|
الثلاثاء:
29/04/2008
الحق كإقصاء للعنف(1/2)
د. عبد الرحمن التليلي(*)
«لا يوجد عبث أكبر من الاعتقاد بأن كل
ما هو منظم بواسطة المؤسسات أو قوانين الشعوب عادل».
(شيشرون)
«من أجل بحث نظرية سايسية تكون صالحة،
فإن الوقت قد حان ومن غير المجدي خلق مدن فاضلة، بل وجب اكتشاف الواجهة
الحقيقية للقيادة».
(راسل)
إذا انطلقنا من مسلمة أن العنف هو كل
فعل نقوم به كما لو كنا وحدنا في ميدان الفعل، وكأن باقي العالم لا يوجد
ليستقبل ذلك الفعل، فإننا نسلم في الآن ذاته بأن العنف بات محددا لعلاقة
الأنا بالآخر، وإنه أضحى ملازم للوجود الإنساني، فعلاقة الإنسان بالإنسان
إنما تقوم على العنف، ما أوجب مساءلتنا عن أسس الحق وعن دلالته وعن
الاعتراف بشرعيته، وعما إذا كنا نتمتع به حقا، فماذا يمكن أن تكون تلك
الأسس؟ ومن أين يستمد الحق قوته على الإلزام؟ هل من سلطة الإكراه أم من
قيمة الأخلاقية؟ هل يمكن أن يُقام الحق على القوة؟ ألا تتحول القوة التي
تطلب تأسيس الحق ضربا من العنف الدال على يأس من الإنسان، وافتقارا إلى
القيمة وإنكارا للعدالة. وإذا كان الأمر كذلك، ألا يكون العنف مرفوضا من
كل الوجوه؟ وإذا كانت الفلسفة روحا نقدية تساؤلية تكشف عن المسكوت عنه
وتفكر فيما لا يفكر فيه، ألا تكون بذلك رفضا مطلقا للعنف اعترافا بشرعية
الحق؟ وهل يمكن مع ذلك أن توصي باستعماله؟
هل من الحق أن تلجأ إلى العنف انتصار للحق؟
إنها مساءلات تدفعنا إلى أن نحدد علاقة العنف بالقانون والحق في حضارة
اليوم، حضارة قاعدتها إخضاع الحق والحقيقة لمن هم أشد قوة. فلم يعد مباحا
للإنسان أن يكون إنسانا وأن يدافع عن قضية الإنسانية.
السلطة/الحق/ العنف
إن الدولة لا تتجلى إلا بممارسة السلطة، وربما لهذا السبب كان «العنف»
آلية من آليات ممارستها، باعتبار أنه لا جدوى من قوانين أو مؤسسات لا
تكون لها القوة التي تضمن فاعليتها، فالرغبة في طاعتها والامتثال لها.
تلك الوسائل «العنيفة» التي تمارسها هي التي تتيح للدولة إمكان القيام
بدورها، دور اقتضاه التناقض القائم بين ميل الإنسان إلى الحرية وولعه
بممارسة الهيمنة على الغير. ففي طباع البشر من العدوان والحيوانية ما
يوجب الاحتكام إلى الدولة والقبول بممارستها من أجل حرية حقيقية تضمن
انسجام إرادة كل فرد من إرادة الآخرين.
من حق القوة إلى قوة الحق : (المقارنة الهوبزية
والروسوية)
«صحيح أن كل فرد يتمتع خارج المجتمع المدني بحرية تامة غير منقوصة،
ولكنها حرية غير مثمرة»(1)، فالحرية المطلقة التي كان يعيشها الأفراد
خارج المجتمع المدني ليست إلا نفيا للحرية، لأن كل فرد يفرط في إدعاء
الحق على كل الأشياء استجابة لولعه «الطبيعي» بممارسة الهيمنة على الغير،
إن الشر متأصل في الذات، و«الإنسان ذئب للإنسان. والكل في حب ضد الكل»،
وللتخلص من «حالة الحرب المزرية» كان لابد من عقد، هو تعاهد الأفراد
واتفاقهم على أن يتخلوا عن «حرياتهم» الطبيعية من أجل حرية مدنية
تعاقدية، فهل يضمن العقد الهوبزي حرية حقيقية فعلا؟ وهل يتمتع الفرد حقا
بالحق في ظل حكومة دولة كالتي رسم معالمها هوبز؟
رغبة الحفاظ على البقاء، والخوف من الموت يحتمان ضرورة التحول من «الحالة
الطبيعية» إلى الحالة المدنية. وهذا الانتقال يتم بموجب عقد يجري التخلي
الكلي بمقتضاه عن كل الحقوق والحريات لفائدة الشخص الواحد مكونا للعقد
ومكون منه مرئي وغير مرئي، وإليه نعهد بكل ما لنا من سلطة وقوة وإليه
ندين بما نحن فيه من أمن وسلام.
يشترط العقد الهوبزي أن ليخضع كل فرد إرادته وحكمه لإرادة هذا الرجل
وحكمه، وأن يتنازل له عن كل ما لنا من حقوق وحريات، وأن نقبل كل فعل صادر
عن هذا الرجل، صاحب السيادة المطلقة والسلطة العليا.
تذوب الإرادات الفردية في السلطة الواحدة التنين (اللفيتان) ـ تستبدل
الدولة بالقوى الفردية الفعلية بقانون متعادل صارم يتحول الفرد بموجبه من
شخص حر لكن عنيف إلى مواطن يعيش في سلام ولكنه في تبعية كلية للسلطة
السياسية التي تستبعده وتقصيه تماما من مجالها. فلا يجوز للأفراد مساءلة
الحاكم ولا انتقاده حيث إنه يملك السلطة المطلقة في تسيير جميع شؤون
الدولة. وله السلطة اللامحدودة في تقرير الأساليب والوسائل الضرورية
لضمان السلام، فله حرية التصرف المطلق بعد أن تنازل الجميع عن إرادتهم
لإرادة الحاكم وكأنه لا يمكن أن يقوم المجتمع إلى بتخلي الأفراد عن
حقوقهم وخضوعهم لإرادة واحدة، فتنتقل حقوق كل الأفراد إلى فرد واحد يعدهم
بالأمن والسلام، ويلزمهم بالطاعة والخضوع، حتى أن المواطنين ليس لهم حتى
حق الثورة على الحاكم، إذ ليس هنالك من عـَقـْد بين الحاكم والمواطنين،
فالحاكم ليس طرفا في العَقـْد في حين أنه يلزم الأفراد بالطاعة المطلقة
لسلطانه.
لئن كان الحق الطبيعي يقاس ـ في نظر مؤلف «اللفيتان » ـ بالقوة، فإن
الدولة عنده لا تقوم إلا على مبدأ القوة والعنف، ولن يلتزم البشر ـ بما
فيهم من أنانية وبما لديهم من رغبة في العدوان وولع بممارسة الهيمنة على
الغير ـ إلا بتدخل سلطة عليا تستأثر بحق الرقابة والعقاب، وكأنه لا قيمة
فعالة للعقد من دون وجود قوة إلزامية قهرية، وهو ما يصرح به هوبر بقوله:
«إن العهود من دون القوة ليست إلا كلمات ليس لها القدرة على المحافظة على
حياة الإنسان، والكلمات أضعف من أن تستطيع ردع طموح الأفراد أو طمعهم أو
غضبهم أو انفعالات أخرى، إلا إذا اقترنت بقوة تؤيدها أو سلطة تبث الخوف
في نفوسهم»(2).
هكذا يتراجع «العنف الطبيعي» إزاء عنف الدولة المشرع والمعقلن الذي يحرص
عليه ضحاياه أنفسهم، حتى ينصرفوا آمنين إلى التجارة وإلى مزيد من توفير
الربح.
فهل حين توفر الدولة الأمن والسلام تعجز عن ضمان الحرية؟ ألا يمكن أن
تضمن لمواطنيها أمنا وحرية ونظاما وعدالة معا في الوقت نفسه، أم أنه لا
شأن للسياسي بالأخلاقي؟
إذا كان المبتغى من نشأة القانون ولادة الحرية وتثبيت الحق، فإنه يتعين
ألا يكون القانون شخصيا «لا موضوعيا»، وأن يعمد إلى إخضاع التعدد للوحدة.
لأن القانون حين يكون ثمرة إرادة فردية، فإن في طاعته والامتثال له نفيا
للحرية.
فمن يُمنح سلطة سن القوانين للآخرين، فإنه لن يجعلهم إلا أداة تسخير
لمصالحه الذاتية. وبذلك يتعالى القانون على أفراده، ليفقد مبرر وجوده،
ألا وهو خدمة الأفراد وصيانة المصلحة العامة، وهو ما عبّر عنه بوفندورف
بوضوح في قوله: «إن خير الشعوب هو القانون الأسمى. وهو القاعدة العامة
التي ينبغي أن يضعها الحكام بالضرورة نصب أعينهم، لأن السلطة العليا لم
تخول إليهم إلا لكي يستخدموها في المصلحة العامة، ويحافظوا عليها، تلك
المصلحة التي هي الهدف الطبيعي لإقامة المجتمعات المدنية»(3).
إذا كانت الإرادة الفردية ليست تعبيرا عن مصلحة الجميع فهل من إرادة
تـُعبّر عن هذه المصلحة العامة؟ كيف يمكن أن يقوم المجتمع المدني على أسس
تضمن للجميع حرياتهم، وهل يمكن اعتبار الإرادة العامة أساساً وثيقا يستند
إليه المجتمع المدني؟ وله يمكن لتعاقد حر ـ بين ذويات حرة ـ أن يضمن الحق
بعيداً عن العنف؟
إذا سلـّمنا بأن كل سلطة تتطلب طاعة، وإذا ما كنات الطاعة واجبة، فهل في
الطاعة نفي للحرية وإنكار الحق؟
يعتقد البشر أنهم أحرار حين يستجيبون لرغباتهم، ويمتثلون لدوافعهم
وينقادون لأهوائهم لكن حرية كهذه، لا يحدا أي شرط أو أي قانون أو أي قسر
خارجي، ليست إلا حرية وهمية، بل هي نفي لها. فكل حرية مطلقة هي عبودية
مطلقة. بغياب القانون إذن تنعدم الحرية ويسود حق القوة. إن القانون هو
الذي يضمن الحرية وهو شرط تحققها، بل إن طاعته والخضوع له هما الحرية
والحق، إنها المعظلة الأساسية التي يوجد العقد الروسوي حلا لها.
هذا العقد الذي يلزم أفراده بالتنازع عن جميع حقوقهم وعن جميع حرياتهم
لفائدة المجموع، فإليها يمنحون أنفسهم بالكلية، ويخضعون لإرادتها. ولا
ينفي هذا الخضوع الحرية ولا هذه الطاعة الحق، بل إن الخضوع والطاعة
ذواتهما هما الحرية، إذ يستطيع كل امرئ ان ينضم إلى المجموع، ولكنه يظل
في الوقت ذاته حرا. لأنه لا يخضع في نهاية الأمر إلا لسلطان نفسه، بما
أنه جزء لا يتجزأ من المجموعة وعضو من أعضائها. «فمن يهب نفسه للجميع فهو
لا يهب نفسه لأحد»(4)، والإنسان إذ يطيع القانون إنما هو لا يطيع إلا
إرادة نفسه، وأن نخضع لقوانين نحن سطرناها تلك هي الحرية، وذلك هو الحق.
فالحرية عند روسو إذن هي طاعة هذا القانون الذي أختاره الكل. إن الحرية
والنظام يتحققان بالتوفيق بين حقوق الفرد وقوانين المجتمع. وما الخضوع
للقانون في نهاية الأمر إلا الخضوع لإرادة الشعب عامة، لأن مصلحة الإرادة
الفردية لا تتناقض ومصلحة الإرادة العامة فهي جزء منها.
إن العقد الاجتماعي ليس إلا عقد الإخضاع، يلخصه روسو كما يلي: «أن يضع كل
واحد منا شخصه وكل ما له من قوة تحت تصرف المجموعة، وأن يخضع لمشيئة
الإرادة العامة»(5).
وما القانون إلا ثمرة الحرية. وهو بذلك يعبر عن مصلحة الجميع، لأن الدولة
لا تعارض الافراد بل تحمي حرياتهم وحقوقهم، لذلك يؤكد روسو ان الحرية
إنما نشأت بولادة القانون فإذا كان القانون شرطا يحقق الحرية، فهل يكفي
وحده لضمانها؟
ولئن اتفق اوهبر مع روسو في أن الدولة هي شيء اصطناعي وأنها من صنع
الذكاء الإنساني، وأن القانون إنما يوجد ويسن ويقتضي إرادة مشرعه. و«أن
الإنسان يبدو كأنه السيد الأوحد في مجال تشريع القانون»(6)، إلا أن
القانون الهوبزي، وإن كان صادرا عن حرية الأفراد فإنه ينتهي إلى إلغائها،
ويتعارض مع الحقوق الطبيعية للإنسان، التي منها أساسا الحرية وحق الإنسان
في السيادة على نفسه.
إن القانون الهوبزي يعوض عنف الأفراد بعضهم ضد بعض بعنف الحاكم، وهو عنف
أشد وأكثر إرهابا، لأنه يصدر عن مجموع القوى التي تنازلوا عنها لفائدة
هذا «الحاكم» من دون مقابل حقيقي، إذ لم يتركوا لأنفسهم أي حق، ورغبوا في
الخضوع الكي للسلطة التي منحوها كل ما لهم من قوة، وتنازلوا لها عن كل ما
لهم من حق.
«وكل إنسان ذي سلطان يميل إلى إساءة استعماله»(7)، فالحاكم قد يسيء
استخدام القوة التي منحت له، بل قد يستخدمها ضد أفراده ويقسرهم على خدمة
مصالحه الخاصة. ولن يطالبوا بحقوقهم فهم لم يتركوا لأنفسهم أي حق.
هكذا يتراجع عنف الأفراد أمام عنف الدولة، وهكذا يتحول الحق هو نفسه
وسيلة لتبرير العنف، فلا يكون الحق «حقا»، ولا يضع القانون الذي يسنه هذا
الحاكم حدا للعنف، وإنما هو يعوض عنفا بعنف. فإذا القانون جائر، والسلطة
تسلط، والدولة لن تكون مشدودة في مبدئها إلى عرضية ما يريده الأفراد وما
يتعاقدون عليه، وإنما إلى معقولية تخصها وضرورة تتعالى على أفرادها لتغدو
غريبة عنهم، وهي التي انبثقت منهم ونشأت من أجلهم.
يرى روسو في هذا القانون الذي لا يحمي الحق، وإنما يتعارض معه، سلاحا
رهيبا يخضع العدل والحق والحقيقة بيد من هو أشد قوة. وما ان تغدو القوة
هي التي توجد الحق حتى يغيب كل حق، وما أن يتوقف الحق على القوة حتى
تتحول القوة حقا فلا تعم قوة الحق وإنما يسود حق القوة، حق مزعوم، جائر
وغير مشروع لأنه لا يحترم الحقوق الطبيعية للإنسان. ولن يكون أي قانون
مشروعا ما لم يراع هذه الحقوق ويحترمها، والتي أساسها الحرية، فالقوانين
لم تـُسن لتتنكر لحرياتنا وإنما لضمانها.
«إن غاية كل تجمع سياسي هي الحفاظ على حقوق الإنسان الطبيعية التي لا
يمكن إلغاؤها..» (إعلان 1971م ـ المادة الثانية).
«تقام الحكومة لتضمن للإنسان التمتع بحقوقه الطبيعية التي لا يمكن
إبطالها»(إعلان 1793م ـ المادة الأولى) «إذن فالحياة السياسية، حتى في
عهود حماستها التي لا تزال فتية، والتي تدفعها قوة الشروق إلى حدها
الأقصى، تعلن أنها ليست إلا مجرد وسيلة وأن غايتها هي حياة المجتمع»(8).
إلا أن اللاتوافق بين الحق الوضعي والحق الطبيعي يبدو جليا، والقوانين
التي تنظم حياة الأفراد ليست بالضرورة مشروعة، والأفراد في المجتمع
يخضعون للقوانين بالإكراه بموجب فعل من أفعال العنف، يمارسه الحاكم بحق
المحكوم/الأقوى بحق الأضعف.
إن الحق يتأسس على القوة، قوة تسم حسب هوبز حالة الطبيعة والحالة المدنية
على حد السواء. لذلك فإن هوبز لم يخرج عن دائرة العنف بوصفه تسلطا على من
هم أقل قوة.
إلا أن روسو يحاول إيجاد حل لمعضلة العنف، مؤكدا إمكان تحقق الحرية بمعية
الآخرين بمعزل عن كل عنف، فالحق يقصي العنف ويحل النزاع بين الأفراد
بعيداً عن العنف، بل إن العنف لا يمكن أن يؤسس للحق، ولا يمكن بأي حال أن
يقام الحق على القوة، والقوة لا توجد أبداً الحق، والخضوع للقوة إنما هو
فعل من أفعال الضرورة لا الإرادة ، أما الالتزام باحترام الحق فهو تجسيم
للحرية. فالخضوع للقانون ليس بإكراه وإلزام وإنما ينم عن إرادة ذاتية
حرة.
فالتعاقد الحر بين ذوات واعية حرة ضامن للحق بعيداً عن العنف. هكذا يكون
الحق مشروعاً ومعترفا به. فلا تعارض حينها بين المشروعية والقانونية، لأن
الحق الوضعي، إنما يضمن ويحمي الحق الطبيعي لأنه ثمرة الإرادة العامة لا
الإرادة الفردية.
«فوحدها الإرادة العامة، إرادة الشعب التي تضمن الحرية بما هي أساس كل
أخلاقية بعيداً عن كل ضروب العنف. إن الشعب الحر لا يطيع إلا ذوي السلطان
الشرعي والقوى المشروعة.
هكذا إذن ندرك مع روسو أن «كلمة الحق هذه لا تضيف إلى القوة شيئا»(9)،
ولنتفق معه على أن «القوة لا توجد الحق»(10)، وأنه لمن الحماقة الحديث عن
حق الأقوى. إن قوة الحق هي أقوى من حق القوة.
أما القوة فلا تخلق الحق وليست أساسا له، وحق الأقوى نفي لأي حق. «فليس
الأقوى بقوي دائماً قوة تجعله يسود أبداً إذا لم يحول قوله حقا والطاعة
واجبا»(11). إن الشعب الحر يطيع القوانين لا الأسياد، والخضوع للحكم
المنبثق عن الأغلبية لا يهدد الحق والحرية بل يضمنهما لأن الإرادات
الفردية جزء من الإرادة العامة، ومصلحة الدولة لا تتناقض مع مصلحة
الأفراد، وتلك هي مبادئ دولة الحق (لا شيء غير الشعب، كل شيء من أجل
الشعب). إن دولة الحق والحرية هي التي غايتها أفرادها، ولا تكون غاية
الدولة ضمان حقوق وحريات الأفراد إلا متى كانت ثمرة الإرادة العام. حينها
لا يمكن أن تتعالى على الأفراد ولا يمكن للقانون أن يقلب ضدهم.
إن الحرية لا تتحقق إلا حيث يوجد القانون الذي تشرّعه الأغلبية، وحيث لا
يعلو أحد فوق القانون، والحفاظ على الحرية يظل رهانا أساسياً للانخراط في
الحياة المدنية والامتثال للقوانين، إلا أن ذلك يبقى عرضة لتهديدات خطرة
حين لا تحترم الأغلبية ما صادقت عليه من قوانين أو تنقلب إلى أغلبية
صورية لا تضمن الحرية، أو ما قد يلجأ إليه بعض محترفي السياسة داخل
«الحكم الديموقراطي» من أساليب ديماجودية في توجيه الرأي العام بوساطة
سلطة الخطاب والكلمات.
ولا تتجاوز لذلك إلا ببقاء قاعدة الأغلبية أساساً ثابتاً لمشروعية الحكم
السياسي مع نهوض الأفراد ووعيهم اليقظ باستمرار: لمقومة كل أشكال العنف
والهيمنة للحد من خطر الاغتراب السياسي. يستلزم تربية المواطن لجعله
مؤهلا لمراقبة التجاوزات الممكنة التي قد تصدر عن الدولة حين تتعالى على
أفرادها، فلا تكون تعبيرا عنهم، وإنما تكون أداة قهرهم ، ولا يكون
القانون أداة تحميهم لأنه كقانون لا يسعى إلا لإعطاه الاضطهاد والعنف
عطاء شرعيا. فبأي معنى تصبح الدولة أداة لتنظيم العنف ووسيلة لتأديب
اغتراب الفرد؟ أي وجود سياسي للإنسان يحميه ويوجهه العنف؟ ما الأشكال
التي يتخذها عنف الدولة، هل ثمة تناقض في الحديث عن «حق في العنف»؟ هل من
معنى للتمييز بين العنف المشروع والعنف اللامشروع؟
العنف/ القانون/ الحق
يلازم العنف الوجود الإنساني، بل إنما هو مكون لهذا الوجود البشري.
فالعنف أضحى محدداً لعلاقة الأنا بالآخر. فتكاد لا تكون علاقة الإنسان
بالإنسان خالية من العنف. وجد العنف ولا يزال. فعبر التاريخ تثبيت ألوان
الاضطهاد وفظاعة الحروب شر شهادة قد تشهد بها الإنسانية على نفسها.
كل يحطم الآخر، وحيثما ننظر نرى صور الموت والاحتضار، فالعنف، كل عنف
إنما هو اغتيال للآخر وتطاول بالقوة على حقه في الوجود، أكان هذا الوجود
سياسيا أم اجتماعيا أو اقتصاديا أم شخصيا. «ندعو عنفا كل مبادرة تتدخل
بصورة خطرة في حرية الآخر وتحاول أن تحرمه حرية التفكير والرأي والتقدير،
وتنتهي خصوصا بتحويل الآخر إلى وسيلة أو أداة من مشروع يمتصه من دون أن
يعامل كعضو حر وكفء». فالعنف إنما هو فرض بالقوة على الذات سلوكا معينا
أو حالة معينة، لم يكن ليحصل لو لا تدخل تلك القوة من الخارج. وهذا ما
عناه فوكو في اعتباره العنف إراغاما وإلزاما للآخر بفعل ما لا يرغب فيه
وما لم يختره، لذلك عده جوليان فروند من الإسراف Abus مقابل الضعب الضعف
كنقصان(12). أما «القوة» فإنما هي تتوسطهما، فهي على حد عبارة أرسطو
المعادل (L’egal) الذي يتوسط الإفراط (Exes) النقص (Default). فهل من
فضيلة لها(القوة)، وهل يمكن أن يقام الحق على القوة وضمن أي شروط تتحول
القوة إلى عنف؟
الهوامش
ــــــ
(*)أستاذ الفلسفة ـ كلية الآداب ـ جامعة الكويت ـ الكويت.
(1) توماس هوبز: «في المواطن» (De Cive) مج: 2، ط 2، لندن، 1996م.
(2)T.Hobbes:”L’Eviathan”, Chap.,15.P. 194.
(3)S.Pufendorf: “Droit de la Nature”, cite in “Les Grandes Questions
de la Philosophie du Droit”. Paris (PUF) 1986,P. 249.
(4) J.J. Rousseau:”Du Contrat Social”, Liver:1,P.50-51.
من قبل جعل أونصر الفارابي «المسؤولية» أساساً لفلسفته المدنية.
والمسؤولية عنده تستلزم الحرية في العمل، فالفعل الحر حقا هو ما رمى إلى
غاية، ما التزم بقصد واع، في حين أن سلوك الغضبي لا يقوم إلى على حرية
وهمية. الفعل القصدي الإرادي هو وحده فعل حر: «فالمدينة التي يقصد
بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة، هي المدينة
الفاضلة» (كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة).
لن ينال الإنسان قسطا من الكمال، ولن يلتزم ويتحرر بانفراده، من دون
تعاون مع الآخرين. فالحرية والمسؤولية والكمال أفعال. إنها تجسيد عملي
لنظريات غائبة. فالميل الأصيل في العلم الإنساني أن: «يفحص عن الغرض الذي
لأجله كون الإنسان...»(تحصيل السعادة)، انظر: محمد عزيز الحبابي: «من
تاريخ الفارابي إلى تاريخيته» ضمن وقائع مهرجان الفارابي (وزارة
الإعلام)، بغداد، 1975م- 1976م: 164-182.
(5) J.J. Rousseau:”Du Contrat Social”, Liver:1,P.52.
وعلى الرغم فالعلم المدني عند الفارابي يقوم على مبدأين: أوامر المشرع
التي يجب أن تشمل كل المخلوقات الموجودة، وحق الكائن الذي يمكن في طبيعته
لتحصيل أغراضه. فالعلم العام أو السياسي يقوم على التشكيل المدني للفرد
لكي يسعى في البحث عن سعادته ضمن المجتمع.
(6) Hannah Arendt: "The Origins of Totalitarisme", (A-Havest
Book),Sand Diego-New York-London 1972,P.182.
(7) مونتسيكو: «روح القوانين»، ترجمة عادل زعيتر، دار المعارف، القاهرة،
1953م: 225-226.
راجع النص الفرنسي:
Montesquieu: "L'Esprit des Lois", Paris (Dalloz) 1930,P.124.
(8) كارل ماركس:« المسألة اليهودية»، مكتبة الجيل، بيروت: 40-42.
(9) J.J. Rousseau:”Du Contrat Social”, P.44.
(10) المصدر السابق نفسه : 44.
(11) المصدر السابق نفسه: 44.
(12) Julien Freund: "L'Essence du Politique",Paris (Sirey), 1965,
P.720.
المصدر:
مجلة «عالم الفكر»، المجلد: 31، العدد4.
|