الحضارية «دراسات اجتماعية»

الخميس: 13/03/2008

 

دورالثقافة في ابرز النماذج التنموية العالمية

اشواق عبد الحسن عبد(*)
(خاص للمعهد)

نتيجة لاتساع مدى التفاوت في معدلات النمو ومستوياته بين الدول النامية والدول المتقدمة، برزت التنمية كقضية مهمة على مدى العقود السابقة مع توجهات للقادم منها. فقد ظهرت مدارس واتجاهات نظرية كثيرة حاولت تفسير واقع التخلف والتنمية في العالم الثالث.
وسنحاول ان نبين ما للثقافة من في الاطار العام للتنمية وفي ضوء ابرز الاتجاهات التنموية المتعارف عليها، باعتبار أن الثقافة بما تحتويه من تأثير مكونات وعناصر مختلفة تفرض تاثيراتها على المجتمع، وتشكل تراثه وواقعه ومستقبله فضلا عن إعداد الانسان المدرك لحقيقة وجوده والواثق بقدراته على التغيير نحو الافضل.
فهي «المعبر الاصلي عن الخصوصية التاريخية لامة من الامم و نظرة هذه الامة الى الكون والحياة او الموت والانسان ومهامه وقدراته وحدوده وما ينبغي ان يعمل وما لا ينبغي ان يعمل»(1).
وتركيزنا على الثقافة ياتي من انها موجودة في كل مجتمع مهما كانت درجة بدائيته أو تطوره بالاضافة الى ذلك تحتوي على مجموعة من المتغيرات كاللغة والدين والاعلام والقيم والفن وغيرها من المتغيرات التي عن طريقها يمكن للانسان الوصول لاستيعاب ذاته وما يدور حوله وبالتالي تلبية احتياجاته ومتطلباته البايولوجية والروحية والحسية والعقلية والاجتماعية والتي اذا ما استغلت الاستغلال الامثل تؤدي الى وصول المجتمع للتنمية البشرية المنشودة(2).
فعلى اختلاف النظريات التي تناولت موضوع التنمية لكن تبرز نظرية (التحديث) ونظرية (التبعية) كنظريتين اساسيتين(3) كانتا مجالا للدراسة والتركيز من قبل الكثير من العلماء ومع اهمية النظريتين ظهر اتجاه بديل توسطهما كان يستحق ان تسلط عليه الاضواء لما يحمله من افكار لا تقل اهمية عن بقية النظريات.
فنظرية التحديث: بوجه عام تؤكد على عملية التصنيع وتعتبره أهم مظاهر التحديث والتنمية «وهو الذي يتضمن قاعدة الانطلاق الاقتصادي التي تؤدي الى زيادة الانتاج والاستهلاك وما يتبع التصنيع من ظواهر اجتماعية كالدقة والمواظبة والانتظام مما يؤثر في الدوافع وفي شخصية الافراد ناهيك عن الترشيد الاداري وتغيير القيم والعادات والتقاليد وما الى ذلك...»(4).
اي يمكن ان يتم التصنيع وبالتالي التنمية اذا وجدت بعض الخصائص الثقافية لذلك. اي قاعدة ثقافية خاصة توجد في المجتمع لتتم التنمية فيه. وقد قدم تالكوت بارسنز Talcott parsons معالجة اساسها (خمسة ازواج من البدائل يعدها شاملة وعلى مستوى معين من التعميم كما يرى ضرورة ان يكون التغيير من المجتمع التقليدي الى المجتمع العصري على اساس تبدل كل هذه القيم بان تسود «العمومية» وهي ما يضعه المجتمع من قواعد قيمية للفرد بدلاً من «الخصوصية» والتي هي ما يصنعه الفرد من قواعد قيمية لنفسه، و«الانجاز» كمعيار للتقييم بدلا من «الاكتساب» سواء كان هذا الاكتساب ذا خصائص فردية كالعمر او الجنس وخصائص النسب و«التخصيص» مقابل «الانتشار» و«المصلحة الجمعية» بدلا من «المصلحة الذاتية» واخيرا «الحياد الوجداني» بدلا من «الوجدانية»)(5).
وبذلك يكون الفرد في المجتمع العصري من وجهة نظر بارسنز يرتبط بالافراد الاخرين بعيدا عن الخصائص الشخصية والقرابة والانتماء الاسري والقبلي، ولديهم ادوار متخصصة جدا للمجتمع وثقافته في حين يفرض الانتماء ادوارا اكثر امتدادا ووجدانية.
وهنا ندخل في حالة من عدم الواقعية فالثقافة الاساسية للمجتمع لا يتم تغييرها بين ليلة وضحاها. فالجذور الثقافية والالتزام بتلك الثقافة من قبل افراد المجتمع يصنع منهم قوة معرقلة لعملية التصنيع وبالتالي لعملية التنمية. وعليه تعرضت هذه النظرية لمجموعة من الانتقادات، والمثال الواضح لذلك الانتقاد هو اليابان، فهي بلد متطور ومع تطوره احتفظ بكثير من الخصائص التقليدية داخل الاسرة وخارجها، فقد اخذ المجتمع الياباني بذرة التطور والتصنيع من تلك النظرية مع احتفاظه بكامل تراثه وثقافته وجعل منها منطلقا نحو التصنيع والتكنولوجيا والتحديث وصولا للتنمية. فقد كان الانتقاء شديد من قبل القوى الاساسية الفاعلة في اليابان والتي اَمنت ان التحديث شيء والتغريب شيء اخر. وبانه لا يمكن اعتبار الثقافة التقليدية عاملا معوقا لعملية التنمية بل قد يكون الامر على العكس في بعض الحالات، فالمواطن الياباني في عمله بالافكار التي تحيط بالعمل شيء، وخارج عمله بافكار اخرى، كالالتزام الكبير اتجاه اتنمائه الاسري والقبلي.
وللاسف لا توجد حالة عربية واحدة تذكر، على الرغم مما نملكه من كم هائل من القيم والمباديء والالتزامات ما لو طبقت لاصبحت مجتمعاتنا ممن يشار اليها بالبنان.
لكن نجد ان احد اهم المشاكل البنيوية للمجتمع العربي والتي هي القبيلة او القرابة كما يعبر عنها الانثروبولوجيون، او العصبية والعشائرية كما يعبر عنها اليوم، وعلى اختلاف المرادفات لاصل الكلمة، واذا انها تعني الولاء الكامل الذي يكون لذوي القربى، الاقارب منهم والاباء بدلاً من الاعتماد على الخبرة والمقدرة في كل مجالات المجتمع.
فيجب الشعور بعمق الهوة التي تفصل التراث ومضامينه المعرفية الايديولوجية والمعيارية من ناحية، والفكر العالمي المعاصر ومنجزاته العلمية والتقنية ومعاييره العقلية والاخلاقية.
نظرية التبعية:
منطلق هذه النظرية اتى من واقع الاستغلال للعالم الثالث من خلال الراسمالية التجارية التي تشير الى تراكم راس المال عن طريق التجارة وسلب الخيرات من الدول بنوعيها المادي وغير المادي، من خلال ماتفرزه سيطرة القوة من تاثيرات على اللغة والدين بطرق واشكال متنوعة(6).
ولعل واحدة منها ما يسمى بالبعثات التبشيرية، التي قد تكون احد تداعياتها هو طمس الثقافة الاصلية، والعمل على احلال ثقافة بديلة محل الثقافة الام. واذا كان هذا الاستعمار القديم قد تلاشى، فانه قد حل محله الاستعمار الجديد، الاستعمار غير المباشر، او مايسمى بالهيمنة الاقتصادية والقهر المالي من خلال القروض الخارجية والمعونات والهبات المقدمة من قبل منظمة التجارة العالمية (O.T.W) وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي لم تعط البلدان المتخلفة الا تخلفاً. فقد كانت هذه النظرية مهتمة بدراسة الفشل الاقتصادي المستمر لبلدان العالم الثالث ودول امريكا اللاتينية على وجه الخصوص، ابرز ممثلي هذه النظرية اندريه فرانكAndre Frank قدم فرانك نموذجا يستند الى فكرة مؤداها ان بالامكان تصور سلسلة كاملة من المركز والاطراف تبدأ من البلدان المتطورة وتمتد حتى المناطق الزراعية (Hacienda) او التاجر الريفي، ولايتوقف الامر عند هذا الحد بل تمتد هذه السلسلة الى ابعد من ذلك لتتجسد في تبعية الفلاح للتاجر الريفي، وفضلاً عن ذلك اوضح فرانك القيمة الحقيقية التي ينطوي عليه منظور السلسلة الذي تبناه فهو يفسح المجال للكشف عن الارتباطات الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية و الثقافية التي تربط الاطراف بكل مركز يحصل على فائضها الاقتصادي او جزء كبير منه لاستخدامه في تطوره بينما الاطراف تزداد تكبيلاً بقيود التبعية(7).
النظرية في اطارها العام تركز على الجوانب السياسية والاقتصادية، لكن هناك جانب ثقافي مهم لم يبرز للتركيز على الجوانب الاخرى، فالنظرية ترى ( ان التغلغل الراسمالي في المجتمعات النامية والمتاخرة يؤدي الى انقسام المجتمع النامي الى مركز ومحيط، والمقصود بالمركز هنا هو القطاع الحضري والذي يسوده قيم ثقافية واساليب حياة وأنماط سلوك غريبة ترتبط بها النخب الحاكمة والنخب الاخرى المرتبطة معها وقطاع ريفي (محيط) كبير متخلف اقتصاديا ومنعزل اجتماعيا وثقافيا عن القطاع الاول)(8).
ومع التوسع بالاستعمار فالعلاقات بين دول المركز المتمثلة بالعالم الراسمالي يقود الى اثار ثقافية كبيرة تقود الى تحطيم الارادة الاجتماعية الروح الوطنية ومحاولة ادخال افكار واساليب للحياة مع نشر قيم غريبة عن الواقع.
وبصورة ادق هناك نداء من قبل الدول الراسمالية باعتماد ثقافة غريبة تختلف اختلافا تاما عن الثقافة التقليدية وبوجه عام فاغلب الذين يتبعون نظرية التبعية يرون ان التبعية الثقافية والغزو الثقافي لايقلان خطورة عن التبعية السياسية والاقتصادية، عليه يجب ان تكون لدول العالم الثالث ثقافة مميزة عن ثقافة الغرب يعدها اساسا ً للانطلاق في عملية التنمية انطلاقاً من رفض كل صور الاستعمار والتبعية للنظام الراسمالي العالمي.
الاتجاه البديل:
هو اتجاه يتوسط النظريتين ظهر لاول مرة في كتاب الصغيرة اجمل( Small is Beuutifl ) أ. ف. شوماتشر، وهي كنظرية تختلف عن النظريتين السابقتين في كونها ليست محاولة لدراسة التنمية بل هي افتراض مسبق لما ينبغي ان تكون عليه التنمية في العالم الثالث(9).
فهناك مجموعة من الخصائص التي تمتاز بها دول العالم الثالث على الرغم من الاختلاف في بعض الجزئيات الداخلية، جعلها قريبة من بعضها. فعدم المساوات، وانخفاض الدخل الفردي والقومي، والاعتماد على الزراعة، واهمال الثروات الاخرى، وتفشي امراض الفقر،كارتفاع الامية، وزيادة عدد افراد الاسرة، فضلاً عن كل ذلك كثرة الازمات وعدم الاستقرار السياسي..
هذا الاختلاف وعدم التجانس جعل هذه النظرية تحاول تقييد النمو الصناعي ذلك لان العديد من الاخفاقات في مسائل التنمية في تلك الدول يعود الى ادخال تكنولوجيا غير ملائمة من الشمال، وترى ادخال اشكال جديدة من التكنولوجيا التي تتفق مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الموجودة في تلك البلدان.
وقد اقترح شوماتشر (تكنولوجيا الانتاج من قبل الجماهير) والتي يجب ان تدار بصورة لامركزية وتنسجم مع قوانين البيئة بدلا من جعله خادما للمكائن.
اي يدعو الى تنمية المشاريع الصناعية الصغيرة بالاعتماد على العنصر المحلي. كذلك ودلي سيرز Oudly Sears فقد اشار الى ان من الضروري الاعتماد على الذات والتقليل من الاعتماد الثقافي على قوة أو أكثر من القوى العظمى وبمعنى اخر زيادة استخدام الوطنية في المدارس وتخصيص فترات زمنية اطول للبرامج المنتجة محليا وزيادة نسبة الخريجين من حملة الشهادات العليا محليا.
وهنا نجد هذه النظرية تنادي بالاعتماد على الذات وعلى البنى التحتية للمجتمع وادخال التكنولوجيا الحديثة مع اتفاقها والظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية السائدة في المجتمع.
من خلال العرض لهذه المجموعة من النماذج التنموية يجب ان يؤخذ بنظر الاعتبار اختيار الاصلح منها من قبل اي بلد وتطبيقها في ظل ظروفه الداخلية مع التمسك بثقافته وموروثاته بالاضافة الى الانفتاح على العالم واخذ ما هو مناسب من التطورات العلمية والتقنية. وهذا التمسك ينبغي ان لا يكون من باب التعصب، فلكل ثقافة من الثقافات الاجتماعية جوانب ايجابية واخرى سلبية، واذا ما اريد الوصول الى التنمية المنشودة فيجب تطوير الايجابي منها والحد من الجوانب السلبية، واخيراً فان هناك مطلباً عاجلاً لمواجهة الخلل القيمي والثقافي الذي برزت جوانبه عبر ماتم تناوله من اتجاهات نظرية، وخاصة تراجع القيم المعنوية والمجتمعية الخاصة بالعمل بصورة عامة لصالح القيم المادية والفردية الانانية، من خلال زرع القيم والتوجهات التنموية المطلوبة في نفوس النشىء من خلال المفاهيم والنشاطات المدرسية والجامعية.

الهوامش
ــــــ
(*) عضو الجمعية العراقية للعلوم الاجتماعية باحثة في مركز البحوث والدراسات التربوية وزارة التربية
(1) محمد عابد الجابري، العولمة والهوية القافية، عشر اطروحات، المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية،العدد 228، 1998،ص14
( 2) اشواق عبد الحسن عبد، الثقافة والتنمية البشرية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الاداب،2002،ص7.
(3) محمد الدقس، التغير الاجتماعي بين النظرية والتطبيق، دار مجدلاوي،عمان الاردن،1987،ص178.
(4) نيقولاتيماشيف، نظرية علم الاجتماع طبيعتها وتطورها، ط2، دار المعارف، مصر، ص370-371.
(5) اندرو ويبستر، مدخل لسوسيولوجيا التنمية، ترجمة حميد يوسف، ط1، مطابع دار الشؤون العامة ،بغداد، ص80
(6) عبد المنعم الحسني، الثقافة والتنمية، المتغير الثقافي في التنمية، مجلة شؤون عربية، القاهرة، العدد89،اذار1997،ص264.
(7) اندرو ويبستر،مصدر سبق ذكره، ص252
(8) نفس المصدر السابق،ص252
(9) ديفيد هارسيون، علم اجتماع التنمية والتحديث، ترجمة محمد عيسى، ط1، مطابع الارز، عمان الاردن،1998،ص218.