الحضارية «دراسات اجتماعية»

 الخميس: 24/04/2008

 

التاريخ؛ قراءة ما بعد الاستعمار

(Post-Colonialism(2/2

د.إسماعيل نوري الربيعي

السرديات الكبرى Grand Narratives
ينطوي هذا المفهوم على حدة الشمولية، باعتبار ربطه بالوعي الجمعي، وما يثمر عن طريقة تفكير تميز ذلك المجتمع بإزاء الواقع.إنه خيال الأمة ومخزونها الثقافي وطريقة تداولها للمعرفة الخاصة بها بإزاء مجمل التفاعلات التي يزخر بها العالم.إنه التصور الأيديولوجي للجماعة الذي يحدد معالم أفق الرؤية التاريخية ويرسم معالم التوجهات والمسلمات التي لا يمكن الحياد عنها والمواقف للذات والآخر التي يرتكز عليها الحاضر. إنها طريقة وأسلوب الأمة الثقافي في المواجهة وعلى مختلف القطاعات والمواقف، إن كان على صعيد ممارسة الهيمنة، أو على صعيد المقاومة والخلاص من الهيمنة.إنها الصورة النمطية التي تتم محاولة ترسيخها حول الشعوب والمجتمعات، حول تخلف الأفريقي، وتطور الأوربي، هي البديهية التي يتم تداولها حول روحانية الشرق ومادية الغرب، إنه التنميط لصورة الشعوب الأصلانية ووحشيتها وربط وجودها بلحظة اكتشافها على يد المغامر الأوربي، وهو التمويه الذي عمد إلى ممارسته القادر على المبادرة في ترسيخ صورة محددة الملامح للواقع،(1) باعتبار ما تحصل عليه من وسائل مادية(سلاح، كنوز العالم الجديد، الطريق إلى التوابل، التبشير) من خلال تقديم صورة وعي شوهاء، يتم نسجها خدمة لمصالحه في سبيل ترسيخ السيطرة والهيمنة على الآخر، من خلال محاولة السيطرة على توجيه الدلالة الثقافية وربطها بشروط المهيمن، حتى لتتبدى معالم السيطرة على معارف الأمة من خلال ترسيخ مجال العلاقة ما بين (المعرفة ـ الدلالة).
السرديات الكبرى تمثل المعرفة والمفاهيم المتشكلة، التي تعكس وعي المجتمع للواقع.إنها التصور الذي يحدد مسار الواقع، والرؤى التي تقوم على توجيه مسار الوعي، إنه الوعي الأيديولوجي الذي يصبغ ثقافة مجتمع ما،ويحدد الموجهات التاريخية فيه.هذا بحساب طبيعة التكييف الذي يقوم بانجازه المجتمع حول الوعي بشروط الموضوعية، باعتبار التواطؤ على المعاني وفقا للظروف التي يعيشها المجتمع على مستوى الزمان والمكان.تلك الموضوعية التي تكون بمقدار الإجماع على قبولها، لتظهر الأيديولوجيا بوصفها مفهوما اجتماعيا وتاريخيا، من خلال انتقال الفعالية...العلاقة من وصف الواقع إلى الكيفية التي يتم بها إنتاج الوعي للواقع.(2)
في صراع الدلالات الناشب بين الثقافات التي تحوزها المجتمعات، تتمثل حالة الامتداد والانتشار للأنماط المعرفية التي برزت في المجال الغربي، وراحت تبرز تأثيراتها على الثقافات الأخرى، وهكذا يتبدى دور السرديات الكبرى، من اشتراكية وليبرالية وقومية، في محاولة تركيز حضورها على حساب السرديات الأخرى، أو على صعيد محاولة إثبات حضورها في الثقافة المجتمعية للآخر.وبالقدر الذي يبرز دور الصراع الحاد بين القوى الغربية في سبيل فرض الهيمنة والسطوة، فإن المظهر السردي كان أحد أهم عوامل الشقاق والتناحر، والذي لم يتوقف عند حد الشحن والتنافس بين المعسكرات، بقدر ما توسع حتى بات يشمل تقسيما وتجزيئا للمجتمعات الطرفية، والتي راحت تدخل في مضمون الصراع عبر توجيه زخم السرديات في صلب التفاعلات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، إنها الوسيلة التي تم من خلالها تسلل الغرب في صلب العقائد والممارسات وترسيم معالم الحياة وتفصيلاتها، إن كان على صعيد الموقف السياسي او بين صراع القوى الكبرى، أم على صعيد التفاصيل التي تزخر بها الحياة، من أزياء وفنون وذوق عام ووسائل اتصال(3).
يبرز دور الجهد المعرفي الذي أنجزته حركة ما بعد الحداثة، في الكشف عن التناقضات الحادة التي قام عليها مفهوم السرديات الكبرى، إذ أقدم ليوتار وفوكو وجوليا كريستيفا وجاك لاكان وتودوروف وآخرون، للتصدي إلى المجمل من الهيمنة التي فرضتها رؤية السرديات على العالم، عبر سطوتها الجامحة على التاريخ وتوجيهه، وادعائها الدائم بإمساكها بخيط الحلول للبشرية، وتركيز خطابها على الإنسانية والعدالة والمساواة، في الوقت الذي يتم فيه ارتكاب أبشع الأخطاء بحق البشرية، من قتل وتدمير وإفناء وتحجيم لإرادة الشعوب.إنه المسعى الثقافي المتطلع نحو كسر سطوة امتلاك الحقيقة من طرف واحد، والعمل على تقديم الثقافة الهامشية إلى الواجهة والسعي لدراسة الأدب والثقافة والمجمل من النتاج الثقافي الذي تنتجه الشعوب والمجتمعات، من دون الوقوف عند معطى الأهم والأقل أهمية، بقدر ما يكون التطلع نحو العناية بالمجمل من النتاج الإنساني، وعلى هذا فإن تأثرات هذه الحركة الفكرية أبرزت المزيد من التأثير، لا سيما في مجال ظهور الحركات الثقافية والاجتماعية الجديدة، مثل النسوية والزنوج(4).
لم تتوقف حركة الاستعمار على البعد العسكري والاقتصادي فقط، إنما صاحبته جملة من الفعاليات التي اعتمدت على الجهد الثقافي، ومن هنا تبرز ملامح الشمولية للمشروع الاستعماري، الذي عمد نحو ترسيخ قيم ومبادئ التمركز الغربي، بإزاء تهميش وإقصاء الآخر الذي تم توصيفه بالهمجية والعري وسيادة روح الخرافة والبدائية واللاتحضر واللاتدين.ومن هذا المدخل كان المسعى نحو توظيب مشروع السيطرة على الأرض والثروات والسعي إلى مصادرة حقوق الآخر، انطلاقا من العمل على إلغاء وجوده، تمهيدا لتهجير المجتمعات أو السعي على إبادتها جماعيا كما حدث لقبائل الهنود الحمر، أو استعبادها كما حصل للملايين من سكان أفريقيا، ونقلهم بوصفهم عمالة رخيصة للعمل في حقول العالم الجديد الزراعية.
تنطوي مفردة الاستعمار على محاولة تكريس مضمون السردية الكبرى، والمتعلقة باللعب على الواقع، عبر تبرير فعل الإبادة والقتل ولتهجير الذي تمت ممارسته بحق الشعوب، فرسالة التمدين والتحضر ونقل رسالة السماء، كانت الرسالة التي تم تقديمها، ليكون فعل الوصاية على هذه الشعوب المتأخرة من قبل الشعوب الأعلى، ومن ثنائية الأعلى والأدنى، تم الترويج لسرد العالم وفق منطق التمركز الاستعماري الذي استند إلى:
1. تكريس مجال القتل والتهجير والإبادة للمجتمعات، تحت دعوى وحشيتها وجهلها وبدائيتها.
2. العبث بالتاريخ الوطني للمجتمعات، ومحاولة إخضاعه لموجهات ومصالح القوى الاستعمارية.
3. تكريس مجال التفوق والترويج لأسطورة الأوربي المتمدن القادر على تغيير العالم.الساعي إلى نشر الإنسانية وقيم التحضر.
4. سلب المجتمعات مرتكزاتها الثقافية الأصيلة، والعمل على تركيز دور النخب المرتبطين بالمصالح الاستعمارية، وتكريس مجال التبعية.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وظهور حركات الاستقلال الوطني، وتنامي الوعي الاجتماعي والثقافي والسياسي، وحالة التبدلات الاقتصادية التي شهدها العالم، برزت للعيان ملامح وعي جديد برزت تباشيره في ثورة الطلبة في فرنسا عام 1968، وما نجم عنه من تصاعد حركة فكرية أطلق عليها تيار ما بعد الحداثة، والمستند إلى نقد العقل الغربي والعمل على تفكيك أنساقه،والتي أكدت على سقوط فكرة سيادة امتلاك الحقيقة لطرف على حساب آخر.وفي هذا برزت الأعمال الفكرية لـ ميشيل فوكو، جوليا كريستيفا، تودوروف، جاك لا كان،دي سارتو،يورديو،باشلار،لوفيفر،غورغوفيتش، وآخرون. والتي مثلت المهاد النظري لأعمال إدوارد سعيد وجماعة مدرسة التابع في الهند، وجماعة دراسات التابع في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، والتي راحت تحث جهودها المعرفية في دراسة الهوية والهيمنة والمقاومة.
دراسات التابع Sublament Studies
تبلورت ملامح مدرسة التابع من خلال الجهود التي قدمها المؤرخ الهندي رانجيت جحا منذ العام 1982، عندما عمد إلى إصدار دورية علمية اتخذت عنوان (دراسات التابع) تختص بدراسة تاريخ الهند وفق تصور جديد، يقوم على أهمية الإفلات من سيطرة القراءة التقليدية، والسعي إلى تقديم الدور الذي قامت به الجماعة التابعة في تاريخ الهند، وليس استنادا إلى الهيمنة الاستعمارية، أو التصور الذي تم تجذيره عبر وجهة نظر البورجوازية الهندية.وقد استقطبت هذه المدرسة جهود العديد من المنظرين الهنود، من أمثال ؛ هومي بابا، غياتري سبيفاك، بارتا تشارجي، جيان بركاش، ديبش شاكرابارتي، حيث انصبت الجهود للعمل على البحث عن جوهر الثقافة الهندية وتخليصه من الشوائب التي خلفتها ثقافة الإمبريالية. وتقوم الركائز المعرفية لهذه المدرسة على:
1. أهمية البحث في الدور الذي قامت به فئات الفلاحين والعمال والمرأة، في صناعة التاريخ الهندي.
2. محاولة الخلاص من القراءة التقليدية المرتبطة بالدور الذي قامت به النخبة السياسية.
3. دراسة حالات الصراع بين القوى الرئيسة داخل المجتمع الهندي.
4. الاستناد إلى الرؤية النقدية الساعية نحو الإفلات من المركزية الغربية، والعمل على تعميق الخصوصية القومية والمحلية.
5. استثمار الجهود المعرفية التي أسست لها مدرسة ما بعد البنيوية الفرنسية، وتنظيرات وكتابات إدوارد سعيد، لا سيما في كتابيه ؛(الاستشراق Orientalism ,new york 1978، والثقافة والإمبريالية Culture & Imperialism ,new york 1993.) وطروحات فرانز فانون في كتبه،(المعذبون في الأرض، بيض الأقنعة سود الوجوه، سوسيولوجيا الثورة)(5).
تبرز أهمية فرانز فانون Franz Fanon ولد 1925، في طبيعة نشأته، فهو من أبناء المستعمرات الفرنسية، حيث ولد في جزر المارتنيل، وعاش حدة الانقطاع عن جذوره باعتبار تلقيه العلوم الغربية، وخلال ممارسته مهنة الطب النفسي، وقع على حدة جذور المشكلة العنصرية، وما يترتب عنها من ؛اضطهاد واستلاب ثقافي، ومن واقع تفاعله مع التطورات العالمية و جد "فانون" أن الثورة تمر في ثلاث مراحل، حيث تقوم على عنف المستعمر، وفي الثانية تصاعد الانقسامات الداخلية على المجتمع، وفي الثالثة توجه الانقسامات والتناقضات الداخلية نحو المستعمر ذاته. ولم يغفل عن دراسة أهمية دور المثقف في عملية التغيير ومواجهو الانسحاق،(6) عبر تماهي المثقف مع ثقافة المستعمِر، ومن ثم مرحلة الشك والقلق، وصولا إلى تحول المثقف إلى داعية للتغيير.
أما المنطلقات النظرية لكتاب إدوارد سعيد؛(الثقافة والإمبريالية)، فإنها تقوم على العناصر الرئيسة التالية:
1. حالة المشاركة التي أبرزتها التجربة الاستعمارية، من حيث شمولها وسعتها، وحالة التلاقي بين المجتمعات المختلفة، على الرغم من المجازر والدماء والسيطرة والهيمنة التي تبدت خلالها.وفي هذا يحيل التصنيف المشترك، في المتداول الراهن، إلى الروابط القائمة بين الهنود والبريطانيين، أو الفرنسيين والجزائريين.
2. المثقف والمبدع هو نتاج بيئته الاجتماعية ومضامين وعيه التاريخي الخاص، ومن هذا فإن التركيز راح يتوجه إلى انتقاء نماذج إبداعية، بعيدا عن المؤثرات الأيديولوجية والطبقية أو المصالح الاقتصادية.
3. محاولة التركيز على الجهد الإمبريالي الذي تبدت عليه بريطانيا وفرنسا وأمريكا لا حقا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، من حيث الجهد الثقافي الذي أبدته تلك الإمبراطوريات مترافقا مع جهدها الاستعماري.
4. التمركز الغربي، وطريقة التعامل مع الشعوب الأخرى بوصفها أصلانية، هذا المصطلح الذي يتخذ طابعا تحقيريا في ثقافة المستعمر، ومهما تعززت حالة الهجرة إلى الغرب، وسعى المهاجرون إلى التماهي والتفاعل مع المحيط الغربي، فإن النظرة إليهم تبقى تقوم على الفصل المحسوس والمباشر في الكثير من الأحيان، إنه الفصل الذي تبرزه مصطلحات من نوع بريطاني آسيوي، أو أمريكي أفريقي،(7) أو فرنسي شمال أفريقي.
ينطوي الجهد المعرفي للمفكر الهندي هومي بابا على تمييز موقع الثقافة باعتبار التمييز بين معرفتين ظاهرة ومستترة.ومن هذا يكون استغراقه في إعادة النظر بمفهوم الحداثة باعتباره نتاجا معرفيا غربيا، لم يقم فقط على الاستعباد والإفراط بالقوة والتمييز العرقي والطبقي، بقدر ما ينطوي على حالة الاختلاف الاجتماعي في طريقة تمثل مفهوم الحداثة، عبر البحث الجاد في طريقة نشأتها وأصولها العرفية المؤسسة.إنه البحث الساعي نحو تفكيك المفهوم استدلالا بطبيعة التراتب الذي يفرزه الواقع(8)، وطبيعة الرؤى والتصورات التي تحكم توجهات الحداثة، باعتبار رصد التناقضات التي يزخر بها الواقع من حيث تمييز مفاصل الواقع المراد منه أن يكون حداثيا بوسائل وإجراءات لا حداثية، ومن هذا الكشف للتناقض، يتوجه بابا نحو البحث في تحديد موقع العلاقة بين المركز والأطراف، في الجوهر الذي يتم من خلاله توكيد المعنى وفقا للرؤى والتصورات التي يختزنها الغرب، من دون التوقف أو التمهل بالأصول المعرفية لثقافة الآخر، ومن هذا المعطى تتبدى الأزمة في الوعي بالهويات والموقع الاجتماعي، ليبرز الصدام بين الثقافة الأصلية الساعية نحو توكيد ذاتها وحضورها، بإزاء التنميط الذي يحرص الغرب على إبرازه في نموذج قوامه الفرض والقسر والإسباغ.
إن حرص الغرب على تعميم تجربته الثقافية والروحية والمادية، إنما يقوم على إفراد ملامح الأوج والقدرة على الانسياح، ليكون المسعى نحو فرض النموذج الواحد، التعالي على المجمل من المكونات الأصيلة التي تقوم عليها ثقافة الآخر، وبالقدر الذي تتلازم الأزمة في التمييز بين الشرق والغرب، أو المركز والأطراف، فإن هومي بابا يحرص على دراسة مواقعات (المواجهة والتبادل)التي تتم على الصعيد الثقافي بين الحضارات، هذا بحساب إنكاره لمفهوم نقاء الهوية الثقافي(22).إنه البحث في لحظة التشابك الذي تخلقه لحظة الواجهة، ليتم تشكل معرفة جديدة خارج التوقعات المعهودة المسلم بها.

الهوامش
ــــــ
1 ـ إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ص 16.
2. هنري إيكن، عصر الأيديولوجيا ص 21
3. ديفيد هارفي،حالة ما بعد الحداثة، ترجمة محمد شيا، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2005، ص 17
4. معن الطائي، جماليات التزييف، مجلة جدل، العددان 3-4، 2006.
5. روبرت يانج، أساطير بيضاء، ترجمة أحمد محمود، مكتبة الأسرة، القاهرة 2005.، ص 297.
6. المصدر نفسه، ص 264.
7. إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب.
8. ثائر ديب، هومي بابا والمنظور ما بعد الكولونيالي، مجلة نزوى ع 39، ص 41.
9. روبرت يانج، أساطير بيضاء، ص 277.

عن: مركز المستقبل