إنها القاعدة، أما ما تمارسه السلطة من قمع
واعتقادات وتعذيب، فلا يجب أن نعتبره أفعالا عنيفة لأنها قانونية، مبررة
بالقوانين التي تضعها السلطة. أما العنف فلا يمكن أن يوجد إلا خارج الحق،
فهو حكر على من لا يمارس السلطة (الشعب)، بما أنه فعل غير قانوني
(IIIegal).
تحت ستارالقانونية والشرعية، تمارس الدولة عنفا لا مشروعا، هو كل ما
تضيفه الدولة من عنف غير شرعي للحد الأدنى من العنف، الذي يرجع تكونه
إليها. ينبغي أن نميز هنا بين ممارسة معقلنة مشروعة للعنف لا يكون غاية
في ذاته، وإنما مجرد أداة لتحقيق المجتمع المدني، وبين عنف غير مشروع
(Violence IIIegitime) ينزع إلى تدمير الذات وانتزاع كل قيمة تميزها كذات
واعية مريدة وحرة.
إن العنف المشروع أو القوة كما يعبر عنه فرويد(13) يحتاج إليه الحق، وألا
يتأسس عليه ليُحتـَرم ضمانا للحق نفسه، فللدولة الحق في ممارسة هذا العنف
الشرعي ضد أعداء القانون لصيانة الحريات والحقوق، لكن حالما يطعن في
القوة ينشأ العنف اللامشروع كاستخدام مفرط للقوة بغاية التدمير والقمع،
قمع فكري، نفسي، وجسدي.. ينفي كل إنسانية في الإنسان. حينها يكون الحق
نقيض القوة التي باتت وسيلة لخرق حقوق الإنسان والحد من الحريات.
هكذا أضحت السلطة المبثوثة والبشعة والمتقنعة ـ ما دامت بشعة فلابد من أن
تتقنع ـ (أضحت) أداة لتنظيم العنف ووسيلة لتأديب اغتراب الفرد. والقانون
يخشى أن يـُساءل فيخفي أصله المتجذر في العنف، والعقل يبرر ويشرع هذا
العنف.
وكأننا إزاء حالة من حالات دهاء العقل وخداعه، فهو قد أخرج العنف من
دائرة الطبيعة إلى دائرة الاجتماع، يتراجع العنف الطبيعي أمام العنف
الحقوقي المنظم والناتج عن العقل البشري في تحايله على وسائل القوة
وكيفية ممارستها. هكذا استـُبعد الإنسان باسم العقل استعبادا مقبولا،
استعباداً يرغب فيه الخاضعون له أنفسهم.
خلف العقل تتوارى كل أنواع اللامعقول، ووراء الحرية تكمن نوازع الإرهاب
وأدوات العنف، والتغني بالإنسانية يحجب «فن صناعة الأجساد» لمزيد من
السيطرة عليها. ويبقى القانون غطاء شرعيا يبرر العنف ويعقلن الاضطهاد
ويشرع للإرهاب، وتبقى الدولة التي حازت كل ضروب العنف هي المصدر الوحيد
الذي يستمد منه «الحق» في العنف، وما أحوجنا إلى الحرية في واقع كهذا
سمته الاغتراب العقلي والثقافي والسياسي.
الخاتمة
إن الحق والعنف يبدوان لنا كنقيضين إلا أن الواحد منهما نشأ عن الآخر:
لقد مثل الحق دائما في مبدئه إقصاء العنف، وأعتقد دوما أن العنف لا يمكن
أن يوجد إلا خارج الحق، وعد الحق رفضا دائماً للعنف وهو الكفيل بإزالته.
إن القانون يمثل من دون شك أنجع وسيلة للاحتماء من العنف الذي لا ينتهي،
إن مبدأ عدالة وحق ثابتين يحرر البشر من العنف.
ولكن هذا الحق هو الذي يكرس العنف، وهذا القانون ذاته يتحول إلى الوسيلة
الأنجع أيضاً لتغذية العنف، وتبريره. فالحق يظهر كعنف مستتر، «كتقنية
علاجية»(14)، إن فن تطويع وصناعة الأجساد يخضعها لتعذيب «حلو».
يخفي القانون أنه نظام عنف ضد عنف وأن عنفه أكثر فضاعة من الذي يعمل على
ردعه يقرر العنف دوما من يملك، وإرادة من هي التي تسود، إن العنف منتصر
دائما ويوجب دوما من هو خاضع مهزوم. كف الحق أن يكون حقا، واستعبد الإنسا
وهو يسخـّر كوسيلة ولا يعتبر أبدا الغاية، على الرغم أن اعتبار المواطن
الفرد القيمة بذاتها والغاية والهدف لكل بناء اجتماعي وسياسي.
إن غاية الحياة السياسية هي ضمان حقوق الإنسان/ الفرد ومعاملته كماهية حرة
واعتباره على الدوام كغاية. إن الدولة هي الأداة وليست الهدف، وسيلة
وليست غاية، إلا أن هذه العلاقة انقلبت منذ أن أضحت متناقضة مع غايتها،
فالغاية أضحت تبدو وسيلة والوسيلة غاية.
فهل نطمع مجددا في إيجاد ممارسة سياسية يكون الإنسان فيها إنسانا حر
التفكير، مضمون الحقوق، بعيداً عن كل مظاهر الاغتراب وضروب العنف، أم أن
الحرية الحق، اللاعنف معان شأنها شأن الإنسان في صورته المثلى، نموذج
أعلى نتطلع إليه ولا نطوله، نطلبه فيسلب منا، يدفعنا إلى المجاوزة
باستمرار.
الهوامش
ــــــ
(*)أستاذ الفلسفة ـ كلية الآداب ـ جامعة الكويت ـ الكويت.
(1)Max Weber:"Le Savant et le Politique", Paris (Plon), 1958,
P111-113.
(2) المصدر السابق نفسه: 112.
(3) Paul Ricoeur: "Historire et Verite",Paris(Seuil), 1964, P.246-247.
عند سبينوزا عنف الأفراد يثير عنف الدولة، ترجمة منصور القاضي، المؤسسة
الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 1993م: 93. ومن جهة أخرى يرى بول ريكور
أن «العنف لا يبدأ في نفي نفسه إلا عندما يضع نفسه في فلك
العقل»(Political and Social Essays) والعنف مرتبط بالطغيان، بواسطة
كلمات (تغوي، وتقنع، وتتملق) ومرتبط بالشعر والسياسة والفلسفة (التي
تدينه). انظر: أديث كريزويل: «عصر البنيوية»، ترجمة د.جابر عصفور، دار
سعاد الصباح، الكويت، 1993م : 154.
(4) Platon:"La Republique", Paris(Les Belles Letters) 1965, TII,
P.191.
«الجمهورية» 371، ترجمة فؤاد زكريا: 230.
«كل ما يمارس العدالة يفعل ذلك قسرا، ورغما منه، لا اقتناعا منه بأنها
خير»، «إو أولئك الذين يمارسون العدالة يفعلون ذلك مـُكرهين ولأنهم
عاجزون عن أن يقترفوا الظلم»، «الجمهورية» 364، ترجمة فؤاد زكريا:
221-222.
(5) Leon Dengni: "Les Grandes Questions de la Philsophie du
Droit".,P.281-284.
(6) P.Ricoeur:"Histoire et Verite", P.247.
(7) إن مفهوم المخادعة يحيلنا إلى التصور المكافيلي للسياسة إذ يرى ضرورة
تأسيس واقع سياسي من دون اعتبارات أخلاقية أو مبررات لاهوتية. فالسياسة
ممارسة واقعية قوامها القوة وحماية السلطان باستعمال كل أساليب المخادعة
والمكر والدهاء «غير أنه من الأفضل للأمير أن يكون مداهنا ومنافقا
كبيرا..»(نيقولا مكيافيلي).
N.Machiavel: "Le Prince", trad.,J.Anglade, Paris(Livre de Poche) 1983,
P. 90-94.
(8) Victor Coussin: "Justice et Charite", Paris 1848,P.21,cite in "Les
Grandes Question du Droit".,P 275-276.
(9) P.Ricoeur: "Histoire et Vrite",P.246-247.
(10) «إن كل سلطة تقوم على الإكراه»، ج. لوك: «رسالة في التسامح»،
(1662)، ترجمة د.عبد الرحمن بدوي، (دار الغرب الإسلامي)، بيروت، 1988م:
70-71.
(11) P.Ricoeur: "Histoire et Vrite",P.273-278.
(12) J.J. Rousseau:"L'Etat de Guerre",Paris (Gallimard,
Pleiade),T.III, P.608.
(13) J. Freund: "L'Essencedu Politique",P.720.
(14)Y. Michaud: “Violence et Politique”, Paris(Gallinard) 1978, P. 48.
المصدر: مجلة «عالم الفكر»، المجلد: 31، العدد4.
|